هناك مشكلة في معظم التصنيفات البيئية الكبرى للشركات: فكثيرًا ما تفشل هذه التصنيفات في إدراج الأنشطة الدعوية التي تؤثر في تنظيم البيئة.
أودن شندلر وميخائيل توفل
أعلن روبرت مردوخ، الرئيس التنفيذي لشركة نيوز كوربوريشن (News Corporation)، مؤخرًا أن الشركة الإعلامية العملاقة، وهي الشركة الأم لقناة فوكس نيوز (Fox News Channel)، قد أصبحت محايدة كربونيًّا، أي إن عملياتها لا تنتج صافي انبعاثات كربونية، وقد نال هذا الإعلان إشادة من ليزا جاكسون، مديرة وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA)، ويُمثل هذا ما يُعد على نطاق واسع أفضل ممارسة لكيفية استجابة الشركات لتغير المناخ. لكن قبل ذلك بشهرين فقط، صنفت مجلة رولينغ ستون (Rolling Stone) مردوخ في المرتبة الأولى ضمن قائمتها لـ “السياسيين أو المديرين التنفيذيين الذين يعرقلون التقدم في مكافحة الاحتباس الحراري”. وأشارت المقالة إلى أن “لا أحد يسهم في نشر المعلومات المضللة والخطيرة حول الاحتباس الحراري أكثر من مردوخ”، مسلطة الضوء على منشورات تابعة لنيوز كورب مثل صحيفة وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal) التي وصفت تغير المناخ بأنه “فزع كارثي”، وعلى معلقين مؤثرين في فوكس نيوز مثل شون هانيتي (Sean Hannity) وغلين بيك (Glenn Beck) لرفضهم علم المناخ.
ورغم ذلك كله، وبسبب حيادية الكربون في عملياتها المادية إلى حد كبير، حصل أداء نيوز كورب في قضايا تغير المناخ مؤخرًا على تصنيف AAA، وهو أعلى درجة ممكنة في قاعدة بيانات غلوبال سوكراتس (Global Socrates) التي تنتجها مؤسسة إم إس سي آي إي إس جي ريسيرتش (MSCI ESG Research)، وهي منظمات تصنيف رائدة. في الواقع، تركز معظم التصنيفات البيئية الكبرى للشركات، بما في ذلك مؤشر داو جونز للاستدامة (Dow Jones Sustainability Index)، على التأثيرات التشغيلية مثل مستويات التلوث والامتثال التنظيمي، بالإضافة إلى وجود أو غياب ممارسات الإدارة البيئية المؤثرة في العمليات (مثل التدقيق البيئي) ومشاركة أصحاب المصلحة (مثل التقارير البيئية).
المشكلة في أنظمة التصنيف البيئي الكبرى جميعها تقريبًا، والتي تهدد مصداقيتها في تقييم القيادة البيئية، هي أنها تغفل إدراج الأنشطة الدعوية التي تؤثر في تنظيم البيئة؛ فقد انضم أكثر من ألف من قادة الأعمال إلى مجموعة “وي كان ليد” (We Can Lead)، وهي مجموعة تدعو إلى سياسة مناخية قوية. كما انضمت عشرون شركة (من ضمنها شركة آسبن سكيينغ Aspen Skiing Company) إلى “بيزنس فور إنوفيتيف كلايمت آند إنرجي بوليسي” (Business for Innovative Climate & Energy Policy)، وهي مجموعة رائدة في مجال الدعوة إلى السياسات المؤسسية. وفي المقابل، ذكرت صحيفة الإندبندنت (The Independent) اللندنية أن “مراكز الفكر المناهضة لتغير المناخ” تلقت مئات الآلاف من الدولارات من شركة إكسون موبيل (ExxonMobil). ومع ذلك، لا تؤثر أي من هذه الأعمال الهامة في تصنيفات الشركات. وبالمثل، أعلنت شركة آبل (Apple) انسحابها علنًا من غرفة التجارة الأمريكية (U.S. Chamber of Commerce)، وهي أكبر جماعة ضغط في الولايات المتحدة، معتقدة أنّ جهودها لإجهاض التشريعات الملزمة بشأن المناخ تتعارض مع قيم آبل المؤسسية. وعلى الرغم من القيادة القوية التي أظهرتها آبل، لا تزال تصنيفات نيوزويك (Newsweek) البيئية تضع آبل دون أقرانها في الصناعة.
وبالمقارنة مع جهود الشركات لجعل عملياتها صديقة للبيئة، فإن الإجراءات السياسية للشركات، مثل الضغط السياسي أو تمويل الحملات، قد يكون لها تأثير أكبر في حماية البيئة، وربما تمثل أعظم أثر يمكن أن تحدثه شركة في حماية البيئة أو الإضرار بها. في الواقع، يُعزى وجود الجدل في علم المناخ في الولايات المتحدة وغياب الإجراءات السياسية اللاحقة إلى الدعم المؤسسي الهائل لـ”صناعة الإنكار” (denial industry)، كما أوضح ذلك كتاب “تجار الشك” (Merchants of Doubt) للكاتبين نعومي أورسكس (Naomi Oreskes) وإريك كونواي (Erik Conway). فعلى سبيل المثال، أنفقت غرفة التجارة الأمريكية (U.S. Chamber of Commerce) 132 مليون دولار على أنشطة الضغط السياسي في عام 2010م، وعارضت التشريعات جميعها المتعلقة بالمناخ. ومن المتوقع أن يزداد تأثير الشركات في السياسات الحكومية بعد قضية المحكمة العليا “سيتيزنز يونايتد” (Citizens United)، التي تتيح للشركات إنفاق مبالغ غير محدودة في الانتخابات.
