«ليست وقائع تاريخ الفلسفة مجرد مغامرات، ليست مجرد مجموعة من الأحداث العرضية، وحملات فرسان متجوّلين يقاتلون كلٌّ من أجل نفسه، ويتعثّرون بلا هدف، وقد تلاشت أعمالهم دون أن تخلف أثرًا».
فريدريك هيغل
إلى حدّ وقتنا الراهن، مازالت العصور الوسطى تُوصم بوصمة سوداء غالبًا ما أعلنت قطيعتنا المزعومة معها أو اختزلت سيرورتها التاريخية في مجرّد مرحلة استثنائية انحرفت عن ما يجب أن يكون في التاريخ، واتّسمت بالسلب قبل تخلّص مجتمعاتنا منها؛ قيم بائدة تبعث على الخزي أزحناها أخيرًا عن كاهلنا مثلما نتوهّم، فالطاعون والجهل والأمية والتزمّت والقبح كلّها خصائص قروسطية لم تعد حاضرة بالمجمل إلّا في تلك الفترة، هناك بعيدًا حيث لا يُعرف لها نقيض.
ولكن الواقع غير ذلك، فهي عصور مثل غيرها من العصور لها خلفياتها الثقافية برذائلها وفضائلها، وحتى وصفها بالظلام قد أسيء فهمه ووُظِّف تبعًا لعصر النهضة وما تلاه من أنوار توظيفًا ميتافيزيقيًا أو قل أخلاقيًا يقوم على التضارب مع قيمه السامية -كما قدّم نفسه- لتغدو عصورًا منبوذة في العقل الحديث قبل أن ينصفها العقل المعاصر. وما أعنيه بـ «ميتافيزيقية» ثنائية مبنية على التضاد تخلع على العصور الوسطى صفة الغرائبية مقابل العادي وتُلقي عليها برداء الشرّ مقابل ما جاء بعدها من خير حتى في مجال التأريخ ذاته الذي تحكمه المنهجية العلمية، وإنْ لم يعلن عن ذلك بكلّ صراحة، وإلّا كيف لُقِبِّت بعصور الظلام؟
بين التحقيب البتراركي واللاهوتي:
في القديم، لم يهتم المسيحيون بالتاريخ القومي وإنّما استوعبوه بمنطق الفداء وسلّموه لنا كتاريخ للبشرية بفهم أحادي تقوده العناية الإلهية نحو حتفه، مسار يجاهد فيه الإنسان شياطينه ليفوز في النهاية ضدّ قوى الظلام فيخطّ زمنًا جديدًا في الآخرة؛ مسار يشبه مسبحة راهب سينفرط عقدها عاجلًا أم آجلًا. ولكننا مع بترارك الذي يعتبر أوّل من سكّ مصطلح عصور الظلام سنكتشف منظورًا مضادًا يعارض مثل هذا التعميم للتاريخ. ولفهم سياقه سأوضّح في البداية التقسيم الزمني الذي جاء في دراسة للمؤرّخ الألماني «ثيودور إرنست مومسن- Theodore Ernst Mommsen عنوانها «مفهوم عصور الظلام عند بترارك: Petrarch’s Conception of The Dark Ages».
