ندخل المصعد ونضغط رقمًا. ينغلق المصراعان المعدنيان. بعد ثوانٍ نصل إلى طابق لم نشهد الطريق إليه. اختفت المسافة، وبقيت النتيجة. لا نعرف ما مررنا بمحاذاته. لا نرى اختلاف الضوء بين الطوابق. لا نشعر بارتفاع المبنى في أجسادنا. الرقم وحده يخبرنا بأننا صعدنا.
المصعد آلة تجريد للمكان. يحول الارتفاع إلى اختيار في لوحة صغيرة. الطابق الخامس لا يعود موضعًا فوق أربعة طوابق. يصير زرًا ينتظر اللمس. وداخل هذه المقصورة، يختلط أشخاص تفصل بينهم مراتب واسعة. المدير والعامل، والساكن والزائر، والغني ومن يقدم إليه خدمة. تتساوى الأجساد لبضع ثوانٍ. غير أن هذا القرب المؤقت لا يصنع معرفة. فالصمت هنا اتفاق على تأجيل الاعتراف المتبادل. نقف متجاورين من دون أن ندخل في حياة أحد.
نلاحظ ونحن في المصعد أن العين تبحث فورًا عن موضع محايد. شاشة صغيرة، أو إعلان معلق، أو مؤشر مضيء. حضور الآخر قريب أكثر مما نحتمل، ولهذا نلجأ إلى الأرقام. نراقبها كي نتجنب النظر إلى بعضنا.
يرتب المصعد الناس وفق وجهاتهم. يصعد بعضهم إلى المكاتب العليا. يهبط آخرون إلى المخازن أو مواقف السيارات. تبدو الحركة تقنية، مع أن المبنى يوزع المكانة في الاتجاه الرأسي.
من يسكن في الأعلى يملك منظرًا أوسع. ومن يعمل في الأسفل يظل قريبًا من الآلات والخدمات. العمارة هنا ترسم صورة اجتماعية مألوفة: النفوذ فوق، والعمل الخفي تحت.
ولعل اللغة قد حافظت على هذا التصور. نقول إن شخصًا ارتقى، وإن آخر هبطت مكانته. نطلب الوصول إلى القمة. نتحاشى القاع. تحولت الجهة المكانية إلى حكم على القيمة.
يلائم المصعد هذا الخيال. فهو يمنح الارتفاع من دون خبرة الصعود. يكفي أن تحدد المستوى، ثم تسلم جسدك إلى الآلة. ويمتد هذا المنطق خارج المباني. نريد تعلم اللغة في أسابيع. نريد جسدًا مختلفًا خلال برنامج قصير. نريد أن نكتب قبل أن نقرأ طويلًا. صار الزمن الفاصل بين الرغبة والنتيجة عبئًا ينبغي اختصاره.
أصبحت السرعة دليلًا على الكفاءة. كل مرحلة يمكن حذفها تبدو هدرًا. وكل طريق طويل يثير الشك في جدواه. ومع الوقت، نفقد القدرة على فهم ما يتكون ببطء.
السلم يقدم خبرة أخرى. كل درجة محددة. القدم تعرف مقدار الارتفاع. والتنفس يسجل المسافة. لا يمكن بلوغ الطابق الخامس بحركة واحدة.
هنا يستعيد المكان ثقله. نعرف أننا نصعد لأن الجسد يشارك في الصعود. تتحول المسافة إلى خبرة، ويصبح الوصول نتيجة لما حدث قبلها.
في السلم يتغير صوت المبنى. تظهر روائح المطابخ. تمر أصوات لا تصل إلى مقصورة المصعد المغلقة. يعلن كل طابق عن حياته.
يتيح السلم فرصة للتوقف. يمكن للمرء أن يستند قليلًا، أو يعود، أو يبطئ خطوه. إيقاع الحركة يخضع لقدرة الجسد. فالمصعد يفرض زمنه على الجميع.
هذه الحرية الصغيرة مهمة. فالتدرج يسمح بمراجعة الوجهة أثناء الحركة. أما الانتقال الفوري فيجعل القرار سابقًا على التجربة. نختار الطابق أولًا، ثم نجد أنفسنا فيه.
تتشكل الخبرة الحقيقية بهذه الطريقة. نبدأ بفكرة، ثم نغيرها تحت ضغط ما نتعلمه. الطريق يضيف معرفة لم تكن موجودة عند البداية. الوصول المباشر يحرمنا من هذا التصحيح.
من يصعد السلم يرى أثر المسافة على نفسه. يشعر بالتعب، ويعرف حدوده، ويقرر إن كان سيواصل. هذه المعرفة لا تمنحها لوحة الأرقام.
