تشير أبحاث جديدة إلى أن سوق الأسهم يُقدّر بشكل خاص النماذج التجارية القائمة على الابتكار والملكية الفكرية.
بيتر ويل، وتوماس دبليو. مالون، وتوماس جي. أبل
لماذا يُظهر المستثمرون تفاؤلًا كبيرًا تجاه شركات مثل Apple وDisney؟ هل يعود ذلك إلى المقاييس المالية، أم الإدارة الممتازة، أم البراعة في القطاع، أم علاقات المستثمرين الجيدة، أم التوقيت المناسب؟ ربما تعود الأسباب إلى جميع هذه العوامل. إلا أن هناك عنصرًا آخر قد يكون مؤثرًا أيضًا؛ ففي بحث أجريناه في كلية سلون للإدارة التابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Sloan School of Management)، وجدنا أن سوق الأسهم يُقيّم باستمرار أنواعًا معينة من النماذج التجارية أعلى من غيرها. على وجه التحديد، اكتشفنا أن المستثمرين في السنوات الأخيرة يفضلون النماذج التجارية، التي تركز على ترخيص الملكية الفكرية (Intellectual Property) مثل نموذج أعمال شركة Walt Disney، ونوعًا معينًا من التصنيع شديد الابتكار (Innovative Manufacturing)، كما هو الحال لدى شركة Apple.
لقد طورنا إطارًا يشمل أربعة عشر نوعًا من النماذج التجارية (ومن المدهش أننا وجدنا أنه لا يوجد تعريف متفق عليه عالميًّا لهذا المفهوم المهم، المتمثل في “النموذج التجاري” Business Model). ثم، باستخدام بيانات من قاعدة “كومبستات” (Compustat)، قمنا بتصنيف جميع الشركات التي يزيد عددها على عشرة آلاف شركة، والمتداولة علنيًّا في البورصات الأمريكية ضمن هذا الإطار، وذلك من خلال تحديد نسبة إيرادات كل شركة، المتأتية من كل نموذج من النماذج الأربعة عشر، وقد استخدمنا مزيجًا من التصنيف اليدوي وبرنامج حاسوبي مخصص يعتمد على القواعد. ومن خلال تصنيف إيرادات الشركات ضمن هذه النماذج الأربعة عشر، ظهرت صورة جديدة ليس فقط عن الشركات الفردية، بل عن الأعمال التجارية بشكل عام، ثم جُمعت التصنيفات الفردية لإنشاء مؤشر خاص لكل نموذج تجاري. وقد سمحت لنا هذه المؤشرات بمقارنة إجمالي عوائد السوق المالية -كما يُقاس بتغير سعر السهم بالإضافة إلى الأرباح الموزعة- للنماذج التجارية المختلفة في الأسواق الأمريكية على مدى فترة اثني عشر عامًا، من عام 1997م حتى عام 2009م. وتقدم النتائج رؤية حول تعامل المستثمرين مع النماذج التجارية المتنوعة، وتبرز بشكل خاص أهمية الابتكار والملكية الفكرية في الاقتصاد الأمريكي.
يعتمد إطارنا للنماذج التجارية على تعريف أنواع الأصول التي تبيعها الشركة، والحقوق التي تمنحها للعملاء لاستخدام تلك الأصول. وقد حددنا أربعة أنواع من الأصول، وأربع طرق تدير بها الشركات حقوق الأصول لتحقيق الإيرادات. أما أنواع الأصول الأربعة، فهي:
الأصول المالية: وتشمل النقد وكذلك الأوراق المالية، مثل: الأسهم، والسندات، ووثائق التأمين، التي تمنح مالكيها حقوقًا في تدفقات نقدية محتملة في المستقبل.
الأصول المادية: وتشمل العناصر المعمرة مثل أجهزة الحاسوب، وكذلك العناصر غير المعمرة مثل الطعام.
الأصول غير الملموسة: وتشمل الملكية الفكرية، مثل براءات الاختراع، وحقوق التأليف والنشر، بالإضافة إلى أصول غير ملموسة أخرى، مثل: المعرفة، والسمعة، وقيمة العلامة التجارية.
