ترجمة: جود الدهيشي
توظيف الكفاءات المتنوعة مجرد البداية: خمس خطوات تُمكّن القادة من تمهيد الطريق لدعم نجاحهم.
كيث دي. دورسي
بغض النظر عن تنوع المرشحين للوظائف، إذا لم نُهيئ بيئة تنظيمية داعمة، فإن احتمالات نجاح هؤلاء المحترفين الموهوبين الذين نبحث عنهم ونسعى جاهدين لتوظيفهم، ستكون ضئيلة. رغم أن كثيرًا من المؤسسات تتخذ خطوات لقياس وزيادة توظيف الكفاءات المتنوعة، فإن قليلًا منها يركز على ما يحدث بعد التوظيف. فقط عندما نعمل بجد على خلق بيئة أكثر إنصافًا، ودعم النساء والأقليات العرقية في التغلب على التحديات، يمكننا الاستفادة الكاملة من إسهامات جميع أفراد فريقنا، وتجنب خسارتهم بسبب الاستنزاف أو قلة الاندماج. الأقليات المهنية هم الأفراد الذين يشكّلون ندرة نسبية في مجالهم المهني، بسبب عوامل مثل: النوع الاجتماعي، والعرق، والعمر، وغيرها، هؤلاء الأشخاص، حققوا إنجازات لطالما حلم بها كثيرون؛ فقد تمكنوا من كسر السقف الزجاجي، والتعامل مع بيئة عمل صعبة وغير مرحب بها أحيانًا، بل ونجحوا في تخطي المنحدر الزجاجي. ورغم أن التنفيذيين الذين يمثلون هذه الفئات المتنوعة قد تجاوزوا هذه التحديات بنجاح، فإن التحدي الأكبر ما زال أمامهم، وهو تمهيد الطريق للآخرين ليحذوا حذوهم. فهذه المهمة تتطلب عملًا شاقًّا ودؤوبًا، فضلًا عن مجموعة متنوعة من الأدوات والمهارات، لكنها ضرورية لضمان أن يتمكن الآخرون من التنقل في هذا المشهد بأمان وفعالية.
خطوات فعّالة لاستدامة التنوع في بيئة العمل.
رغم وفرة المصادر التي تقدم إرشادات للمهنيين من الفئات الأقل تمثيلًا عن كيفية تجاوز تحديات العمل، فإن على المؤسسات دورًا أكبر، يتمثل في كشف مواطن التحيز والعنصرية النظامية المستمرة، ومعالجتها معالجة جذرية. لتحقيق ذلك، يمكن للمؤسسات البدء باتباع خمس خطوات أساسية تمهّد الطريق لبيئة عمل أكثر شمولية، إذ تتاح للجميع فرص متساوية للنمو والتطور وتحقيق النجاح المهني.
الخطوة الأولى: تعزيز التزام القيادة بالتنوع من خلال الرعاية.
يجب أن تُظهر القيادة في جميع مستويات المنظمة التزامًا قويًّا بالتنوع والشمولية، فعندما يُجسد القادة هذه السلوكات، يتبعهم الموظفون بشكل طبيعي. ومع ذلك، لا ينبغي أن يقتصر هذا الالتزام على مبادرات مؤقتة، أو تصريحات عن قيم الشركة فقط. لذا؛ على القادة أن يُظهروا التزامهم الجاد بتوظيف الأفراد من الفئات الممثلة تمثيلًا ناقصًا، وذلك من خلال مساعدتهم في تطوير مهاراتهم، وتجهيزهم للتقدم في مسيرتهم المهنية؛ إذ يجب على كل قائد، بغض النظر عن مستوى منصبه، أن يحدد على الأقل مرشحًا واحدًا لتقديم الدعم والرعاية له بشكل متعمد. بعد التعرف إلى خلفية المرشحين، وأهدافهم المهنية، واحتياجاتهم من الدعم، يجب على القائد أولًا: أن يُرشدهم في كيفية التنقل داخل المنظمة، وثانيًا: يُساعدهم في تطوير المهارات اللازمة للتقدم في مسيرتهم المهنية، وأخيرًا: يُساعدهم في تأمين منصب قيادي متقدم. وعلى الرغم أن برامج الإرشاد والرعاية الرسمية قد تكون مفيدة، فإن العلاقات التي تنشأ بشكل غير رسمي غالبًا ما تكون أكثر فاعلية وفائدة، وتستمر مدة طويلة بعد أن يحقق الأفراد التقدم في حياتهم المهنية، أو حتى يغادروا المنظمة.
