هايغ ر. نالبانتِيان
كيف يساعد فهم ظروف الموظفين في تعزيز فرص الترقّي للنساء والأقليات العرقية
يميلُ قادةُ الأعمالِ إلى تركيزِ جهودِهم في مجالِ التنوعِ والعدالةِ والشمولِ على معالجةِ التحيزِ والتمييزِ، إذ إنَّ هذهِ الممارساتِ واسعةُ الانتشارِ، والتمييز محظورٌ شرعًا وقانونًا. لكنهم في أثناءِ ذلكَ يُغفلونَ العواملَ الظرفيةَ التي تؤدي دورًا رئيسًا ويسهلُ معالجتُها في تقريرِ هل كانت النساءُ وذوو الألوانِ يُرقَّونَ ويُعدُّونَ من ذوي الرواتبِ العليا.
إنَّ العدالةَ في المسارِ المهنيِّ والأجورَ متلازمتانِ لا انفكاكَ بينهما. فما زالتِ النساءُ وذوو الألوانِ دونَ تمثيلٍ كافٍ بين المديرينَ والتنفيذيينَ، وغالبًا بين كبارِ المهنيينَ أيضًا. ومع أنَّ العدالةَ في الأجورِ تتحسَّنُ لهذهِ الفئاتِ الديموغرافيةِ، فإنَّ الفجواتِ الصرفَةَ في الأجورِ (أي الفروق المتوسطة والوسيطة بين النساءِ والرجالِ، وبين ذوي الألوانِ والموظفينَ البيضِ) لا تزالُ مرتفعةً في كثيرٍ من الشركاتِ. ولن تزولَ هذهِ الفجواتُ حتى تحتلَّ النساءُ وذوو الألوانِ المستوياتِ والمسؤولياتِ المهنيةَ الأعلى أجرًا بما يتناسبُ مع تمثيلِهم في قوةِ العملِ. وليسَ في ذلكَ ظلمٌ للأفرادِ فحسبُ، بل حرمانٌ للأعمالِ من مواهبَ لم يُلتفتْ إليها. فإذا أدركَ القادةُ كيف تؤثرُ العواملُ الظرفيةُ في فرصِ التقدمِ لدى موظفيهم، أمكنهم تطبيقُ إدارةٍ مهنيةٍ استباقيةٍ (وهي التعرفُ إلى العوائقِ أمام النجاحِ الوظيفيِّ وإزالتُها)، فيجعلونَ أماكنَ عملِهم أكثرَ عدلًا وإنتاجيةً.
وللوقوفِ على أسبابِ هذا التفاوتِ في النتائجِ المهنيةِ، درستُ نتائجَ تحليلاتِ سنواتٍ متعددةٍ من بياناتِ الترقيةِ، والاحتفاظِ بالموظفينَ، والأداءِ، والأجورِ في عشرينَ شركةً كبرى ومتوسطة، بلغَ مجموعُ موظفيها أكثرَ من سبعمئةِ ألفِ موظفٍ. وقد أكدتِ النتائجُ أنَّ الفروقَ الكبيرةَ بين الجنسينِ والأعراقِ في احتمالِ الترقيةِ تُعزى إلى أربعةِ عواملَ ثابتةِ الأثرِ في نجاحِ الموظفينَ: تقييمات الأداءِ، وتوزيع الأدوارِ، وعلاقات الإشرافِ، وترتيبات العملِ المرنةِ.
وما عدا تقييماتِ الأداءِ، فإنَّ هذهِ العواملَ تتعلقُ بظروفِ الموظفِ لا بمعرفتِه أو مهارتِه أو سلوكِه. فمثلًا، إذا كانَ التقدمُ المهنيُّ يتطلبُ خبرةً في أدوارٍ معينةٍ، وكانتِ النساءُ ممثلاتٍ بنسبةٍ أقلَّ في تلكَ الأدوارِ مقارنةً بالرجالِ، فإنَّ النتيجةَ أنَّ عددَ النساءِ المتقدماتِ سيكونُ أقلَّ.