الأصول البشرية: وتشمل وقت وجهد الأشخاص، وبالتأكيد، لا يمكن بيع الأشخاص قانونيًّا، لكن يمكن “تأجير” وقتهم ومعارفهم مقابل رسوم.
أما الطرق الأربع التي تدير بها الشركات حقوق الأصول لتحقيق الإيرادات، فهي:
المبدعون (Creators): الذين يبيعون ملكية المنتجات التي قاموا بابتكارها، من خلال تحويل أو تجميع المواد الخام أو المكونات، ومن أمثلة هذه الشركات: Ford و3M وIntel.
الموزعون (Distributors) مثل Wal-Mart، أو أعمال التجزئة الخاصة بشركة Amazon.com: الذين يبيعون ملكية منتجات قاموا بشرائها، دون إحداث تغييرات جوهرية عليها، باستثناء النقل أو إعادة التعبئة أو التسويق.
المؤجرون (Landlords): الذين يبيعون فقط حق استخدام الأصول لمدة زمنية محددة، ومن أمثلة نموذج المؤجر شركات Marriott وHertz وAccenture وCitigroup. وقد أدرجنا ضمن هذه الفئة الشركات التي تعتمد على الترخيص أو الاشتراكات لبيع حقوق محدودة لاستخدام أصولها من الملكية الفكرية (IP)، مثل Microsoft وThe New York Times.
الوسطاء (Brokers): الذين يتقاضون أجرًا لقاء التوفيق بين المشترين والبائعين، دون أن يمتلكوا المنتج أو يحتفظوا به، ومن الأمثلة على ذلك Charles Schwab وeBay ووكلاء العقارات.
ومن مزايا هذا الإطار، أنه يتيح لنا مقارنة الشركات ذات النماذج التجارية المتماثلة، التي تتطلب قدرات متشابهة، رغم أنها تعمل في صناعات مختلفة. فعلى سبيل المثال، يمكن للمؤجر المادي أن يبيع استخدام مجموعة واسعة من الأصول، بما في ذلك غرف الفنادق، ومقاعد الطائرات، والبرمجيات، والمعلومات، والسيارات المستأجرة. كما يمكننا تقييم النماذج التجارية التي يفضلها المستثمرون في أوقات مختلفة، وكيف تغير نموذج أعمال الشركة مع مرور الزمن. فعلى سبيل المثال، شهدت شركة Disney تحولًا جذريًّا في نموذج أعمالها خلال العشرين عامًا الماضية، من تأجير الأصول المادية مثل المدن الترفيهية (حيث شكلت 65% من الإيرادات عام 1984م، لكنها انخفضت إلى 30% في عام 2009م)، إلى ترخيص الملكية الفكرية (حيث شكلت 15% من الإيرادات عام 1984م، لكنها ارتفعت إلى 63% في عام 2009م)، وقد حظي هذا التحول الاستراتيجي بقبول واضح من المستثمرين؛ فقد تفوقت أسهم Disney على مؤشر S&P 500 للأسهم خلال السنوات الخمس الماضية، وتجاوزت ذلك المؤشر بأكثر من 20% في الفترة التي انتهت في 31 ديسمبر 2010م.
توفر النماذج التجارية منظارًا عابرًا للقطاعات، لتحليل كيفية إدارة الشركة والعائد الإجمالي الناتج في سوق الأسهم. وتبدو الفروق في العائد الإجمالي للأسهم بين الشركات التي تحقق الإيرادات من نماذج أعمال مختلفة لافتة للنظر؛ إذ تراوحت العوائد لأنواع النماذج التجارية المختلفة بين نحو 145% و240% خلال السنوات الاثنتي عشرة التي تناولها بحثنا. وتظهر صورة مثيرة للاهتمام:
يأتي 81% من إجمالي الإيرادات للشركات المدرجة في البورصات الأمريكية من الأصول المادية، وقد أسهم التصنيع -أي إنشاء الأصول المادية- بحوالي 57% من جميع إيرادات الشركات. ويُقدَّر المصنعون عمومًا تقديرًا عاليًا من قبل المستثمرين، ويزداد هذا التقدير للمصنعين المبتكرين.
