مدخل مفاهيمي: تأسيساً على مقولة ماكس فيبر بأن «نزع السحر عن العالم يُحرّر المجال العام من أوهام الهالة»؛ نحن لا نناقش هنا الإيمان الروحي، بل نشرّح “الماكينة السيميائية” للسلطة، في محاولة لترسيم الحدود الفاصلة بين ما هو متعالٍ ينتمي لضمير الإنسان، وبين ما هو بشري إجرائي يُراد له ارتداء ثوب العصمة هرباً من كلفة المحاسبة والرشادة الإدارية، وهو التشريح المعرفي الذي يضع الدولة الوطنية في فضاء الراهن على محك الدفاع عن رشدها المؤسسي، في مواجهة زحف الكيانات الموازية المتشحة بأوهام القداسة والتعالي.
مقدمة: تأليه الرمز وتسييل العقلانية
لاحظ الشاعر والناقد الفرنسي بول فاليري، في إحدى زياراته لكنيسة تاريخية، كيف تتحول الهندسة المعمارية المقدسة إلى سلطة تسلب الجسد تفكيره وتملي عليه خشوعاً قسرياً. فالقوة هنا لا تكمن في حجارة الكنيسة ذاتها، بل في «بنية النظام السيميائي» الذي يمارس سطوته الضمنية بلا جدال. وهذه الآلية لا تتوقف عند حدود الشعائر الروحية، بل تمتد لتشكل أشرس أدوات التجييش السياسي في التاريخ المعاصر: توظيف المقدس لتأليه الأفراد وشرعنة السلطة.
إنّ التقديس -في أبعاده السيكولوجية والفلسفية- لا يمثل حالة غيبية محايدة، بل هو -بتعبير رولان بارت في أطروحة «أسطوريات»- هندسة دلالية منهجية، تُخلع بموجبها سمات ميتافيزيقية عابرة للمساءلة (كرداء العصمة والنزاهة المطلقة) على ذوات بشرية أو كيانات تنظيمية. وفي هذا السياق، يحدد الفيلسوف إرنست كاسيرر في دراسته «أسطورة الدولة» أن الأنظمة الشمولية لا تحكم بالسياسة الإجرائية وحدها، بل تعمد بنيوياً إلى إحلال البناء الأسطوري والرمزي محل الفكر العقلاني. فحين يواجه المشهد العام أزمات هيكلية خانقة، تتراجع لغة الحسابات النفعية والمنطق العقلاني لحساب طقوسية الرموز؛ مما يؤدي إلى فرز فوري للوعي الجمعي ضمن ثنائية حادة تلغي المنطقة الرمادية وتقسم الوجود إلى: مقدس ومُدنس.
تنسيخ التاريخ وتصنيع الموافقة
تعتمد صناعة «المقدس السياسي» على آلية إجرائية تفصلها دراسات تحليل الخطاب النقدي بـ «الاستحواذ الدلالي»؛ إذ يجرد الخطاب الشمولي المفاهيم الأخلاقية والإنسانية الكبرى -كالشهادة، والتضحية، والواجب التكليفي- من سياقها الجمعي الشامل، ليجيرها حصرياً لحساب كيان تنظيمي أو أيديولوجيا فردٍ مُرمَّز. حينئذٍ، يخلع الفاعل السياسي عباءة البشري الذي يحتمل الخطأ والصواب، ليتقمص دور الناطق باسم الإرادة المطلقة، متحولاً عبر الترسانة الرمزية إلى صوت صريح لمطلق الحقيقة ومنتهاها.
إنّ نجاح هذه الماكينة السيميائية في مطابقة الذات البشرية الفانية مع الرمز المقدس الخالد، يرتكز بنيوياً على ما وصفه رولان بارت بـ «تنسيخ التاريخ وتحويله إلى طبيعة مطلقة»؛ وهي عملية تجريفية تخرج الفعل السياسي من نطاقه الزمني المتغير، وتسبغ عليه أبدية أسطورية تنقل الجماهير من حالة الانصياع القسري إلى ما يسميه إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي «تصنيع الموافقة» عبر الشحن الوجداني المكثف. في هذا الفضاء الغائم، تتوارى لغة المصالح والمنافع المادية خلف أستار الأسطورة؛ ليتحول النقد السياسي للزعيم من حق مدني مكفول إلى هرطقة عقائدية وتدنيس للطهرانية، تتهاوى أمامه مختلف أدوات المحاكمة المنطقية.
اقتصاد القداسة والعنف الرمزي
لا يدور التقديس في فراغ أيديولوجي تجريدي، بل يمتلك «اقتصاداً سياسياً» صارماً يضبط إنتاجه واستهلاكه. فالرمز المقدس هو أثمن الموارد النفعية التي تملكها الكيانات المؤدلجة؛ لأنه يوفر للقيادة ما أسماه عالم الاجتماع بيير بورديو بـ «رأس المال الرمزي». وتكمن الخطورة المعرفية في أن هذا الرصيد الرمزي يُترجم عملياً إلى «عنف رمزي» يمارس سلطة الإرغام الضمني وغير المرئي على الجماهير، معفياً السلطة الحاكمة من كلفة الإنجاز التنموي، والمساءلة المؤسسية، وتبرير الفشل الإداري.
