ممارسات محدودة لدمج الأهداف البيئية في النماذج التشغيلية وأدوار الموظفين
سي بي بهاتاشاريا وروب جيكيليك
مع أنّ كثيرًا من الشركات تتحدّث عن الاستدامة، وتزعم دمج الاهتمامات البيئية والاجتماعية في نماذج أعمالها، فإنّ القليل منها يفي بذلك قولًا وفعلًا؛ إذ يعامل المديرون الاستدامة غالبًا على أنها مشكلة تخص غيرهم، فيُحيلونها إلى دائرة معيّنة أو حتى إلى شخص واحد. وعلى النقيض من ذلك، فإنّ الشركات التي نجحت في تحويل نماذج أعمالها لتكون أكثر استدامة، قد أدرجت الاستدامة في جوهر كيانها المؤسسي؛ أي أنّها منحت موظفيها شعورًا بملكية الاستدامة، مما حفّزهم على تبنّي سلوكات داعمة لها. فإذا أدرج كل موظف الاعتبارات البيئية والاجتماعية في كل قرار تجاري، تسارع التقدّم في الاستدامة، وهو هدف منشود لكل الشركات.
وللوقوف على واقع دمج الاستدامة وتحديد أهم العقبات، تعاون مركز الأعمال المستدامة في جامعة بيتسبرغ مع مؤسسة هاريس بول لإجراء استطلاع بين موظفي الولايات المتحدة. أردنا أن نعرف هل يتخذ أصحاب العمل تدابير، سبق أن حددها بحثنا بأنها مهمة لتحفيز الموظفين على ممارسة الأعمال بمنظور الاستدامة؟ وقد استقينا ردودًا من ١٠٥٦ موظفًا يمثلون قاعدة موظفي الولايات المتحدة. وقد عرّفنا الاستدامة للمشاركين بأنها “دمج الاهتمامات البيئية والاجتماعية في قرارات الأعمال وإجراءاتها”. وطلبنا من المشاركين تقييم درجة موافقتهم على سلسلة من تسع عشرة عبارة تصف الوضع القائم، مثل: “لدى شركتي مبرر واضح لتحسين أدائنا في الاستدامة”، وذلك على مقياس ليكرت رباعي الدرجات (من “أوافق بشدة” إلى “لا أوافق بشدة”). كما عرضنا عليهم سلسلة من اثنتي عشرة قضية، قد تشكّل تحديات أمام التقدّم في الاستدامة، مثل: “الاستدامة ليست جزءًا من استراتيجيتنا التجارية”، وطلبنا منهم تقييم مدى كونها تحدّيًا فعليًّا في شركاتهم (من “تحدٍّ كبير” إلى “ليس تحدّيًا على الإطلاق”).
وقد ذكر نحو ثلث المشاركين، أن أصحاب عملهم أحرزوا تقدمًا ملحوظًا في مسيرة الاستدامة. ورغم أنّ هذا العدد قد يبدو ضئيلًا بالنظر إلى ضخامة المهمة الملقاة على عاتقنا، إلا أن ثمة زخمًا يمكننا تعزيزه بالإشارة إلى العقبات كما يراها الموظفون. وفيما يلي، ست توصيات أساسية، استخلصناها من بياناتنا للمديرين الراغبين في إدماج الاستدامة في ثقافة المنظمة ونماذج أعمالها.
تأسيس غاية مبنية على القيم
الغاية هي سبب وجود العمل التجاري، وهي الجواب عن السؤال الجوهري: “لماذا نفعل ما نفعل؟”. وقد قال بول بولمان، الرئيس التنفيذي السابق لشركة يونيليفر، وأحد قادة حركة الاستدامة المؤسسية: “الاستدامة مدفوعة كليًّا بالغاية”. إنّ المؤسسات التي نجحت في إدماج الاستدامة، تعلن بوضوح عن الفائدة المجتمعية التي تسعى إلى تقديمها لأصحاب المصلحة، وهذه الغاية الشاملة هي التي توجّه جميع أعمال المنظمة.