الخطوة الثانية: تحطيم السقف الزجاجي من خلال معالجة العوامل النظامية.
يُعبّر مصطلح “السقف الزجاجي” عن الأنظمة التمييزية التي تمنع مجموعات معينة، مثل النساء والأقليات العرقية، من الوصول إلى الفرص العليا للنمو المهني والترقي، ومن أبرز العلامات التي تشير إلى وجود السقف الزجاجي في مؤسستك: نقص التنوع في المناصب العليا والإدارية مقارنة ببقية القوة العاملة، والتفاوت في الرواتب بين الأفراد الذين يشغلون المناصب نفسها، ولديهم المؤهلات نفسها، وقلة التوجيه والدعم والتطوير لمجموعات معينة، ووجود تحيزات صريحة أو ضمنية بشأن أنسب المجموعات للمناصب القيادية، وارتفاع معدلات التسرب بين الفئات الأقل تمثيلًا مقارنة بالآخرين. من الضروري التعرف إلى السقف الزجاجي وإزالته في مؤسستك؛ إذ يجب فحص جميع جوانب تجربة الموظف بعناية. فعلى سبيل المثال، يمكن معالجة التحيز في التوظيف والترقيات باستخدام تقنيات التوظيف العمياء، ومراجعة نطاقات الرواتب ومعايير الترقيات لضمان تكافؤ الفرص والأجور، وتوفير مسارات واضحة وفرص تطوير مهني لجميع الموظفين. كما يمكن أن تسهم الأهداف المتعلقة بالتنوع، ومبادرات الشمولية، وبرامج التعليم التي تركز على التعرف إلى التحيزات اللاواعية في خلق بيئة تشجع على التنوع. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تسهم ترتيبات العمل المرنة وتعزيز التوازن بين العمل والحياة في تشجيع المشاركة الفعالة من الموظفين، الذين قد يتعرضون للإغفال بسبب مسؤولياتهم الشخصية والمهنية.
الخطوة الثالثة: تقليص المنحدرات الزجاجية من خلال الاهتمام الدقيق.
يصف مصطلح “المنحدر الزجاجي” ظاهرة يجري فيها اختيار النساء والأقليات الأخرى لتولي المناصب القيادية في أوقات الأزمات، ما يعرضهم لمخاطر أعلى للفشل، وتحدث هذه الظاهرة عبر مختلف الصناعات والمناطق الجغرافية، سواء للنساء أو للأقليات العرقية. تكمن المشكلة في منح الأفراد من الفئات الممثلة تمثيلًا ناقصًا الفرص القيادية فقط في أوقات الأزمات؛ إذ يُنظر إلى القادة في الأوقات العصيبة عادة على أنهم جزء من المشكلة، ما يعزز الصور النمطية، ويقلل من الفرص المستقبلية لهذه الفئات. لتجنب هذه النتيجة، من الضروري أخذ الوقت الكافي للتعرف إلى الوضع وفحصه فحصًا شاملًا قبل تعيين قائد للتعامل معه. بالرغم من الإغراء القوي للتدخل السريع والقيام بأي شيء لــ “إيقاف تفاقم المشكلة”، فإن تخصيص الوقت لفهم المشكلة فهمًا كاملًا، يعد ثمنًا بسيطًا مقارنة بفرصة أكبر للنجاح. يجب أن تتضمن عملية التشخيص تحديد معايير المشروع (مثل أهداف الأداء، والمواعيد النهائية، والميزانية)، والأطراف المعنية، والإجراءات المتخذة سابقًا، والحالة الراهنة، والنتائج المرجوة، من وجهة نظر جميع المعنيين. فمقالتي حول ظاهرة المنحدر الزجاجي، تقدم تفاصيل أكثر حول عملية العناية الواجبة، والأسئلة التي يمكن استخدامها لتشخيص هذه الحالات. وبعد التشخيص الدقيق فقط، سيكون من الممكن اختيار المرشح الأنسب لقيادة الجهود.
الخطوة الرابعة: افتح آفاقًا أوسع بتغيير مسار الحوار.
