تكشف أبحاث حديثة عن أسباب مفاجئة لجهل المديرين باستراتيجية شركاتهم.
دونالد سول، تشارلز سول، وجيمس يودر
قامت الرئيسة التنفيذية لشركة تكنولوجيا كبرى (لنسمها “جينيريكس”) بمراجعة نتائج استبيان مشاركة الموظفين السنوي في شركتها، وسرّها أن التوافق الاستراتيجي ظهر كمجال قوة؛ فقد ذكر سبعة وتسعون بالمئة من القادة الكبار الذين شملهم الاستطلاع أنّ لديهم فهمًا واضحًا لأولويات الشركة وكيفية إسهام عملهم في تحقيق الأهداف المؤسسية. وبناءً على هذه النتائج؛ كانت الرئيسة التنفيذية واثقةً بأن الأولويات الاستراتيجية الخمس للشركة التي لم تتغير خلال العامين الماضيين والتي دأبت على توضيحها مفهومة جيّدًا من قبل القادة الموكل إليهم تنفيذها.
ثم طلبنا من هؤلاء المديرين أنفسهم أن يذكروا أولويات الشركة الاستراتيجية. وباستخدام خوارزمية تعلم آلي ومراجعين بشريين، قمنا بتصنيف إجاباتهم لقياس مدى توافقها مع الأولويات الاستراتيجية الرسمية. لقد صُدمت الرئيسة التنفيذية من النتائج؛ إذ لم يستطع سوى ربع المديرين ذكر ثلاث من أولويات الشركة الخمس، والأسوأ من ذلك، أن ثلث القادة المكلّفين بتنفيذ الاستراتيجية لم يتمكنوا من ذكر حتى واحدة منها.
وهذه النتائج ليست مقتصرة على قطاع التكنولوجيا فحسب، بل تتكرر في طيف واسع من الشركات التي درسناها. فمعظم المؤسسات تقصر كثيرًا في مسألة التوافق الاستراتيجي: فقد أظهر تحليلنا لمئة وأربع وعشرين مؤسسة أن ثمانية وعشرين بالمئة فقط من التنفيذيين والمديرين المتوسطين المسؤولين عن تنفيذ الاستراتيجية استطاعوا ذكر ثلاث من أولويات شركاتهم الاستراتيجية. وعندما يطّلع التنفيذيون على هذه النتائج، يكون رد فعلهم الأول هو جدولة مزيد من الاجتماعات العامة أو إرسال رسائل بريد إلكتروني إضافية تشرح الاستراتيجية المؤسسية. ومن المفهوم الميل إلى مضاعفة الجهود في استراتيجيات التواصل الحالية، غير أن ذلك غالبًا لا يحل المشكلة. ولقد كشفت أبحاثنا عن ثلاثة أسباب غير بدهيّة لغياب التوافق الاستراتيجي، وكذلك عن خطوات عملية يمكن لكبار القادة اتخاذها لتحسين فهم الاستراتيجية في أرجاء المنظمة جميعها:
١. اعترف بوجود مشكلة: أول خطوة في حل أي مشكلة هي الإقرار بوجودها؛ فكثيرًا ما يفترض التنفيذيون في الإدارة العليا أن جميع أفراد الشركة متفقون حول الاستراتيجية، غير أن هذا الافتراض غالبًا ما يكون خاطئًا. يتضمن استبيان تنفيذ الاستراتيجية لدينا سلسلة من الأسئلة المصممة لقياس ما إذا كانت الشركة تمتلك مجموعة مشتركة من الأولويات الاستراتيجية، ومدى وضوح هذه الأهداف، وما إذا كانت تؤثر في تخصيص الموارد وتحديد الأهداف في أنحاء المنظمة. وغالبًا ما يقيّم كبار التنفيذيين شركاتهم تقييمًا أعلى في جميع هذه الجوانب مقارنة بالمديرين الأدنى مرتبة. ويُلخّص المعرض البياني “الفرق في تقدير التوافق لدى الفرق العليا” فجوة التوافق الاستراتيجي. ولتفسير هذا الرسم، ابدأ بالعبارة التقييمية الأولى: “أولويات منظمتنا تدعم استراتيجيتنا”. فإذا قيّم المشرفون والمديرون والتنفيذيون خارج الإدارة العليا شركاتهم في المتوسط (عند النسبة الخمسين في هذا الشكل)، فإن الفريق الأعلى عادةً ما يقيّم شركته عند النسبة السابعة والستين؛ أي أعلى بكثير من المتوسط، ويتكرر هذا النمط عبر مقاييس التوافق الاستراتيجي جميعها.
٢. الاتفاق في القمة: غالبًا ما يبدأ غياب التوافق الاستراتيجي من الأعلى؛ فعند وضع الأولويات الاستراتيجية، ينبغي للفريق الأعلى أن يتفق على مجموعة واحدة من الأهداف تخص الشركة ككل، لا أن يسعى كل قائد لتحقيق أجندته الخاصة، وللأسف، فإن معظم الفرق العليا التي درسناها تفشل في الاتفاق فيما بينها على أولويات الشركة العامة. ففي المنظمة النموذجية التي درسناها، لم يتفق سوى نصف التنفيذيين الكبار تقريبًا على قائمة الأهداف الاستراتيجية نفسها. وينبغي التنويه بأننا لم نقم بقياس مدى التزام أعضاء الفريق بتحقيق الأولويات الاستراتيجية، بل اقتصر قياسنا على مدى اتفاقهم عليها.
