ترجمة: شهد الراجحي
يمكن لفقاعات التقنية أن تسبب معضلات صعبة لقادة الأعمال بسببها قد يشعرون بضغط للاستثمار مبكرًا في تقنية ناشئة لكسب ميزة تنافسية، ولكنهم في الوقت نفسه لا يريدون الشوشرة. مع دخولنا فترة التذبذب الاقتصادي وتسريح الموظفين في صناعات متعددة، يواجه المديرون التنفيذيون أسئلة عن التكاليف التي يجب عليهم تقليصها والاستثمارات التي يجب عليهم زيادتها.
يشكل التطور السريع للذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة تحديًا لصناع القرار في مجال الأعمال. تعد الاستثمارات في النماذج التنبئية المثبتة استثمارًا سليمًا، ومن المتوقع أن يزيد الإنفاق على الذكاء الاصطناعي من ٣٣ مليار دولار في عام ٢٠٢١م إلى ٦٤ مليار دولار في عام ٢٠٢٥م، ولكن في حدود المجال بين الخبراء هناك عديد من الأمور التي هي محط خلاف.
يشير الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى نماذج تعلم الآلة، مثل “تشات جي بي تي” و”بينق إيه آي” و”ديل إي” و”ميدجورني” التي دُربت على قواعد بيانات ضخمة من النصوص والصور لتوليد نصوص وصور جديدة استجابةً لتحفيز معين (prompt). بدأت بالانتشار عناوين مثل “عشر حيل في تشات جي بي تي لا تستغنِ عنها!” و”الجميع يخطئ في استعمال تشات جي بي تي! تعلم معنا كيف تتفوق على ٩٩٪ من مستخدمي تشات جي بي تي”. في الوقت نفسه، أفادت صحافة ” أكسيوس” أن الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي التوليدي تزداد، إذ ارتفعت الاستثمارات من ٦١٣ مليون دولار في عام ٢٠٢٢م إلى ٢.٣ مليار دولار في عام ٢٠٢٣م، ولن يزيد ذلك إلا الضجيج الإعلامي.
قادة الأعمال الذين يفضلون استغلال الفرص ويحافظون على الوقت، ولا يريدون إضاعة المال بتطبيق تقنيات مبالغ في تسويقها؛ حري بهم أن يفكروا مليًّا في حقيقة الفقاعات التقنية. أولًا، تعتمد هذه الظواهر على السرد، وهي القصص التي يرويها الناس عن كيف تتطور التقنية الحديثة وكيف ستؤثر في المجتمعات والاقتصادات، كما كتب أستاذا إدارة الأعمال “برنت غولدفارب” و”ديفيد كيرش” في كتابهما “الفقاعات والانهيارات: ازدهار وتدهور الابتكار التقني”. للأسف، غالبًا ما تكون التصورات الأولية التي تظهر حول التقنيات الجديدة خاطئة، وفي الواقع، تُعد المبالغة في تقدير وعود وقدرات الأنظمة الجديدة جوهر الفقاعات التقنية.
يحمل محللو ومستشارو الأعمال تاريخًا سيئًا عندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بمستقبل التطور التقني، لأن لا أحد يمكنه التنبؤ بالطرائق الإبداعية التي سيعتمد بها البشر على الأدوات ويطبقونها مع مرور الوقت، أو بالطرائق المتنوعة التي يستخدمون بها الأدوات الجديدة لاستغلال الآخرين أو السيطرة عليهم، وكما قال الخبير المستقبلي “روي أمارا” والذي أصبح يُعرف بقانون “أمارا”،: “نميل إلى المبالغة في تقدير تأثير التقنية على المدى القصير ونقلل من تقدير تأثيرها على المدى الطويل”.