ثقافتنا تضيق بهذه الحدود. تقدم التعب بوصفه خللًا في التنظيم. وتعد البطء ضعفًا في الأداء. كأن القيمة تكمن في أن نبلغ الهدف من دون أن يترك الطريق أثرًا علينا.
لهذا تغرينا قصص النجاح السريع. تُروى النتيجة في صورة طابق مرتفع. تُحذف السنوات التي سبقتها. يختفي التدريب، والشك، والعمل الذي لم يره أحد. يبقى شخص وصل، فتبدو رحلته أشبه بضغطة واحدة.
تؤثر هذه الصورة في وعينا بالاستحقاق. نرى الموقع النهائي ونجهل درجاته. نقارن بدايتنا بنهاية شخص آخر. ثم نشعر أن بطأنا عيب شخصي.
السلم أكثر عدلًا في تمثيل الإنجاز. يعرض المسافة كاملة. لا يخفي ترتيب المراحل. كل ارتفاع يحمل أثر ما سبقه. مع ذلك، لا تمنح الدرجات ضمانًا للنجاح. قد يصعد المرء طويلًا ثم يكتشف أنه اختار الاتجاه الخطأ. وهذه إحدى حقائق التدرج: يسمح للخيبة أن تتكون بوضوح، ويمنحنا وقتًا لفهمها.
المصعد أقل تسامحًا مع التردد. حين يصل، يفتح المصراعان، ويطلب منا الخروج. لا وقت لتكوين علاقة مع الموضع. تنتقل المقصورة إلى طلب آخر.
يشبه ذلك حياتنا المهنية. يأتي الانتشار أحيانًا قبل نضج العمل. فتتسع المسؤولية أسرع من اتساع الذات. ثم يصبح الموقع المرتفع مصدر خوف دائم من الهبوط. فالارتفاع السريع يضع الإ سان في مواجهة نتيجة لم يتدرج معها. قد يملك اللقب، ويبقى غريبًا عن شروطه. فالمراحل التي اختُصرت كانت تؤدي وظيفة في تكوينه.
غير أن مقصدي هنا أبعد ما يكون عن تمجيد المشقة. فبعض الطرق طويلة بسبب سوء الإدارة أو الظلم. وبعض الدرجات وُضعت لإرهاق من لا يملك وسيلة أخرى. قيمة التدرج تنشأ حين يمنح الفعل زمنه الضروري.
نحتاج أحيانًا إلى المصعد. فالجسد يمرض، والوقت يضيق، والمسافة تصبح فوق الطاقة. التقنية هنا تحفظ القدرة على المشاركة. غير أن تحويلها إلى تصور شامل للحياة يفسد علاقتنا بالتجربة والخبرة. فالمشكلة تبدأ حين نطلب من كل تجربة أن تعمل بالطريقة نفسها. نحدد النتيجة، ونضغط، وننتظر الوصول. وعندما يتأخر شيء، نظن أن النظام معطل.
ثمة معارف لا تستجيب للأزرار. الثقة تتكون بمواقف متتابعة. والذائقة تحتاج إلى معاشرة طويلة. والكتابة تنضج عبر نصوص ناقصة. وحتى معرفة المرء بنفسه تحدث درجة بعد أخرى.
أفكر في السلم بوصفه تدريبًا على قبول المسافة. كل درجة تقول إن الموضع الأعلى موجود، وإن بلوغه يحتاج إلى عبور ما بيننا وبينه. أما المصعد فيقدم حلمًا شديد الإغراء: أن نصل من دون أن نتغير. ندخل كما نحن، ونخرج في مستوى أعلى. وربما تكمن أزمتنا في هذا الحلم نفسه. فكل صعود حقيقي يفرض تعديلًا في صاحبه. يغير نظرته، ويكشف ضعفه، ويعيد ترتيب رغبته. الطريق جزء من المعنى الذي ننسبه إلى الوصول.
لا أخشى المصعد. أخشى أن يتحول إلى صورة داخلية تحكم علاقتنا بكل شيء. أن نرى الحياة لوحة أرقام، وأن نعامل السنوات بوصفها فترة انتظار قصيرة بين مستوى وآخر.
السلم يردنا إلى حقيقة أكثر تواضعًا. نحن لا نرتفع دفعة واحدة. نصعد بقدر ما تتحمله خطوتنا، ونحمل في النهاية أثر المسافة التي قطعناها. وقد تكون خسارتنا الكبرى حين تتحول الرحلة إلى انتقال سريع. أن نصل إلى الأعلى قبل أن نعرف كيف وصلنا.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




