يخطئ، في تقديري، من يتعامل مع التاريخ بوصفه أرشيفًا أو دفترًا تسجل فيه الوقائع، وأنه يتقدم على نحو عشوائي: بلا قصد، وبلا معنى، ومن غير اتجاه. فالتاريخ، إذا نظرنا إليه من علٍ، يشبه كائنًا حيًا؛ يتعثر، وينهض، ويختبر ذاته في أوقات العنف والرخاء، ويجرّب أشكالًا متعدّدة من الوجود، ثم يعود في كل مرة إلى سؤاله الأول: إلى أين؟ وما الغاية التي يتحرك صوبها هذا الحشد الهائل من الوقائع؟
من يقرأ التاريخ بالطريقة التي يطالع بها الأخبار في المواقع الإخبارية، يراه تشظيًا محضًا: انتفاضات هنا، وحرب هناك، واقتصاد يصعد ثم يهبط..مدينة تُبنى وأخرى تُمحى..إمبراطورية تلمع ثم تنطفئ، أفكار تُقدَّس ثم تُهان.. أجيال تأتي وتذهب. هذا القارئ لا يرى سوى السطح، فتبدو الحركة بلا خيطٍ ناظم، وتبدو النوازل كأنها الحاكم الوحيد.
أما من يتأمل التاريخ بوعيٍ أوسع، يرى أن ما نعدّه قطيعةً في اللحظة إنما هو انتقالٌ في المسار، وأن المعنى لا يظهر إلا متأخرًا، عند تمام المسافة. فالتاريخ أشبه بنهر جار، تتكاثر فيه المنعطفات، وتتلوّن المياه، وتتغير السرعة، وتتبدل الصخور في القاع، ثم تظل وجهته واحدة: نحو مكانه الذي خُلق له.
من يقرأ التاريخ من قريب، يرى الفوضى.
ومن يقرأه من أعلى، يرى المعنى.
غير أن رؤية المعنى لا تعني إلغاء الفعل؛ فالمعنى لا يُكتشف فقط من علٍ، بل يُصنع أيضًا من داخل الميدان: بوعي الإنسان بالتاريخ، وبخياراته، وبقدرته على المقاومة وإعادة البناء. وحين تكتمل المسافة، تتحول الأحداث المشتتة إلى أجزاء من صورة كبرى: صورة تحوّل العالم من طور إلى طور. فلا أحد يعيش في قلب الأزمة وهو قادر على كتابة تفسيرها. الأزمة تُعاش أولًا، تُبكى أولًا، يُرتجَف منها أولًا. ثم يأتي الفهم بعد ذلك. يأتي بقدر ما يستطيع الوعي أن يتجاوز لحظته ويسترجعها على ضوء ما انتهت إليه.
لهذا تبدو بعض الأحداث في زمنها كأنها عبث خالص. ثم تمر الأعوام، فينكشف أن العبث كان صفةً في العين، لا صفةً في الحركة. فالتاريخ لا يشرح نفسه وهو يحدث. إنه يحتفظ بسرّه داخل المسار، ثم يمنح المعنى متأخرًا، وكأنه يشترط على الإنسان نضجًا معيّنًا كي يصبح أهلًا لفهم ما مرّ به.
والأحداث التي تُرى منفصلة في الوعي الكسير، تتضح متشابكة في الوعي الأوسع: سقوط بغداد، على يد المغول في العام 1258، يمكن أن ينُظر له على أنه مأساة كبرى، إذا وقفنا عند اللحظة نفسها، لكن إذا تجاوزناها فربما نراه إعادة توزيع قاسية لمركز الثقل، وتغييرًا جذريًا في شروط البقاء. وكأن مجرى التاريخ أنتزع من أمتنا سذاجة الاطمئنان إلى دوام الصيغ القديمة، ودفعها دفعًا إلى إدراك أن الحضارة التي لا تعيد ابتكار نفسها تتحول إلى أثر. هنا يظهر المعنى الذي نبحث عنه في هذه المقالة: الكارثة لا تأتي دائمًا لكي تُنهي، فقد تأتي لكي تدفع الروح لأن تُصعد إلى مستوى جديد من الفهم.. إلى مستوىٍ لا يولد من الرفاه وحده. ومع ذلك فالمعنى هنا ليس أن الكارثة خيرٌ في ذاتها، ولا أن الألم مبرَّرٌ بمجرد أنه يفضي أحيانًا إلى وعيٍ جديد؛ فثمة خسائر لا تُعوَّض، ووجع لا يمكن مداواته فقط لأنه صار مفيدًا.