تظهر التصورات غير الحقيقية مع الذكاء الاصطناعي التوليدي وهي السبب في ظهور الفقاعات التقنية. يدعي بعض المتحمسين أن “تشات جي بي تي” بقي له القليل على أن يصبح كيانًا مستقلًا قادرًا على الإدراك وقد يعادل بذلك البشر أو حتى يتفوق عليهم. ادعى “سام ألتمان”، الرئيس التنفيذي للشركة المصنعة لـ”تشات جي بي تي” أن الذكاء الاصطناعي سيتفوق على الثورة الزراعية والثورة الصناعية وثورة الإنترنت جميعها. وطرح معهد “فيوتشر لايف” رؤية أكثر تشاؤمًا، ولكنها لا تزال تفترض تأثيرًا مماثلًا لهذه النماذج اللغوية الكبيرة، فنشر خطابًا مفتوحًا يدعو إلى حظر لمدة ستة أشهر على تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي الأقوى من “تشات جي بي تي فور”، النموذج اللغوي الكبير الذي يعتمد عليه “تشات جي بي تي بلس”، نظرًا لأن هذه الأنظمة تهدد البشرية.
على الرغم من أن هؤلاء المؤيدين والنقاد لديهم وجهات نظر مختلفة كثيرًا، فإنهم يتفقون في الترويج لرؤية حماسية مستقبلية وغير واقعية حول ما يمكن أن تحققه الشركات حاليًّا باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولكنهم لا يقدمون الكثير لمساعدة القادة على فهم كيفية عمل هذه التقنيات، وما المخاطر والقيود التي تحملها، كما أنهم لا يساعدون في تحديد إذا كانت هذه الأدوات ستسهم في تحسين روتين الشركة وتعزيز أرباحها.
وسائل الإعلام مجال تغذّيه متلازمة “الخوف من فقدان الفرص”، تقوم بتضخيم الفقاعة من خلال تغطية حماسية تسبق الحقائق. يعرض مقال حديث في “وول ستريت جورنال” بعنوان “الذكاء الاصطناعي التوليدي يغير العمل في المكاتب” تكهنات قادة الأعمال حول التأثير المحتمل لهذه التقنية، ولكنه لا يقدم أدلة حقيقية على التغيير في أماكن العمل في المهن الإدارية. قدم باحثون من “أوبن إيه آي” و”جامعة بنسلفانيا” تقارير تنبأت بكارثة للعمال، وذكرت عددًا من الوظائف التي ستتأثر بهذه الأنظمة البرمجية الجديدة.
في الواقع، هذه التوقعات لها تاريخ طويل من الأخطاء. في مقال حديث، أشار بروفسور الاقتصاد “غاري سميث” والبروفسور المتقاعد ومستشار التكنولوجيا “جيفري فانك” إلى أن دراسة “أوبن إيه آي” استخدمت قاعدة بيانات وزارة العمل الأمريكية نفسها التي استخدمتها دراسة من جامعة أكسفورد وديلويت في ٢٠١٦م، والتي ذكرت أنه من المحتمل أن تُؤتمت عديد من الوظائف الحالية وتختفي بحلول عام ٢٠٣٠م. حاولت الدراستان تقدير نسبة الوظائف التي تعتمد على المهام المتكررة، ثم التنبؤ بعدد الوظائف التي ستختفي نتيجة التغيير التقني، وبالنظر إلى أن الأوضاع الحالية لا تبدو أنها تدعم التوقعات التي وردت في الدراسة عام ٢٠١٦م، فلا سبب يذكر لتصديق أن تلك التنبؤات ستحدث الآن.
مع تاريخ التنبؤات السيئ في الماضي، يجب على المديرين التنفيذيين أخذ الحيطة وتطبيق التفكير المنطقي والمتزن عند مواجهة الضجيج حول التأثيرات المستقبلية للتقنيات، وعلى المجموعات أن تتخذ التحليل النقدي منهجًا، ولا يُقصد به الشك المندفع أو الرفض السطحي، بل التقييم والتحليل العلمي الدقيق، ويجب التأكد من الادعاءات حول فعالية التقنيات الجديدة وقوتها التجريبية، بدلًا من الانغماس في أسئلة لا تحتمل إلا الافتراضات مثل: “كيف يمكن أن تتطور هذه التقنية؟” أو “ما عواقبها؟”، فمن الأفضل البدء بأسئلة تؤسس قاعدة واقعية، مثل: “ماذا نعرف؟” و”ما الأدلة؟” وطرح أسئلة محددة حول كيفية عمل التقنية، ومدى موثوقية توقعاتها، وجودة مخرجاتها.