لقد جاء بترارك بمصطلح عصور الظلام عندما وصف الفترة التي تلت سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس، فعلى النقيض من المؤرّخين أو آباء الكنيسة الذين أرخنوا العالم وفق رؤية «الممالك الأربعة – Four monarchies» التي انتشرت في جوّ هيلينستي -روما، ميديا، اليونان وفارس- أو عبر التصوّر الديني لـ «العصور الستة – The Six Ages» التي تبدأ منذ خلق آدم وإبراهيم إلى مجيء المسيح، حيث اعتُبِر التاريخ كوحدة مترابطة مستمرة إلى حين حلول القيامة، قبل أن يقسّم لاحقًا في القرن السابع عشر تقسيمًا راديكاليًا إلى عصرين: عصر الظلام الذي عرف الإمبراطوريات الوثنية مثل الرومانية ثم عصر النور الذي جاء فيه المسيح. إلّا أنه إذا عدنا إلى الوراء سنجد بترارك يؤرّخه لفترتين، عصر الإزدهار/النور الذي عاشت فيه الإمبراطورية الرومانية، ثم عصر الانحطاط/ الظلام الذي اختفت فيه شعلتها بفعل هيمنة البرابرة. غير أنّه وهو المسيحي المتحمّس للإرث الكلاسيكي الوثني الذي دفع مؤرخّنا الألماني إلى التعجّب من هذا التناقض الذي لمسه في تفكيره قد بشّر بحلول عصر جديد تعود فيه هذه الشعلة التي ستنهل من الثقافة الرومانية، إذْ كان مولعًا بها إلى حدّ شجعه على القول: «ما التاريخ إذا لم يكن كله مديحًا لروما؟» (1) وقد تحسّر لحقيقة أنّ أهل روما في عصره يجهلون تاريخهم غير أنّ القيام بالعكس هو ما سيعيد أمجادهم فهو يكتب «من ذا الذي سيشكّك في قيام روما من جديد عندما يتشكّل وعيها بذاتها؟». (2) وحتى أنه عبّر في واحدة من رسائله عن حزنه لولادته في هذا العصر ورغبته في الولادة في الماضي أو المستقبل.
ولقد وصف عصره بالوسيط مقابل الفترة التي قامت فيها الإمبراطورية الرومانية ثم المستقبل الذي يجب أن تستعيد فيها عظمتها، وهو ما ساق ثيودور مومسن إلى الإعلان بأنّ تقسيم الإنسانيين للتاريخ إلى: «قديم، وسيط، حديث» قد استلهموه من التصوّرات البيتراركية مثلما فعلوا مع مصطلحه الجديد. ويرى بعض المؤرّخين أنّ هذا المصطلح ليس مصطلحًا علميًا إذْ أنه مجرد صيحة استنكار للعصور الوسطى أيّ محض عاطفة، ومع ذلك، لازالت تعترضنا في كلّ مرة تصريحات لباحثين ومهتمين بالتاريخ الوسيط يصرّون بأنّ هذا المصطلح ليس مجرّد شجب بقدر ما يعني فترة غامضة أعجزت المؤرّخين عن التوصّل إلى مراجع موثوقة عنها أو معرفة دقيقة بها وهو ما يجعلها مظلمة رغم أنّ بترارك نفسه قد قصد بها ما قصد حرفيًا. ولكن يتّفق الكثير من المؤرّخين اليوم على أنه إذا قبلنا هذا المصطلح فهو ينطبق فقط على الفترة التي تمتد من القرن الخامس حتى العاشر أو الحادي عشر.
ورع الثقافة:
من الجلي أنّ بترارك لم يحكم على واقعه إلّا عبر المنظور المتحيّز لروما والمتحمّس لتاريخها والذي يكتسي موضوعية أقلّ، فقد احتقر هذا الأخير عصره ومعاصريه، ولم يترك شيئًا إلّا وأمطره باتهاماته فـ مِن التنجيم الذي راح يُدرس في الجامعات وكل ما يلحقه من اختزال للواقع كـ تفسير الأحلام وقراءة الأبراج، إلى الفكر السكولاستي الذي تسيّد المشهد الفكري وقتها، وعلم القانون، حيث غزته «الدراسات الربحية – Lucrative Studies» وهو ما تنتهجه اليوم جامعاتنا التي تتعامل بهذا المنطق مع التخصّصات كـ إدارة الأعمال، والعلوم الحاسوبية والبرمجية والكيمياء الحيوية وغيرها، فَالمنهج العلمي الطبيعي والعلوم الزائفة والطب ثم الأدب القروسطي والشعوذة والعقائد الباطنية وأخيرًا المناطقة الذي رآهم يتشدّقون بالمنطق ويتحذلقون باستعمالهم للغة فصيحة منمّقة يلفّها الغموض، وقد هاجم النخب وادعى بتسليمهم لنا صورة مشوّهة لأرسطو كما تذمّر من تقديسه وأشار إلى إنه إنسان في النهاية يصيب ويخطئ. ولم ينفكّ عن الإعلان بلهجة لاذعة: «اُطلب من أيّ واحد منهم أن يعرّف لك الإنسان أو أيّ شيء يخطر على بالك وسوف ترى أنّ لديه دائمًا إجابة جاهزة ولكن اِضغط عليه أكثر وستراه يلجم لسانه، وإذا ما حدث وأن جعل تحذلقه لسانه طليقًا، فإنّ أسلوبه في الكلام سيثبت لك أنه يهذر بما لا يعرف. إني أجد كل المتعة في مهاجمة هؤلاء الرعناء والعابثين. فلم تناضلون سدى أيها المساكين وتجهدون عقولكم بحثًا عن فهم أجوف؟ لم تنسون واقع الأشياء وتكرسّون حياتكم للكلمات؟ ولم تظلّون حتى في شيخوخكتم منشغلين بهذه السفائف؟». (3)
وهاجم كذلك النسّاخ أو المترجمين لأعمال العظماء كشيشرون وفرجيل وليفي من غير دراية كافية أو إطلّاع عميق فيحرّفون مضمون أعمالهم ويجعلونهم وكأنهم أشخاص آخرين إذ يكتب: «إنّ كتاباتنا تخلط بين الأصل والمنسوخ، حيث الهدف أن نكتب عن موضوع محدّد ولكننا نكتشف أننا كتبنا شيئًا آخرَ، وبذلك يجد الكاتب نفسه غير عارف بما كتبه. وإذا كان ليفي أو شيشرون أو غيرهم من القدماء، أو لنذكر بادئ ذي بدء بليني، قد رجعوا إلى الأرض وأعادوا قراءة أعمالهم هل كانوا سيتعرّفون عليها مجددًا؟ ألن يكونوا عندها في حيرة من أمرهم معتقدين بذلك بأنهم يقرؤون عملًا لرجل آخر غيرهم؟». (4)
والأمر لا يتوقّف عند هذا الحدّ، إذْ لا شيء في عصره كان مدعاة إعجابه حتى التماثيل أو العمارة القروسطية وغيرها من الأعمال الفنّية التي نعتبرها اليوم أعظم ما شكّلته يد الإنسان، بيد أنّ تمجيده انحصر على إنجازات روما فحسب صارفًا النظر عن منجزات عصره، إذْ كان هاجسه البحث عن مخطوطات وكتب تخصّ تلك الفترة، وإقامة مكتبة في البندقية ستكون قبلة لكلّ الباحثين والمهتمين بالآداب والفنون الرومانية، الوثنية منها والمسيحية وليست حكرًا على أشخاص محدَّدين مثلما جرت عليه العادة، وهو يقول:
«إنّ عصرنا غافل عن وجود الشرّ إذْ ليس في حوزته أيّ ترياق له، وإنّ ضياع آدابنا لا يقضّ مضجع أحد بل والأدهى أن يعتبر البعض هذا الضياع أمرًا نافعًا». (5) وعلاوة على ما سبق، تعدّ اللاتينية لا الفرنسية أو الإيطالية اللغة الوحيدة التي كتب بها باستثناء «الأغاني» التي تمحورت حول لورا؛ المرأة التي أحبها. أما ولعه بالرسائل والقدماء في الوقت ذاته قد جعله يكتب رسائل لا لأصدقائه أو معارفه فحسب بل لهؤلاء الرجال أمثال فيرجيل وشيشرون وسينيكا وغيرهم.
ولأن المثقف هو كذلك لأنّ نفسه تواقة إلى الكشف عن العلاقات الخفية التي تنفذ في المجتمع، ولا يستطيع التحرّك إلّا في مناخ من الحرية، فقد عارض بترارك بابوية أفينيون بفرنسا، حتى أنه كتب عنها في قصائده الثلاث من كتاب الأغاني المعروفة بقصائد بابل -136، 137، 138- حيث رمز إليها بـ بابل. ومن المعروف أنّ بابل في المخيلة اللاهوتية اليهودية والمسيحية هي التجسيد المادي للشرّ؛ مدينة الخطيئة التي ينقاد أهلها خلف رغباتهم، مشتهين الحياة الزائلة ومبتعدين عن الرب. وتقابل بابل أورشليم مدينة الصلاح، إلّا أن بترارك هنا يضع روما محل أورشليم، ففي واحدة من قصائده المذكورة -137- يعلن بأنه يستبشر بقدوم سلطان جديد سيتسيد المشهد ولكن في مدينة بغداد التي تعادل هنا روما. وقد كان بترارك وهو أمر متوقع منه يتوق لاستعادة روما لبابويتها من جديد وانتزاعها من أفينيون، أوبالأحرى عظمتها، ولعله السبب الذي جعله صديقًا مخلصًا لـ «كولا دي رينزو -Cola de rienzo»؛ الثوري المنقلب على السلطة (6) الذي شاركه أحلامه وعبادته لروما الوثنية، وكان يشجعه في رسائله على المضي قدمًا وتفضيل الموت حرًا على العيش عبدًا.