إن التاريخ لا ينتمي بأي حال إلى فكرة المصادفة، بل إلى معنى التكوّن. والتكوّن لا يكون بلا غاية. فالكائن يصير ما هو عليه عبر آلامه قبل أفراحه، وعبر تكسّراته قبل اتزانه، وعبر امتحاناته قبل حكمته. والحضارات، حين تنظر إلى طفولتها القاسية، تكتشف أنها لم تكن تتلقى ضربات عبثية، بل كانت تُصاغ؛ كأنها خرجت من صحراء المعنى إلى عمران العالم عبر صعوبات التأسيس الأولى، ومحن الاتساع، وامتحان السلطة والمعرفة، حتى استوت لها لغةٌ ترى بها، وعقلٌ يشتغل، ويدٌ تكتب أثرها في الزمن.
لهذا فإن المصائب داخل التاريخ ليست دائمًا مقبرة للمعنى. قد تكون بوابة انتقال وطقسًا قاسيًا للعبور من طور إلى طور، ولحظة انهيار ضرورية كي يتعرّى البناء القديم، فيظهر ما كان يختنق تحت طبقات الزيف والتجميل ووهم البقاء الدائم. إذ كثيرًا ما تخدعنا لحظات الاستقرار: تبيعنا وهمًا اسمه «هذا هو الشكل النهائي للعالم». ثم تأتي صدمة التاريخ، فيتضح أن العالم لم ينهِ حديثه بعد.
ولو كان التاريخ يتحرك بلا مقصد، لصارت فكرة العدالة فكرة ساذجة، وغدت فكرة التقدم مزحة، وأصبحت فكرة التضحية مجرد انتحار جماعي بلباس الفضيلة. فحين يؤمن الإنسان أن حركة العالم بلا اتجاه، يختنق في داخله المعنى. ويتحول الصبر إلى خدعة. ويغدو الأمل إرجاء فارغ. ثم تموت الروح في صمت، وهي تمارس الحياة مثل موظف يؤدي عملًا لا يفهم غايته. ومن هنا نعرف لماذا لا تستقيم العبثية مع صلب العقيدة: لأنها تنزع الغاية من الوجود، بينما العقيدة تقوم على أن الغاية هي التي تمنح الوجود قابليته لأن يُفهم ويُحتمل.
ولهذا أيضًا فإن فهم غائية التاريخ تمنح الإنسان سكونًا معرفًيا يضع الألم داخل سياق يمكن للعقل أن يحتمله. هذه المعرفة تتولد من إدراك أن المحنة داخل الحركة ليست خروجًا عنها. المحنة في قلب الحركة، وفي كثير من الأحيان تصير سببًا في اكتمالها.
ثم نعود إلى أنفسنا
لكل منا بغداد صغيرة سقطت يومًا: حلمٌ ظنّ أنه سيقيم فيه إلى الأبد، وعلاقة حسبها وطنًا، وعملٌ ظنّه طريقًا نهائيًا، وصورةٌ عن ذاته كانت تمنحه أمانًا ثم فجأة صارت قيدًا. تأتي لحظة وينهدم كل شيء، فيسأل الإنسان سؤال الطفل المذعور: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه القسوة؟ ولماذا أنا؟
ثم تمضي السنوات، وتتسع الصورة، فتظهر الخسارة بوصفها ضريبة كان من اللازم دفعها، ويظهر الفشل، أحيانًا، بوصفه إعادة توجيه لمسار ملتبس، والظلم جرح فتح العين على ما يجب تغييره، والضياع مرحلة ضرورية كي نلتقي بأنفسنا من جديد. ويأتي وقت يلتفت فيه الإنسان إلى الوراء، فيرى الأمر بوضوح موجع:
لو لم يحدث ذلك، لما كنت هنا؛
ولو لم تنكسر تلك العلاقة، لما وُلد هذا النضج؛
ولو لم أخسر هذا المكان، لما وجدت مكاني الحقيقي؛
ولو لم أتألم بهذا الشكل، لما تعلّمت كيف أرى.
