ترجمة: عبدالملك البلادي
أفادت الأبحاث الحديثة بأن بناء ثقة الموظفين هو مفتاح الإدماج، وتقدم رؤى حول كيفية تعزيز الإدماج على مستوى عملي في مكان العمل.
يدعو القادة للاحتفاظ بقوى عاملة متنوعة وجذبها في خضم الاستقالة الكبرى، بينما يكافح عديد المديرين حول كيفية القيادة الشمولية (وهي نوع من أنواع القيادة حيث يُشرِكُ في قائد المنظومة جميع في موظفيه في المنظومة باختلاف أعراقهم وأطيافهم). ففي بحث أجرته شركة (ماكينزي) حول هذا الموضوع بعنوان الاستنزاف الكبير، أفاد الموظفون بأن عدم الشعور بالتقدير والافتقار إلى الشعور بالانتماء من العوامل المهمة التي تؤثر على قرارهم بترك وظائفهم السابقة. ولسوء الحظ، من الصعب العثور على مناهج قيادية عملية لمعالجة هذه التحديات. تمنحنا الأطر القائمة على البحث مثل نظرية الهوية الاجتماعية ونظرية التميز الأمثل فهمًا أساسيًا للشمول، لكنها لا تعالج تعزيز الشمول على مستوى عملي داخل مقرات العمل.
أنّا للموظفين أن يشعروا بالشمول في مقرات عملهم؟ وكيف يزرع القادة ذلك الشعور؟ أردنا في دراستنا أن نرى كيف يصف الموظفون الشمول ويختبرونه بمستوى من العمق لا تستطيع الاستطلاعات كشفه. وبعد إجراء مقابلات مع عينة هادفة من الموظفين، حللنا أكثر من 15 ساعة من قصص الشمول والاستبعاد. حيث جاء المشاركون لدينا من أربع صناعات مختلفة عبر ثمانية أنواع من الوظائف وكانوا متنوعين من حيث الجنس والعرق ومستوى المهنة.
دائمًا ما كان “الانتماء” موضوعًا محوريًا للشمول في مقرات العمل لبعض الوقت. ومع ذلك، أخبرنا ما نسبته 80% من المشاركين في الدراسة أنهم يشعرون بمزيد من الثقة في قدراتهم عند التعامل مع القادة الشموليين، بما يتجاوز مجرد الشعور العام بالانتماء أو التقدير. كما يشعرون بالنقيض من ذلك مع القادة غير الشموليين، والذين غالبًا ما يثيرون مشاعر الشك وانعدام الأمن. وباﻷحرى، كلما شعر الموظفون بثقة أعلى حول القادة والفرق التي تفاعلوا معها، زاد شعورهم بأنهم مندمجون في المنظومة. فالثقة شعور مهم ولكنه مهمل مرتبط بالشمول في مقر العمل والذي يمكن للقادة التأثير عليه بشكل مباشر.
باستطاعة العديد من ممارسات القيادة الشمولية، كالتدريب وبناء علاقات منفتحة، أن تولد ثقة الموظفين. فقد سلطت دراستنا الضوء بشكل خاص على مدى براعة القادة الشموليين في خلق مساحة للتعبير عن الرأي. في الواقع، أجمع 100% من المشاركين في دراستنا كيف أن وجود صوت مسموع مهمٌ للشعور بالثقة والشمول. يمكن تعريف صوت الموظف بأنه التواصل الطوعي للأفكار أو التوصيات أو المخاوف أو الآراء الأخرى المتعلقة بالعمل. ومع ذلك، لكي يشعر الموظفون بأن أصواتهم مسموعة، يحتاج القادة أن يعمدوا إلى خلق مساحة للأفراد المساهمين. وبذلك، يرفع القادة الشاملون مستوى السلطة غير الرسمية والمصداقية لدى الموظف، مما يؤدي إلى زيادة مشاعر الثقة.
وفيما يلي أربع طرق يمكن للقادة من خلالها خلق مساحة للتعبير عن الرأي مع رفع ثقة أعضاء فريقهم، مستمدة من القصص التي شورِكت في دراستنا.
- أنشئ مصداقية أعضاء الفريق بشكل استباقي.
