يمتلك الذكاء الاصطناعي (AI) القدرة على الإسهام في معالجة مشكلات المجتمع الكبرى مثل تغيّر المناخ، غير أن تحديات مثل الاستهلاك العالي للطاقة تهدد بإبطال فوائده.
أندرو وينستون
إن سفينة الذكاء الاصطناعي، كما يُقال، تمخر عباب البحر بسرعة فائقة، غير عابئة بالمخاطر والمخاوف المجتمعية التي قد تعترضها. إن وتيرة التغيير في قدراته مذهلة حقًّا، فالتنبؤات المتسارعة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيضيف تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد عبر توفير التكاليف بشكل هائل وابتكار منتجات وأسواق جديدة كليًّا.
وفي ظل تصاعد قدرات الذكاء الاصطناعي، وتزايد مشاعر الحماسة والقلق على حد سواء، يحسن بنا أن نتساءل: ماذا يعني الذكاء الاصطناعي للتحديات الجسيمة التي تواجه العالم؛ كالتغير المناخي، وعدم المساواة، وتهديدات الديمقراطية، وغيرها؟ هل سيعيننا أو سيعيقنا… أو كلاهما؟ ما دلالة الذكاء الاصطناعي في سعينا نحو عالم أكثر تجددًا وإيجابية صافية؟
ولا شك في أن هذا الموضوع يصلح ليكون كتابًا بأكمله، لكنني سأركز هنا على أربع فئات رئيسة من التأثيرات: الجانب الإيجابي للذكاء الاصطناعي في مواجهة تغير المناخ ودعم الاستدامة، وتزايد الطلب على الطاقة، ومخاطر المعلومات المضللة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأثره في مصادر رزق الناس، وأقدم لمحة عن الوضع الراهن.
1. الذكاء الاصطناعي قد يجعل العالم والأعمال أكثر استدامة
لقد كتبتُ في عام 2018م عن إمكانات الذكاء الاصطناعي في حل مشكلات المجتمع، لكن من الواضح أن ما كان يُنظر إليه سابقًا كضجة إعلامية، أصبح اليوم حقيقة تتجلى بسرعة، وبفضل أدوات الذكاء الاصطناعي، يُتوقع أن نشهد تحسينات جذرية في إدارة أنظمتنا الكبرى: المناخ والانبعاثات، والطاقة والشبكات الكهربائية، والنقل، والمياه، والغذاء والزراعة، والمباني والمدن، وغيرها. إذ من المفترض أن تساعد النمذجة الفضلى وزيادة الشفافية في العمليات، الشركات والحكومات على تقليص الانبعاثات (مع تحفّظ كبير سيُناقَش في النقطة الثانية أدناه).
وفيما يلي بعض الأمثلة الرئيسة على الاستخدامات الإيجابية للذكاء الاصطناعي، وغالبًا ما تأتي هذه الفوائد من الذكاء الاصطناعي التقليدي، وليس من أدوات المحادثة التوليدية اللافتة للنظر (generative AI chatbots and tools)، إلا أن الفارق بينهما قد بدأ يتلاشى، وكلاهما يشهد تطورًا مذهلًا في القدرات:
استخدام الطاقة — تحسين تصميم المباني وأنظمة التحكم فيها، وهو ما تقدر وزارة الطاقة الأمريكية بأنه قد يقلل استهلاك الموقع للطاقة بنسبة ٢٩٪ أو أكثر.
إدارة الطاقة والشبكات — تحقيق التوازن بين العرض والطلب في الشبكة الكهربائية، من خلال إدارة التعقيد الهائل لمليار جهاز يستهلك الطاقة، وملايين الأجهزة (بدءًا من الألواح الشمسية على الأسطح وصولًا إلى محطات الطاقة العملاقة) التي تولد الطاقة، وبعض الأجهزة التي تقوم بالأمرين معًا (مثل المركبات الكهربائية التي تستهلك الطاقة في جزء من اليوم، وتعمل كبطاريات متنقلة تغذي الشبكة في أوقات أخرى).