وتاريخياً، تكشف ممارسات البروباغندا الشمولية -كما تجسدت في الماكينة الإعلامية للنازية بقيادة غوبلز، أو في طقوس تأليه القائد في الاتحاد السوفيتي الستاليني- أن النُّظم التي تعتمد على الحشد الرمزي تنحو عند الأزمات الخانقة إلى مضاعفة ميزانيات الإعلام الموجه والإنتاج الأيقوني على حساب التنمية والخدمات الأساسية. فحين يفشل التنظيم المؤدلج في توفير أسباب الحياة الكريمة، أو يورط مجتمعه في مغامرات كارثية، لا يلجأ لتبرير خياراته بالأرقام والنتائج الملموسة؛ بل يطلق ترسانته السيميائية: فترفع الصور العملاقة، وتُعزف الأناشيد الملحمية، ويُوصم أي صوت ناقد أو مراجع بأنه تدنيس للمقدس، وتطاول على الرمز، وخيانة لثوابت الأمة ودماء الشهداء!
وهكذا، تتوارى حُلكة الواقع المأزوم وراء دثار الهالة الرمزية، التي تتحول وظيفياً إلى «مُخدِّر إدراكي» يعطل فاعلية العقل الناقد. ويجعل هذا الخدر الجماهير -وفق التفكيك السيكولوجي الذي قدمه إريك فروم في أطروحة «الهروب من الحرية»- تتخلى طواعية عن فاعليتها المعرفية بحثاً عن أمان انقيادي ممتثل؛ بل إنها تهب للدفاع عن واقعها المرير باعتباره ابتلاءً مقدساً، واستحقاقاً أيديولوجياً، وشرفاً لا يجوز التخلي عنه.
شرعية الهالة الرمزية وتآكل المدنية
ويثمر هذا التوظيف السيميائي للمقدس ما أطلق عليه الفيلسوف جورجيو أغامبين بـ «تأبيد حالة الاستثناء»؛ إذ تُهنْدس العلامات والرموز لتبرير تعليق أحكام القانون والدستور بشكل دائم بحجة الحفاظ على الأمن القومي، ونقل المجتمع قسراً من فضاء الانتظام المدني السليم إلى مناخ المعركة الوجودية الدائمة بين الخير المحض والشر المطلق. وفي خضم هذا السياق المشحون انفعالياً، يُلغى المفهوم المدني للمواطنة، ويُحيّد الأفراد ذوو الفاعلية السياسية، ليحل محلهم نمط «الرعايا الممتثلين».
تُبرهن شواهد علم الاجتماع السياسي والتاريخ أنَّ إدارة الفضاء العام عبر هذه الترسانة السيميائية المقدسة تُفضي حتماً إلى تآكل البنية المؤسسية للدولة الوطنية. وهنا تتجلى أطروحة والتر بنيامين حول «تجميل السياسة»؛ إذ تتسامى «شرعية الهالة للرمز» -بمسحتها الطقسية التعبدية- فوق عقلانية الدستور، لتتحول الممارسة المدنية من تدبير مؤسسي قائم على المساءلة والأرقام، إلى استعراض بصري انفعالي يحجب بؤس الواقع، وتغدو إملاءات المركز العقائدي أسرع نفاذاً وأشد سطوة من أحكام القضاء والمنظومة القانونية.
إنّ التدقيق في مسارات التاريخ المقارنة يكشف أن ميكانيزمات التقديس السياسي ليست ظاهرة عشوائية عابرة، بل هي آلية قابلة للنمذجة والاستنساخ البنيوي عبر سياقات زمنية ومكانية متباينة:
- السياق الغربي: تجسد ذلك جلياً في الصعود التاريخي للفاشية والنازية؛ حيث نجحت الماكينة الدعائية الغوبلزية في تحويل الفضاء المؤسسي لجمهورية «فايمار» الدستورية إلى طقس تعبدي إقصائي، يعصف بسيادة القانون لصالح «أوامر الفوهرر»، بوصفها المعيار المطلق والمصدر الأسمى للحق والمشروعية، مما حوّل المؤسسات القضائية والتنفيذية لجمهورية فايمار إلى أدوات مُنقادة أفضت بالبلاد إلى أتون حرب مدمّرة.
- السياق الشرقي: تبدو التجربة بكامل قسوتها الأيديولوجية في «الثورة الثقافية الصينية» (1966م)؛ إذ جرى تحويل «الكتاب الأحمر» ومقولات ماو تسي تونغ إلى نصوص متسامية منزهة عن الخطأ والمساءلة. وباسم هذه الهالة الرمزية المتعالية، سُحقت البنية المؤسسية للدولة الوطنية، وجرى تسويق المجاعات والانهيارات الاقتصادية المروعة للجماهير تحت ذريعة “الابتلاء المقدس” ومقتضيات التطهير الأيديولوجي للأمة من العناصر “الانحرافية“.
