ترجمة: جود الدهيشي
توماس إتش دافنبورت وراندي بين
هناك كثير من المنظمات التي تخوض غمار الذكاء الاصطناعي، ولكن قلّة منها عزمت على أن تستثمر في التكنولوجيا، وبكل تأكيد من بين هذه المنظمات، مؤسسة ماستركارد “لخدمات الدفع” التي تسلك هذا المسار. فمن خلال تشغيل مزيج من العمليات الشرائية والإمكانات الداخلية، نصبت مؤسسة ماستركارد هدفًا واضحًا إلى أن تصبح قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي. ولكن، ماذا يعني هذا المصطلح بالضبط، وكيف يطبق في الشركة؟
ما هي قوّة الذكاء الاصطناعي؟
يُحيل البعض إلى فكرة التغلغل والتبنّي الشديد للذكاء الاصطناعي، كونها “الذكاء الاصطناعي يأتي أولًا”، في حين يستخدم الآخرون مسمّى “وقود الذكاء الاصطناعي” أو ” كُليّة الذكاء الاصطناعي” (وهو المسمّى المفضل لدى توم؛ لأن عنوان كتابه القادم عن هذا الموضوع). وفي الصدد نفسه، تتّخذُ ماستركارد مسمّى “قوة الذكاء الاصطناعي”. وبغض النظر عن الوصف، يُشير المفهوم إلى المنظمات التي تطبق الذكاء الاصطناعي في جميع أعمالها، وتستخدمه إما لتحويل العمليات وإما لتطوير منتجات، وخدمات، ونماذج أعمال جديدة، وإما كليهما. وعليه، تستخدم هذه الشركات تقنيات الذكاء الاصطناعي المتعددة، ما جعلها تُطوِّر كثيرًا من حالات الاستخدام، وتضعها جميعًا في مرحلة النشر الإنتاجي.
وكما أشرنا في مواضعَ سابقة، فإن هذا المستوى من المشاركة فريدٌ من نوعه؛ ففي استطلاع أجرته كلية سلون لإدارة الأعمال التابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بالتعاون مع مجموعة بوسطن الاستشارية للذكاء الاصطناعي في عام 2019م؛ ذكر 65% من المشاركين أنهم لم يروا قيمة من استثماراتهم الأخيرة في الذكاء الاصطناعي، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن عدد المشاريع التي وُضِعت في الإنتاج كانت قليلة نسبيًّا، ما جعل المشاركين في الاستطلاع يعربون عن مخاوفهم من التكنولوجيا؛ إذ ذكر 45% منهم أنهم أدركوا وجود مخاطرة بشكل ما على أعمالهم من الذكاء الاصطناعي (ارتفاعًا من 37% قبل عامين).
ولكي تنجح الشركات في التحول إلى قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي، يتعيّن عليها أن تضع مجموعة من المتطلبات الأساسية. وتأسيسًا على ذلك، يتعيّن على كبار القادة في المنظمة أن يكونوا جزءًا فعالًا للمشاركة في الجهود المبذولة؛ لأن حالات استخدام الذكاء الاصطناعي يجب أن تُتيح طرائق جديدة لإدارة الأعمال، وبشكلٍ حتمي تستثمر الشركات المشغلة للذكاء الاصطناعي على الأقل مبالغ لا بأس بها في تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي. ولا سيما أنه يتطلّب كثيرًا من البيانات عالية الجودة؛ لأن هذه هي الطريقة التي تُدرَّب بها نماذج التعلم الآلي. فمن منظور المواهب، تحتاج الشركات إلى أفراد دوَاهٍ قادرين على تطوير وتطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي. ومن المهم أن تمتلك المنظمة منارة أخلاقية حول كيفية استخدامها للذكاء الاصطناعي وموارد المعلومات الأخرى.
تتمتّع شركة ماستركارد لخدمات الدفع بكل هذه الأساسيات، ويُعَد رئيسها التنفيذي مايكل ميباخ داعمًا قويًّا للذكاء الاصطناعي في ماستركارد؛ إذ تتعامل الشركة مع 110 مليارات معاملة دفع سنويًّا، كما وظَّفت أو استحوذت على كثير من علماء البيانات. ومديروهم التنفيذيون يتمتّعون بدهاءٍ في مجال البيانات والرقمنة. كما كتبنا أيضًا كيف كانت ماستركارد واحدة من أوائل المؤسسات التي كرَّست كبار المسؤولين التنفيذيين لقضايا أخلاقيات البيانات.
بناء قدرات ماستركارد للذكاء الاصطناعي.