الغذاء والزراعة — تعزيز “الزراعة الدقيقة” (precision agriculture)، التي يمكن أن ترفع كفاءة المزارع بنسبة ٢٠ إلى ٤٠٪ من خلال تحسين التنبؤ بالطقس وتطبيق المياه أو الأسمدة أو المبيدات بشكل أدق، كما تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تقليل الفاقد المذهل من الغذاء (إذ يُقدّر أن ٣٠٪ إلى ٤٠٪ يُهدر في الولايات المتحدة وحدها)، ما يوفر كميّاتٍ هائلة من الكربون والمياه الكامنة في المنتجات.
الخدمات اللوجستية والنقل — تحسين تدفق حركة المرور، وتقليل أوقات التوقف، وخفض عدد الحوادث.
سلاسل الإمداد — تقليل المخاطر والتكاليف والهدر والمخزون من خلال تحسين التنبؤ والإدارة.
تصميم المنتجات — ابتكار منتجات ذات تأثير أقل في دورة حياتها البيئية.
وعلى الصعيد الاجتماعي لأجندة الاستدامة والرفاه البشري:
الرعاية الصحية — تسريع اكتشاف الأدوية والكشف عن الأمراض، فعلى سبيل المثال، استخدمت عيادة مايو (Mayo Clinic) الذكاء الاصطناعي لتقليص زمن تحديد نوع من أمراض الكلى من ٤٥ دقيقة إلى ثوانٍ معدودة.
التعليم — تخصيص التعلم وتوسيع إمكانات الوصول إليه.
السلامة العامة — تقديم توقعات أفضل بأنماط الجريمة والكوارث الطبيعية الناتجة عن تغير المناخ.
الإدماج — تعزيز التقنيات المساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة.
وعلى المستوى العملي، ثمة أمل كبير أيضًا في أن يساعد الذكاء الاصطناعي الشركات على الاستجابة لمتطلبات التقارير المتزايدة بشكل كبير، مثل جمع البيانات وملء أعداد لا حصر لها من النماذج. ومن الواضح أن قائمة الفوائد الممكنة طويلة، وأعترف أنني لم أفكر في بعض هذه الجوانب الاجتماعية من قبل. (شكرًا، ChatGPT، على اقتراح الاستعداد للكوارث والإدماج).
2. الذكاء الاصطناعي يُسهم في تضخم استهلاك الطاقة
ذكرت صحيفة فاينانشال تايمز (Financial Times) في مايو أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة تتطلب حاليًّا ١٥ غيغاواط (GW) من الطاقة سنويًّا؛ أي ما يعادل تقريبًا إجمالي قدرة مزارع الطاقة الشمسية الأمريكية. وتقدّر الوكالة الدولية للطاقة (International Energy Agency) أنه بحلول عام ٢٠٢٦م، ستتجاوز احتياجات مراكز البيانات العالمية من الكهرباء ضعف مستويات عام ٢٠٢٢م، لتساوي إجمالي استهلاك اليابان الحالي من الكهرباء.
وليس من الواضح ما إذا كانت شركات المرافق قادرة على مواكبة هذا النمو؛ إذ يعتمد نمو القدرة على سرعة تحديد مواقع وبناء مراكز البيانات ومحطات الطاقة، رغم المعارضة المحلية. فعلى سبيل المثال، ارتفع تقدير شركة جورجيا باور (Georgia Power) لنمو أسطول محطاتها من توقع في يناير ٢٠٢٢م بإضافة ٠,٤ غيغاواط بحلول ٢٠٣٠م، إلى توقع في أكتوبر ٢٠٢٣م بإضافة ٦,٦ غيغاواط بحلول ٢٠٣٠م. وقد بالغت شركات المرافق أحيانًا في تقدير الطلب لتبرير مزيد من البناء (لا سيما في المشاريع غير المتجددة)، إلا أن هذا الحجم من التوسع يبقى مهيبًا: فحتى لو أنشأت شركة جورجيا باور نسخة من أكبر مزرعة شمسية في العالم (تضم ٧ ملايين لوح)، وأضافت ثلاثة مفاعلات نووية نموذجية، فلن تحقق هدفها البالغ ٦,٦ غيغاواط، وهذا مجرد توقع في ولاية واحدة من الولايات المتحدة.
