جون دبليو. هنك الابن وتشون زانغ
عندما يتعاون العملاء مع المورِّدين، يمكنهم بناء الثقة، وتقليل التوتر في العلاقات، وزيادة الأنشطة المرتبطة بالابتكار.
قبل أكثر من خمسين عامًا، عرَّف المفكِّر الإداري الشهير بيتر درَكر الابتكار بأنه أحد الأساليب الأساسية التي يبني بها العمل التجاري موقعه التنافسي في السوق ويحافظ عليه. ولم يكن الأمر إلا حديثًا حتى شرعت الشركات لا في إقامة بيئات داخلية مواتية للابتكار فحسب، بل في تحديد طيف واسع من المصادر الخارجية للابتكار وتنميتها والاستفادة منها كذلك.
ومن بين هذه المصادر، يُعَدُّ المورِّدون من ذوي الإمكانات الابتكارية الكبيرة؛ لأنهم على علم بما تقوم به الشركات، أي عملاؤهم، وما يحتاجون إليه، ولأن آليات نقل المعرفة من المورِّد إلى العميل غالبًا ما تكون قائمة، غير أن سنوات من تقييم علاقات العمل مع المورِّدين في صناعات التصنيع والخدمات المختلفة تكشف أن وجود آلية تتيح نقل الابتكار من المورِّد إلى العميل أمر، وأن قيام المورِّدين فعليًّا بهذا النقل أمر آخر.
الجانب التنافسي من التعاون
تميل الأنشطة التعاونية بين العميل والمورِّد إلى بناء الثقة، وبالتالي تعزيز نقل الابتكار من المورِّد، غير أن هناك أنشطة تنافسية في كل علاقة بين عميل ومورِّد تؤدي إلى انعدام الثقة، مما يؤثر سلبًا في هذا النقل، فعلى سبيل المثال، قد يعمل العميل والمورِّد معًا بجد ونزاهة لتقديم منتج نهائي عالي الجودة، فيقوى بذلك ما بينهما من ثقة متبادلة، ولكن إذا طلب العميل من المورِّد نفسه تخفيض الأسعار، فإن كلا الطرفين سيسعى إلى توجيه التفاوض لمصلحته، ويحدث التوتر في علاقتهما العملية، وهذا التوتر في العلاقات وما يصاحبه من فقدان للثقة هو ما يدفع المورِّدين إلى الحد من مدى نقلهم للابتكارات إلى العميل، وثمة ثلاثة أنشطة تنافسية رئيسة تسبِّب هذا الأثر السلبي:
– تضارب الأهداف بين الأقسام الوظيفية لدى العميل، مما يضع المورِّد في موقف حرج، إما في قلب معركة لا مهرب منها، أو في دور الحكم على مضض.
– التغييرات الهندسية أو المواصفات المفرطة والمتأخرة التي يطلبها العميل من المورِّد دون مراعاة للموارد اللازمة أو معقولية موعد الإنجاز.
– الضغوط على المورِّدين لتخفيض الأسعار بما يراعي فقط الاحتياجات المالية للعميل، دون نظر إلى عدالة الطلب أو الوضع المالي للمورِّد نفسه.
تضارب الأهداف
إن تضارب الأهداف أمر شائع في الشركات التي تتسم هياكلها التنظيمية بالطابع الرأسي، فعندما لا تتواصل الأقسام الداخلية للعميل بعضها مع بعض، أو تكون في حالة تنافس، يجد المورِّدون أنفسهم بين المطرقة والسندان، وهذا الوضع شائع في شركات التصنيع التي لا توفِّق فيها أقسام الشراء والهندسة بين أهدافها المختلفة عند تطوير منتجات جديدة، فالقسم الشرائي، بحكم دوره المعتاد، يسعى إلى خفض التكاليف، بينما يسعى قسم الهندسة، حرصًا على سمعته لدى المستخدم النهائي، إلى تصنيع منتج عالي الجودة وطويل الأمد، غير أن هذه الأهداف محكوم عليها بالصدام إذا كان التواصل بين القسمين محدودًا أو منعدمًا، ففي صناعة السيارات، على سبيل المثال، تُعد هذه الصراعات أمرًا مألوفًا، باستثناء شركتي هوندا وتويوتا، وقد أخبرنا أحد مندوبي المورِّدين أثناء بحثنا قائلًا: “إن العمل مع هوندا لَمِن دواعي السرور؛ إذ يتواصل موظفو الشراء والمهندسون بعضهم مع بعض، ويتفقون غالبًا على ما يريدونه مني قبل استدعائي، وليس الأمر كذلك في [اسم شركة سيارات]، حيث نادرًا ما يتفقون على شيء”.