استحوذت شركة ماستركارد على قدرات الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة للاستخدام الداخلي ولصالح عملائها، بما في ذلك البنوك والتجار والمستهلكون.
وفي الصدد نفسه، لتعزيز وحدة أعمال البيانات والخدمات الخاصة بها، التي توفّر مجموعة متنوعة من الخدمات المتعلقة بالبيانات، والتحليلات، والذكاء الاصطناعي للعملاء الخارجيين، استحوذت أيضًا على العائد الديناميكي، وهي شركة برمجيات التخصيص القائمة على الذكاء الاصطناعي.
لدعم وحدتها السيبرانية والاستخباراتية، التي تركز على توفير تفاعلات آمنة، وموثوقة، وتتعامل على نحو مثالي مع مستهلكي ماستركارد وعملائها، وشركائها في جميع أنحاء العالم، استحوذت على شركة برايتيريون، وهي شركة تستخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في منع الاحتيال؛ وهناك أيضًا، نوداتا سيكيورتي، وهي شركةٌ أخرى لمنع الاحتيال؛ إذ تستخدم القياسات الحيوية السلوكية للتعرف إلى المستخدمين؛ وريسك ريكون “وظيفة استبيانيَّة مدعومة بالذكاء الاصطناعي”، وهي شركة ترصد أخطار الأمن السيبراني وتصنفها. وحرصًا على ذلك، صُمِّمت كل عملية استحواذ للمساعدة في تعزيز الثقة والإدماج في النظام البيئي الرقمي.
الأمن السيبراني والاستخبارات هما موطن منظمة الذكاء الاصطناعي العالمية التابعة لشركة ماستركارد، التي يَرْأَسُهَا روهيت تشوهان، نائب الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي. لا يُعد تشوهان غريبًا على البيانات، بعد أن قاد أنشطة البيانات والخدمات التي تركز على العملاء قبل تولّي منصب الذكاء الاصطناعي، فهو المسؤول عن جعل ماستركارد قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي.
يكدُّ تشوهان وفريقه من خلال مجموعة متنوعة من الجبهات لجعل الذكاء الاصطناعي متغلغلًا “كالكهرباء”، على حد قوله. لذلك، هناك خمس ركائز أساسية لجهود الشركة في مجال الذكاء الاصطناعي:
1. تشغيل المنتجات والخدمات باستخدام الذكاء الاصطناعي: كان الانقضاضُ الأول في هذا المجال هو اكتشاف الاحتيال، لكن ماستركارد استفادت من هذه الجهود في كثير من المنتجات والخدمات المختلفة للعملاء، بما في ذلك المصادقة واسترداد المبالغ المدفوعة، ومصير هذا العمل سيشمل جميع مكونات دورة الدفع.
2. تقويّة العمليات التجارية الداخلية باستخدام الذكاء الاصطناعي: قال تشوهان: إنه مُفتخرٌ بتنفيذ التنبؤ القائم على الذكاء الاصطناعي، الذي يتنبّأ بكمية الأعمال التي ستقوم بها ماستركارد قبل 90 يومًا بدقة 99٪. كما أنشأت الشركة وحدات صيانة تنبؤيّة قائمة على الذكاء الاصطناعي، تعمل في خوادم المعاملات التي بدأها التاجر، التي من خلالها تنقل جميع رسائل المعاملات، ونتيجةً لذلك، تتنبأ الوحدات بالخوادم التي ستتعطل قبل أن تتعطل بالفعل.
3. دعم العملاء في رحلتهم للذكاء الاصطناعي: قال تشوهان: إن الشركات غالبًا ما تتعرقل في البيانات الضخمة، وتُناضل بتكيّف التقنيات الجديدة. إضافةً إلى تقديم منتجات للعملاء مبنيّة على الذكاء الاصطناعي، أنشأت ماستركارد برنامجًا يُطلق عليه آي إكسبرس؛ إذ يعمل مع العملاء لتحديد حالات استخدام الذكاء الاصطناعي الخاص بهم، ولإعداد تجارب تثبت صحة المفهوم في غضون ستة إلى ثمانية أسابيع، وقد قام فريق الأمن والاستخبارات بذلك بالفعل لكثير من البنوك المختلفة في جميع أنحاء العالم.