حتى لو حدث توسع في البنية التحتية للطاقة، فإن النتائج ستكون متباينة، فقد يؤدي نمو القدرة الإنتاجية للمرافق إلى تقويض التقدم الهائل الذي أحرزته قطاعات الطاقة والتكنولوجيا في خفض انبعاثات الكربون. تساعد شركة ترين تكنولوجيز (Trane Technologies) -وهي واحدة من عملائي- مراكز البيانات على الحفاظ على برودتها، ولذا ينبغي أن تكون مسرورة بهذا النمو، غير أن الشركة قلقة أيضًا بشأن ما يعنيه هذا الطلب الجديد بالنسبة لجهودها الرامية إلى مساعدة عملائها في تقليص الانبعاثات بمقدار غيغاطن واحد بحلول عام 2030م. قال بول كاموتي، نائب الرئيس التنفيذي وكبير مسؤولي التكنولوجيا والاستدامة في ترين: “لقد أدى ازدهار الذكاء الاصطناعي (AI) إلى زيادة كبيرة في الطلب على الطاقة والتبريد. نحن بحاجة ماسة إلى الابتكار في مجال الطاقة المتجددة، والتخزين، وكفاءة جانب الطلب على نطاق واسع، وكل ذلك بالوتيرة المطلوبة لتجنب خلق عقبات كبيرة أمام الاستدامة”. وبعبارة أخرى، قد يتجاوز النمو الجهود كلها التي تبذلها ترين وغيرها في مجال الكفاءة.
وقد تتعرض موثوقية الشبكة الكهربائية للخطر إذا لم يستطع توليد الطاقة مواكبة الطلب، كما قد تعيق قيود الشبكة التحول نحو “كهرباء كل شيء”؛ أي تبني المركبات الكهربائية والمباني والمصانع التي تعتمد فقط على الشبكة الكهربائية، وقد تتعرض الجهود الرامية إلى إزالة الكربون من القطاعات الرئيسة والشبكة -وهي جهود يحتاج إليها العالم بشدة- للغرق تحت وطأة التسرع في بناء جميع أشكال الطاقة.
وقد يؤدي نمو المرافق إلى تقويض التقدم الهائل الذي أحرزته قطاعات الطاقة والتكنولوجيا في خفض انبعاثات الكربون.
إن النمو المتوقع في الطلب على الطاقة، في ظل الحاجة الملحة إلى تقليص الانبعاثات، ينبغي أن يدفعنا إلى التروي. في الواقع، بدأ هذا النمو بالفعل في جعل شركات التكنولوجيا تخفق إخفاقًا كبيرًا في تحقيق أهدافها المناخية، فقد أعلنت كل من مايكروسوفت (Microsoft) وغوغل (Google) مؤخرًا أن انبعاثاتهما ارتفعت ارتفاعًا كبيرًا خلال السنوات الأربع الماضية، ومع ذلك، لا يزال هناك أمل، فعمالقة التكنولوجيا هم بالفعل أكبر مشترين للطاقة المتجددة، فشركة مايكروسوفت، على سبيل المثال، تسعى لإضافة الطاقة المتجددة بشكل أساسي إلى الشبكة وتستثمر بشكل كبير في احتجاز الكربون (carbon sequestration)، الذي تعرفه هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بأنه عملية التقاط ثاني أكسيد الكربون وتخزينه من الغلاف الجوي. وتقوم الشركة العملاقة بالمزيد؛ تقول ميشيل لانكاستر، مديرة الاستراتيجية العالمية في مايكروسوفت: “إن التزامنا بأن تُشغَّل أعمالنا بالطاقة الخالية من الكربون بنسبة 100%، وعلى مدار 100% من الوقت، بحلول عام 2030م، يوجه عملنا في مجال تخزين البطاريات على نطاق المرافق، وتحول الشبكة، والعدالة البيئية”.