ونظرًا إلى استيلاء البرابرة على روما مثلما ردّد دائمًا، فقد شاب الازدراء نظرة بترارك لبقية الشعوب، إذْ زعم أنّ جميع الفرنسيين برابرة، وهو ليس بالشأن الجديد حيث وسّع البعض هذه النظرة إلى بقية الشعوب باستثناء الإيطاليين واليونانيين، إلّا أنّه يعدّ من أكثر الشخصيات التي رسّخت مثل هذا التمييز رغم أنه أظهر بالمقابل انفتاحًا على قابليتهم للتحضّر إلى حدّ ما وتفائلًا بالمستقبل. وحملته رحلاته في أوروبا أين قابل فيها هؤلاء البرابرة على الامتنان لكونه إيطاليًا، وذلك لاعتقاده أنّ الإيطالي أسمى من اليوناني، فهو يذكر: «نحن لسنا يونانيين، ولا برابرة وإنما إيطاليين ولاتينيين». (7) كما أنه لم يصرف النظر عن لغاتهم ولهجاتهم التي عدّها ألسنة غريبة تنم عن نزعة بربرية.
إنّ البربري كلمة أطلقت في البداية على الأقوام غير المتحضرة، التي ليس لديها مدنًا، أو قيمًا ونظمًا اجتماعية، فلا حريات تدمغ روحها ولا عدالة ترسّخ وجودها كتلك التي تعرفها روما حيث أنّ نظامهم القمعي مستمد من أخلاقهم الهمجية، وهؤلاء حسب الاعتقاد السائد في تلك العهود هم الغال، والإفرنج، والسراسنة، والهون، والتتار، والأتراك، والجرمان، والقوط، والسلاف، والفايكينغ، والاسكتلنديين وغيرهم. ولا ريب أنّ مثل هذا التصنيف هو تعميم ساحق يخفي نوايا سياسية تّجاه هذه الشعوب حيث يذكر «وليام جونز – W R Jones» أستاذ التاريخ في جامعة نيو هامبشاير في دراسته المهمة المعنونة بـ «صورة البربري في العصور الوسطى الأوروبية – The Image of the Barbarian In medieval Europe» أنّ «صورة البربري مهما كان سياقها التاريخي أو الجهة التي أطلقت عليها، هي اختراع من قبل سكان الحضر الذين عبّروا بذلك عن حسّهم العالي بالتفوّق الثقافي والأخلاقي» (8) فهي بمعنى آخر حكمُ ثقافة على ثقافة مغايرة لها. وفي وقت بترارك كانت البربرية مرادفة للوثنية، ناهيك عن صفتها اللسانية حيث كانت تُلحق بمن يتحدثون بألسنة غريبة أو أجنبية لاسيما تلك لا تحتوي أصواتها على لحن أو موسيقى. ولأنّ وضع البربري قد تفاقم ثقافيًا فحتى المسيحية التي سعت إلى نبذ التطرّف الإثني والعرقي وجمع الشعوب تحت مظلتها لم تكن كافية لمحو مثل هذا التمييز، إذْ كما يقول وليام جونز كان على البربري حتى يتخلّص من وثنيته أن لا يعبر إلى طريق المسيح فحسب بل أن يتكيّف مع القيم الرومانية أو المدنية، -اللغة والأخلاق والثقافة- والمسيحية نفسها عليها أن تتماشى مع هذه القيم، حيث يزعم هذا الأخير أنّ النجاح السياسي للمسيحية قد جعلها تابعة للتقاليد الرومانية لا العكس، بينما نرى أنّه جرى بينهما نوعٌ من التوفيقية، لا غلبة واحدة على أخرى، فتأويل الدين وممارسته أو قُلْ استيعابه يختلف بناءً على الخصوصية الجغرافية والثقافية للمنطقة المتواجد بها.