ولا ريبَ في أنَّ التحيزَ والتمييزَ حاضرانِ أيضًا، فقد وجدنا في أكثرِ المؤسساتِ تفاوتاتٍ كبيرةً غيرَ مفسرةٍ بين الجنسينِ والأعراقِ في احتمالِ الترقيةِ، لا يمكنُ ردُّها إلى أيِّ عواملَ متعلقةٍ بمصلحةِ العملِ. ووجدنا كذلكَ فروقًا عنصريةً عامةً وملحوظةً في تقييماتِ الأداءِ، إذ كانَ ذوو الألوانِ –لا سيما السودُ– أقلَّ حصولًا على التقييماتِ العاليةِ. وهذهِ موضعُ تركيزِ جهودِ الشركاتِ في مجالِ التنوعِ والعدالةِ والشمولِ، إذ إنها دليلٌ على التحيزِ أو التمييزِ.
لكنَّ الفروقَ المفسرةَ غالبًا ما يكونُ لها أعظمُ الأثرِ في التقدمِ المهنيِّ وعدالةِ الأجورِ، لذا وجبَ معالجتُها مباشرةً. والبشرى أنَّ هذهِ العواملَ غالبًا ما يسهلُ علاجُها بنجاحٍ. فإدارةُ المسارِ المهنيِّ الاستباقيةُ (وهي نهجٌ قائمٌ على البياناتِ)، تقدِّمُ حلًّا ناجعًا.
أربعةُ عواملَ تدفعُ مَن يتقدمُ في العملِ
فلننظرْ من كثبٍ إلى العواملِ الأربعةِ التي حددتُها، والتي تفسرُ مَن يُرقَّى، ويُقيَّمُ أداؤه عاليًا، ويحصلُ على زياداتٍ أكبرَ في الأجرِ، ولماذا لا تنالُ النساءُ وذوو الألوانِ غالبًا هذهِ الفوائدَ.
تقييماتُ الأداءِ: إذ تؤثرُ تقييماتُ الأداءِ في النتائجِ الأخرى جميعها، كالترقيةِ، والاستبقاءِ، والأجرِ، فإنَّ التفاوتَ فيها يتركُ أثرًا متسلسلًا. ففي تسعةٍ وثمانينَ بالمئةِ من الشركاتِ المدروسةِ، كانَ الموظفونَ السودُ أقلَّ حصولًا على تقييماتِ أداءٍ عاليةٍ. وقد تبلغُ الفروقُ نسبًا كبيرةً، إذ تتجاوزُ في الأغلبِ خمسةً وعشرينَ بالمئةِ. وزيادةً على ذلكَ، فإنَّ تقييماتِ الأداءِ تميلُ إلى الثباتِ عبرَ السنينِ –فالحاصلُ على تقييمٍ عالٍ في عامٍ ما مرشحٌ بقوةٍ لنيلِ تقييمٍ عالٍ في العامِ التالي– فيتحولُ ميلُ ذوي الألوانِ لنيلِ تقييماتٍ أدنى إلى حاجزٍ شبهِ مطلقٍ أمامَ تقدمِهم. ومن اللافتِ أنَّ النساءَ غالبًا ما يكنَّ أكثرَ حصولًا على تقييماتٍ عاليةٍ من الرجالِ المماثلينَ لهنَّ، لكنَّ ذلكَ لا ينعكسُ في احتمالِ ترقيتِهنَّ.
الوصولُ إلى الأدوارِ المسرِّعةِ للمسارِ المهنيِّ: ففي كلِّ شركةٍ، توجدُ أدوارٌ تُعدُّ مسرِّعاتٍ للمسارِ المهنيِّ، وأخرى تُعدُّ طريقًا مسدودًا، بغضِّ النظرِ عن شاغليها. وقد أظهرَتِ الدراسةُ أنَّ تولي الموظفِ دورَ الإشرافِ على أيِّ مستوًى يكادُ دومًا يزيدُ من فرصةِ ترقيتهِ ونيلهِ تقييماتٍ عاليةً. غيرَ أنَّنا وجدنا في الغالبِ أنَّ النساءَ وذوي الألوانِ كانوا أقلَّ بكثيرٍ من الرجالِ والموظفينَ البيضِ في شغلِ تلكَ الأدوارِ.