غالبًا ما تكون البيئات المؤسسية ممتلئة بالتحديات، خاصةً للنساء والأفراد من ذوي الأقليات العرقية المتنوعة. لذا؛ كثير من هذه التحديات تتسم بالطابع المنهجي، مثل ثقافات العمل التي تمنح امتيازات لمجموعات على حساب أخرى، أو متطلبات العمل التي تفرض ساعات طويلة في المكتب واستجابة دائمة على مدار الساعة. هذه التحديات قد تجعل البيئة المؤسسية تبدو غريبة وعدائية. ونتيجة لذلك، قد تجد الأقليات المهنية نفسها عالقة في دوامة من التحيزات الفكرية، سواء عبر الثقة الزائدة أو المنخفضة بالنفس. كما قد يميلون إلى حصر شبكاتهم الاجتماعية ضمن دوائر مشابهة لهم، بدلًا من توسيعها لتشمل داعمين ومستشارين ومرشدين يمكنهم توجيه مساراتهم المهنية، لا سيمَّا أنهم قد يواجهون صعوبة في تحقيق التوازن المنشود بين العمل والحياة الشخصية. وعلى الرغم من أهمية أن يتبنى القادة دورًا فاعلًا في دعم الأقليات المهنية “كالخطوة الأولى”، فإن المرشدين والرعاة والحلفاء في المؤسسة يؤدون أدوارًا محورية في توجيه المرشحين نحو النجاح؛ وهؤلاء الأشخاص، بفضل خبراتهم السابقة في التنقل بين تحديات المؤسسة، يقدمون نماذج عملية تلهم وتوجه الأجيال الناشئة. ومع ذلك، فإن دعم القادة الواعدين يتطلب إعادة صياغة محادثات الإرشاد التقليدية. وعليه، عادةً ما تركز المحادثات التقليدية على تحديد أهداف المتدرب قصيرة وطويلة المدى، وتقديم النصائح بشأن تطوير المهارات، والإرشاد العملي، وتقديم التغذية الراجعة حول الأداء. ولكن الإرشاد الذي يعزز التنوع، والمساواة، والشمولية، والانتماء، يحتاج إلى نهج أكثر عمقًا. ينبغي أن يتضمن هذا النهج إطارًا واضحًا للتطوير المهني، وتوضيحًا لكيفية إسهام الفرص المختلفة في تحقيق الأهداف المهنية، ونقاشًا في كيفية التعامل مع ثقافة المؤسسة، كل ذلك، مع الأخذ بعين الاعتبار العقبات الهيكلية، مثل الحواجز الزجاجية[1] والمنحدرات الزجاجية، والتحديات النظامية التي تواجه الأقليات المهنية. كما يجب أن تشمل هذه المحادثات مناقشة التحيزات المعرفية، لتجنب الوقوع في فخ الثقة المفرطة أو المبالغة في تعويض النقائص المتصورة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال جمع تقييم شامل (360 درجة) حول أداء المتدرب في المهام الرئيسة، ومساعدته على التعبير عن مشاعره وأفكاره وتجربته في أثناء تنفيذ هذه المهام. لذا؛ قد تظهر الثقة المفرطة عندما يكون أداء المتدرب في مهمة ما متواضعًا أو أقل من المتوسط، لكن تجربته الذاتية تعكس شعورًا قويًّا بالإنجاز والرضا. في المقابل، قد يظهر الإفراط في التعويض عندما يُقيَّم أداء المتدرب بمستوى جيد أو أعلى من المتوسط، لكن تجربته تشير إلى استنزاف مفرط للوقت، أو قلق مستمر بشأن جودة الأداء.
الخطوة الخامسة: قياس التقدم ومتابعة نتائجه بدقة.
من الأقوال الشائعة في عالم الأعمال: “يجب أن نفحص ما نتوقعه”، وهذه الحكمة تنطبق تمامًا على أي مبادرة للتنوع. تبدأ العملية بتحديد ماهية النجاح وفقًا لمقاييس تنوع رئيسة، مثل: التوظيف، والاحتفاظ بالموظفين، والترقيات عبر مختلف فئات الموظفين. قد يبدو من المغري التوقف عند هذه المرحلة، لكن تحديد الهدف هو مجرد البداية. إضافة إلى ذلك، من الضروري قياس الأداء الحالي للمؤسسة بناءً على مؤشرات الأداء الرئيسة هذه[2]، ثم تحليل الأسباب التي أدت إلى الوضع الراهن. لفهم الأداء الحالي فهمًا دقيقًا، يجب إجراء التقييمات التالية:
- قياس مستوى القبول: إلى أي مدى يدرك قادة وأعضاء المنظمة أهمية هذه المؤشرات المحددة، ويتفقون على أنها الأهداف الصحيحة والمعايير المناسبة للقياس؟
- قياس الجدوى: ما الهياكل التنظيمية، والعمليات، والعوامل الأخرى التي تسهم في تحقيق هذه المؤشرات؟ وما العوامل التي قد تعيق أو تهدد الوصول إلى هذه الأهداف؟
- قياس احتياجات الدعم: يُدرّب القادة على التكيف مع احتياجات كل مرؤوس بناءً على مستوى مهاراته. وبالطريقة نفسها، يجب على القادة في جميع أنحاء المنظمة تعديل مستوى الإشراف، والتشجيع، والإرشاد الذي يقدمونه مع تقدم الأقسام والموظفين عبر مختلف مستويات المهارات نحو تحقيق أهداف التنوع. على سبيل المثال، قد يحتاج قسم التوظيف الذي يفتقر إلى الخبرة في توظيف المحترفين من الفئات الممثلة تمثيلًا ناقصًا، إلى إرشاد قوي ومتابعة مستمرة حتى تنمو كفاءتهم. في المقابل، يجب أن يُمنح المدير المتمرس في تطوير وإدماج هؤلاء المحترفين استقلالية أكبر، لتمكينه من ممارسة مهاراته بشكل كامل.