العجيب أن غاية حياتنا لا تُفهم غالبًا من بدايتها. تُفهم حين نبلغ شيئًا يشبه «المقصد»..حين تكتمل فينا فكرة، وحين ننضج إلى الدرجة التي تجعلنا قادرين على إعادة قراءة الماضي. عندها يتحول الماضي من كومة أحجار إلى بناء مفهوم. ويغدو ما ظننّاه تمزيقًا نوعًا من التشكيل. ويصير الوجع جزءًا من هندسة داخلية كانت الروح تحتاجها كي تقوى. فنحن، في حقيقتنا العميقة، لا نُصنع من لحظات السعادة وحدها؛ نصنع من الاختبارات التي أجبرتنا على أن نكون أكثر صدقًا مع أنفسنا.
غير أن الإيمان بأن للتاريخ معنى لا ينبغي أن يتحول إلى تواطؤٍ مع الظلم، ولا إلى تهدئةٍ مجانية للجرح؛ فبعض ما يفتك بالإنسان ليس امتحانًا على الصبر، بل ظلمٌ قابلٌ للتغيير، وإحدى وظائف المعنى أن يجعلنا أشد قدرة على مقاومته لا أكثر قابلية لقبوله.
السمّ الذي يقتل المعنى
من هنا تبدو فكرة العبثية، حين تُقدَّم بوصفها تفسيرًا نهائيًا للوجود، فكرة مدمرة للإنسان، لأنها تسحب الأرض من تحت المعنى، ثم تطلب من الإنسان أن يواصل السير. تطلب منه أن يحب دون سبب، وأن يصبر دون مقصد، وأن يبني دون أفق، وأن يتحمل الألم بوصفه حادثًا بلا دلالة.
ومع ضمور الدلالة يضمُر الإنسان نفسه.
لأن الإنسان كائن معنى قبل أن يكون كائن مادة.
قوته ليست في بنائه العضلي ولا في ذكائه وحده، بل في هذا الشيء غير المرئي الذي يعيش لأجله. في الهدف الذي يرمم شتاته. وفي الغاية التي تجعل للأيام سياقًا. فللمحن معنى، وللطريق اتجاهًا.
وحين تُزرع العبثية في روح الإنسان، تتعفن قيمه من الداخل. تصبح المسؤولية ثقلًا بلا تبرير. ويغدو الخير تصرفًا غريبًا. وتصير التضحية حماقة. أما الصمود فيصبح مجرد تأجيل لضرر لا تفسير له.
العبثية لا تقتل الألم، بل تقتل المعنى الذي يجعل الألم ممكنًا.
وعي لا عزاء
حين تتحول فكرة غائية التاريخ إلى وعي حقيقي داخلنا، لابد أن يتغير شعورنا تجاه الشدائد. بطبيعة الحال، لن تختفي القسوة من الحياة، فالحياة تعرف كيف تكون قاسية، والتاريخ يعرف كيف يكون جارحًا، والقدر يعرف كيف يمرّ بنا دون أن يستأذن.
غير أن ثمة شيء آخر سيتغير بداخلنا: طريقة قراءة ذلك كله؛ أن نفهم دون أن نتكلف التفسير لكل شيء، وأن نرى الخيط حتى حين تختفي العقد، وألا نقف عند الأحداث المفردة فنقرأها وكأنها نهاية المطاف لكل شيء.
فالتاريخ، الكبير والصغير، تاريخ الأمم وتاريخنا الشخصي، يملك ذاكرة أعمق من ذاكرتنا. وهو يمضي بنا نحو اكتمال لا ندرك صورته ونحن في منتصف العاصفة.
ثم تأتي لحظة صفاء..لحظة انكشاف، فنفهم أخيرًا:
لم تكن الحجارة تتساقط عشوائيًا؛ كانت تخلخل يقيننا القديم، فتغيّر وجهتنا، وتزيح عن أعيننا ما تراكم من عمى العادة.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




