ترجمة: عبدالملك البلادي
يتطلب الذكاء الاصطناعي التعلم المستمر، فيتعين على القادة تقبل هذا الواقع المرير وإعطاء الأولوية لتطوير معرفتهم بالذكاء الاصطناعي.
يحتاج المديرون التنفيذيون إلى فهم تقنية المعلومات لكسب قيمة تجارية منها والتفاعل بشكل مثمر مع المتخصصين في تقنية المعلومات، ومع ذلك، لطالما أبدى خبراء تقنية المعلومات أسفهم على المعرفة المحدودة للعديد من المديرين التنفيذيين بالوظائف الأساسية لها. وفي المقابل، رفض العديد منهم (دون وعي غالبًا) تطوير مثل هذه المعرفة، مفضلين بدلًا من ذلك تركيز جلّ وقتهم واهتمامهم على مجالات العمل والأمور التجارية البحتة.
وتشير الأدلة الحديثة مع ذلك إلى أن المنظمات التي تنجح في إطلاق العنان للإمكانات الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي لديها مديرون وقادة يجسدون الغريزة المعاكسة، فهؤلاء لديهم معرفة أعمق بوظائف الذكاء الاصطناعي.
وبناء على العديد من الدراسات الحديثة والمستمرة حول معرفة الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أبحاث تضمنت تحليل مهارات الذكاء الاصطناعي لدى 6986 من المديرين التنفيذيين، وهياكل مجالس إدارة 645 شركة، ودراسات تجريبية حول التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، فإننا نقترح موضوعا توجيهيًا جديدًا لمعرفة الذكاء الاصطناعي لدى المديرين التنفيذيين وجعل المشقة المرتبطة بالتكنولوجيا عادة. وفيما يلي ثلاث طرق لتطوير وممارسة عادة صون معرفة الذكاء الاصطناعي:
- ابتغِ المشقة الناتجة عن التعلم المستمر حول الذكاء الاصطناعي
ويتعين على المديرين التنفيذين أن يتقبلوا القلق الناجم عن كونهم دائماً متقدمين بفهمهم الخاص للذكاء الاصطناعي ليتمكنوا من التعامل مع التأثيرات التجارية والتكنولوجية للذكاء الاصطناعي، وهذا يعود إلى سببين جوهريين، الأول هو أن الذكاء الاصطناعي كان مبهمًا ولكن المصطلح اتسع ليشمل أدوات التكنولوجيا مختلفة الخصائص، وتحتاج الوظائف التنظيمية إلى تطبيقات ذكاءٍ اصطناعيٍ مختلفة مصممة بشكل كبير لتناسب بياناتها وسير عملها. فعلى سبيل المثال، تطبيقات روبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي والمستندة إلى نماذج لغوية كبيرة يمكن أن تجعل وكلاء خدمة العملاء أكثر إنتاجية لوظائف المبيعات ودعم الخدمة، فإن خوارزميات شجرة القرار تمكّن التطبيقات التي تبسّط أعمال الصيانة الاستباقية لعمليات الخدمة. إن معرفة ما يميز تقنيات الذكاء الاصطناعي المختلفة سيكون أمرًا بالغ الأهمية لقادة الأعمال الذين بيدهم إجراء العمليات وتحسينها باستمرار.
أما السبب الثاني فيكمن في تغير تطبيقات الذكاء الاصطناعي بمعدل بالغ السرعة، ويتوقع كبار المسؤولين التنفيذيين من قادة الأعمال مواكبة فرص التحول ذات الصلة المتاحة. على سبيل المثال، فبعد أقل من نصف عام من ترويج (شات جي بي تي) من قِبل (أوبن إيه آي) أتاحت شركة الاتصالات الفرنسية (بويجيس تيليكوم) أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية في عملية خدمة العملاء الخاصة بها، مما يشكل تحدياً للمديرين التنفيذيين للشركة لفهم التكنولوجيا بسرعة وكيف تختلف عن الذكاء الاصطناعي السابق. ولتلبية التوقعات، لا يحتاج المديرون التنفيذيون إلى تطوير مهارات البرمجة العميقة، لكنهم يحتاجون إلى فهم سليم لمبادئ الذكاء الاصطناعي الأساسية، وسيتطلب هذا من المديرين التنفيذيين في بعض الحالات استيعاب المزيد من المعرفة التكنولوجية رغم عدم ارتياحهم لذلك.