تقول الشركات الكبرى إنها تريد، قدر الإمكان، البقاء محايدة كربونيًّا حتى مع زيادة استهلاكها للطاقة، وهي لا تنجح في ذلك حاليًّا، لكن قد يكون ذلك ممكنًا، استنادًا جزئيًّا إلى الخبرة السابقة، فقد أشارت مود تكسييه، مديرة الطاقة النظيفة وتطوير إزالة الكربون في غوغل، مؤخرًا إلى أنه بينما نما حجم مراكز بيانات الشركة بنسبة 550% بين عامي 2010م و2018م، لم يزد استهلاكها للطاقة إلا بنسبة 6% فقط، وذلك بفضل الكفاءة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي (AI). ففي عام 2016م، خفض الذكاء الاصطناعي ديب مايند (DeepMind AI) التابع لغوغل استهلاك الطاقة في التبريد بأحد مراكز البيانات بنسبة تصل إلى 40%، ما أدى إلى تقليص الفاقد الكلي في كفاءة استخدام الطاقة بنسبة 15%. ويمكن أن يجعل الذكاء الاصطناعي الشبكة بأكملها أكثر كفاءة أيضًا، ومع كل ذلك، ستكون المنافسة صعبة مع هذا النمو المتسارع في الطلب.
وأخيرًا، بعيدًا عن مسألة احتياجات الطاقة لمراكز البيانات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يزيد من سوء الأمور بالنسبة للجهات التي تنتج بالفعل انبعاثات تغير المناخ، فصناعة الوقود الأحفوري تستخدم الذكاء الاصطناعي للعثور على مزيد من الموارد؛ وتستخدم شركات “الموضة السريعة” الذكاء الاصطناعي لتحديد أسواق أكثر تخصصًا وإنتاج ملابس قصيرة العمر بكميات أكبر؛ ويمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي شركات الصيد على الإفراط في صيد المحيطات بسرعة أكبر.
٣. الذكاء الاصطناعي مصدر للمعلومات، والمعلومات المضللة الخطيرة على حد سواء.
تنبع فوائد الذكاء الاصطناعي من توافر مزيد من البيانات وتحسن جودتها حول الأنظمة، إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي الكشف عن الأنماط، ومنحنا فهمًا جديدًا لكيفية عمل الأشياء، ثم تحسين الأنظمة. لكن هذه المعلومات تعكس العالم كما هو، وليس كما نرغب في أن يكون، فهي تحمل تحيزًا؛ فقد اكتشفت أمازون (Amazon) ذات مرة أن نظام التوظيف المدفوع بالذكاء الاصطناعي لديها كان متحيزًا ضد المتقدمات من النساء، لأن معظم شاغلي الوظائف الحاليين كانوا من الرجال، وفي حالات أخرى، كشفت الخوارزميات في أنظمة العدالة الجنائية والصحة عن أنماط قوالب نمطية متأصلة.
ماذا يمكن فعله لمنع المعلومات المضللة المتعمدة والمسلحة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي التوليدي (generative AI)؟
يعمل عالم التقنية على تطوير وسائل لتجنب التحيز، ولنفرض أن “عمالقة الذكاء الاصطناعي” يمكن أن يساعدوا في تقليل هذا الخطر غير المقصود، ولكن ما الذي يمكن فعله لوقف المعلومات المضللة المتعمدة والمسلحة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي التوليدي؟ مع وجود أكثر من ملياري شخص يصوتون حول العالم هذا العام في انتخابات حاسمة حيث الديمقراطية على المحك، بدأت المحتويات المزيفة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي بالفعل في إرباك الناس؛ ففي يناير، أنشئ روبوكول مزيف (deepfake robocall) ليبدو وكأنه الرئيس جو بايدن، يشجع الناخبين في نيوهامبشر على عدم المشاركة في الانتخابات التمهيدية، وقد بدا الأمر وكأنه تجربة تمهيدية لما هو أسوأ.
٤. الذكاء الاصطناعي سيترك آثارًا كبيرة وغير معروفة في الوظائف وسبل العيش.
لقد أذهلتني مؤخرًا أحدث إضافة إلى ترسانة شات جي بي تي (ChatGPT)، وهي سورا (Sora)، التي تحول الأوامر النصية إلى أفلام عالية الجودة يصعب تمييزها عن الأفلام الحية أو الرسوم المتحركة التي يصنعها البشر. وكان أول ما خطر ببالي، إلى جانب الإعجاب الخالص، هو التساؤل عما إذا كان الاستوديو سيحتاج إلى بناء مواقع تصوير حقيقية بعد الآن، بالفعل، بعد رؤيته لسورا، أوقف المنتج الشهير تايلر بيري خططه لتوسعة استوديو بقيمة 800 مليون دولار في مجمعه بأتلانتا، وقال لمجلة هوليوود ريبورتر: “إذا أردت أن يكون هناك شخصان في غرفة معيشة في الجبال، فلست مضطرًّا إلى بناء موقع تصوير في الجبال، ولا لوضع ديكور في أرض الاستوديو، يمكنني الجلوس في مكتب وإنجاز ذلك عبر الحاسوب، وهذا أمر يثير دهشتي”.