التأريخ بوصفه إحساسًا:
لقد كتب المؤرّخ الفرنسي «بيار نولهاك – Pierre De Nolhak» عن هذا الإيطالي البلطجي في كتابه «بترارك والعالم القديم – Petrarch and The Ancient World» الذي يتميّز بلغة تمزج بين التاريخ والشعرية والأمر لا يدعو إلى العجب فهو شاعر مثله أنه كان أول رجل عصري/حداثي -وهو ما ذكره كذلك المؤرّخ السويسري يعقوب بوركهارت Jacob Burckhardt»- وذلك لمعاينته التاريخ معاينة شاعر لا مؤرّخ، وقراءته له قراءة أخلاقية ودينية حيث لعب ورعه دورًا كبيرًا في فكره إذ أنّ «الأصيل فيه ليس أفكاره بل بالأحرى عاطفته» (9) هذه العاطفة التي جعلت صاحبها يعلِن في اشمئزاز: «تلك الحقبة التي لم تنتج شيئًا، لم تجد أدنى حرج في هدر ميراثنا الأبوي». (10) على العكس من ثيودور مومسن الذي زعم أنه أنّه نظر إلى تاريخ روما نظرة تاريخية لا جمالية.
صحيح أنّ بترارك امتلك وعيًا تاريخيًا؛ ولكن لولا زجّ نفسه في المشهد، وتغلغل رؤيته الجمالية أو الشاعرية التي تكتسي أسلوبًا رثائيًا لما استطاع أن يرى ما رأى ولما حقّق ما حقّق من ثورية قدّمت رؤية جديدة لسرديات التاريخ، فهي رؤية حميمية تمتزج فيها الذات بالموضوع، فعاطفته الثورية لم تبقَ حبيسة قلمه، وإنّ مواقفه من عدة مسائل ارتبطت على سبيل المثال بحياته الشخصية، كهجومه على الدراسات القانونية، إذْ أنه أُجبِر في سنوات صباه على تعلّمها تنفيذًا لرغبة والده الذي راح يجهّزه لطريق الرهبانية، إلّا أنه استطاع التملّص من مصيره الذي كتبته له عائلته منسحبًا عقب ذلك إلى عالم الأدب. ولقد كان شاعرًا يعرف الرسم، ويعزف على العود ويغنّي، ويجمع القطع النقدية الرومانية، ويزور الصروح الرومانية ليستشعر عظمتها وينبهر بأمجادها التي تجاهلها الإنسانيون، ولم يترك حتى الأماكن التي ذكرها فيرجيل في إنياذته، حيث كتب بيار نولهاك في كتابه السالف أنّ بترارك تميّز بحسّ وطني، وكان أكثر وعيًا من إيرازموس الذي زار روما ثلاث مرات من دون أن يكلّف نفسه عناء تفقّد معالمها، وقد ناشد لترميمها صديقه «باولو أنيبالدي – Paolo Annibaldi» الذي ينتسب إلى عائلة أنيبالدي التي مارست السياسة والدين، فرحلته إلى روما وانبهاره بآثارها تبدو رحلة معاصرة لسائح أمريكي لإيطاليا لا رجلًا من القرن الرابع عشر.