يجب على قادة الأعمال أن يكونوا حريصين على ممارسة التفكير النقدي خصوصًا عندما تأتي المعلومات من مصادر معروفة بالمبالغة التقنية، مثل الشركات الاستشارية، والبائعين، والمحللين الصناعيين.
ما دام أن بعض أدوات الذكاء الاصطناعي رخيصة ومتاحة للعلن؛ فيجب على الشركات تقييم المخاطر المحتملة لاستخدام التقنيات الجديدة بدقة. على سبيل المثال، من المعروف أن “تشات جي بي تي” يمكن أن ينشئ معلومات خاطئة، ويذكر مصادر وهمية، لذلك يتطلب استخدام هذه التقنية إشرافًا دقيقًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمخرجات التي قد تصل إلى العملاء وقد تسيء إلى سمعة الشركة. كما أن الشركات تواجه خطر فقدان السيطرة على الملكية الفكرية أو المعلومات الحساسة عند استخدام أنظمة دون إشراف، واكتشفت “سامسونغ” تسريب موظفيها عن غير قصد بيانات حساسة عند إدخالها على “تشات جي بي تي”، الذي يستخدم المعلومات المقدمة لتدريب نماذج النظام. أعرف أيضًا فنانين ومصممين وناشرين يرفضون استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بطرائق قد تضر بالملكية الفكرية الخاصة بهم أو بعملائهم.
نظرًا لهذه المخاطر المحتملة، يجب على الشركات التي تخطط للتعامل مع الذكاء الاصطناعي التوليدي وضع قواعد واضحة لاستخدامه. الخطوة الأولى والبديهية، هي أن تطلب من أي موظف يستخدم هذه التقنيات في عمله الإفصاح عن ذلك، ويمكن أيضًا لسياسات الاستخدام الخاصة بالشركة أن تضع متطلبات أساسية، مثل تأكيد أن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي يجب ألا يتعارض مع القيم الأخلاقية والقوانين المعمول بها، وينبغي للمنظمات تحديد نوع البيانات الخاصة بالشركة التي لا بأس في إدخالها على هذه الأنظمة. نشرت جمعية إدارة الموارد البشرية ومجموعات أخرى مؤخرًا إرشادات تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في بيئة العمل، ومن الحكمة أن يتابع قادة الأعمال التحديثات في هذا المجال.
هناك أيضًا مخاطر أخرى يجب على الشركات أن تعيها، يجادل النقاد التقنيون أن الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي بطرائق قد تؤدي إلى تدهور حياة الموظفين، ما يزيد الوضع قسوةً وسوءًا. على القادة التأكد من عدم حدوث ذلك، بل أن يعملوا على تعزيز استخدامات هذه التقنيات التي تسهل من حياة الموظفين وتقلل من التوتر.
قد تكون متلازمة “الخوف من فقدان الفرص” والضغوط التنافسية ذواتي منفعة إذا زادتا من تركيز المديرين على التغييرات حولهم، لكن بشرط ألا تصل هذه المخاوف إلى أن تقودهم لاتخاذ قرارات عاطفية وغير حكيمة. إن من المحتمل جدًّا أن يتبع الحماس المحيط بالذكاء الاصطناعي التوليدي مسار الحماس نفسه تجاه تقنيات رقمية أخرى، كما وصفه “نيكولاس كار” في كتابه “هل هو مهم؟”. غالبًا ما ينتج تبني تقنيات رقمية مزايا قصيرة المدى داخل قطاع معين، ولكن سرعان ما تتلاشى مع مرور الوقت عندما تصبح هذه التقنيات معتادة في مجال العمل، مثل محررات النصوص، وجداول البيانات، وأنظمة إدارة علاقات العملاء.
بعبارة أخرى، لا توجد حاليًّا أي أدلة على أن شركتك ستتأخر استراتيجيًّا أو حتى تتراجع إذا قررت التوقف مؤقتًا لتطوير خطة مدروسة بدلًا من القفز مباشرة إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي. في هذا السياق، يُفضل للقادة أن يركزوا على الأهداف الأساسية لشركاتهم وأن يتساءلوا عما أكان هذا النظام سيساعدهم في تحقيق أهدافهم أم لا، وإذا قال أحدهم إنه سيفعل ذلك، يجب أن يطلبوا إثباتًا لقوله.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