وبالنظر إلى حجم أزمة المناخ ونطاقها، لا يمكن تأكيد بشكل كافٍ الحاجة الملحة إلى حلول سياسية شاملة. ووفقًا لعالم المناخ في وكالة ناسا (NASA) جيمس هانسن (James Hansen)، فإن تغير المناخ “سيكون على الأرجح المشكلة الأخلاقية الكبرى في القرن الحادي والعشرين”. وتدعو الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (Intergovernmental Panel on Climate Change – IPCC)، وهي الهيئة العلمية الدولية الرائدة في دراسة المناخ، إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 80-95% عن مستويات عام 1990م بحلول عام 2050م. وحتى هذا الهدف الطموح لا يوفر سوى فرصة بنسبة 50/50 للحد من ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية إلى أقل من درجتين مئويتين، وهو الحد الذي سيعرض ملايين الناس لخطر الجفاف والجوع والفيضانات، بحسب الهيئة. لذا، فإن التركيز الحصري على التحسينات التشغيلية الطوعية، بما في ذلك الحياد الكربوني، يصرف الانتباه عن الحاجة الأكثر إلحاحًا إلى تنظيم المناخ لتحقيق التخفيضات الشاملة الضرورية التي يدعو إليها العلماء.
وتشير أولوية السياسات في حل المشكلات البيئية العالمية إلى أنه ينبغي أخذ النشاط المؤسسي في الحسبان ضمن مجموعة أوسع بكثير من التصنيفات البيئية. فلماذا لا ينبغي للتصنيفات التي تُخبر المستهلكين عن المنتجات الصحية أو الخضراء أو المسؤولة اجتماعيًّا أن تأخذ في الحسبان إذا كانت الأنشطة السياسية للمصنّع تدعم العمل المناخي أو تقوّضه؟ ولماذا لا ينبغي للمعايير التي تدعي تحديد القادة البيئيين، مثل نظام الإدارة البيئية آيزو 14001 (ISO 14001) الذي اعتمدته أكثر من ربع مليون منظمة حول العالم، أن تشترط المشاركة في العملية السياسية لتعزيز تنظيم تغير المناخ؟ كما يمكن للبرامج المعتمدة على النقاط مثل معيار البناء الأخضر ليد (LEED) أن تمنح نقاطًا إضافية للدعوة إلى مثل هذه السياسات.
تقييمات المسؤولية المؤسسية من قبل جهات خارجية لها أهمية بالغة؛ فهي تساعد المستهلكين على اتخاذ قراراتهم المالية، وتعين الباحثين عن عمل في خياراتهم المهنية، وتؤثر في معنويات الموظفين، وتوجه المستثمرين وصناديق التقاعد ذات المسؤولية الاجتماعية، كما تسهم في توليد الدعاية الإيجابية أو السلبية للشركات. وقد أظهرت البحوث أن الشركات ذات التقييمات الضعيفة تستجيب بتحسين أدائها. حتى محطات بلومبرغ (Bloomberg terminals)، التي يستخدمها المحللون الماليون على نطاق واسع، بدأت بتوفير تقييمات بلومبرغ الخاصة للبيئة والمجتمع والحوكمة (environmental, social and governance ratings)، إلى جانب تقييمات جهات أخرى، وهو ما دفع عددًا من البنوك الكبرى إلى إنشاء أقسام متخصصة لتحليل هذه التقييمات.
وكما هو الحال في هيكلها الحالي، فإن العديد من تقييمات الاستدامة معرضة لخطر تضليل المستهلكين والمساهمين بشكل خطير؛ بل قد تتيح للشركات ممارسة “الغسل الأخضر” (greenwashing) من خلال التحايل على النظام، والحصول على تصنيفات عالية مع تجنب السياسات المثيرة للجدل التي تتطلب الشجاعة، وتجلب النقد، وتدفع فعليًّا نحو التغيير الحقيقي.
حل هذه المشكلة ليس بالأمر المعقد كثيرًا. ينبغي أن تأخذ أنظمة التقييم بعين الاعتبار المساهمات السياسية، وجهود المدير التنفيذي (CEO advocacy work)، والتعاون مع المنظمات غير الحكومية، وغيرها من الأعمال. وكما تتخذ وكالات التقييم العديد من القرارات الذاتية بشأن المعايير التي تدمجها، فإن تحديد النشاط الجدير بالاستحقاق هو مهمة ذاتية أيضًا. ولا يلزم أن تتولى وكالات التقييم هذه المهمة الجديدة بمفردها؛ بل يمكنها التعاون مع المنظمات البيئية غير الربحية لتحديد الأنشطة والمنظمات التي تعزز سياسات المناخ أو تقوّضها. إن دمج الدفاع المؤسسي في التقييمات يمكن أن يقوي تنافسية أنظمة التصنيف ويزيد من تميزها في مجال مكتظ بتقييمات الشركات وترتيباتها.
وبفضل هذه التغييرات، يمكن للتصنيفات الجديدة أن تحقق أمرًا استثنائيًّا؛ إذ يمكن أن تحفز النشاط المؤسسي، وفي الوقت ذاته، تسهم في حل واحدة من أكثر المشكلات إلحاحًا في العالم.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