بينما تنفَّذ المبادرات، يجب الاستمرار في تقييم هذه المؤشرات بانتظام لقياس التقدم وضبط الجهود. كما يقول المثل: “ما يُقاس يُنجز”. لن تتحقّق أهداف التنوع إلا إذا حُدِّدَت تحديدًا دقيقًا وقُيِّمَت تقييمًا دوريًّا. لطالما كنت واحدة من القادة السود القلائل في المنظمات التي عملت فيها؛ ففي مرحلة من مسيرتي المهنية، كنت مقدمة عرض في اثنين من الاجتماعات الفصلية؛ أحدهما حضره الموظفون العاديون، والآخر حضره المديرون. وعلى الرغم من أن موظفي خدمة العملاء السود كانوا مندهشين وسعداء لرؤية شخص يشبههم في منصب تنفيذي، فإنني كنت مصدومة ومحبطة، عندما أدركت أن غالبية موظفي خدمة العملاء لدينا كانوا من السود، في حين كان جميع مشرفينا ومديرينا من البيض. كان هذا محيرًا؛ لأن فريق القيادة بدا وكأنه يهتم بالتنوع من منظور التوظيف، ولكن كان من الواضح تمامًا أن هناك حواجز منهجية تعيق الاحتفاظ والتقدم المهني للأفراد من الفئات الممثلة تمثيلًا ناقصًا. غالبًا ما يُلاحظ نقص التنوع في المستويات العليا للمؤسسة، فقط عندما يلاحظ الرؤساء التنفيذيون أو أعضاء مجلس الإدارة أو فريق الموارد البشرية ذلك، ولكن في العادة، تُفهم المشكلة فهمًا غير دقيق، ونادرًا ما تُحلُّ. يمكن تفسير جزء من هذه الفروقات في التقدم المهني جزئيًّا بسبب بيئات العمل غير المرحب بها، والحاجة إلى توسيع المسار أمام المهنيين من الفئات الممثلة تمثيلًا ناقصًا لتمكينهم من النجاح. لذا؛ يؤدي القادة التنظيميون، والمدربون، والمرشدون، والرعاة، وغيرهم من الأفراد الممكّنين في مسارات الوظائف، دورًا مهمًّا في القضاء على مصادر التفاوت، وتزويد الأقليات المهنية بالأدوات اللازمة للبقاء والازدهار في بيئات العمل المؤسسية. ومع مرور الوقت، ونجاح مزيد ومزيد من المجموعات المتنوعة من المهنيين في تحقيق أهدافهم المهنية، سيصبح المسار أكثر سلاسة واتساعًا، ما يؤدي إلى تحول مستمر وتراكمي في هيكل المنظمة.
نبذة عن المؤلف
كيث دي. دورسي: حاصل على درجة الدكتوراه في التربية، يشغل منصب الشريك الإداري، وقائد قسم خدمات الرؤساء التنفيذيين وأعضاء مجالس الإدارة في شركة بويدن، وهي شركة عالمية متخصصة في البحث التنفيذي. بنى مسيرته المهنية كمتخصص في إدارة التحولات الحرجة (المعروفة بمصطلح “المنحدر الزجاجي”) في الشركات الأمريكية. يكتب دورسي عن موضوعات تتعلق بالتنوع، والحوكمة، والنمو الاستراتيجي في الشركات والمؤسسات العامة والخاصة، وكذلك في مجالس الإدارة.
[1] أي: الحواجز غير الرسمية وغير المرئية، التي تعيق تقدم الأفراد إلى المناصب العليا.
[2] KPIs: هو معيار للقياس، يقيس أداء أو تقدم أهداف وغايات النشاط التجاري المحدد.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