ولكن ما مدى مواكبة المديرين التنفيذيين في مختلف الوظائف في فهمهم لما يعنيه الذكاء الاصطناعي؟ وما هي أنواع تطبيقات الذكاء الاصطناعي ذات الصلة بفرقهم والمخاطر والفوائد المرتبطة بها؟ أظهر تحليلنا القائم على مهارات الذكاء الاصطناعي التي كشف عنها المديرون التنفيذيون عبر الإنترنت في عام 2023م أن 8% من المديرين التنفيذيين في الولايات المتحدة لديهم مستويات مرتفعة من المعرفة المفاهيمية المتعلقة بتقنيات الذكاء الاصطناعي مثل التعلم المتعمق، ويرتفع متوسط معرفة الذكاء الاصطناعي إلى 18%. (انظر نقاط البيانات الخاصة بالصناعات الأخرى في “معرفة الذكاء الاصطناعي التنفيذية في صناعة التكنولوجيا على مستوى مجلس الإدارة عبر الصناعات” أدناه). وليس من المستغرب أن يكون لدى جميع شركات اليونيكورن -الشركات الخاصة التي تزيد قيمتها على مليار دولار- متوسط معرفة أعلى بالذكاء الاصطناعي بما نسبته 23%.
معرفة المديرين التنفيذيين بالذكاء الاصطناعي على مستوى مجلس الإدارة عبر الصناعات
كم عدد المديرين التنفيذيين الذين يعرفون الذكاء الاصطناعي في مجلس إدارة مؤسستك؟ تختلف النتائج على نطاق واسع حسب الصناعة في الوقت الحالي، وفقًا لبحثنا الأخير، ولكن المتوسط الإجمالي هو 8% فقط
إن انخفاض معدل الإلمام بالذكاء الاصطناعي بشكل عام يمثل مشكلة بالنسبة للمديرين التنفيذيين اليوم، فسيواجهون المزيد والمزيد من العمليات أو المنتجات التي تزعم أنها “مدعمة بالذكاء الاصطناعي”. ويحتاج المديرون التنفيذيون إلى معرفة أكبر بالذكاء الاصطناعي للحكم عليها بشكل مناسب في سياق أكبر من استراتيجية المنظمة وعملياتها، ولطرح الأسئلة الصحيحة.
كيف للمديرين التنفيذيين أن يتقبلوا القلق الناجم عن التعلم المستمر: يمكن للمديرين التنفيذيين أن يدمجوا عدم الراحة المرتبط بالتكنولوجيا في جدولهم اليومي؛ إذ يجب عليهم إعداد جلسات تبادل منتظمة مع خبراء الذكاء الاصطناعي في مؤسساتهم، وحضور برامج التكنولوجيا التعليمية المصممة خصيصًا للمديرين التنفيذيين، وتخصيص الوقت للتعلم الذاتي للذكاء الاصطناعي، والمغزى وراء ذلك أن القادة يحتاجون إلى خرق مناطق راحتهم بشكل متكرر لأن الذكاء الاصطناعي ينطوي على مجموعة معقدة من التقنيات، ويعد فهم الأنواع الموجودة، وكيف تختلف، وكيف تؤثر على الأعمال أمرًا ضروريًا وحتميًا.
- تعزيز التعلم على مستوى مجالس الإدارة
قد لا يكترث بعض المديرين التنفيذيين بمعرفة سبب أهمية الذكاء الاصطناعي للمنظمة وقد يرون أنه عمل شاق، ومع ذلك، لم يعد هذا اختياريًا: فالذكاء الاصطناعي أصبح يقود التغييرات في العمليات عبر المؤسسة إلى مرحلة عميقة لدرجة أنها تشكل مخاطر وفرصًا استراتيجية كبيرة ضمن مجالات مسؤولية كل مدير تنفيذي.
ولهذا السبب فإن جزءًا من تعزيز معرفة المديرين التنفيذيين بالذكاء الاصطناعي يتلخص في الاعتراف بأن مجلس الإدارة بأكمله لابد أن يتقبل هذا القلق، ويتعين على القادة الذين يدركون بالفعل هذه الحاجة أن يدافعوا مع زملائهم في مجلس الإدارة عن ضرورة أن يصبح كل فرد على دراية وافية بالذكاء الاصطناعي.
وقد يتوقع المرء أن يعمل الأشخاص الذين يشغلون مناصب قيادية مثل كبير مسؤولي البيانات مع كبير مسؤولي التكنولوجيا لتطوير خطة عمل للذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، أظهر تحليلنا لهياكل مجالس إدارة 645 شركة أن الشركات التي تتفوق في تبني الذكاء الاصطناعي تملك مجالس إدارة تتمتع بمستوى عالٍ من معرفة الذكاء الاصطناعي بشكل عام. وإن المجلس الذي يضم العديد من المديرين التنفيذيين الملمين بالذكاء الاصطناعي يجلب وجهات نظر متعددة حول الذكاء الاصطناعي إلى الطاولة، مما يؤدي إلى تدقيق أعلى واتخاذ قرارات متفوقة استراتيجياً فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي.