وغالبًا ما تكونُ الفروقُ جليةً وحادةً. فعلى سبيلِ المثالِ، في إحدى شركاتِ الخدماتِ الماليةِ العالميةِ التي درسناها، كانَ الموظفونَ الأميركيونَ الذين يتولونَ الإشرافَ أكثرَ احتمالًا للترقيةِ بنسبةِ خمسينَ بالمئةِ، وأكثرَ احتمالًا لنيلِ تقييماتٍ عاليةٍ بنسبةِ خمسةٍ وخمسينَ بالمئةِ مقارنةً بغيرِ المشرفينَ. أما خارجَ الولاياتِ المتحدةِ، فكانَ المشرفونَ أكثرَ احتمالًا للترقيةِ بنسبةِ تسعةٍ وثمانينَ بالمئةِ، وأكثرَ احتمالًا لنيلِ تقييماتٍ عاليةٍ بنسبةِ سبعةٍ وثلاثينَ بالمئةِ. وكانتْ هذهِ الآثارُ أشدَّ وضوحًا لدى المشرفاتِ من النساءِ مقارنةً بالمشرفينَ من الرجالِ. ومع ذلكَ، كانَ عددُ النساءِ المشرفاتِ في الشركةِ نصفَ عددِ الرجالِ تقريبًا.
ثم إنّ النساء، لما كان انقطاعهنّ عن العمل في سنوات تربية الأولاد أكثر وقوعًا من الرجال، فقد يتأخّرن عن تولّي مناصب الإشراف، فلا ينلن من تراكم المنافع التي يجنيها أقرانهنّ من الرجال في تلك المناصب.
وأما علاقات التقارير الوظيفية، فإنّ الشخص الذي يرفع تقاريره إلى رئيس ذي أداء عالٍ، يكون أوفر حظًّا في نيل تقييم مرتفع، ويزداد احتمال ترقيته في السلم الوظيفي. وكذلك من كان رئيسه في مرتبة أعلى من المعتاد لمن هم في درجته، فإنه ينال نصيبًا أوفر من النفوذ، فيكون أوفر حظًّا في الترقية والتقدير. فإذا كانت النساء وذوو الأصول غير البيضاء أقل حظًّا في رفع تقاريرهم إلى رؤساء ذوي أداء عالٍ أو في مراتب عليا، كانوا أيضًا أقل حظًّا في الترقية ونيل التقييمات العالية.
وأما العمل المرن، فقد صارت المؤسسات ترى ترتيبات العمل المرن ضرورة لاستقطاب المواهب والحفاظ عليها، لا سيما النساء وصغار السن. ومنذ جائحة كورونا، زاد إقبال الشركات والموظفين على هذه الترتيبات، غير أنّها كانت في السابق سببًا في تعثّر المسيرة المهنية، فالذي يعمل بدوام جزئي أو عن بُعد أو يأخذ إجازة عائلية يكون أقل حظًّا في الترقية، وأقل أجرًا، وأكثر عرضة لترك العمل.
وفي شركة أُشير إليها باسم “كونسيومر كو”، كان ضرر ترتيبات العمل المرن واقعًا على النساء وذوي الأصول غير البيضاء، إذ بلغت نسبة النساء العاملات بدوام جزئي ثلاثة أضعاف الرجال، ولذوي الأصول غير البيضاء ضعف ما لدى البيض. وبالجملة، خفّض العمل الجزئي احتمال الترقية إلى النصف، واحتمال نيل تقييم عالٍ بنسبة سبعين في المئة، وزاد احتمال ترك العمل بنسبة خمسة وعشرين في المئة مقارنة بمن يعملون بدوام كامل في ظروف مماثلة.
وكذلك كانت الإجازات الطويلة أكثر وقوعًا بين النساء وذوي الأصول غير البيضاء، وكان من يأخذ إجازة أقل حظًّا في الترقية أو نيل تقييم عالٍ بنسبة خمسين في المئة، وأكثر عرضة لترك العمل بنسبة مئة وخمسين في المئة في الولايات المتحدة، وثمانين في المئة على الأقل عالميًّا.
فإن لم تتخذ الشركات ما يخفف من آثار ترتيبات العمل المرن على الموظفين، فإنّ شيوع هذه الترتيبات قد يزيد من تعثّر مسيرة النساء وذوي الأصول غير البيضاء.
حُجّة الإدارة الاستباقية للمسار المهني
إلا أنّ هذه العوامل –سوى التقييمات– عارضة، ما يدل على أنّ تقدّم الموظفين ليس رهين مواهبهم ومهاراتهم فحسب، بل أيضًا مرهون بمدى تمكين أصحاب العمل لهم. فكثيرًا ما تُحرم النساء وذوو الأصول غير البيضاء من فرص النجاح التي تُتاح لنظرائهم من الرجال البيض.
ولا يعني هذا نفي أثر التحيّز والتمييز، بل إنّ فهم المشكلات المتعلقة بتموضع الموظفين ومعالجتها بوعي ونظام، يمكّن الشركات من إحراز تقدم ملموس في شؤون التنوع والإنصاف والشمول. وهنا يبرز دور الإدارة الاستباقية للمسار المهني.