ومثل هذه الصراعات شائعة أيضًا في كثير من شركات قطاع الخدمات، لا سيما حين يتعلق الأمر باتفاق الأقسام المختلفة على مواصفات المشروع، فقد حدثنا أحد ممثلي وكالات الإعلان عن عميل معين بقوله: “غالبًا ما يُصر قسم التسويق على الاستعانة بأفضل المصورين، ويأمرنا بإرسالهم إلى أماكن نائية للتصوير، بينما يرغب قسم الشراء في استخدام مصورين أقل شهرة وأقرب مكانًا لتقليل التكاليف، وقد بلغ الأمر في بعض الأحيان حد السوء خلال العام الماضي، ودائمًا أجد نفسي في المنتصف”.
ومن الواضح أن تضارب الأهداف بين الأقسام الداخلية للعميل قد يخلق توترًا كبيرًا للمورِّد، وهو توتر قد يؤثر سلبًا في رغبة المورِّد في تقديم أفكار ابتكارية لذلك العميل.
تغييرات الهندسة/ المواصفات
قد يمضي المهندسون سنوات في تطوير منتج جديد أو تعديل منتج قائم، ثم لا يلبثون أن يدركوا -وأحيانًا قبل بدء الإنتاج بأشهر معدودات- كيف أن تغييرًا في التصميم قد يُحسن من جودة المنتج. وقد تظهر مشكلات في مرحلة الاختبار النهائي لم تكن قد ظهرت في بروتوكولات الاختبار السابقة، فتستلزم حلولًا عاجلة في اللحظة الأخيرة، وليس أهل الصناعات الخدمية بمنأى عن مثل هذه التغييرات المتأخرة؛ إذ قد تطرأ تقلبات مفاجئة في أوضاع السوق، أو أنشطة تنافسية جديدة، أو فرص غير متوقعة تتطور بسرعة، فتدعو إلى تعديل سريع في برنامج تسويقي أو حملة إعلانية أو نشاط ترويجي كان قيد التطوير لأشهر أو حتى لسنين، وفي جميع هذه الأحوال، يتعرض المورد لضغط شديد؛ إذ يلزم سحب الأفراد من مشروعات أخرى للمساهمة في إعداد برنامج جديد يوافق حاجات العميل ضمن حدود الزمن المقرر للمشروع الأصلي.
وكثيرًا ما تفضي هذه المطالب إلى تكاليف إضافية قد لا يتسنى استردادها من العميل، ولا تتيح وقتًا كافيًا لاختبار التغيير والتحقق من صلاحيته لمنفعة العميل. وبالجملة، فإن التغييرات المتأخرة في الهندسة أو المواصفات قد تخلق من الضغوط ما لا يرضي أحدًا، حتى إن أُنجزت الأعمال في مواعيدها.
والأهم من ذلك أن تكرار التغييرات المتأخرة في الهندسة أو المواصفات قد يؤثر سلبًا على المورد ماديًّا، ويورث في نفسه الضغينة تجاه العميل، فإن الموردين يرون في هذه المطالب سلوكًا أنانيًّا من العميل، لا يراعي أثرها على المورد وموارده، ولا يظهر ولاءً لإجراءاته الداخلية، ومن ثَم، تضعف التزام المورد بعلاقته مع العميل، كما تتضاءل رغبته في نقل الابتكار إليه.
