ترجمة: أمل الرشيدي
كيف تبقي قيمك واضحة وتطورها لتصبح قادرًا على اتخاذ القرارات في أماكن العمل – قبل أن تسيطر عليك أزمة التنازلات الصعبة.
القيم هي جوهر القيادة المؤثرة، حيث تعمل كأساس لاتخاذ القرارات والثقافات التنظيمية، ولكن في قاعة المحاضرات، وغرفة الاجتماعات، والمكاتب حيث نعلّم كيفية القيادة، غالبًا ما نلاحظ غموضًا حول كيفية تفكير القادة في المبادئ الأساسية.
اﻷفراد عادة ليسوا متأكدين ما الذي يشكل “القيمة”. عندما طلب منا أن نبحث بعمق عن اﻷخلاقيات الشخصية وما الذي يعنيه أن تلتزم بالمعايير والقيم، يواجه الأشخاص صعوبة بالتعبير عن معتقداتهم وكيف أن أفعالهم تعكس معتقداتهم. في الحقيقة، إن الأشخاص لا يقضون وقتًا كثيرًا بالتفكير بما يؤمنون به إلا إذا تعرضوا لأزمة، وعند هذه النقطة يصبحون غير مستعدين للتقييم بين التنازلات المحتملة والقيم المتعارضة التي يجب اتخاذها أو عواقب القرارات على المدى البعيد بشكل صحيح.
تتشكل القيم بالعقلية والاختيار، وبإمكان الناس أن يكونوا واعين بما يقدرونه ويضعونه في أولوياتهم بقصد. على الرغم من وجود أنواع عديدة من القيم، فبعضها يجلب الفرح والاستقرار، في حين أن البعض الآخر قد يتسبب في البؤس أو قد يجلب المشاق. عمليًّا، قد تكون بعض القيم مدمرة أو غير عملية لتحقيق النتائج التي نسعى لتحقيقها. المشكلة الأساسية أن بعض القيم تخدمنا بشكل أفضل من غيرها، وذلك يعد فارقًا يمكن أن يحدد مسار نجاحنا النهائي.
هنا نقدم خطوات عملية يمكن للقادة اتباعها لاستكشاف القيم وتقييمها وتحسينها لاتخاذ قرارات أفضل وقيادة مؤسساتهم نحو النجاح. سنشرح كيف بإمكان القادة تطوير إجراءات ومعايير وفحوصات للتأكد مما إذا كانوا متمسكين بمبادئهم.
خطوات عملية لكيفية تعبير القادة عن قيمهم
اكتشف قيمك واحتفظ بالتي تمنحك الاستقرار. القادة الناجحون يخصصون وقتًا محددًا للاستبطان “للتأمل الذاتي”، ويطورون فضولًا حول ما يجلب لهم الرضا الحقيقي. ولكن، كما هو الحال مع كثير من مبادئ القيادة (فالقول أسهل من الفعل). الاقتصار على التفكير بالقيم دون العمل بها مملٌّ ولا قيمة له.
لذلك كبداية اقترحنا على القادة أن يذكروا غرضًا قيّمًا بالنسبة لهم، سواء كان بسيطًا أو ملموسًا؛ مثل هذه المواضيع تحثهم على قول قصصهم الخاصة عن مواضيع مهمة، وقد طلبنا من الأفراد التفكير كيف أصبحَ هذا الغرض ذا قيمة بالنسبة لهم، وما الدور الذي أدَّاه الإيمان به في حياتهم الشخصية والمهنية.
يخصص القادة الناجحون وقتًا للاستبطان.
رأينا أشخاصًا يختارون صورًا لأحبائهم ليظهروا حسهم بالمسؤولية للآخرين، على سبيل المثال: الحذاء العسكري يرمز للإخلاص بالتضحية والخدمة لأجل هدفٍ أسمى، والرسومات على أجسادهم دلالة على عزمهم. تخليد الذكريات وخلق معنى لها ساعدهم على تقديرها.
بالتأكيد، يمكن للأنشطة المنظمة الأخرى أن تساعدنا في اكتشاف معتقداتنا الراسخة بعمق، مثل كتابة اليوميات التي تجعلنا نجرب معنى الاستمتاع وتساعدنا على اكتشاف قيمنا وتقديرها.ِ
تبنى المؤلف مارك مانسون في كتابه اتباع نهج غير تقليدي لعيش حياة أفضل، موضحًا أن القيم الجيدة غالبًا يمكن السيطرة عليها، ما يعني أن لك الخيار بالتعبير عنها، وبإمكانك تحقيق القيم الجيدة من خلال توجيه طريقة تفكيرك، كما أن القيم الجيدة تسهم في بناء المجتمع. على سبيل المثال، الصدق؛ بإمكانك أن تتحكم في كونك صادقًا أو لا، وبالرغم من أن الصدقَ صعبٌ في بعض الأحيان، فإنه يعود بفوائد إيجابية على المجتمع على المدى الطويل.