إذا جلست يومًا لمتابعة أسماء العاملين في نهاية أحد أفلام Marvel، فلا بد أنك لاحظت عدد الأشخاص الذين يسهمون في إنتاج هذه الأفلام الضخمة، ولا يلزم أن تكون من معارضي التقنية لتتساءل عن مصير تلك الوظائف، ومن المؤكد أن هناك جانبًا مشرقًا محتملًا: فإذا أسهم الذكاء الاصطناعي (AI) في ديمقراطية صناعة الأفلام، وأصبح بإمكان أي شخص تقريبًا إنتاج فيلم، فقد يكتشف العالم مخرجين بموهبة ستيفن سبيلبرغ وغريتا غيرويغ في أي مكان، من أحياء الفافيلا في ريو إلى المجتمعات الزراعية في ريف الهند.
وهذا المثال لا يقتصر على صناعة واحدة؛ فآثار الذكاء الاصطناعي تمتد إلى جميع القطاعات وأنواع الوظائف، وتبرز شركات التقنية إمكانات نمو وظائف جديدة، غير أن الكوميدي جون ستيوارت أشار مؤخرًا إلى أن وظيفة “مهندس أوامر الذكاء الاصطناعي” (AI prompt engineer) قد لا تتعدى كونها “شخصًا يكتب الأسئلة”، وأضاف قائلًا: “وإذا كان ثمة وظيفة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يستبدلها بسهولة، فهي وظيفة ‘شخص يكتب الأسئلة'”. وتتوقع شركة ماكنزي (McKinsey) أن الذكاء الاصطناعي سيسهم في أتمتة ثلاثين بالمئة من ساعات العمل في الولايات المتحدة بحلول عام 2030م. فهل يعني ذلك زيادة في الإنتاجية أو نقصًا في الوظائف؟ لا أحد يعلم، وقد نضطر إلى التفكير في كيفية تكييف المجتمع مع هذه التحولات العميقة، وقد دعا بعض كبار الشخصيات في وادي السيليكون (ومنهم المدير التنفيذي لشركة OpenAI سام ألتمان) إلى اعتماد الدخل الأساسي الشامل؛ أي صرف مبلغ مالي لكل مواطن لضمان حد الكفاف، ويبدو أن هؤلاء القادة يدركون شيئًا عن معنى تقنياتهم بالنسبة لنا جميعًا.
فما الخلاصة؟ حتى لو وضعنا جانبًا السيناريو المتطرف المتمثل في “محاولة الذكاء الاصطناعي القضاء علينا جميعًا” -وهو سيناريو يتكرر كثيرًا في أدب الخيال العلمي لأنه يحمل شيئًا من الحقيقة- فلا تزال هناك مخاوف عديدة، فقد يكون فقدان الوظائف غير مسبوق، وكذلك الطلب المتزايد على الطاقة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في انبعاثات الكربون، وربما يقوض جزءًا كبيرًا من جهود العالم للحد من تغير المناخ.
وكغيره من التقنيات الحديثة، يشق الذكاء الاصطناعي طريقه نحو تطبيقات لافتة في مجالي الترفيه والإنتاجية. إلا أن إمكاناته الحقيقية لتحسين أنظمتنا الكبرى تبدو هائلة خلف الكواليس، فهل ستتجاوز الفوائد ما يستهلكه من موارد وما يفرضه من مخاطر على المجتمع؟ ربما، لكن ذلك، في اعتقادي، لن يتحقق إلا إذا واجهنا التحديات بوضوح وجعلنا من التصدي للسلبيّات هدفًا مشتركًا، فهل سنوجّه هذه الأداة فائقة القوة التوجيه الصحيح لإنقاذ أنفسنا؟ الأمر متروك لنا… في الوقت الراهن.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