أما 28% من مجمل إيرادات الشركات، فتأتي من معاملات من نوع “المؤجر” (landlord)، إلا أن هناك اختلافات كبيرة في إجمالي عوائد سوق الأسهم، فقد كان المؤجرون الماليون والماديون هم الأضعف أداءً من بين النماذج التجارية الشائعة، في حين جاء مؤجرو الملكية الفكرية (IP landlords) في المرتبة الثانية من حيث الأداء الأعلى. أما المقاولون (Contractors) -وهو نموذج يشمل شركات الاستشارات وغيرها من المؤسسات التي تعتمد أساسًا على “تأجير” الأصول البشرية- فقد كان أداؤهم متوسطًا بين النماذج. ويُعد المصنعون المبتكرون -الذين نعرّفهم بأنهم أولئك الذين يستثمرون في البحث والتطوير أكثر من متوسط صناعتهم- هم الأعلى أداءً في السوق. وتُعد شركة Apple مثالًا على المصنع المبتكر؛ إذ كان نموذج أعمال Apple في عام 2008م يتوزع بنسبة 86% تصنيع، و7% مقاولات، و7% تأجير ملكية فكرية، وقد أثمرت النتائج -منتجات مثل iPhone وتطبيقات iPhone وiPad وMacBook Air وiTunes- عن أرباح كبيرة، ويُعد هذا مزيجًا قويًّا من منظور المستثمر.
وعند العودة إلى شركة Disney، نرى أن تحول الشركة في نماذج الأعمال عبر الزمن قد انسجم مباشرة مع توجهات المستثمرين، فقد قللت Disney من إيراداتها من أحد أقل النماذج التجارية قيمةً، وهو نموذج المؤجر المادي، بينما زادت اعتمادها على أحد أكثر النماذج التجارية قيمةً، وهو نموذج مؤجر الملكية الفكرية (IP landlord). كما حافظت Disney أيضًا على التصنيع المبتكر، الذي يُعد الجزء الأعلى قيمةً في نموذج التصنيع التجاري.
أسئلة أساسية على قادة الشركات الإجابة عنها
من المؤكد أن نماذج الأعمال التي يقدّرها المستثمرون اليوم، قد لا تكون هي نفسها التي سيفضلونها بعد عشر سنوات، إلا أن مفهوم نموذج العمل يوفر أداة أساسية لتحليل العديد من القرارات الاستراتيجية المهمة. فعلى سبيل المثال، يمكن للشركات أن تستخدم إطارنا للمساعدة في اتخاذ القرار بشأن متى تتخلى عن وحدة أعمال معينة، ومتى تستثمر في أخرى، وأين تبحث عن فرص الاستحواذ المحتملة. وعند اتخاذ هذه القرارات، يساعدك الإطار على تحليل عملك، ليس فقط في سياق صناعتك الخاصة، بل أيضًا في سياق شركات من صناعات مختلفة تمامًا، لكنها تتبع نماذج أعمال مشابهة.
نقترح على القادة أن يأخذوا في الحسبان الأسئلة الأساسية الآتية:
ما هي نماذج أعمالنا اليوم، وكيف تغيرت خلال السنوات العشر الماضية؟
كيف تقارن نماذج أعمالنا مع نماذج منافسينا التقليديين وغير التقليديين؟
كيف يمكننا تعديل نموذج أعمالنا الكلي ليشمل المزيد من الإيرادات من النماذج الأكثر قيمة اليوم (مثل نموذج مؤجر الملكية الفكرية والمصنّع المبتكر)، أو التي نعتقد أنها ستكون الأعلى قيمة في المستقبل؟
ولإحداث أي تغيير في نموذج أعمالنا، ما هي الكفاءات التي نحتاج إلى تطويرها أكثر، وما هي التجارب الاستراتيجية التي يمكننا القيام بها اليوم لاختبار نماذج أعمال جديدة للمستقبل؟
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