فكر في وقت انضممت فيه إلى فريق جديد أو بدأت العمل مع مجموعة خارج زملائك المعتادين. هل كان عليك أن تمر بكل الصعوبات لإثبات نفسك، أم أن القائد أشار إليك وإلى الآخرين بأنك لديك شيء مهم للمساهمة به؟
لا يشعر الموظفون بأنهم جزء من الفريق حينما يتعين عليهم محاولة اكتساب الفضل مع الآخرين باستمرار. ففي الواقع، يتوقع الموظفون أن ينسب قادتهم وفرقهم إليهم مستوى من الفضل يعترف بخبرتهم وخلفيتهم وكفاءتهم؛ إذ يمكن لطلب المشورة من الأفراد في فريقك أن يوحي بانك تقدّر خبرتهم ووجهات نظرهم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قال أحد القادة صراحةً لمشاركةٍ من أصل إسباني في دراستنا، “أنتِ القائدة هنا”. وبذلك، منحها سلطة غير رسمية وفضل أمام الفريق . إذ ذكرت أنها جعلتها تشعر “على المستوى نفسه”. كما وصفت ثقة القادة في توصياتها ونصائحها بأنها “ذات مغزى بالنسبة لي”.
إن نسبة الفضل أمر مهم ليس فقط بالنسبة لتقاريرك المباشرة، بل أيضًا لشركاء المصفوفة الذين تعمل معهم. كما أن بيئات العمل الانتقادية المفرطة والتفاعلات الحكمية (وتعني أن جميع تفاعلاتك مع أفراد المنظومة تحت المجهر وتُحاكم عليها) هي عوامل رئيسية في الشعور بالاستبعاد. وصفت إحدى محترفات الموارد البشرية ذات الخبرة الانضمام إلى فريق لم يقدر خبرتها السابقة وكانت لديه عقلية “لم تكن شريكًا تجاريًا حقًا إذا لم تفعل ذلك هنا”. وقالت إن الجهد المبذول لإثبات مهاراتها وخبرتها “شعرت بالإهانة في بعض الأحيان”.
2. بادر بالحديث مع الآخرين.
إن ملاحظة متى يحاول شخص ما التحدث أو متى لم تسنح له الفرصة للمساهمة يعد عنصرًا مهمًا في خلق مساحة للتعبير عن الرأي. كما بوسع القادة الشموليون أن يكونوا على دراية بما يشعر به أطراف الحوار وإشراك الآخرين عمدوا في المحادثة. فحينما تسأل شخصًا كان يحاول التحدث ولكنه يكتم قوله باستمرار، “ماذا لديك لتقول؟ أرى أنك كنت تحاول مشاركة شيء ما” هو أمر سهل في ظاهره ولكنه يحمل في طياته تحفيزًا هائلًا. إذ قال أحد المشاركين في الدراسة إنه يقدّر قادة الفريق أو الاجتماع “الذين يمنحون صوتًا عن قصد للأشخاص الذين قد لا يشاركون” لكنهم يميزون بين وضع شخص ما في موقف محرج مقابل طرح الأسئلة “لجذبه إلى المحادثة والسماح له بإبداء رأيه”.
ففي بيئة العمل الهجينة اليوم، تعد أهمية إشراك الأشخاص في المحادثة -سواءً افتراضيًا أو واقعيًا- مهارة قيادية أساسية، حيث تستخدم بعض الفرق ميزات رفع اليد على منصات العمل الافتراضية الخاصة بها لضمان قدرة الأشخاص على المساهمة في المناقشات. وبصفتك قائدًا، يمكن أن يكون إشراك صوت فريقك بهدف هو الفارق بين فريق واثق يساهم بوجهات نظر متنوعة أو مشاركين سلبيين يكبحون جماح أفضل تفكير لديهم.
3. كن منفتحاً على التحديات.
يبدو أن القادة الاستبعاديين “يمتصون كل الهواء من الغرفة” (بمعنى أنهم ينفردون بكل شيء يخص العمل)، ويظلون مهووسين بأفكارهم، أو يقدرون خبرتهم فوق أي شخص آخر، ولا يتركون أي مساحة لإبداع أي فردٍ من الفريق. وعلى النقيض من ذلك، كان القادة الشموليون الذين وصفناهم في دراستنا صريحين بشأن عدم وجود الإجابات. وصف أحد المشاركين في الدراسة قائدًا “لم يخلق مسافة كبيرة بيننا وبينه. وفي بعض الأحيان كانت أفكاره هي تلك التي يمكننا رفضها”، مما أدى إلى تعميق الديناميكية الشمولية.
إن القدرة على التحدث بصراحة، وخاصة في حالة الخلاف مع شخص يتمتع بالسُلطة، تشكل جزءًا أساسيًا من سلوك أعضاء فريقك في التعبير عن آرائهم وعنصرًا أساسيًا في العلاقة الشمولية مع القادة. وغالبًا ما يرتبط التحدث بصراحة بتحدي تصرفات وآراء أولئك الذين هم أعلى في التسلسل الهرمي، لكن الثقافة الشمولية يمكن أن تستفيد من الأسئلة الصعبة. قال أحد المشاركين في الدراسة عن قيادة شركته، “لم أكن هناك إلا لبضعة أسابيع، لكنني تداخلت كثيرًا وحاولت مساعدتهم على رؤية التناقضات في تفكيرهم”. كان سعيدًا عندما وجد أنهم “كانوا رائعين في ذلك وحصلوا عليه. شعرت أن لصوتي قيمة كأصواتهم”.