وفي دراستنا، وافق ٣٦٪ من المشاركين بشدة على العبارة: “شركتي تريد أن تُحدث فرقًا في حياة الناس، لا أن تحقق الأرباح فقط”، بينما وافق ٣٣٪ بشدة على: “لدى شركتي غاية أسمى من تعظيم الأرباح”. فإذا كانت الغاية هي نقطة الانطلاق نحو الاستدامة، فإننا لا نحقق نجاحًا يُذكر؛ إذ يتبيّن أنّ سردية تعظيم الأرباح لا تزال حيّة. وبالمثل، أشار ٤٣٪ من الموظفين إلى التركيز قصير الأجل، وغياب اهتمام المستثمرين، والأهم من ذلك، “قادة شركتنا لا يؤمنون بالاستدامة”، كونها تحديات. ومتى لم يدرك الرؤساء التنفيذيون وفِرق الإدارة العليا أنّ الربح هو نتيجة خلق القيمة لجميع أصحاب المصلحة، وليس نقطة البداية في تطوير الاستراتيجية وتنفيذها، فسوف يبقى التقدّم معطّلًا.
فإذا كانت الغاية هي نقطة الانطلاق نحو الاستدامة، فإننا لا نحقق نجاحًا يُذكر.
إدراج الاستدامة في صميم الاستراتيجية المؤسسية
لقد أشار الباحثون الأكاديميون وغيرهم، إلى أنّ التقدّم الفعلي نحو الاستدامة لا بد أن يكون مدفوعًا بالاستراتيجية المؤسسية، فذلك يعزز احتمال أن يُنظر مع مرور الوقت إلى “العمل الأخضر” بوصفه جزءًا طبيعيًّا من وظائف الموظفين، وأن يُتخذ المزيد من القرارات بمنظور الاستدامة. ومع أنّ ٢٩٪ فقط من المشاركين وافقوا بشدة على عبارة: “لدى شركتي مبرر واضح لتحسين أدائنا في الاستدامة”، و٢٧٪ على: “الاستدامة جوهرية في تنفيذ شركتي لاستراتيجيتها التجارية”، يتبيّن أنّ أمامنا طريقًا طويلًا. وبما يتوافق مع الوضع القائم، فقد وافق ٤٣٪ على أنّ فشل شركاتهم في دمج الاستدامة في استراتيجيتها التجارية يُعد تحدّيًا.
درِّبوا الموظفين، وحفِّزوهم على اتخاذ الإجراءات التي تعزِّز الاستدامة؛ فإن الشركات التي أفلحت في إشراك قواها العاملة، قد استثمرت في تدريبٍ يُرشد الموظفين إلى سُبل تحسين الاستدامة. وإذ لم يوافق بشدة سوى ثلاثين في المئة من الموظفين المستطلعة آراؤهم على العبارة: «إني أفهم كيف يمكنني أن أُحسِّن أداء شركتي في مجال الاستدامة من خلال دوري»، فذلك يدل على ندرة المعرفة المتخصصة بالأدوار لدى الأفراد من الموظفين. وقد عُدَّ نقص التدريب تحدّيًا كبيرًا أو متوسطًا من قِبل أربعة وأربعين في المئة، في حين أشار عدد مماثل (خمسة وأربعون في المئة) إلى أنهم لا يعلمون ما هي الإجراءات التي ينبغي اتخاذها لتحسين أداء الاستدامة. فعلى الشركات أن تزيد من استثمارها في التدريب، وإيجاد المعرفة المتعلقة بالاستدامة، حتى يعلم الموظفون ما يمكنهم فعله في أدوارهم، وكيف يؤدون ما ينبغي أداؤه.
وعلى المديرين أيضًا أن يبذلوا مزيدًا من الجهد في منح الموظفين الحوافز لدفع أجندة الاستدامة قُدُمًا؛ إذ إن تسعة وأربعين في المئة من المستطلعة آراؤهم، رأوا أن غياب مثل هذه الحوافز يمثل عقبة كبيرة أو متوسطة أمام تحسين أداء الاستدامة. وينبغي للقادة أن يتأملوا هل تشجع ثقافة الإدارة على المشاركة والتحفيز الذاتي، عبر منح الموظفين الاستقلالية اللازمة لحل تحديات الاستدامة، التي كثيرًا ما تتطلب تفكيرًا إبداعيًّا؟ غير أنه حين سألنا المشاركين في الاستطلاع عن مدى موافقتهم على العبارتين: «شركتي تتيح لي اتخاذ كثير من القرارات المتعلقة بالاستدامة بنفسي»، و«شركتي تمنحني فرصة استخدام المبادرة أو الحكم الشخصي في تنفيذ مبادرات الاستدامة»، وجدنا أن أقصى نسبة موافقة شديدة لم تتجاوز تسعة وعشرين في المئة.