على النقيض، يجادل مانسون حول إعطاء الأولوية لتحقق القيم الخارجية -سواء من خلال قبول المجتمع، أو فقط التركيز على النجاح ماديًّا، أو أن تكون شخصًا صالحًا-، تعد هذه الأهداف من سمات القيم السيئة، وهذه المبادئ قد تؤدي إلى تدمير البشرية اجتماعيًّا، على سبيل المثال، كلنا نعرف أشخاصًا يهمهم أن يكونوا على حق طوال الوقت. لكن هذه القيم غير محتملة وغير واقعية، وإن التمسك بمثل هذه القيم قد يؤدي إلى عديد من المشكلات بدلًا من الحلول. الشعبية كقيمة ليست جيدة لأنها خارج نطاق سيطرتنا تمامًا، ولا يهم كيف توجه أفكارك، كما لا يمكنك اختيار أن تكون محبوبًا.
القيم الجيدة هي التي تتحكم فيها.
بعدما تولّد أفكارًا حول الأمور ذات الأهمية بالنسبة لك؛ تحقق فيما إذا كانت قيمك تحققها داخليًّا، أو تعتمد في تحقيقها على عوامل خارجية. بشكل عام، أكثر القيم فائدة يكون تأثيرها مباشرًا في عقلك، وإن القيم الجيدة عادة ما تكون مصحوبة بأفعال جيدة، كما أنها تعكس واقعنا. ثم فكر في مدى اختيارك لقيم مبنية على تصورات الآخرين. تقليل الأولويات يساعد على تقوية الأساس الداخلي، ما يمنحك أساسًا أكثر استقرارًا لاتخاذ القرارات.
- قيّم تقدمك: حدد قيمك الأساسية وعبر عنها (أهم الخطوات).
- قس مدى تأثير القيم في عملية اتخاذ القرار لديك من خلال متابعة كيفية تعبيرك الفعلي عن القيم من خلال اختياراتك الشخصية والمهنية.
حتى في حياتك اليومية يمكنك تطبيقها بشكل سهل؛ إذ تعد قائمة تحتوي على قيمك، وبعدها تخصص ساعات محددة خلال اليوم (أو الأسبوع) للتعبير عن هذه القيم، والمجهود الذي تبذله للقيام بهذه الأنشطة، والمال الذي تنفقه سعيًا لتحقيقها. على سبيل المثال، إذا كان التطور الشخصي من قيمك، فما الأنشطة الأسبوعية التي تقوم بها لتعزيز هذا التطور؟ هل تتحدى نفسك بتعلم مهارة جديدة؟ هل ستخصص وقتًا لتعلم هذه المهارة عندما تكون مستمتعًا وممتلئًا بالطاقة؟ هل ستنفق المال على دورة تدريبية أو توظف خبيرًا أو مدربًا مناسبًا لمساعدتك في تحسين مهارتك الجديدة؟ كلما فكرتَ مليًّا في توافق قيمك المعلنة مع كيفية استغلال وقتك، وصرف طاقتك، ومالك؛ ازداد تأثيرها في الالتزام بقيمك.
لتطبيقه في مكان العمل، شجع مؤلفا كتاب “تحدي القيادة”، جيمس م. كوزيس وباري ز. بوسنر القادة بكتابة معتقداتهم الشخصية. لجعل الهدف واضحًا لقيمك وكيفية التعبير عنه في مكان العمل: أولًا، تخيل لو قررت أخذ إجازة علمية لمدة ستة أشهر بحيث لا توجد وسيلة للتواصل مع فريقك في العمل، واضطررت إلى أن تكتب وثيقة بصفحة واحدة تحتوي على المبادئ والمعايير التي تؤمن بها لكي يلتزموا بها في قراراتهم وأفعالهم في غيابك. ما القيم التي ستضعها كأولوياتك؟ صنفها حسب الأولوية. كيف سيعرف فريقك إذا كان عملهم متسقًا باتباعهم هذه القيم؟ حدد معايير معينة بدقة وبشكل تفصيلي ليصبح فريقك قادرًا على حل النزاعات المحتملة والمشكلات التي قد يواجهونها في غيابك. بعد فترة، إذا أردت أن تقوم بمثل هذه التجربة مع فريقك، فشاركهم بنتائج هذه التجربة وحثَّهم على تجربتها بهدف الشعور بالقيم المشتركة كفريق.
أعد قائمة تحتوي على قيمك وحدد ساعات معينة للقيام بها خلال اليوم (أو الأسبوع).
قد يبدو اختيار المعايير لقياس توافقها مع القيم غير ضروري وصعبًا في البداية (مثلًا، كيف يمكن تقييم مفاهيم عالية المستوى كالمصداقية بشكل حسي؟)، لكن المعايير تعد أدوات أساسية لتقييم إذا كانت مخرجات العمل والإجراءات تتماشى مع المبادئ المتفق عليها، ويُمكن أن يكون الإخفاق في تحقيق هذه المعايير إشارة مهمة إلى الأفراد على أن قيمهم الشخصية أو قيم مؤسساتهم لا تنعكس بفعالية في القرارات والسلوكات.