فليس تقدّم الموظفين انعكاسًا لمواهبهم ومهاراتهم فحسب، ولا لما يصنعونه، بل أيضًا لما يهيّئه لهم أصحاب العمل من أسباب النجاح.
ومعنى الإدارة الاستباقية للمسار المهني في مجال التنوع والإنصاف والشمول بسيط: تحديد العوامل الأكثر أثرًا في النجاح المهني والاستبقاء، وترتيبها، ثم التدخل لإزالة الفوارق إذا كانت تميل بشدة ضد فئات سكانية معينة. أي السعي لضمان ألا يكون للخصائص السكانية أثر في مدى تموضع الموظف للنجاح أو البقاء.
ولكل مؤسسة تدفّقات في المواهب تشكّل قوامها؛ فهي توظّف وتدرّب وتطوّر موظفيها، وتكافئهم بالترقيات والتقييمات والزيادات وغيرها من صور المكافأة لقاء ما يحملونه من علم وخبرة وسلوك وأداء. ويبقى قرار الموظف بالبقاء أو الرحيل متأثرًا بتقدّم مساره المهني.
وهذه التدفّقات والمكافآت ترسم سوق العمل الداخلية في المؤسسة، وتحدد وفرة الأشخاص القادرين على تلبية احتياجات العمل. غير أنّ الفئات السكانية المختلفة لا تتساوى في فرص اكتساب هذه الصفات أو نيل المكافآت عليها.
فإذا لم توزَّع الفرص بعدل، ضيّقت الشركات نطاق مواهبها، وصارت النساء وذوو الأصول غير البيضاء أكثر عرضة للرحيل أو أقل التزامًا إذا بقوا، لأنّ مساراتهم المهنية تتعثر. ومعرفة كيفية اشتغال سوق العمل الداخلية للفئات السكانية المختلفة أمر جوهري لنجاح استراتيجية التنوع والإنصاف والشمول في أي مؤسسة.
لتنفيذ إدارة رأس المال البشري القائمة على الإنصاف، ينبغي للمنظمات أن تبدأ بإنشاء ملف للنجاح يحدد ويرتب العوامل التي تدفع الأفراد إلى التقدم. ومن هناك، يمكنهم دراسة كيف يؤثر كل عامل في احتمال ترقية الموظفين من مختلف الفئات الديموغرافية، وهل المنظمة تقدر قدراتهم وجهودهم على نحو عادل.
وإذا لم توزع الفرص بعدل، فإن الشركات بذلك تقيد فعليًّا إمداداتها من المواهب.
أما المنظمات الصغيرة، فقد تعتمد على العوامل الأربعة المذكورة في القسم السابق، إذ إن إجراء تحليلات إحصائية مضبوطة لبيانات سوق العمل الداخلية قد يكون متعذرًا عليها. ولهذه المنظمات أن تستكمل البحث بمدخلات نوعية حول مفاتيح التقدم الوظيفي من قادة المنشأة وموظفيها الذين أحرزوا تقدمًا في مراتبها.
وأما أصحاب العمل الكبار ذوو الهياكل المعقدة، فيُحسن بهم أن يضعوا ملفًا موضوعيًّا للنجاح، مستندًا إلى الأدلة التجريبية، يحدد ويرتب العوامل الفردية والظرفية الحاسمة التي تقود إلى النجاح في المنظمة. وأول ما يبدأ به هو العوامل المؤثرة في الترقيات، غير أن للمنظمة أيضًا أن تفحص مؤشرات أخرى للنجاح، كالأجور، والتقييمات، والاستبقاء، لترى مدى توافق النتائج مع تحليل الترقيات.
وبعد إعداد الملف، تأتي الخطوة التالية، وهي دراسة كيف ينطبق الملف على الفئات الديموغرافية المختلفة. وهناك سؤالان تنبغي الإجابة عنهما:
أولًا: هل العوامل الأكثر تأثيرًا في نجاح الموظفين موزعة على نحو متشابه بين الفئات الديموغرافية، أو أنها تتركز في بعض الفئات دون غيرها؟ وهذه آثار كمية، تعكس التكرار النسبي للعوامل بين الفئات. فمثلًا: هل للنساء وذوي البشرة الملونة حظ من الخصائص المرموقة أو ظروف العمل المرتبطة بالنجاح، مثل حظ الرجال وذوي البشرة البيضاء؟
ثانيًا: إذا امتلك الأفراد تلك الخصائص المرموقة أو عملوا في الظروف المفضلة، هل ينتفعون منها جميعًا على السواء، أو أن بعض الفئات الديموغرافية تنتفع أكثر من غيرها؟ وهذه آثار سعرية، تعكس إذا كان صاحب العمل يثمن الصفة أو السلوك أو الظرف المختلف لفئة دون أخرى.