ضغوط خفض الأسعار
إن ضغط العميل على المورد لخفض الأسعار قد يعود بالنفع على الطرفين إذا ما تم ذلك في إطار من الثقة في العلاقات العملية بينهما، غير أن هذا هو الاستثناء لا القاعدة؛ إذ غالبًا ما يطالب العميل بتخفيض السعر بأسلوب عدائي، فيغدو الأمر مكسبًا لطرف وخسارة لآخر؛ إذ يتنازل أحد الطرفين عن أموال كان يفضل الاحتفاظ بها لنفسه. فإنْ تنازل المورد عن أكثر مما يراه عادلًا أو مقدورًا عليه، نشأت الضغينة، وغالبًا ما يبدأ المورد حالًا في التخطيط لتعويض خسارته في أعمال أخرى مع العميل نفسه، وإن حصل العميل على تنازل في السعر من المورد دون ما يرى أنه عادل، بدأ يفكر في تعويض التكاليف في تعاملات أخرى مع المورد، أو إعادة توجيه الأعمال إلى مورد أقل تكلفة.
ومهما يكن من أمر، فإن المطالب العدائية لخفض الأسعار غالبًا ما تفضي إلى عدم رضا الطرفين، وتؤثر سلبًا -ولا سيما بالضغط النفسي- على العلاقات العملية بين العميل والمورد. وغالبًا ما يخلص المورد إلى أن العميل غير ملتزم حقًّا بجعله موردًا له، في حين يظن العميل أن المورد غير راغب في التعاون، ولا حاجة للقول إن سعي المورد المتضرر للابتكار لصالح هذا العميل لا يزداد قوة.
سلوك الابتكار لدى المورد
لقد كشفت التجربة عن نشاطين ابتكاريين للمورد لهما أثر خاص على العميل:
– استثمار الموارد في التقنية لإبداع منتجات أو عمليات قد تدعم أعمالًا مستقبلية مع العميل.
– مشاركة التقنية مع العميل من دون ضمان أمر شراء.
وكلا النشاطين يدل على التزام المورد بالعلاقة بما يتجاوز الحسابات الضيقة لمنافع العلاقة الراهنة وتكاليفها، بل ينظر في أمر الأعمال المستقبلية مع العميل، والأهم أن هذه الأنشطة الابتكارية من المورد تعين العميل على إقامة سلسلة توريد تنافسية وموثوق فيها. وإن التزام المورد، كما يظهر في نياته الابتكارية بعيدة المدى، يؤسس لثقة متبادلة في استقرار العلاقات العملية بين الطرفين، ويحث كلًّا منهما على التصرف بثقة متزايدة تجاه الآخر.
وفي صناعة السيارات مثلًا، يعلم أن استعداد المورد للاستثمار في التقنية ومشاركتها هو فارق رئيسي في نجاح التعاون بين العميل والمورد، وسبب ذلك أن موردي السيارات يحتفظون بأحدث ابتكاراتهم التقنية للعملاء الذين تربطهم بهم علاقات قائمة على الثقة؛ إذ تمنحهم هذه الابتكارات قدرة تصنيعية متفوقة، وأداءً محسنًا للمنتج، وخصائص تخصيص تلزمهم للبقاء في موضع التنافس على المدى الطويل.
ويفرق موردو السيارات -حتى بين العملاء المميزين- بحسب مدى التعاون؛ فالعملاء الذين تربطهم بالمورد أوثق العلاقات العملية هم الأجدر بالحصول على الابتكارات -وربما حصريًّا- قبل أن يعرض المورد التقنية على عملاء آخرين قد لا تربطه بهم علاقات ودية مماثلة.