وقد كانت نتائج جينيريكس نموذجية بالنسبة للشركات التي درسناها؛ إذ لم يستطع سوى نصف الفريق الأعلى تقريبًا ذكر جميع أولويات الشركة الخمس الرسمية أو ذِكرها كلها ما عدا واحدة، أما النصف الآخر من الفريق فكان غائبًا تمامًا عن الصورة. (انظر: “غياب الاتفاق على الاستراتيجية في القمة”). فقد استطاع ثلاثة من أعضاء الفريق الأعلى ذكر واحدة فقط من أولويات الشركة، ولم يتمكن اثنان من التنفيذيين من ذكر أي هدف صحيح رغم أن أمامهما خمس محاولات. وقد أدرج هؤلاء التنفيذيون، فيما بينهم، ثماني أولويات إضافية لا تندرج ضمن الأهداف الرسمية للشركة.
وبطبيعة الحال، ليس كل فريق أعلى يشارك جينيريكس مشكلة أن نصف أعضائه يسيرون على غير هدًى؛ فبعض الفرق التي عملنا معها تظهر توزيعًا أكثر اعتيادية، حيث يعرف معظم التنفيذيين الكبار بعض الأولويات، ويعرف بعضهم (غالبًا الرئيس التنفيذي) جميعها، وآخرون لا يعرفون سوى القليل أو لا يعرفون شيئًا، غير أن مثال جينيريكس يبرز أهمية التأكد من أن جميع أعضاء الإدارة العليا متفقون استراتيجيًّا. فإذا لم يكن التنفيذيون متوافقين، فمن الضروري فهم أسباب ذلك ومعالجة القضايا قبل تعميم الاستراتيجية على نطاق أوسع في أرجاء المنظمة.
٣. إحضار المستوى الثاني: إن اختلال التوافق الاستراتيجي غالبًا ما يبدأ من القمة، لكنه لا ينتهي عندها؛ إذ إنّ قدرة المديرين على تعداد أولويات شركتهم الاستراتيجية بشكل صحيح يستمر في الانخفاض كلما نزلنا إلى المستويات الأدنى في المنظمة، غير أن وتيرة هذا الانخفاض ليست كما قد يتوقع المرء؛ فقد يتنبأ المرء بانخفاض تدريجي في التوافق كلما انحدرنا في تسلسل الهيكل التنظيمي، أو ربما بانحدار حادّ بين المشرفين في الخطوط الأمامية الذين هم أبعد ما يكونون عن الإدارة العليا. غير أن بياناتنا تشير إلى عكس ذلك؛ إذ إن أشد انخفاض في التوافق يحدث بين الفريق الأعلى ومن يرفعون إليه مباشرة، ثم يصبح الانخفاض أكثر تدريجًا بعد ذلك. ويُظهر الرسم البياني “انهيار التوافق بين كبار التنفيذيين ومباشريهم” متوسط عدد المديرين في كل مستوًى من مستويات المنظمة القادرين على تعداد أولويات الشركة الكبرى؛ ففي الشركة النموذجية، يستطيع أكثر بقليل من نصف أعضاء الفريق الأعلى فعل ذلك، وهذا أمر سيّئ حينما لا يتفق سوى نصف الإدارة العليا على الأهداف ذاتها، لكن الأمر يزداد سوءًا بالنسبة لمن يرفعون إليهم مباشرة؛ إذ ينهار التوافق الاستراتيجي بين الفريق الأعلى (٥١٪ اتفاق) والتنفيذيين الكبار الذين يرفعون للفريق الأعلى (٢٢٪).
إن الفجوة بين الفريق الأعلى ومباشريهم ليست بالأمر المفاجئ كما يبدو للوهلة الأولى؛ إذ إن أعضاء الفريق الأعلى يشرفون على وظائفهم أو وحداتهم أو مناطقهم الجغرافية، ويشغلون في الوقت ذاته عضوية فريق القيادة على مستوى المؤسسة الذي يرسم مسار الشركة ككل. أما المباشرون لهم، فلا يطلعون على مناقشات الإدارة العليا، ويميلون إلى النظر إلى الأمور من خلال عدسة الوحدة التنظيمية التي يديرونها.
وعوضًا عن إقامة اجتماع عام آخر، ينبغي على كبار التنفيذيين أن يركزوا أولًا على المباشرين لهم، وأن يحرصوا على فهمهم استراتيجية الشركة الكلية وكيفية ارتباط وظيفتهم أو منطقتهم أو وحدتهم التجارية بالصورة الشاملة. ومن الوسائل الفعالة لتحقيق ذلك: أن يحرص كل عضو في الفريق الأعلى على شرح أهمية أهداف وحدته للفريق وللشركة ككل على نحو دائم.