والجواب الموضوعي عن هذين السؤالين هو أساس إدارة رأس المال البشري القائمة على الإنصاف، كما يتجلى في مثال شركة المستهلكين.
تمكين الموظفين من النجاح في شركة المستهلكين
كان قادة الشركة عاقدي العزم على تحسين العدالة في المسار الوظيفي والأجور لدى موظفيهم من أصحاب الرواتب والعاملين في الخطوط الأمامية.
وقد أدركت الشركة أن وجود قوة عاملة متنوعة ليس ترفًا ولا تنازلًا للصالح الاجتماعي، بل ضرورة لنجاحها. ومع تزايد تنوع قاعدة العملاء، ونمو الأعمال في أسواق خارج الولايات المتحدة وأوروبا، غدا وجود فريق قيادة وقوة عاملة على دراية بتفضيلات وثقافات المجتمعات المحلية، أمرًا جوهريًّا لتحقيق أهداف النمو.
وقد عمد قادة الموارد البشرية والتنوع والإنصاف إلى تحليل بيانات القوى العاملة لديهم، لاستكشاف وتقييم ملف النجاح للموظفين أصحاب الرواتب. وحددوا اثني عشر عاملًا هي الأرجح في التنبؤ بالترقيات. وقد غلبت العوامل الظرفية على هذا الملف، الأمر الذي أدهش القادة الذين كانوا يرون الثقافة قائمة على الجدارة. فمن بين أهم اثني عشر عاملًا، كان التصنيف الأدائي ومدة الخدمة وحدهما متعلقين بموهبة الفرد أو إنجازه، أما البقية فكانت محض ظروف.
وكان العمل خارج الوطن (الاغتراب) أكثر العوامل إيجابية في التأثير، في حين كان رفع التقارير إلى مشرف أعلى من المعتاد أقلها أثرًا بين العوامل الاثني عشر، لكنه ظل ذا دلالة إحصائية.
وشملت العوامل الأخرى ثلاثة من الأربعة المذكورة آنفًا: الحصول على تقييم أداء عالٍ، وتولي دور إشرافي، ورفع التقارير إلى مشرف عالي التقييم. كما أن العمل في وظائف أو خطوط أعمال معينة كان له أثر كبير في مسار التقدم الوظيفي.
وأظهرت النماذج المماثلة أنه حتى احتمال الحصول على تقييم مرتفع كان متأثرًا تأثرًا مفرطًا بالعوامل الظرفية، ما أوحى بأن تقييم الأداء ليس مقياسًا دقيقًا لإسهامات الأفراد.
وعندما قارن قادة الشركة ملف النجاح مع أوضاع النساء في الشركة، وجدوا أنه حين توضع النساء في ظروف مواتية لتقدمهن المستقبلي، يكن في الغالب بمستوى الرجال ذاته. غير أنهن في المجمل كن أقل احتمالًا لأن يجدن أنفسهن في تلك الظروف (انظر: “رسم تجارب النساء على ملف النجاح”). فمثلًا: النساء المغتربات كن أرجح للترقية من الرجال المماثلين، لكن تمثيل النساء بين المغتربين كان أقل. وكذلك كان تولي الإشراف خطوة مهمة نحو النجاح في الشركة، لكن تبين أن النساء أقل تمثيلًا في الأدوار الإشرافية، وإذا تولينها لم تساعدهن في مسارهن الوظيفي كما تساعد الرجال المماثلين، لأسباب لم تتضح. وقد رأى قادة الشركة أن الموظفات يواجهن عقبتين: فهن محرومات من هذا الدور المسرّع، وإذا حصلن عليه لم يعزز فرص ترقيتهن كما يعززها لزملائهن الرجال.
وحين نظرت الشركة إلى ذوي البشرة الملونة، وجدت أنهم أقل تموضعًا وأدنى تقديرًا من الموظفين البيض. لذا، كان لزامًا على الشركة أن تغير ديناميات سوق العمل الداخلية لتحقيق العدالة في المسار الوظيفي والأجور للنساء وذوي البشرة الملونة.