ومن دون تقنيات جديدة، ضعفت مراكز كثير من الشركات الراسخة في صناعات شتى -كالحواسيب وآلات النسخ والسيارات ومعدات البناء- في ميدان التنافس، فاستعداد المورد للاستثمار في التقنية ومشاركتها يسهم إسهامًا عظيمًا في المنافع الابتكارية التي قد يجنيها العميل مباشرة أو غير مباشرة على المدى البعيد.
أنشطة التعاون بين العميل والمورِّد
نظرًا لأهمية الابتكار بالنسبة إلى العملاء، ووفقًا لما أظهرته نتائجنا الأولية غير الرسمية حول الضغوط العلائقية وسلوك الابتكار لدى المورِّدين، فقد شرعنا في بحث رسمي حول كيفية تمكين العميل من زيادة رغبة المورِّد في الانخراط في سلوكيات الابتكار في ظل وجود ضغوط علائقية، وقد خلصت دراستنا إلى أن أفضل سبيل لتحقيق هذا الهدف هو قيام العميل بأنشطة تعاونية مع مورِّديه.
وقد حددت الدراسة ثلاثة مجالات محددة من الأنشطة التعاونية التي يمكن للعميل أن يشرع فيها مع مورِّديه لتقليل الضغوط العلائقية، ومن ثَم زيادة أنشطة الابتكار لدى المورِّدين، والتي قد تعود بالنفع على العميل، وهذه الأنشطة التعاونية هي:
١. إشراك المورِّدين في عمليات الشركة، ولا سيما تطوير المنتجات.
٢. إظهار الانفتاح ومشاركة المعلومات مع المورِّدين في الوقت المناسب.
٣. العمل مع المورِّدين لمساعدتهم على تحسين قدرتهم التنافسية من حيث التكلفة والجودة معًا.
زيادة ابتكار المورِّدين
إذا قام العميل بإشراك المورِّد في عملياته، وشارك المعلومات وقدَّم المساعدة، فإن ذلك يزيد من رغبة المورِّد في الاستثمار في الأنشطة المتعلقة بالابتكار.
مشاركة المورِّد
يشرك العملاء المورِّدين في مراحل متعددة من دورة حياة منتجاتهم؛ من المراحل المبكرة، حيث قد يقدم المورِّد اقتراحات تصميمية أو يُمنح المسؤولية الكاملة عن تصميم المنتج الجديد وهندسته وتطويره، إلى المراحل اللاحقة، حيث يعين المورِّد في تسويق المنتج وإدارة جودة ما بعد البيع. وإن إشراك المورِّدين في عملية تطوير المنتج والاستفادة من مهاراتهم وخبراتهم في عمليات تعاونية أخرى أقل رسمية يعود بفوائد جمة على العميل، منها تقصير دورات تطوير المنتج، وخفض التكاليف، وتحسين جودة المنتجات النهائية، كما أن زيادة التنسيق بين العميل والمورِّد يؤدي إلى تعميق مشاركة المورِّد في أعمال العميل، ويعزز الدافع لدى الطرفين للاستثمار المتبادل في العلاقة. وإن تنسيق الوقت والجهد والاستثمارات المالية لا يؤدي فقط إلى تحسين استغلال الموارد، بل يزيد كذلك من تكاليف التحول لكلا الطرفين؛ إذ كلما ازداد التنسيق، ازدادت تبعية العميل للمورِّد وتبعية المورِّد للعميل.
وكلما ازداد اطلاع المورِّد على احتياجات العميل وخططه واستراتيجياته وبرامج تطوير منتجاته، ازداد إدراكه لإمكانية تأمين فرص أعمال مستقبلية مع العميل من خلال أنشطته الابتكارية. وعليه، يميل المورِّد إلى العمل في أنشطة ابتكارية تخص العميل، فيعود النفع على الطرفين معًا.