والأمر يتجاوز رحلاته الرومانسية إلى المغامرة، إذْ قام بتسلّق قمة جبل «مونت فينتو -Mont Ventoux» ليس لإنجاز مهمة معيّنة بل حبًّا في المتعة وهي التجربة التي حضّت كما أسلفنا يعقوب بوركهارت على وصفه بأول رجل عصري. ويروي بترارك في رسالته التي تتناول هذه الواقعة بأنّه بعد صعوده القمة فتح على نحو عشوائي كتاب «الاعترافات» للقديس أوغسطين وهو من بين الشخصيات المفضّلة عنده فوقعت عينيه على هذه الفقرة:
«وينطلق المرء صوب أعالي الجبال وأمواج البحر العظيمة ومجرى الأنهار وفي لجة المحيط، وتحرّكات النجوم وكلّه إعجاب بها، كلّ هذا من دون أن يسبر غور نفسه». (11) وهنا ومثلما يقول وقعت عليه كلمات القديس أوغسطين كالصاعقة، وذكر عندها الآتي: «نظرتُ إلى أعماقي عبر عيني الباطنية» (12) ولم ينطق لسانه بحرف إلّا حين نزول الجبل. إنّ صعوده إلى القمة إذن لم يكن رحلة مادية فحسب وإنما باطنية يتعرّف فيها إلى نفسه، ما جعل البعض يؤوّل مغامرته إلى مجرّد استعارة ترمز إلى ترقّي النفس لا إنجازًا حقيقيًا. أما رحلاته في أوروبا، فقد كتب عن رحلته الأولى إلى الشمال (داخل فرنسا، ألمانيا، الأراضي المنخفضة) أنه قام بها حبًا في المتعة كذلك، وهروبًا من حبه للورا.
في دراسة عن هذا الموضوع معنونة بـ «عن بترارك بوصفه كاتب رحلة – Petrarch as a Travel Writer» يناقش «بيتر هاينسورث – Peter Hainsworth» أستاذ التاريخ الإيطالي في جامعة أكسفورد بأنّ هذه الرحلات لم تعتبر حجًا إلى مكان مقدّس أو مهمة رسمية، أو رحلة تقريرية، ويعرّضها للفحص، غير أنه يعلن أنّ رحلته تمت بفضل عائلِه «جيوفاني كولونا – Giovanni Colonna» الذي حكمت عائلته أراضٍ واسعة في أنحاء فرنسا وألمانيا، فمن الواضح أنّ الرحلة كانت برعايته غير أنها تناغمت مع رغبة الآخر في الاستمتاع بها. ويخبر بترارك عن هذه الرحلة جيوفاني في رسالة إليه: «قمتُ مؤخرًا بشدّ الرحال في أرجاء فرنسا، ليس لأجل العمل كما تعرف وإنما لحماسة استحكمت علي كي أنظر الأشياء ولشغف عظيم تقوده روح الشباب، وقد بلغت مؤخرًا ألمانيا وضفاف نهر الراين، متأمّلًا أعراف وعادت الناس ومستمتعًا بِمَشاهدِ هذه الأرض الغريبة، مقارنًا كل ما لديهم بما لدينا».(13)
إنّ ما يبدو جليًا هو أنّ هذا الإيطالي قد سبق عصره، ولعلّه كان على صواب عندما تاق إلى العيش في الماضي أو المستقبل، ولا شكّ أنً المرء كلّما قرأ له كلّما لاحظ مثلما فعلنا تناظرًا بينه وبين الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، فقدحه لعصره ولرجاله بشراسة، وحماسته وانبهاره بروما القوية، وتبشيره بقدوم عصر جديد، وتحفيزه الأجيال المستقبلية على تقدير الثقافة الرومانية وإحياءها، وإعجابه بأعمال الرجال الكبار في التاريخ، وحبه للمشي والترحال، وأفكاره الفريدة فيها شيء نيتشوي أو الأصح أن نقول أنّ نيشته كان فيه شيء من بترارك. ولقد كان محقًا في العديد من المواقف التي اتّخذها إزاء واقعه، إلّا أنه أغمض عينيه عن محاسن عصره طويلًا من غير أن يجتهد في البحث عن جانبٍ مشرق واحد.