قائمة تدقيق للتغيير
إن التركيز على العوامل الظرفية له ميزة واضحة، فهي أسهل معالجة من السمات الفردية. فعلى سبيل المثال، إن كانت مدة الخدمة من العوامل المهمة في تحقيق النجاح، فإنها من وقائع تاريخ عمل الأفراد، وليست مما يمكن لشركة “كونسيومر كو” تغييره بين عشية وضحاها.
ومع ذلك، فقد حددت “كونسيومر كو” عدة مجالات يمكنها أن تتخذ فيها إجراءات سريعة نسبيًّا، كأن تغيّر علاقات التقارير للنساء وذوي البشرة الملونة، وتبحث عن فرص تمنحهم خبرة إشرافية في وقت أبكر من مسيرتهم المهنية، وتعالج الفوارق في تقييم الأداء لذوي البشرة الملونة.
وقد وجدت الشركة أن الانقطاع عن العمل يعوق التقدم المهني، لا سيما بالنسبة إلى النساء، ولهذا فهي تطور أيضًا سياسات جديدة للإجازات وتطوير المسار المهني لمعالجة الاختلالات في تلك الفئة.
وهنا يتجلى الجانب “الاستباقي” من منهج إدارة المسار المهني.
لقد جعل تحليل ملف النجاح في “كونسيومر كو” من الممكن وضع قائمة تدقيق بسيطة تتضمن إشارات خضراء (عوامل تعزز التقدم المهني) وإشارات حمراء (عوائق النجاح)، يستطيع المديرون استخدامها لتقييم موضع كل موظف. وبالنظر فيما إذا كانت النساء وذوو البشرة الملونة في فرقهم يواجهون إشارات خضراء أكثر أم حمراء، يمكن للمديرين والمشرفين تحديد من هو في موقع جيد للبقاء والازدهار، ومن قد يكون معرضًا لخطر الجمود المهني أو مغادرة المنظمة (انظر “الإشارات الخضراء والحمراء”).
الإشارات الخضراء، والإشارات الحمراء
أنشأ بائع تجزئة عالمي للسلع الاستهلاكية قائمة صفات تعزز أو تعيق تقدم الموظفين المهني. ويستخدم المديرون هذه القائمة لتحديد هل كانت النساء وذوو البشرة الملونة في فرقهم في موقع مناسب للتقدم أو ربما معرضين لخطر الجمود المهني أو مغادرة المنظمة؛ ومن ثم يمكنهم اتخاذ الخطوات اللازمة لزيادة الوصول إلى عوامل النجاح والتخفيف من العواقب غير المقصودة (لأسباب تتعلق بالسرية، حُدِّدت الوظائف المنفصلة بالحروف فقط).
الإشارات الخضراء
(صفات مواتية للنجاح)
الصفات الفردية
□ الحصول على تقييم “استثنائي”.
□ امتلاك مدة خدمة أطول من الأقران المماثلين.
□ الحصول على تقييم “يتجاوز التوقعات”.
□ أن يكون أصغر سنًّا من الأقران المماثلين.
الصفات الظرفية
□ أن يكون مغتربًا.
□ أن يكون مشرفًا.
□ أن يعمل في الوظيفة م أو ج أو س أو ح.
□ أن يكون ضمن خطة المكافآت ف أو ل.
□ أن يرفع تقاريره إلى مشرف أعلى مرتبة.
□ أن يرفع تقاريره إلى مشرف عالي التقييم.
الإشارات الحمراء
(صفات غير مواتية للنجاح)
الصفات الفردية
□ البقاء في الدرجة الوظيفية مدة أطول من الأقران المماثلين.
□ العمل بدوام جزئي.
□ كان في إجازة مؤخرًا.
□ الحصول على تقييم “متوسط”.
الصفات الظرفية
□ العمل في التوزيع.
□ العمل في النوبة الليلية.
□ عدم العمل في العلامات التجارية الكبرى.
□ التعرض لتغيير في المشرف.
□ رفع التقارير إلى مشرفة أنثى.
□ العمل ضمن فرق بها عدد أكبر من الزملاء الأكبر سنًّا (يقلل من فرص الترقية، لكنه يزيد من فرص الحصول على تقييم مرتفع).
□ رفع التقارير إلى مشرف لديه عدد أكبر من المرؤوسين المباشرين.