اتصال العميل
لكي تتحقق مشاركة المورِّد بأعلى درجات الفعالية والكفاءة، لا بد من توجيه صادر عن العميل؛ إذ إن تواصل العميل بشأن خططه وتوقعاته، إلى جانب مشاركته خرائط الطريق التقنية الخاصة به، يعين المورِّد على تلبية احتياجات العميل على نحو أفضل، كما أن التواصل المنفتح والصادق من قبل العميل يخلق بيئة داعمة وموثوقًا فيها تسهِّل على المورِّد وتزيد من التزامه بالعلاقة.
ومن النتائج المهمة لزيادة التزام المورِّد، تزايد استعداده للانخراط في التواصل الصريح والصادق مع العميل، غير أن ذلك لا يتحقق إلا إذا أظهر العميل أن الأخبار السيئة الدورية من المورِّد تُعد أمرًا لا مفر منه في سياق الأعمال، بل هي عنصر مهم في الحفاظ على علاقات عمل منتجة وسريعة الاستجابة؛ لذا ينبغي ألا يتخذ العميل من الأخبار السيئة ذريعة لمعاقبة المورِّد.
إن مثل هذه السياسات من قبل العميل تعزز إدراك المورِّد لالتزام العميل بالعلاقة، وتقلل من مخاوف المورِّد من الإجراءات العقابية أو فقدان الأعمال؛ ونتيجة لذلك، يصبح المورِّد أكثر انفتاحًا ووضوحًا في مشاركة المعلومات ذات الدلالة، سلبية كانت أم إيجابية، مع العميل، أما النتيجة النهائية فهي زيادة استثمارات المورِّد في الابتكار، وهو ما يعود بالنفع على الطرفين.
مساعدة العميل
بينما تدفع ضغوط المنافسة في الأسواق المعاصرة العملاء إلى مطالبة المورِّدين بمزيد من خفض الأسعار ورفع الجودة، فإن المورِّدين لا يملكون دائمًا الوسائل المالية أو القدرات التقنية اللازمة للاستجابة، ومن ثَم، كثيرًا ما يلجأ المورِّدون إلى العميل طلبًا للعون والدعم، أو قد يبادر بعض العملاء الأكثر بصيرة إلى تقديم الدعم قبل أن يطلبه المورِّد، وفي كلتا الحالتين، فإن مساعدة العميل تبعث برسالة إلى المورِّد بأن للعميل ثقة في قدرات المورِّد على تلبية احتياجاته على المدى الطويل، ومع تعزز ثقة المورِّد في استمرارية العلاقة، يندفع إلى التصرف بالمثل، بما في ذلك الاستثمار في الابتكار المخصص للعميل.
ما الذي ينبغي على العميل فعله؟
إن كيفية زيادة العميل لابتكار المورِّد واضحة: ينبغي للشركة أن تعظم من أنشطتها التعاونية مع المورِّد، وأن تقلل من الأنشطة التنافسية التي تعوق ميل المورِّد إلى الابتكار.
تعظيم الأنشطة التشاركية
لإيجاد بيئة يكون فيها المورِّد راغبًا في القيام باستثمارات ابتكارية مخصصة للعميل، لا بد أن يدرك المورِّد أن علاقاته العملية مع العميل مستقرة إلى حد معقول وقادرة على الاستمرار مدة كافية لاسترداد استثماراته، كما يجب أن يطمئن المورِّد إلى أن معرفة العميل بالابتكار لن تنتهي إلى أيدي منافسي المورِّد.
وهذه الشروط تدل على أن أنشطة الابتكار من قِبل المورِّد لا تُنجز من طرف واحد، بل تحدث استجابة لمبادرات تعاونية يطلقها العميل، تتكشف مع مرور الزمن، وتُقنع المورِّد بأن العميل ملتزم بإقامة علاقات عمل تقوم على الثقة. وإن التزام العميل الظاهر يبني ثقة المورِّد في مستقبل العلاقة، ويرجح أن يقابل المورِّد ذلك بالاستثمار فيما يُعزز علاقات العمل القائمة على الثقة مع العميل ويُبقي عليها.