إن السماح لشخص يتمتع بسلطة أقل رسمية بتحدي تفكيرك يعزز شعوره بالثقة في أفكاره وقدراته. فالقادة الشموليون يعرفون متى يجب عليهم تضخيم أصوات الآخرين وكيفية التخفيف من أصواتهم من التغلب على أصوات الآخرين.
4. التعامل مع أفكار الآخرين بعناية.
خلُصت الدراسة إلى أن الأفكار تمثل منبعًا لأهمية الشخصية والتمييز بين الموظفين. وإن القادة الذين يدركون أفكار أحد أعضاء الفريق ويبنون عليها وينفذونها يؤكدون على أهمية صوت الموظف مع التأكيد على مصداقيته. احرص على رعاية الأفكار والاستثمار فيها، ولكن إياك و سلبها من صاحبها. ليس من المستغرب أن يشعر الموظفون الذين تحدثنا معهم بالغضب و”الاستغلال” حينما يفشل القائد في الاعتراف بمصدر الفكرة، بل الأسوأ من ذلك، أن يدّعي أنها فكرة خاصة به.
يعد الاعتراف بأفكار الموظف ووجهات نظره في اللحظة المناسبة أمرًا من الأهمية بمكان بالنسبة له. حيث روى أحد الموظفين قصة عن قضاء أشهر في صياغة التوصيات قبل أن يُقال له إن أفكاره لن يُسمح لها بالمضي قدمًا، حتى بعد انقضاء بضعة أشهر، عندما نفذ آخرون توصياته دون الاعتراف بجهوده. ووصف مشارك آخر معيارًا ثقافيًا وهيكلًا للإبلاغ يمنع الاعتراف بأفكار الموظفين الأقل خبرة قائلًا: كان المدير المسؤول عن المبيعات فقط هو المسؤول عن التحدث إلى العملاء حول أفكار جديدة. وكان على المحللين والمستشارين تقديم أفكارهم إلى المدير، الذي كان “من المفترض أن يطرحها على العميل؛ هذه الطريقة الجامدة في التفكير تمنع الشمولية”.
سواء أكان ذلك بسبب طرق العمل الهرمية، أو التحيز، أو الافتقار البسيط إلى الوعي، فإن القادة الذين يتعاملون بلا مبالاة مع أفكار الآخرين يمكن أن يخنقوا ثقة الفريق وشعوره بالشمول. عندما تتخذ خطوات لتنفيذ توصية أحد الموظفين، أخبر الآخرين بمن ساهم.
إن خلق مساحة للتعبير عن الرأي لن يكون مثمرًا إذا لم يستمع القادة فعليًا إلى أصوات الموظفين. هناك عواقب سلبية لعدم الاستماع أو التصرف بناءً على ما يتم مشاركته. يقدم المديرون “صوتًا زائفًا” دون نية مراعاة مدخلات الموظفين. يمكن للموظفين اكتشاف المحاولات الخادعة للشمول، وعندما يدركون أنهم لا يُسمعون، فمرجحٌ أن يقل حديثهم. إن الاستماع إلى الموظفين لا يعني قبول كل تعليق أو فكرة يقدمونها ولكنه يتطلب الاستماع الحقيقي.
قد يواجه القادة صعوبة في خلق مساحة للتعبير عن آرائهم بسبب التحيز اللاواعي، أو التحفظات بشأن مصداقية شخص ما، أو ربما الحاجة العميقة إلى القيادة بطريقة توجيهية وسيطرة. ومن ناحية أخرى، يعمل القادة الشموليون على تيسير العمل، حيث يخلقون مساحة لموظفيهم للمساهمة وتعزيز ثقتهم.
وصف أحد المشاركين في الدراسة “القادة التقليديون” أو “القادة الأشد تقليدية” بأنهم “أكثر هرمية من أعلى إلى أسفل”، لكنه وصف نهج القيادة الشمولي “الحديث” بقوله: “سنكتشف هذا معًا. بصفتي قائدك، أنا هنا لتسهيل العملية بدلًا من تقديم جميع الإجابات”.
أشعِر أعضاء فريقك بالثقة والشمول من خلال خلق مساحة صوتية بطريقة صادقة: قم بتأسيس مصداقية أعضاء الفريق بنشاط من خلال دعوتهم إلى المحادثة، وقبول أنك قد لا تملك جميع الإجابات، ومعاملة أفكارهم باحترام. يتطلب خلق مساحة صوتية نية القائد واهتمامه ويمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا في بناء فريق عالي الأداء ومتنوع وشِمولي.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