4. السعي إلى استخدام الذكاء الاصطناعي للأفضل: تحاول ماستركارد استخدام الذكاء الاصطناعي لتحقيق الاستدامة وتحسين جودة الحياة؛ إذ لديها كثير من مشاريع الذكاء الاصطناعي الجارية المتعلقة بالنمو الشامل والتنمية المجتمعية. ولذلك، فهي تتعاون مع منظمة أكسيون العالمية غير الربحية، لتحسين اتخاذ القرارات الائتمانية للتمويل المحدود باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتتشارك شركة ماستركارد للنمو الشامل أيضًا مع معهد علوم البيانات في جامعة شيكاغو ومنظمة “Data.org”، لزيادة التأثير الاجتماعي من خلال علوم البيانات؛ إذ تهدِفُ لبناء كفاءة ذات موهبة في مجال علوم البيانات في المجتمعات المحرومة في جميع أنحاء العالم.
5. الذكاء الاصطناعي الأخلاقي يأتي أولًا: في عام 2019م، اتخذت ماستركارد موقفًا قويًّا بشأن مسؤولية البيانات التي تؤكد ملكية العملاء لبياناتهم، وسيطرتهم عليها، وقدرتهم على الاستفادة منها. ففي مجال الذكاء الاصطناعي، تضمن عملية تصميم المنتج أن البيانات والنماذج تُلبّي معايير الشركة فيما يتعلّق بالشفافية، وعدم التحيز، والامتثال التنظيمي، لا سيما، أن رئيسة قسم البيانات جوان ستونير تُركِّز بقوّة على هذه القضايا، كما وُصِف في بثّ بودكاست كلية سلون لإدارة الأعمال التابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا “MIT SMR” الأخير حول الذكاء الاصطناعي.
يؤمن تشوهان أن الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف يجب أن يتغلغل في كل جزء من الشركة، ويستوطِن داخل كل قسم من أقسامها، ولكن حاليًّا، فإن مجموعته المتمركزّة داخل الأمن السيبراني والاستخبارات، ضرورية لإقناع وحدات الأعمال بأهمية الذكاء الاصطناعي، ومساعدتهم على تطوير حالات استخدامها، ولإعداد تجارب تثبت المفاهيم، وتدريب موظفيهم على مهارات الذكاء الاصطناعي.
تسعى مجموعة تشوهان إلى بناء كفاءةٍ تنظيميةٍ في مجموعة متنوعة من المجالات، التي تشمل تدريب الأفراد في وحدات الأعمال؛ إذ أخبرنا: “أُومن حقًّا أنه من الممكن تدريب الموظفين الحالييِّن”. تُحدد مجموعة الذكاء الاصطناعي أفضل مجموعات الأدوات والعلاقات مع المورّدين للشركة، وبناء مجموعات البيانات و”مخازن مميزة” للذكاء الاصطناعي (مجموعات من المتغيرات قابلة لإعادة الاستخدام وموثقة جيدًا للاستخدام في نماذج التعلم الآلي)، وإقامة بنية تحتيّة لدعم نشر الإنتاج. واستنادًا إلى ذلك أيضًا، تطوِّر المجموعة عمليةَ حوكمةٍ صارمة للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الكفاءة البشرية، وتلك التي تنطوي على أدوات تلقائية مثل عمليات التعلم الآلي. وتجرِي ماستركارد تجارب على التعلم الآلي التلقائي، الذي يعتقد تشوهان أنه سيُعزز في النهاية عمل كثير من “علماء بيانات المواطنين” في جميع أنحاء الشركة، مع أن هذه العملية في مرحلة مبكرة.
إن أعظم تحدٍّ تواجهه كثير من المنظمات هذه الأيام، هو اكتساب المواهب المناسبة لتحقيق أهدافها، وقد قطعت ماستركارد بالفعل شوطًا كبيرًا في هذا الصدد، جزئيًّا من خلال عمليات الاستحواذ التي قامت بها. لكن تشوهان واثقٌ أن ماستركارد قادرة على مواصلة تنمية قدراتها، من خلال الموظفين الجدد، والتدريب الداخلي أيضًا. وقلِّما تحدد المنظمات هدفها على أن تصبح قوةً عظمى من أي نوع، دون الثقة في قدرتها على تحقيقه.
نبذة عن المؤلفين
توماس دافنبورت: هو أستاذ متميّز في تكنولوجيا المعلومات والإدارة في كلية بابسون، وأستاذ زائر في كلية سعيد للأعمال في أكسفورد، وزميل في مبادرة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بشأن الاقتصاد الرقمي. راندي بين: هو قائد فكري في الصناعة، ومؤلف ومدير تنفيذي لشركة نيو فينتاج بارتنيرز، وهي شركة استشارية استراتيجية وإدارية أسسها في عام 2001م، وهو مؤلف كتاب “الفشل بسرعة، والتعلم بشكل أسرع: دروس في القيادة القائمة على البيانات في عصر الاضطراب والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي” (وايلي، 2021م).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