وابنوا ثقافةً راسخة للاستدامة في مؤسّساتكم؛ إذ يمكنكم، بوصفكم مديرين، الإبقاء على حضور الاستدامة في ثقافة المؤسسة من خلال مشاركة التقدّم المحقَّق، والاحتفاء بالإنجازات، وتقدير النجاحات، والتعاون في إيجاد الحلول داخليًّا ومع الشركاء في القطاع. وقد أظهرت بحوثنا أن غياب ثقافة الاستدامة يعد من أكبر العوائق أمام التقدم، حيث أشار ثمانية وأربعون في المئة من المشاركين، إلى أن ذلك يمثل عائقًا كبيرًا أو متوسطًا في مؤسستهم. ويُعد إيصال تقدم الاستدامة إلى الموظفين عنصرًا أساسيًّا في ثقافة الاستدامة؛ إذ يُبقي القضايا حية في الأذهان. وإن الاحتفاء بالنجاحات يثير اهتمام الموظفين، ويضفي الشرعية على أهمية الاستدامة للمؤسسة، ومع ذلك، لم يوافق بشدة سوى واحد وثلاثين في المئة من المشاركين على أن شركاتهم تحتفي بنجاحات الاستدامة.
وقد كشفت البحوث أن غياب ثقافة الاستدامة من أكبر العوائق أمام التقدم.
وإن التعاون مع المنافسين التقليديين وهو أمر يزداد لزومًا لمواجهة تلك المشكلات المعقدة من نوع «مأساة المشاع»، يُرسل إشارة للموظفين بأن الشركة جادة في التغيير الجذري، ويعزز الثقافة في أوساطهم. ومع أن خمسة وعشرين في المئة فقط من المشاركين وافقوا بشدة على عبارة: «شركتي تتعاون مع مؤسسات أخرى لمعالجة قضايا الاستدامة المعقدة»، فإن هذا يدل بوضوح على أن ثمة جهدًا كبيرًا مطلوبًا، لفتح أعين القادة على إمكانيات التقدم عبر التعاون.
وأجرِ الأعمال من منظور الاستدامة؛ فتصوَّر ما يمكن أن نحرزه من تقدم لو أن كل موظف في كل شركة من غرفة البريد إلى مجلس الإدارة، أدخل القضايا البيئية والاجتماعية في كل قرار تجاري يتخذه. فهذا، في نظرنا، هو إدارة الأعمال من خلال عدسة الاستدامة؛ وهو هدف منشود لا بد من بلوغه، إن أردنا تجاوز أزماتنا الوجودية. وكما أظهرت البحوث السابقة، فإن تولي الموظفين مسؤولية الاستدامة على المستوى الفردي، هو محرك أساسي للانخراط في سلوكات الاستدامة. وفي استطلاعنا، وافق ثمانية وعشرون في المئة بشدة على عبارة: «الموظفون في شركتي يتحمّلون مسؤولية تحسين أداء الاستدامة»، في حين رأى خمسة وأربعون في المئة أن الاعتقاد السائد بين الموظفين بأن «الاستدامة مسؤولية شخص آخر»، يمثل تحدّيًا. وهذا النقص في الشعور بالملكية الفردية لأداء الاستدامة ينعكس في نتائج استطلاعنا؛ إذ لم يوافق بشدة سوى سبعة وعشرين في المئة على أنهم «استثمروا أفكارهم وإبداعهم» لمساعدة شركتهم على أن تكون أكثر استدامة، ولم يوافق بشدة سوى أربعة وعشرين في المئة على أن كل قرار تجاري يتخذونه يُنظر إليه من منظور الاستدامة.
وتصوَّر ما يمكن أن نحرزه لو أن كل موظف أدرج القضايا البيئية والاجتماعية في كل قرار تجاري يتخذه.