وفي الوقت ذاته، استخدم قادة الموارد البشرية والتنوع والإنصاف هذا التحليل لتقييم وضع الموظفين من مختلف الفئات الديموغرافية على مستوى المجموعات. وبالنسبة إلى كل عامل، كان بإمكانهم تقييم الواقع الظرفي لمختلف المجموعات وتكييف تدخلاتهم لمعالجة الفجوات الأكثر أهمية.
فعلى سبيل المثال، وجدوا أن الموظفات والموظفين السود واللاتينيين كانوا أقل احتمالًا لأن يرفعوا تقاريرهم إلى مشرفين عالي التقييم، في حين أن الموظفين الآسيويين كانوا أكثر حظًّا في هذا الجانب. وعلى الرغم من أن النساء كن أقل احتمالًا لرفع التقارير إلى مدير أعلى بدرجة واحدة من المعتاد، لم تكن هناك فروق مماثلة لذوي البشرة الملونة. كذلك، رغم أن كل مجموعة عرقية غير بيضاء كانت ممثلة تمثيلًا ناقصًا في إحدى الوظائف الأساسية التي تسهم أكثر في التقدم، فإن النساء كن أكثر احتمالًا للعمل في تلك الوظيفة مقارنة بالرجال.
“كونسيومر كو” في المراحل الأولى من تنفيذ التدخلات لمعالجة الفوارق، لكن شركات أخرى عملتُ معها اتبعت حلولًا متنوعة.
وغالبًا ما يتطلب سد الفجوات الناتجة عن ترتيبات العمل المرنة تغيير الثقافة المؤسسية. ففي كثير من الشركات، يُنظر إلى العمل الجزئي على أنه دليل على التزام أقل، وقد يصعب تغيير هذه التصورات. غير أن الشركات يمكنها إحراز تقدم سريع في الأجور إذا توقفت عن احتساب أوقات الإجازة في النماذج الإحصائية التي تستخدمها لتقييم عدالة الأجور، وعدّلت الرواتب لسد الفجوات.
وقد قُلِّصَت الفوارق العرقية الظرفية في تقييمات الأداء في بعض الشركات من خلال عملية المعايرة التي تُستخدم لتوحيد التقييمات بين المشرفين المختلفين، كما ألغت بعض الشركات أنظمة التصنيف الإجباري التي تتيح لنسبة محدودة جدًّا من الموظفين الحصول على أعلى التقييمات، وهي غالبًا ما تفضل أصحاب أطول خدمة الذين يعرفهم المشرفون جيدًا، وغالبًا ما يكونون من البيض.
وقد عالج بعض العملاء أهمية أدوار المشرفين من خلال توسيع التدريب، سواء لتعزيز أهمية هذه الأدوار أو لمساعدة المشرفين على فهم تأثيرهم في فرص الموظفين. ويمكن للقادة تقديم التدريب لمساعدة النساء وذوي البشرة الملونة على اكتساب الخبرة اللازمة للتقدم، وسد الفجوة بين النساء والرجال في هذه المناصب.
إدارة المسار المهني الاستباقية: منافعها ومخاطرها
لما كان “نموذج النجاح” يُبنى على بيانات المؤسسة، فإنه أقرب إلى الواقع من الافتراضات التي يتخذها القادة بشأن كيفية تحقيق الموظفين للنجاح. فكثيرًا ما يميل القادة إلى الظن بأن ما أوصلهم إلى القمة كفيل بأن يوصل غيرهم إليها كذلك، وقد يبسطون الطريق الذي سلكوه هم أنفسهم. زد على ذلك أنّ الناس غالبًا ما يعممون أحكامهم استنادًا إلى تجاربهم الخاصة، وإن لم تكن ممثلة للمعيار السائد في المؤسسة.
وإن النموذج التجريبي الرصين قادر على مقاومة ميل الناس إلى التمني أو التشبث بالمعتقدات، كما يمكنه أن يأخذ في الحسبان آثار الاختلاف في خطوط الأعمال، والوظائف، والمناطق الجغرافية، وأنواع الوظائف. وهذا أمر يصعب إدراكه من خلال الملاحظة الشخصية والتجربة وحدهما.
وبما أن “نموذج النجاح” مبني على البيانات، فهو أصدق في عكس الواقع من افتراضات القادة.
