ترجمة: شهد الراجحي
أدى التحول الشاسع نحو العمل عن بُعد إلى اعتماد الشركات على “منصات التعاون الرقمية”، التي تمكّن الموظفين من العمل معًا، وإدارة مشاريعهم، وحل مشكلاتهم، ومشاركة معارفهم. ومع ذلك، فإن كفاءة هذه المنصات في التطبيق الفعلي تعتمد على طريقة استخدام المستخدمين لها.
تشير المفاهيم السائدة، استنادًا إلى الأبحاث السابقة، إلى أن ما يحد من قيمة هذه المنصات هو نقص المستخدمين، ولكن، لاحظنا أن غالبية المستخدمين يميلون إلى نشر المحتوى أكثر من قراءة ما ينشره الآخرون، وقد أظهرت النتائج أن المشكلة تكمن في قلة التفاعل مع محتوى الآخرين، وليس في نقص المستخدمين، وهذا هو ما يُحجم فاعلية هذه الأدوات.
تبدأ المشكلة من المعايير التي تضعها منصات التواصل الاجتماعي مثل لينكد إن وفيس بوك. رغم أن سمات منصات التعاون الرقمية تظهر مشابهة للمواقع التي تركز على المستهلك أكثر، فإنّ الأهداف والسلوكيات المطلوبة مختلفة تمامًا، فالشبكات الاجتماعية العامة تركز على اهتمامات الأفراد، بينما منصات المؤسسات تهدف إلى تعزيز المعرفة، والتعاون، والإبداع.
وجدنا أن معظم المشاركين في منصات المؤسسات يشاركون محتوى ترويجيًّا يهدف إلى تنمية صورتهم وسمعتهم الشخصية، إلا أنه يفتقر إلى القيمة الحقيقية التي تعود بالنفع على المنظمة وأهدافها، وقد يُعيق الإفراط في الترويج الذاتي الجهود المبذولة إلى بناء منظمة تشجع على تبادل المعرفة، ما يؤدي إلى شعور المستخدمين الذين يرغبون في التفاعل مع الآخرين بالعزلة أو الانفصال.
الاعتماد على مقاييس التفاعل التقليدية، مثل عدّ المشاركات والمشاهدات، لا يعكس الفروقات السلوكية بين المستخدمين، وهذا قد يؤدي إلى خلق انطباع زائف بأن المنصة نشطة، بينما يُخفي الأنماط السلوكية السائدة. ولتحقيق أهداف أدوات الشبكات المؤسسية، على المديرين أن ينظروا من كثب إلى كيفية تفاعل الموظفين مع هذه الأدوات.
تقدم أبحاثنا نهجًا بديلًا يمكن للمديرين استخدامه لتقييم سلوك المشاركين وبناء مجتمع معرفي حي. حددنا أربعة أنواع بارزة من المستخدمين، وهم: المسرعون، والمذيعون، والمحاربون، والمراقبون، ثم وضحنا الدوافع لكل نوع، وقدمنا إرشادات حول كيفية تعاون المديرين معهم للاستفادة من دوافعهم المتنوعة، وتحقيق انسجام أقوى بين الشبكة وأهداف مشاركة المعرفة في المؤسسة.
كيف يستخدم الموظفون منصات التعاون؟
شملت دراستنا ٣٥٩ مستخدمًا لمنصات التعاون الرقمية في مؤسسة متعددة الجنسيات، وكشفت عن أربعة أنواع بارزة من المستخدمين ودوافع متنوعة لنشر وقراءة المحتوى. قد تساعد معرفة هذه الأنواع المديرين في فهم كيفية تأثيرها على تبادل المعرفة، وكيف يمكن أن تسهم أو تعيق هذا التبادل بينهم.
يمثل المسرعون ٥٪ وهم أصغر مجموعة من المستخدمين، لكنهم قد يكونون الأكثر قيمة. هم الأكثر تفاعلًا عكس المجموعات الأخرى، فهم يقرؤون بقدر ما ينشرون. ويدرك المسرعون أن المنصات تؤدي دورًا مهمًّا في تبادل المعرفة، وتسهل تدفق الأفكار، وتدعم المعلومات المتاحة وتنظم العمل في المشاريع وتدعم الابتكار. لا يفضل المسرعون الترفيه والترويج الذاتي في المنصة، كما قال أحد الموظفين “تبادل معرفتنا وتدفق أفكارنا عبر المنصة يعزز قربنا من بعضنا، ويمنع شعورنا بالعزلة”، وأضاف أن هذا الرأي يساعد في عدم تكرار جهود الآخرين.
مثل المذيعون ١٠٪ من المستخدمين تقريبًا، ويستخدمون المنصة لتعزيز سمعتهم داخل المؤسسة، فهم ينشرون محتوى أكثر مما يقرؤون، ويبالغون في ظهورهم ويتفاخرون بذواتهم، ويهتمون بنظرة الآخرين إليهم. تتأثر سلوكاتهم بشبكات التواصل الاجتماعي، ويتضح ذلك من خلال طريقة تقديم أنفسهم وتكوين هويتهم. كما قال أحد الموظفين: “تساعدني المنصة على تكوين صورتي وهويتي”، وقال موظف آخر: “توفر لي المنصة فرصة لإظهار مهاراتي في هذا المجال ومشاركة قصص نجاحي”.
