ترجمة: سمية القحطاني
يواجه كثير من المبدعين؛ مثل المخترعين الجدد، ومخرجي الأفلام، والروائيين، صعوبة في تكرار نجاحهم الأول. وفي دراسة حديثة أجريناها في المملكة المتحدة حول الإبداع، وجدنا أن كتّاب كتب الطهي لأول مرة يواجهون المشكلة نفسها، ولأسباب مشابهة.
وعلى الرغم من أن كتب الطهي تبدو بعيدة عن مجال الإدارة، فإن تتبع من يستمر في كتابة كتاب طهي ثانٍ ومن يتوقف، يساعدنا في فهم ما يلزم للحفاظ على الإبداع؛ سواء في المطبخ أو في أي مجال آخر. ومن خلال الدراسة، تبيّن أن نصف المؤلفين الجدد (50%) أصدروا كتابًا ثانيًا خلال خمس سنوات، وغالبًا ما يكون تطويرًا أو تكملة لفكرتهم الأولى، أما النصف الآخر فتوقف عن الكتابة بعد المحاولة الأولى.
من المثير للاهتمام أن بحثنا أظهر أن الأفكار الأصلية والفائزة بالجوائز، قد تكون أقل قابلية للاستمرار. فقد وجدنا أن مؤلفي كتب الطهي المبتكرة التي حصدت جوائز، أو نالت تقديرًا علنيًّا، كانوا أقل احتمالًا لكتابة كتاب ثانٍ مقارنة بالمؤلفين الذين فازت أعمالهم بجوائز، ولكن تناولت مواضيع أقل إبداعًا.
لماذا لا يواصل بعض الكتّاب المميزين تقديم أعمال جديدة رغم بدايتهم القوية؟ يمكننا تسمية ذلك “تأثير هاربر لي”. فعلى الرغم من النجاح الكبير الذي حققته روايتها الشهيرة أن تقتل طائرًا بريئًا، التي نُشرت عام 1960م، لم تصدر هاربر لي سوى كتاب واحد آخر بعده، وهو اذهب وضع حارسًا، الذي أثار كثيرًا من الجدل.
ورغم أن هذا الكتاب نُشر عام 2015م، فإنه كُتب في الخمسينيات، ويعتقد كثير من النقاد أنه مجرد مسودة أولية للرواية الأصلية، ويهم الباحثين الأدبيين أكثر من الجمهور العام.
أثر تهديد الهوية الإبداعية
لكي نفهم لماذا يقرر بعض الكتّاب الناجحين التوقف عن تأليف كتب طبخ جديدة، اعتمدنا على نظرية تُعرف باسم “نظرية هوية الدور”، هذه النظرية النفسية تقول إن الإنسان عندما يكوّن صورة معينة عن نفسه –مثل أن يعدّ نفسه طاهيًا مبدعًا– فإنه يشعر بالتهديد النفسي إذا اهتزت هذه الصورة.
وبناءً على ذلك، فإن تردد الكاتب في خوض تجربة تأليف كتاب ثانٍ، يبدو أمرًا منطقيًّا، خصوصًا إذا كان يخشى أن يفشل العمل الجديد، مما قد يؤثر على ثقته بنفسه، ويضعف إحساسه بأنه شخص مبدع.
لاختبار ما إذا كانت الأفكار الجديدة والفائزة بالجوائز، تؤدي فعلًا إلى ما نُسميه “تهديد الهوية الإبداعية”، والذي قد يقلل من احتمالية تقديم أفكار جديدة لاحقًا، قمنا بتصميم تجربتين علميتين للتحقق من ذلك.
في التجربة الأولى، شارك عدد من طلاب الجامعة، وطُلب منهم ابتكار فكرة مميزة لكتاب طهي يكون موجهًا للطلاب، ويُكتب من قبل طلاب مثلهم. ولزيادة ارتباطهم الشخصي بالفكرة، طُلب منهم أن يوضحوا كيف تعكس فكرتهم خلفيتهم وتجاربهم الشخصية، حتى يشعروا بأن المشروع جزء من هويتهم.
بعد ذلك، قدّمنا للطلاب تقييمًا وهميًّا، وأوضحنا لهم أنه مبني على خوارزميات وآراء مشاركين آخرين. أخبرْنا بعضَهم بأن فكرتهم مبتكرة للغاية، في حين أخبرْنا آخرين بأن فكرتهم تقليدية.
ولتعزيز التأثير، أبلغنا عددًا من الطلاب في كلتا المجموعتين أن فكرتهم تمتلك إمكانات كبيرة للتميّز في عالم الطهي، وأننا ندرس إمكانية إبرازهم على غلاف مجلة الجامعة الرسمية، وفي حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي. وكان الهدف من ذلك محاكاة شعور الفوز بجائزة مرموقة، أو نيل تقدير واسع النطاق.
بعد هذه المرحلة، طلبنا من المشاركين أن يختاروا بين خيارين: إما تطوير فكرة جديدة لكتاب طهي ثانٍ مختلف، أو إعداد استراتيجية لتسويق وترويج واستثمار فكرتهم الأولى.
وبعد أن قاموا باختيار أحد الخيارين، طلبنا منهم أن يوضحوا إلى أي مدًى شعروا بأن تطوير فكرة ثانية، أو إعداد استراتيجية تسويقية، يُشكّل تهديدًا لهويتهم الإبداعية.
أظهرت نتائج الدراسة أن المشاركين الذين قيل لهم إن فكرتهم مبتكرة، وستنال تقديرًا خاصًّا، أي من تم وضعهم في “حالة الفائز بالجائزة”، كانوا أكثر شعورًا بتهديد لهويتهم الإبداعية مقارنةً بباقي المشاركين، سواء ممن طُلب منهم تطوير فكرة مبتكرة دون الحصول على جائزة، أو ممن طُلب منهم تطوير فكرة تقليدية مع جائزة أو من دونها.