واجْبُر الفجوة الأخيرة؛ فقد لاحظنا فرقًا كبيرًا بين إجابات الموظفين الإداريين وموظفي الصفوف الأمامية. فمقارنة بموظفي الخطوط الأمامية غير الإداريين العاملين في وظائف مثل دعم العملاء، كان المديرون العاملون في الأدوار المؤسسية أكثر ميلًا، بنسبة تقارب خمسة عشر في المئة، إلى عدِّ الاستدامة جزءًا أصيلًا من العمل.
لِيَضْمَنَ القادةُ أنَّ التزامهم بالاستدامةِ حقيقيٌّ، ويُحَقِّقُ منافعَ ملموسةً لمؤسَّساتهم، لا بُدَّ لهم من معالجةِ هذا الفارقِ الأخيرِ بين الإدارةِ العليا، والعاملين في الصفوفِ الأمامية. فإنَّ الرسائلَ العامةَ التي تُبَثُّ حول غايةِ الشركةِ وأهدافها البيئيةِ والاجتماعيةِ والحوكمةِ، قد لا تكونُ كافيةً في هذا المقام؛ إذ ثَمَّةَ حاجةٌ حقيقيةٌ لدفعِ الاستدامةِ، من خلالِ مبادراتٍ عمليةٍ، وأفعالٍ يمكن إدماجُها في المهامِّ اليوميةِ، والروتينِ الذي يضطلعُ به الموظفونَ في جميعِ أنحاءِ المؤسَّسة. وممَّا يلفتُ النظرَ، أنَّ إدراكَ الموظفينَ لعمقِ ترسيخِ الاستدامةِ في المؤسَّسةِ، يفتحُ أعينَهم أيضًا على العقباتِ والتحدياتِ التي تعوقُ التقدُّمَ. وتُظهِرُ بياناتُنا أنَّ الموظفينَ الأكثرَ انخراطًا وإحساسًا بترسيخِ الاستدامةِ، يَرَوْنَ عوائقَ أكثرَ، في المتوسطِ، من أولئك الأقلِّ انخراطًا.
ومفادُ ذلك، أنَّه كلَّما رَدَمَتِ الشركاتُ الفجوةَ الأخيرةَ في ترسيخِ الاستدامةِ، وجبَ عليها أنْ تستعدَّ لاستقبالِ مزيدٍ من الأسئلةِ، وسماعِ آراءٍ أكثرَ مع ازديادِ تفاعلِ الموظفينَ في هذا الشأن. وينبغي للشركاتِ أن تستخدمَ التوجيهَ الفرديَّ، وأدلَّةَ العملِ، والتواصلَ المخصَّصَ، لجعلِ الاستدامةِ مسؤوليةً مشتركةً بين الجميع. ولا بُدَّ للشركاتِ من الاستعدادِ لاستثمارِ مزيدٍ من المواردِ في ترسيخِ الاستدامةِ، وحملِ جميعِ أفرادِ المؤسَّسةِ على ممارسةِ الأعمالِ من منظورِ الاستدامةِ.
المراجع
1. CB Bhattacharya, “How to Make Sustainability Every Employee’s Responsibility,” Harvard Business Review, Feb. 23, 2018, https://hbr.org.
2. CB Bhattacharya, “Small Actions, Big Difference: Leveraging Corporate Sustainability to Drive Firm and Societal Value” (New York: Routledge, 2019), 65-66.
3. P. Polman and CB Bhattacharya, “Engaging Employees to Create a Sustainable Business,” Stanford Social Innovation Review 14, no. 4 (fall 2016): 34-39.
4. A. von Buchwaldt, G. Mitchell, S. Reynolds, et al., “3 Steps to Ensure Your Corporate Strategy Delivers Both Growth and Sustainability,” Harvard Business Review, Feb. 6, 2023, https://hbr.org.
5. T. Galpin, J.L. Whittington, and G. Bell, “Is Your Sustainability Strategy Sustainable? Creating a Culture of Sustainability,” Corporate Governance 15, no. 1 (2015): 1-17.
6. Polman and Bhattacharya, “Engaging Employees.”
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