يمثل المحاربون ٥٥٪ من المجتمع الذي أُجريت عليه الدراسة، وهم أكبر مجموعة. ورغم أنهم نادرًا ما ينشرون أو يقرؤون المحتوى، فإنهم يسعون لزيادة وعي مجموعاتهم من خلال مشاركة إنجازاتهم. كما قال أحدهم: “الأشخاص الذين لا يعرفوننا كفريق أو ليسوا على دراية بقسمنا، يمكنهم من خلال قراءة صفحاتنا أن يعرفوا المزيد عن أدوارنا وأعمالنا”.
يمثل المراقبون، وهم المجموعة الأخيرة، ٣٠٪ من المشاركين. إنهم يقرؤون أكثر مما ينشرون، ويستخدمون المنصة لمتابعة الأخبار، والتعرف إلى الآخرين، والتواصل مع أعضاء المؤسسة، لكن نادرًا ما يساهمون. تعمل أغلبية أفراد هذه المجموعة خارج المقر الرئيس للشركة، ويشيرون إلى أن استخدام المنصة مهم ليشعروا بأنهم جزء من الشركة ويساعدهم على تخفيف صعوبات العزلة.
ما الذي يجعل مجتمع المعرفة مجتمعًا نشطًا؟ يحتاج المديرون إلى فهم أنواع المستخدمين وسلوكياتهم ودوافعهم؛ إذ يمكن لتصرفاتهم أن تؤثر على جميع نشاط منصة الشركة، وقد أظهرت الأبحاث أن الممارسات السائدة يمكن أن تطرد أولئك الذين قد يستخدمون هذه المنصات لأغراض مختلفة، فعندما يكثر الترويج الشخصي، قد يتخلى المستخدمون الذين يرغبون في استخدام المنصة لمشاركة المعرفة، ويتجهون إلى مجموعات فرعية تهدف إلى تحقيق أهدافهم. تنبع حقيقة أن العديد من منصات التعاون المؤسسية تبدأ نشطة جدًّا ثم تتراجع بسبب هيمنة المذيعين الذين يبتدعون طرائق أخرى لاستخدام المنصة.
يمكن لفهم المديرين فيما يحفز أنواع المستخدمين أن يساعد في عثورهم على أفضل الطرق لتنميتهم. مثلًا، حين يشجع المديرون “المسرعون” على أخذ دور قيادي قد يسهم في تعزيز فائدة المنصة كمركز لتبادل المعلومات والابتكار، وقد يساعد هؤلاء المستخدمون في تغيير أنماط الاستخدام السائدة وتعزيز التعاون. يمكن للمديرين تنظيم مسابقات داخلية للاستراتيجية أو الابتكار لجذب “المذيعين” للمشاركة في المحتوى الذي ينتجه الآخرون وتنويع المحتوى الذي يشاركونه، ما يرفع من مستوى رؤية الأفراد ويخلق قيمة للمؤسسة.
يُعزز التفاعل بتسليط الضوء على المحتوى القيم وطرح الأسئلة، وقد يستفيد المديرون من رغبة “المحاربين” في تعزيز مجموعاتهم بتشجيعهم على التركيز في مشاركة الدروس المستفادة من المشاريع الناجحة. ويسهم تركيز هؤلاء المستخدمين على مجموعاتهم في تقديم مثال يُلهم المنظمة لتمكين أنفسهم والآخرين. وأخيرًا، يمكن للمديرين مساعدة “المراقبين” على نقل معرفتهم إلى المنظمة على نطاق أوسع بدمجهم مع أشخاص يتفاعلون أكثر. والأهم أن نعي بدور التأثيرات الثقافية في سلوك المستخدمين. أظهرت دراستنا أن الموظفين في المكاتب الآسيوية للشركة كانوا أقل تفاعلًا مقارنة بموظفي أمريكا الشمالية.
كيف نستفيد من منصات المؤسسات كليًّا؟ يجب على المؤسسات إدارة هذه الأدوات بفاعلية لدعم مشاركة المعرفة، للاستفادة من مزايا منصات التعاون المؤسسي، وهذا يعني النظر إلى ما هو أبعد من مؤشرات المشاركة البسيطة والتركيز على المحتوى الذي ينشره الأشخاص فعليًّا. قد ينشر الموظفون محتوى كثيرًا، ما يخلق وهمًا بوجود مجتمع معرفي نشط، دون أن يضيف أي فائدة حقيقية للمؤسسة.
باستطاعة المديرين القيام بمهام أهم من الإشراف على محتوى المنصة، إذ تشير نتائجنا إلى أنه يمكنهم أن يتخذوا دورًا أكثر أهمية مثل التأكد من أن المستخدمين يشاركون معرفتهم أكثر بدلًا من الترويج الشخصي أو بناء الصيت، ويمكنهم تعزيز التفاعل من خلال تسليط الضوء على المحتوى القيم وطرح الأسئلة لبدء نقاش حول تلك المشاركات.
تسعى المؤسسات لبناء ثقافة نشطة لمشاركة المعرفة في مكان العمل، لذا من الضروري الوعي بأنواع المستخدمين المختلفة وسلوكاتهم الفريدة. وبالنظر إلى قياسات التفاعل الأساسية المتاحة حاليًّا في منصات التعاون الرقمي، على المديرين ألا ينظروا إلى أن المشاركات الكثيرة علامة إيجابية على نشاط المجتمع في تبادل المعرفة. قد يزدهر المجتمع فقط إذا كان التبادل عامًّا، حيث يشارك المستخدمون القدر نفسه من المعرفة التي أنشأها غيرهم كما يشاركون معلومات جديدة في النظام.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