ومن مزايا إدارة المسار المهني الاستباقية أنها مؤسسة على ما يحقق القيمة للأعمال، فلو أن دورًا ما غدا محوريًّا للنمو، لكان من المتوقع أن يمنح صاحب العمل مزيدًا من القيمة لذلك الدور وللموظفين الذين يحققون فيه النجاح. وبقدر ما تعين استراتيجية التنوع والإنصاف والشمول في المؤسسة على تمكين النساء ذوات الإمكانات العالية وذوي البشرة الملونة من الولوج إلى هذه الأدوار الجديدة ذات القيمة وأدائها على نحو مقتدر، فإنها تحقق مصلحة العمل الأكبر.
غير أن لإدارة المسار المهني الاستباقية جانبًا سلبيًّا يتعلق بمشاركة البيانات والمعلومات الحساسة؛ فهي تنطلق من نمذجة موضوعية لمحددات النجاح وأثرها في الفئات المختلفة، ولا مناص من أن تبرز النماذج معلومات قد تكون ضارة عن وجود تفاوتات منهجية بين الجنسين أو الأعراق في النتائج والفرص، ما يعرض المؤسسة لمخاطر قانونية.
وتبلغ إدارة المسار المهني الاستباقية أوج فعاليتها حين يدرك المديرون الحقائق التي تكشفها النماذج، ويدركون أسباب الأفعال المخصوصة التي تقتضيها؛ ولهذا فهي تتطلب قدرًا معقولًا من الشفافية. غير أن الدوائر القانونية في الشركات قد تعترض على كشف ما تراه دليلًا قويًّا على التحيز وعدم المساواة.
وها هنا ينبغي تحقيق توازن دقيق، وغالب المؤسسات التي أتعامل معها تحقق ذلك من خلال مشاركة المعلومات العامة مع قادة الأعمال والوحدات، وأحيانًا مع مجموعات الموظفين، حول أسباب بعض الإجراءات، مع قصر البيانات التفصيلية على نخبة من كبار التنفيذيين وقادة الموارد البشرية والتنوع والإنصاف والشمول. وغالبًا ما يشرف المستشار القانوني على مثل هذه القرارات، غير أن هؤلاء المستشارين باتوا أكثر تفهمًا للحاجة إلى استراتيجيات التنوع والإنصاف والشمول المعتمدة على البيانات، مدركين أن الناس لا يمكنهم حل المشكلات التي يجهلونها أو لا يفهمونها. إن التفاوتات غير المبررة في فرص التقدم المهني في كثير من المؤسسات جديرة بالمعالجة، إذ تشير إلى احتمال تأثير التحيز والتمييز، غير أن ذلك لا ينبغي أن يصرف النظر عن الفروق التي يمكن تفسيرها بعوامل مشروعة وذات صلة بالأعمال. وإن أضمن السبل وأكثرها استدامة لتحقيق العدالة المهنية والتمثيل العادل على مستويات المؤسسة جميعها هي معالجة ممارسات تطوير المسار المهني (أو غيابها) التي تعيق –بشكل منهجي– تقدم النساء وذوي البشرة الملونة.
ولا ريب في أن العمل الذي يؤديه الموظفون، ومعارفهم ومهاراتهم، ومدى اجتهادهم وفاعليتهم، كلها تؤثر في احتمال نجاحهم. غير أن النجاح أيضًا رهين بمدى تمكين الأفراد من تحقيقه، وها هنا يمكن للمؤسسات أن تحسن من ضمان حصول ذوي الإمكانات العالية جميعهم على الخبرات التي تؤهلهم للنمو والتقدم.
المراجع
1. R. Edwards, R. Guzzo, C. Jackson, et al., “Let’s Get Real About Equality,” white paper, Mercer, New York, March 3, 2020.
2. H.R. Nalbantian, “The Critical Importance of Roles in Career Equity,” CFO, Dec. 8, 2022, www.cfo.com.
3. H.R. Nalbantian, “How Flexible Work Can Undermine Career Advancement — and What to Do About It,” Brink, Dec. 12, 2022, www.brinknews.com.
4. H.R. Nalbantian, “The Internal Labor Market Paradigm: A Model for Using Analytics to Evaluate and Interpret Workforce and Business Performance Data,” in the “The Talent Management Handbook,” 3rd ed., eds. L.A. Berger and D.R. Berger (New York: McGraw Hill, 2017), 542-555.
i. See H.R. Nalbantian, “An Employer’s Guide to Achieving and Sustaining Pay and Career Equity at Work,” white paper, Mercer, New York, November 2022.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