إنّ هذه النماذج التاريخية المقارنة لا تمثل حكايات غابرة انقضى أثرها، بل هي أطر ونماذج تفسيرية كاشفة لديناميكيات الراهن؛ إذ تتكرر الآلية ذاتها بحذافيرها السيميائية في الكيانات والحركات المؤدلجة المعاصرة؛ حيثُ تُستثمر الأزمات المعيشية والهيكلية لإسباغ القداسة على القيادات الحزبية والتنظيمية، وتُستدعى الأيقونات الطقسية كمصدات صلدة في مواجهة آليات المساءلة والحوكمة المؤسسية، ليغدو المشهد الشمولي للأمس مرآة عاكسة للواقع المأزوم لليوم؛ لتجد منظومات الدولة الوطنية في المنطقة نفسها في موقع المجابهة لتمدد هذه الكيانات بترسانتها الرمزية المتشحة بالقداسة والتعالي.
خاتمة: الفاعليّة بين الهالة و الإنجاز
إنَّ استعادة المجتمعات لعافيتها الحضارية وبنائها المؤسسي لا تكمن في معاداة الإيمان أو ازدراء القيم الروحية، بل في تبني سيرورة «نزع السحر عن العالم» بالمعنى السوسيولوجي الصارم الذي أسس له ماكس فيبر؛ أي بإعادة رسم الحدود الهيكلية الفاصلة بين ما هو مقدس متعالٍ ينتمي لأفق الضمير الإنساني والأخلاق الجامعة، وبين ما هو بشري زمني وإجرائي يخضع بطبعه للخطأ والصواب، والمراجعة والرفض والنقد التفكيكي المستمر.
ومن هذا المنطلق، تبرز الضرورة السوسيولوجية لـ «فك الارتباط المعرفي» في الوعي الفردي والجمعي؛ عبر إدراك أن الفاعل السياسي أو الكيان الأيديولوجي -مهما نُمِّقت ألقابه وحُشِّدت رموزه الأيقونية- ليس سوى ذات بشرية زمنية، يُقاس حضورها ومشروعيتها بمدى ما تحققه للإنسان من كرامة وعدالة وعيش كريم، لا بمقدار ما ترفعه الماكينة الدعائية من لافتات وصور. إنَّ عتبة التحول التاريخي نحو بناء «دولة المواطنة والمؤسسات»، وتجذير السيادة القانونية والحريات العقلانية، تبدأ مشروطةً بتحييد الاحتكار الأيديولوجي للمقدس، وتفكيك ترسانته السيميائية كخطوة إجرائية أولى لإعادة الاعتبار للمجال العام التداولي.
إنَّ الجناية الكبرى لهندسة التقديس الأيديولوجي لا تقف عند حدود تجريف الفضاء السياسي، بل تمتد لتقويض «الأهلية الإبستمولوجية والمعرفية» للمجتمعات؛ عبر رهن العقل الجمعي واستلابه، وتحويله من كتلة تنموية فاعلة إلى طاقة انفعالية تُستنزف سيكولوجياً في حراسة البناء الأسطوري للرمز. ولا شك في أن الدرس البنيوي الذي تقدمه الشواهد التاريخية يكمن في أن الهالة الكاريزمية -مهما تضخمت ترسانتها السيميائية- تظل بنية هشّة عاجزة عن الاستدامة؛ نظراً لكونها تُسوّق يوتوبيا أيديولوجية تصطدم حتماً بالمحددات المادية والأنطولوجية للكرامة الإنسانية ومتطلبات العيش الملموسة.
وعليه، فإنَّ العبور نحو العافية الحضارية لا يتطلب قطيعة وجودية مع المكوّن الروحي، بل يقتضي انتقالاً حاسماً من «شرعية الهالة» إلى «حاكمية الإنجاز»؛ حيثُ تُفصل القداسة بنيوياً عن الفاعل السياسي، وتُقاس الخيارات بمؤشرات أداء ملموسة تُخضع القرار السياسي للمحاسبة المؤسسية، والرشادة الإدارية، وسيادة القانون. وهنا تتضح جلياً المعركة الإبستمولوجية التي تخوضها بعض دول المنطقة اليوم؛ إذ لا يمثل نموذج الدولة الوطنية الحاضنة للمؤسسات مجرد خيار سياسي، بل هو الرهان الحضاري لتفكيك تلك الهالات المصنوعة، وضمان عدم ارتداد المجتمعات إلى عصور الاستلاب الرمزي والتبعية الانفعالية العمياء.
إنَّ اجتراح هذا الوعي السيميائي النقدي لا يمثل ترفاً معرفياً، بل هو الشرط البنيوي المحصّن لحماية الدولة الوطنية من التآكل الداخلي، والضمانة الرئيسة لاستعادة الإنسان لفاعليته التاريخية في هندسة مستقبله.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