في حين أن 3% فقط من المديرين التنفيذيين في 500 شركة لمؤشر (إس أو بي) في المتوسط لديهم معرفة بالذكاء الاصطناعي اليوم، فإن بعض الشركات مثل (فيديكس) لديها بالفعل معدل معرفة بالذكاء الاصطناعي بما نسبته 29%. فكأن الذكاء الاصطناعي هو رياضة جماعية ولكن شركات اليوم لم تدرك تمامًا أن جميع أعضاء الفريق التنفيذي بحاجة إلى أن يكونوا جزءًا منها.
كيف يمكن للمديرين التنفيذيين تعزيز التعلم على مستوى مجلس الإدارة؟
يتعين على المديرين التنفيذيين أن يسعوا إلى بناء مجتمع تعليمي مصغر، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكنهم الالتزام بالتنمية المتبادلة، وجعل تأثيرات الذكاء الاصطناعي جزءاً من متطلبات إعداد التقارير لكل عضو في مجلس الإدارة في اجتماعات مجلس الإدارة، وأيضًا دعوة خبراء الذكاء الاصطناعي للتحدث في اجتماعات مجلس الإدارة. إن التعامل الجماعي مع الذكاء الاصطناعي لا يعزز ثقافة التعلم المستمر فحسب، بل يضمن أيضاً النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه جزءًا لا يتجزأ من الرؤية الاستراتيجية للمنظمة. ومن خلال تبني القلق المرتبط بالتكنولوجيا كمسعى جماعي، يمكن للفرق التنفيذية وأعضاء مجلس الإدارة الاستفادة من وجهات نظرهم المتنوعة لتحديد المخاطر والفرص المحتملة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي.
- الاستعداد للتأثيرات غير المتوقعة
قد ينتج الذكاء الاصطناعي نتائج مفاجئة، فمثلًا، عند دراسة التعاون ما بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وجدنا أن البشر يمكنهم تحقيق أداء أعلى من خلال التعاون مع الذكاء الاصطناعي، ولكن هذا قد يقلل أيضًا من نية الشخص في استخدام الذكاء الاصطناعي؛ ربما بسبب التهديدات الوظيفية المتصورة. وعلى الرغم من الرغبة الإدارية في تجنب ما هو غير متوقع، يجب على المديرين التنفيذيين المضي قدمًا في تطوير الذكاء الاصطناعي والاستعداد أيضاً قدر الإمكان للعواقب غير المتوقعة.
فعلى سبيل المثال، قد يتسبب نشر حلول الذكاء الاصطناعي التوليدية التي تهلوس (بمعنى أنها تقدم معلومات غير دقيقة) في حدوث مشكلات قانونية للشركة. فحينما يكون للأدوات معدل هلوسة عالً، قد يثبط ذلك عزيمة الموظفين عن استخدامها، ويحبط مهندسي البرمجيات الذين سيحتاجون إلى رفع مهاراتهم في مجال التطوير بشكل متكرر مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي. وبسبب هذه التأثيرات على المنظمة، يجب على المديرين التنفيذيين استكشاف التأثيرات المفيدة وغير المفيدة للذكاء الاصطناعي باستمرار، ويشمل القلق الإنتاجي تحدي قدرتك على توقع عواقب الذكاء الاصطناعي.
كيف يمكن للمديرين التنفيذيين الاستعداد بشكل أفضل للتأثيرات غير المتوقعة للذكاء الاصطناعي؟
تعلم من أقرانك: ادرس تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المنظمات الأخرى؛ فمن المعروف أن أمازون أوقفت أداة التوظيف القائمة على الذكاء الاصطناعي في عام 2018م، عندما تبين أنها تظهر تحيزًا ضد النساء. ومع ذلك، فهناك العديد من حالات فشل الذكاء الاصطناعي التي يمكن التعلم منها، وبالنسبة للمديرين التنفيذيين الذين يعملون على بناء معرفة بالذكاء الاصطناعي، فإن الوقت الذي يقضونه في دراسة نجاحات وإخفاقات مشاريع الذكاء الاصطناعي وكيف يمكن محاكاتها أو التخفيف منها أو تجنبها هو وقت مستثمر بشكل جيد.
يتطلب عصر الذكاء الاصطناعي تحولًا جذريًا في التفكير التنفيذي، ولم يعد بوسع القادة أن يكتفوا بفهم هامشي لتطبيقات تكنولوجيا المعلومات. ومن خلال البحث النشط عن الإزعاج المرتبط بالتكنولوجيا وتحويله إلى سعي دؤوب لمحو أمية الذكاء الاصطناعي، يستطيع المديرون التنفيذيون أن يقودوا منظماتهم إلى النجاح. ورغم أن التحدي هائل، لكن المكافآت المحتملة للراغبين في احتضان القلق مجزية.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