اصقل قيمك من خلال التقييم المنتظم: القادة الذين يختبرون مدى توافق قيمهم مع ممارساتهم بشكل مستمر ستكون قابليتهم عالية للتعامل مع المواقف الصعبة. من المهم أن تضع بعين الاعتبار أن القيم ليست دائمًا ثابتة، فبعضها يتطور مع مرور الوقت ومع تجربة الأفراد والمنظمات لظروف وسياقات مختلفة. بينما القادة يطورون قيمهم لجعلها تتناسب مع مواقف معينة، يفضل الموظفون بأن يأتيهم الإلهام لاتخاذ إجراءات تتماشى مع تلك القيم. على سبيل المثال، الأزمات التي واجهتها شركة (بوينغ)، عندما انفصل باب الطائرة التابعة لشركة ألاسكا بعد لحظات قليلة من الإقلاع في يناير 2024م، ما أعاد طرح التساؤلات عن جودة وسلامة طائرات (بوينغ 737 ماكس). بعد الحادثة المروعة في 2018م و2019م، واجه رئيس شركة (بوينغ) مرة أخرى إيقاف جميع نماذج (ماكس) من إدارة الطيران الفيدرالية. أحد الاستنتاجات التي تُوُصِّل إليها هو وجود عدم توافق بين قيم بوينغ المُعلنة، مثل “السلامة، والجودة، والنزاهة، والاستدامة” كأولوية قصوى، وبين التركيز على سعر السهم كأهم مقياس.
للنجاح، في الواقع، قام الصحفيون الاستقصائيون بتتبع تحول كبير في طريقة قياس النجاح في بوينغ إلى اندماج الشركة مع شركة الدفاع ماكدونيل دوغلاس في عام 1997م. ولكي تخرج بوينغ بنجاح من أزماتها، سيحتاج كبار التنفيذيين إلى إعادة تصميم وتكييف العمليات والمقاييس المتماشية مع القيم، ضمن سياق جديد، والتي حققت للشركة تميزها الهندسي في الماضي.
عندما يحيي القادة قيمًا معينة، يراها الموظفون فرصة للاتعاظ بها في أماكن عملهم، على سبيل المثال، ميقن جونسون ممرض ومعلم في كلية التمريض بجامعة ميتشيغان، وستيف فينسون مدير برنامج (التنوع والمساواة والإدماج) في الرعاية الخارجية بميشيغان ميديسن، مؤيدان لتقديم منتج العناية بالشعر الأسود لنظام المستشفى. قال جونسون في برودكاست الجامعة. “عندما كنت أعمل بالفترة الليلية قال لي أحد المرضى، ’أيقظني بحلول الساعة 6:00لأستعد لشراء المنتج‘، لأنه حسب منظورهم كانت التجربة مختلفة إذا لم تكن بطريقة محددة”. أكمل فينسون قائلًا: الجهود التي بذلتها مع جونسون في إدارة الصعوبات سعيًا لتغيير أو لشراء مجموعة منتجات العناية بالشعر الأسود بدلًا من الاعتماد على الموظفين لمشاركة منتجاتهم الخاصة مع المرضى، كانت وسيلة لإثبات ماذا يعني أن تعيش “القيمة الأساسية للجامعة الكاملة”. معظم حديثنا كان عن القيم، لكن هذا ما يعد مثالًا حيًّا على أن أفعالهم تصدّق أقوالهم.
في فصلنا، لاحظنا ازديادًا هائلًا في الوعي والأهمية التي يوليها الطلاب لقضايا الهوية. لكن تبقى أولوياتنا القيمة الكلية؛ ومع ذلك، تكيفنا مع الصدمات الثقافية الخارجية والتغيرات، وتغيرت طرائق تطبيق المبادئ الأساسية. بذلنا جهودًا لتعزيز بيئة نفسية آمنة واضطررنا لإنشاء فصول دراسية شاملة وصقل استخدامنا للغة، وإنشاء تقنيات جديدة لتدريس، وتوسيع مجموعة الممارسين الذين يدرسون الطلاب.
مع إعادة تقييمك لأولويات قيمك الأساسية والمعايير المرتبطة بها، عليك أيضًا السعي لتحديد وتصحيح أي جوانب غير متوافقة. من خلال تطوير فهمك لقيمك، بإمكانك ضمان أن قراراتك تتوافق مع مبادئك الأساسية.
فهم القيم ليس نشاطًا يُهمَل بعد فترة، بل يتطلب الاستمرارية، والتأمل الذاتي، والتعبير الواضح. الإيمان العميق هو أساس القادة المؤثرين، وإرشادهم لكيفية اتخاذ القرارات والإجراءات الهادفة القائمة على المبادئ. من خلال ملاحظة خصائص القيم المفيدة وتبني خطوات عملية لدراستها والاحتفاظ بها، يستطيع القادة استغلال الإمكانات الكاملة للقيم الأساسية لتحقيق النجاح الشخصي والتنظيمي.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