وفي عيّنتنا، ذكر نصف التنفيذيين الذين يرفعون مباشرة إلى أحد أعضاء الفريق الأعلى أن رئيسهم يشرح باستمرار كيف تدعم أهدافهم الأجندة العامة للشركة. أما الباقون، فقد ذكر ٣٧٪ منهم أن رئيسهم يربط أنشطتهم بأهداف فريقهم دون الإشارة إلى استراتيجية الشركة، أو أن رئيسهم يجد صعوبة في شرح أهمية أولوياتهم (١٢٪). وكثير من أعضاء الفريق الأعلى بحاجة لتحسين قدرتهم على شرح كيفية ارتباط أهداف إداراتهم أو وظائفهم أو مناطقهم الجغرافية باستراتيجية الشركة الكلية.
ولنقل أولويات الاستراتيجية عبر المنظمة؛ ينبغي على القادة في كل مستوًى من مستويات الهيكل أن يشرحوا أهمية أهداف فرقهم، سواء للفريق أو للمنظمة ككل. ومن بين ٦٩ بندًا شملها استبياننا التنفيذي، كان أفضل مؤشر منفرد للتوافق الاستراتيجي هو مدى مواظبة المديرين، من الإدارة العليا حتى المشرفين في الصفوف الأولى، على شرح أولويات فرقهم في سياق وحداتهم وسياق الشركة بأسرها.
ولقياس أثر هذا السلوك؛ تخيل شركة متوسطة في كل بند من بنود الاستبيان إلا واحدًا: جميع المديرين يشرحون أهمية الأهداف لوحداتهم وللشركة. وإن تحقيق درجة عالية في هذا البند الواحد كفيل بأن يرفع الشركة المتوسطة إلى الربع الأعلى من حيث التوافق الاستراتيجي.
وإن الفهم المشترك لأولويات الاستراتيجية بين القادة الرئيسيين لا يضمن تنفيذًا ناجحًا، لكنه خطوة أولى مهمة؛ إذ إن انتشار الالتباس والخلاف حول ما هو أهم يقوّض أولوية العمل والتنسيق بين الفرق اللازمين لتنفيذ الاستراتيجية؛ فإذا لم يفهم المديرون ما تسعى الشركة لتحقيقه في السنوات القادمة؛ فلن يستطيعوا مواءمة أفعالهم مع توجه المنظمة العام.
ولزيادة فرص فهم الاستراتيجية عبر أرجاء الشركة، ينبغي لكبار التنفيذيين أن يعترفوا بوجود مشكلة في التوافق، وأن يتفقوا كفريق على الأولويات الاستراتيجية للشركة كلها، وأن يضمنوا فهم المباشرين لهم لهذه الأهداف، وأن يتأكدوا من أن القادة في كل مستوًى من مستويات التنظيم ينقلون معنى أولويات الشركة وما تعنيه للمنظمة جمعاء.
المراجع
1. These are actual results of an anonymized U.S.-based technology company with more than 10,000 employees. As part of this research, the CEO and chief human resources officer identified 132 leaders who they deemed most critical for executing the company’s strategy. The leaders they selected included 11 members of the top team, their direct reports (52), a selection of middle managers (51), and key frontline supervisors (17). These executives represented 1.2% of the company’s total employee base.
2. Over 80% of companies we studied had between three and five strategic priorities. To accommodate different numbers of top priorities, each respondent in our survey could list up to five. We defined strategic convergence as a respondent listing any three of the five top strategic priorities. This approach produces higher estimates of strategic convergence than if we had required a respondent to list all of the top objectives. In a company with three strategic priorities, respondents had five tries to list those three. In companies with four or five strategic priorities, respondents had to list only three correctly.
3. See D. Sull, S. Turconi, C. Sull, and J. Yoder, “Turning Strategy Into Results,” Sept. 28, 2017, https://sloanreview.mit.edu.
4. Our findings are consistent with other research that has found managers tend to overestimate their own effectiveness. See R. Sadun, N. Bloom, and J. Van Reenen, “Why Do We Undervalue Competent Management?” Harvard Business Review 95 (September-October 2017): 120-127. McKinsey & Co., “How to Beat the Transformation Odds,” exhibit 4, April 2015, accessed Jan. 2, 2017, www.mckinsey.com.
5. This data is from a survey on execution developed by Donald Sull and Rebecca Homkes and designed to assess how effectively an organization’s strategic alignment, structured practices (for example, resource allocation, incentives), and culture support strategy implementation.
6. These differences in means were highly significant, with p-values less than 0.001 for all variables.
7. Because many of the 69 survey questions were correlated with one another, we used lasso regressions to identify which questions best predicted strategic alignment. We ran a series of lasso regressions using randomly selected combinations of eight variables at a time, and selected those features that consistently added predictive power independent of what other variables were included in the model. Two questions were robust predictors of strategic alignment across alternate model specifications: “My boss consistently explains why our priorities matter for the company as a whole and also for our unit or team” and “Top leaders communicate strategy clearly and consistently.”
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