وبعبارة أخرى، فإن الأنشطة التشاركية بين العميل والمورِّد تزيد من رغبة المورِّد في الاستثمار في العلاقة، كما يُبيِّن نموذج زيادة ابتكار المورِّد؛ إذ يصبح المورِّد أكثر صراحة في مشاركة ابتكاراته مع العميل، حتى دون ضمان أمر شراء، ويغدو أكثر استعدادًا للاستثمار في عمليات ومنتجات ابتكارية جديدة توقعًا لأعمال مستقبلية. ويكمن وراء هذه الرغبة إدراك المورِّد لالتزام العميل بالعمل معه على المدى الطويل، ما دامت بضائعه تنافس في السعر والجودة والتقنية بضائع سائر المورِّدين، وحتى لو تأخر المورِّد عن منافسيه، فإن علاقات العمل القائمة على الثقة مع العميل تقتضي أن يمنح العميل المورِّد فرصة للحاق بالركب، بل ربما يعينه على تحسين بضائعه قبل أن يلجأ إلى مورِّدين آخرين.
الثقة في العلاقة أمر شديد الأهمية للمورِّد، ويجب أن تنبع من العميل، فبينما قد يكون المورِّد ميالًا إلى إقامة علاقات عمل مبنية على الثقة مع أكبر عملائه وأهمهم، فإن المورِّد هو الأكثر عرضة للمخاطرة عند اتخاذ الخطوات الأولى، كأن يشارك العميل معلومات ملكية خاصة؛ إذ قد يقوم العميل بمشاركة تلك المعلومات مع منافسي المورِّد أملًا في العثور على مورِّد أقل تكلفة أو قادر على توفير منتج أو خدمة مماثلة؛ ولهذا فإن المورِّدين يترددون في بدء مشاركة المعرفة الخاصة مع العملاء الذين تربطهم بهم علاقة غير مؤكدة.
ومع ذلك، وبما أن للعميل ما يخسره أيضًا، فلا بد له من أن يثق في المورِّد، فإن حصل العميل مثلًا على معرفة خاصة بأحد منافسيه من خلال مورِّد مشترك، فسيصعب عليه أن يأتمن ذلك المورِّد على أسراره الخاصة، ومع ذلك، فإن انخفاض المخاطر النسبية التي يواجهها العميل تقتضي أن يكون هو البادئ بأي نشاط يهدف إلى بناء علاقات عمل قائمة على الثقة وخالية نسبيًّا من التوتر بين العميل والمورِّد، وبالمثل، يجب أن يكون العميل هو المبادر بأي أفعال تعاونية تجمع الطرفين.
تقليل الأنشطة التنافسية
إن حاجة العميل إلى الضغط المستمر على قاعدة مورِّديه لخفض التكاليف تمليها حقائق بيئة الأعمال العالمية، فلا يمكن التراخي في هذا الضغط، لكن الأبحاث أظهرت أن ضغط خفض الأسعار على المورِّدين إذا ما مورس بطريقة تتسق مع علاقات العمل القائمة على الثقة، فإن أثره السلبي سيقل ويخف التوتر في العلاقة.
أما الأنشطة التنافسية الأخرى في علاقات العمل بين العميل والمورِّد، كتعارض الأهداف الوظيفية وكثرة أو تأخر التغييرات الهندسية والمواصفات، فهي أصعب ضبطًا في الأمد القصير، فهذه الأنشطة غالبًا ما تكون أعراضًا لمشكلات نظامية في الشركة، لا يمكن حلها إلا بتغييرات جذرية في العمليات والإجراءات التي ترسخت مع الزمن في أعمال الشركة، وحتى إن حققت الشركة تقدمًا في تقليل تكرار هذه المشكلات وحدَّتها، فإن وقت الإصلاح طويل. وفي الأثناء، يجب على العميل أن يعوض ذلك بتقوية أفعاله التشاركية، ليخفف من توتر العلاقة، وتحافظ رغبة المورِّد في الاستثمار في العلاقة وفي أنشطة الابتكار على مستواها العالي.