وقد تبين أن المشاركين الذين شعروا بتهديد أكبر لهويتهم الإبداعية، كانوا أقل ميلًا إلى ابتكار فكرة أخرى لكتاب طهي جديد.
ولمزيد من التحقق، للحصول على نتائج مؤكدة، صممنا تجربة ثانية شارك فيها عدد من الأفراد الذين طُلب منهم أن يتخيلوا أنفسهم مؤلفين لكتاب طهي لأول مرة.
بعد ذلك، قدّمنا لهم وصفًا لكتابهم المتخيَّل، والذي كان يتمحور حول الفوائد العلاجية للطعام. ومثل التجربة الأولى، قدمنا لهم تغذية راجعة وهمية، حيث أخبرنا بعضهم بأن فكرتهم “أصيلة ومبتكرة للغاية”، بينما أُبلغ آخرون أن فكرتهم “متينة وتقليدية جدًّا”. بعد ذلك، أبلغنا بعض المشاركين في كلتا الحالتين، بأنهم فازوا بجائزة مرموقة عن هذا الكتاب، بينما أخبرنا الآخرين بأنهم لم يفوزوا بأي جائزة.
بعد ذلك، منحنا المشاركين خيارين: إما تطوير فكرة جديدة لكتاب طهي ثانٍ مختلف تمامًا، أو استثمار نجاح الكتاب الأول، من خلال إعداد جزء ثانٍ يستند إلى الفكرة نفسها، أو وضع حملة تسويقية للكتاب الأول.
وقبل أن يتخذ المشاركون قرارهم، طُلبت منهم مرة أخرى تعبئة استبيان يقيّم إلى أي مدًى يشعرون بأن هذه الخيارات قد تشكل تهديدًا لهويتهم الإبداعية.
أكدت نتائج التجربة الثانية ما توصلنا إليه في التجربة الأولى؛ حيث أظهر المشاركون الذين أُبلغوا بأن فكرتهم كانت مبتكرة وأنهم فازوا بجائزة، شعورًا أكبر بتهديد لهويتهم الإبداعية.
ونتيجة لذلك، كانوا أقل ميلًا لتطوير فكرة جديدة لكتاب آخر، مقارنة بجميع المشاركين في الحالات الأخرى.
دروس في الحفاظ على الابتكار
سواء كنت مؤلفًا لكتب طهي، أو تعمل في مجال إبداعي، أو تقود فريقًا يحتاج إلى الابتكار، فإن الاستمرار في الإبداع يعتمد على قدرتك على التركيز على التحدي نفسه، بدلًا من الانشغال بهويتك كمبدع.
في الواقع، فإن التركيز الزائد على النتيجة (أي على المنتج النهائي)، بدلًا من التركيز على عملية الإبداع ذاتها، قد يؤدي إلى نتائج عكسية. وقد توصل الباحثون إلى أن الاستمرار في العمل الإبداعي يصبح أسهل عندما تلتزم بما يلي:
استخدم عملية منهجية
معظم مؤلفي كتب الطهي الذين أجرينا مقابلات معهم في هذا المشروع، لم تكن لديهم عملية منهجية واضحة لتطوير وصقل أفكارهم الجديدة؛ بل كانوا يعتمدون بشكل أكبر على لحظات الإلهام والحدس كمصدر رئيس للإبداع.
إلا أن خبراء الابتكار يشيرون إلى أن وجود عملية منهجية لتوليد وتطوير الأفكار يُعد أمرًا مفيدًا جدًّا، ومن بين الأساليب المعروفة، يُعد التفكير التصميمي مثالًا على نهج منهجي يمكن اتباعه لتوليد أفكار جديدة بشكل منظم ومستمر.
التعاون
يسهم العمل الجماعي في جعل العملية الإبداعية أقل تهديدًا للفرد من الناحية النفسية؛ ففي دراسة أخرى، وجدنا أنه عندما يطوّر الأشخاص أفكارهم بشكل فردي أولًا، فإن العمل ضمن فريق لاحقًا يُعد وسيلة فعالة لمساعدتهم في الحفاظ على مستوى إبداعهم واستمراريته.
فالتعاون لا يخفف فقط من الضغوط؛ بل يعزز أيضًا تبادل الأفكار ويسهم في تطوير حلول أكثر ابتكارًا.
خفف من حجم التوقعات والضغوط
أظهرت العديد من الدراسات أن الشعور بالأمان النفسي يعزز الإبداع بشكل ملحوظ؛ فخلق بيئة مشجعة تحتضن المخاطرة وتعدّ الفشل فرصة للتعلّم، يساعد في تقليل الضغوط النفسية المرتبطة بالنجاح أو الإخفاق.
بالنسبة لمؤلفي كتب الطهي أو أي مبدع، فإن تبنّي فكرة أن الفشل جزء طبيعي من الحياة الإبداعية، وأنه يحمل في طياته دروسًا قيّمة، يُعد أمرًا جوهريًّا للحفاظ على روح الابتكار والاستمرار فيه.
في نهاية المطاف، يتبيّن أن النجاح في المجالات الإبداعية لا يرتبط بالنتائج فحسب؛ بل يعتمد في المقام الأول على وجود دافع داخلي نابع من الشغف بعملية الإبداع نفسها، حتى لو لم تكن النتائج مضمونة أو تحت تحكّم الشخص.
كما قالت جوليا تشايلد: “اختر شيئًا تحبه بصدق، وابقَ شغوفًا ومهتمًّا به بكل جوارحك”.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