في الختام:
إنّ فكرة فصل العصور الوسطى راديكاليًا أو جوهريًا عن ما بعدها من عصور أو نزع الاستمرارية عنها تبدو لنا فكرة مستحيلة ولامعقولة. وعصر النهضة الذي غالبًا ما يُحتفى به مقابل تقزيم الأخرى قد جاء في بيئة قروسطية، أيّ أنه مرحلة من مراحل العصور الوسطى التي عاش فيها فرانسيسكو بيترارك وغيره من الرجال المستنيرين لا المتزمتين فقط سواء كانوا علمانيين أم متدينيين، فالجوّ الاجتماعي الذي وجد نفسه فيه قد ساعده على إحياء الحركة الإنسانية مع غيره من الشخصيات الفكرية والسياسية، وما نعنيه هو وجود شرط تاريخي يفرض مثل هذه النقلة الفكرية، بما فيه من صدامات لا مسار أحادي يدمغ عصرًا كاملًا ومناطق مختلفة بثقافات متنوعة، وحتى لو لم يولد بترارك ونظرائه فسيولد رجالٌ غيره ليكملوا حركة التاريخ، فهذه الحركة لا يبعثها فردٌ أو عدة أفراد وإنما تُبعثَ في بيئة خصبة تشترك فيها الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وإذا شاء للبعض عزل عصر النهضة عن ما سبقه فسنتبين مع ذلك أنه لم يكن عصرًا ذهبيًا مثلما يتوهّم البعض حيث ازدهرت فيه على سبيل المثال تجارة العبيد، وتصاعدت التوترّات السياسية، وانتشر الطغيان والفساد. أما إذا اعتبرناه ردّ فعل على تلك المرحلة البالية التي لا يفترض لها أن تكون كما يؤمن البعض، فهل كنا حينها سنعرف ما ندعوه اليوم بعصر النهضة؟
لقد ذكر هيغل يومًا بأنّ كلّ فلسفة هي حبيسة عصرها وما الفيلسوف إلّا ابن عصره -وهو ما ينطبق على الفكر-، بينما اعتقد ماكس هوركهايمر أن أشخاصًا مثل فولتير لم يأتوا بشكل عرضي، أي من دون إطار شامل يعيّن لهم خبراتهم، وإذا حدث وأن عاش فولتير في عصر النهضة حسب كلامه فهو لن يستحدث شيئًا فيه أو يتدخّل في مجريات أحداثه فالفرد هو نتاج عصره، وطبعه مرهون بواقعه.
وبالتالي، يبدو سؤالنا الأخير عبثيًا، وهو كذلك لأنه ينطلق من وجهة نظرٍ لا تفهم التاريخ كما يجب، فالتاريخ مرتبط ببعضه وما يجعله تاريخًا ليس فردًا خرج من الركام ليقلبه رأسًا على عقب وإنما الحياة الاجتماعية التي بها عناصر تتفاعل فيما بينها فتقود تحوّلاتها. إنها سياق كامل من الأحداث المتشابكة، وما بترارك غير نموذج متّصل بعدة نماذج أخرى من معاصريه أو سابقيه ومن تلوه نحتته القرون الوسطى، تلك الحقبة التي أراد أن يتملّص منها من دون أن يدرك أنها امتداد طبيعي لما قبلها، ومن دون أن يعي أنه مدينٌ لها بكلّ ما خطّه قلمه ومال إليه قلبه.
مراجع:
1 – Theodore Ernst Mommsen, petrarch’s Conception of The Dark Ages, The University Of Chicago Press, Speculum, Vol, 17, No. 2, Avril 1942, p. 237
2 – Ibid, p. 232
3 – Pierre De Nolhac, Petrarch and The Ancient World, D.B. Updike, 1907, pp. 11, 12
4 – Ibid p. 78
5 – loc. cit
6 – عبر الانقلاب على السلطة، سعى كولا دي رينزو إلى توحيد إيطاليا، ملقبًا نفسه بـ «المدافع عن حقوق الشعب – The tribune of the people»، قبل أن تنتزع منه سلطته بسبب استهتاره، وفقدانه لشعبيته، فيلقى حتفه على يد الحشود التي كثيرًا ما استمالها بخطاباته البليغة في بداياته.
7 – W. R. Jones, The Image of The Barbarian in Medieval Europe, Cambridge University Press, comparative studies in society and history, Vol. 13, No. 4, Octobre, 1971, p. 402
8 – Ibid, P405
9 – Pierre De Nolhac, Op. cit, p. 5
10 – Ibid, p. 18
11 – يرجى قراءة رسالته إلى الأسقف ديونيسيوس دي بورجو -رسائل العائلة- التي يروي فيها صعوده إلى الجبل:
https://history.hanover.edu/texts/petrarch/pet17.html
12 – Ibid.
13 – Peter Hainsworth, Petrarch As a Travel Writer: The 1333 journey North, Fabrizio Serra editore, Le Tre Corone, Vol. 6 (2019), p. 54
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