نحو أوضاع رابحة للطرفين
إن نموذج زيادة ابتكار المورِّد وما يرتبط به من توصيات يعكس أهمية أن توائم الشركات نفسها مع مورِّدين مبتكرين لبناء مؤسسة ممتدة قوية، وبتطبيق هذه التوصيات، تستطيع الشركة أن تضمن تعظيم فرص الاستفادة من ابتكارات المورِّدين ومعارفهم ومهاراتهم وقدراتهم، فتزيد بذلك من ميزتها التنافسية في السوق، وتُقوي علاقات العمل مع المورِّدين، وتُقوي المورِّدين أنفسهم أيضًا.
المراجع
1. P. Drucker, “The Practice of Management” (New York: Harper & Row, 1954), 37. 2. See, for example, J.C. Linder, S. Jarvenpaa and T.H. Davenport, “Toward an Innovation Sourcing Strategy,” MIT Sloan Management Review 44, no. 4 (summer 2003): 43-49; M. Schrage, “The Innovation Subsidy,” MIT Sloan Management Review 45, no. 3 (spring 2004): 23-24; M. Sawhney, R.C. Wolcott and I. Arroniz, “The 12 Different Ways for Companies to Innovate,” MIT Sloan Management Review 47, no. 3 (spring 2006): 75-81; P. Rizova, “Are You Networked for Successful Innovation?” MIT Sloan Management Review 47, no. 3 (spring 2006): 49-55; and O.M. Bjelland and R.C. Wood, “An Inside View of IBM’s ‘Innovation Jam,’” MIT Sloan Management Review 50, no. 1 (fall 2008): 32-40. 3. L. Yu, “Collaborating With the Right Partners,” MIT Sloan Management Review 50, no. 1 (fall 2008): 8-9. 4. To gain insight into how adversarial tensions can be avoided, see J.W. Henke Jr., R. Parameswaran and R.M. Pisharodi, “Manufacturer Price Reduction Pressure and Supplier Relations,” Journal of Business and Industrial Marketing 23, no. 5 (2008): 287-300. 5. J.P. MacDuffie and S. Helper, “Collaboration in Supply Chains: With and Without Trust,” in “The Firm as Collaborative Community: Reconstructing Trust in the Knowledge Economy,” ed. C. Hecksher and P.S. Adler (Oxford: Oxford University Press, 2006). 6. See, for example, R.H. Hayes and W.J. Abernathy, “Managing Our Way to Economic Decline,” Harvard Business Review 58 (July-August 1980): 67-77; C.Y. Baldwin and K.B. Clark, “Capital-Budgeting Systems and Capabilities Investments in U.S. Companies After the Second World War,” Business History Review 68, no. 1 (1994): 73-109; J.L. Bower and C.M. Christensen, “Disruptive Technologies: Catching the Wave,” Harvard Business Review 73 (January-February 1995): 43-53; L.O. Morgan and R.L. Daniels, “Integrating Product Mix and Technology Adoption Decisions: A Portfolio Approach for Evaluating Advanced Technologies in the Automobile Industry,” Journal of Operations Management 19, no. 2 (February 2001): 219-238; and MacDuffie and Helper, “Collaboration.” 7. Henke, Parameswaran and Pisharodi, “Price Reduction Pressure,” n. 4. 8. See, for example, C.H. Fine, “Clockspeed: Winning Industry Control in the Age of Temporary Advantage” (Reading, Massachusetts: Perseus Books, 1998); T.T. Stallkamp, “SCORE! A Better Way to Do Busine$$: Moving from Conflict to Collaboration” (Upper Saddle River, New Jersey: Wharton School Publishing, 2005); and J.K. Liker, “The Toyota Way: 14 Management Principles from the World’s Greatest Manufacturer” (New York: McGraw-Hill, 2004).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




