لا يقاس قصر العمر بعدد السنوات، فهو يتولد في الأساس من التفاوت بين اتساع الممكن وضيق الزمن. العالم أكبر من أي حياة مفردة. وكلما عرف الإنسان منه أكثر، ازداد وعيه بنقصه. لهذا يمكن افتراض علاقة طردية بين اتساع المعرفة وشعور الإنسان بمحدوديته. فما نجهله لا نشعر عادةً بأننا محرومون منه؛ إذ لا يصبح الفقد محسوسًا إلا حين نعرف ما كان ممكنًا. بهذا المعنى، لا توسّع المعرفة عالم الإنسان فحسب، وإنما تكشف له أيضًا مقدار ما سيظل خارج متناوله، وقد تجعل الممكن الذي لن يعيشه مرئيًا أمامه.
وهنا تظهر مفارقة تتسع في عالمنا الراهن يومًا بعد يوم، إذ لم يسبق للإنسان أن رأى بهذا الوضوح هذا القدر من الحيوات الممكنة أمامه. نطّلع باستمرار على أعمال ومسارات وتجارب بعيدة عن حياتنا المباشرة، حتى يبدو الممكن أوسع من أي وقت مضى. غير أن العمر لم يتسع معه. اتسع المعروض، وبقي الزمن كما هو.
لهذا لم تعد مشكلة قصر العمر منفصلة عن مشكلة الاختيار. أن تختار شيئًا يعني أن نمنحه زمنًا كان يمكن أن يذهب إلى شيء آخر. كل اختيار يفتح حياة صغيرة ويغلق بجوارها احتمالات لا حصر لها. بعض هذه الاحتمالات يختفي من الذاكرة، وبعضها يعود بعد سنوات في هيئة سؤال يؤرقنا؛ ماذا كان سيحدث لو سرنا في ذلك الطريق؟
لا يعني هذا أن الطريق الآخر كان أفضل، فالمسألة أعمق من مجرد شعور بالندم على ما فات. ما يظهر هنا هو عرضية حياتنا. أشياء كثيرة كان يمكن أن تجري على نحو مختلف. قرار صغير قد يصبح، بعد زمن، جزءًا من تعريفنا لأنفسنا. ومع ذلك فحين ننظر إلى الوراء، تميل السيرة إلى إخفاء هشاشة البدايات، ليبدو الماضي مرتبًا أكثر مما كان عليه حين عُشناه. وتلك واحدة من وظائف السرد الذي نصنعه عن أنفسنا، فهو يمنح الحياة قدرًا من التماسك بعد وقوع احداثها. غير أن هذا التماسك لا يلغي الحيوات التي كانت ممكنة. يظل الإنسان، بطريقة ما، محاطًا بأشباح نسخ لم يصبحها.
غير أن أقسى صور المحدودية لا تظهر دائمًا في علاقتنا بالمشروعات الممكنة لحيواتنا، وإنما تظهر في علاقتنا بالآخرين. قد نحسب أننا نعرف شخصًا ما معرفة جيدة، ثم نكتشف متأخرًا أننا عرفنا موقعه في حياتنا أكثر مما عرفناه هو. نعرف الأب من موقع الأبوة، ونعرف الأم من قربها الدائم، لكننا في الواقع نحتاج أحيانًا إلى سنوات طويلة كي نرى خلف هذه المواقع أشخاصًا كانت لهم مخاوف سابقة علينا، وأحلام لم ندخل فيها. وهنا يتحول قصر العمر إلى مشكلة في المعرفة أيضًا. الآخر أوسع من الوقت الذي نملكه معه. وقد يصل فهمنا إليه متأخرًا. وحين نبدأ في الاكتشاف تكون الفرصة المتاحة للمعرفة قد أصبحت أضيق.
ولذلك فالزمن المشترك بيننا وبين الآخرين أكثر هشاشة مما نتصور، لأننا نعتاد حضورهم دائمًا، فتمنحنا العادة وهمًا بأن علاقتنا بهم تملك مستقبلًا مفتوحًا. يبدو ما أجلناه معهم ممكنًا دائمًا. ثم يقع ما يكشف أن «لاحقًا» لم يكن وعدًا. فالأشياء المؤجلة لا تنتظرنا في مكانها. وحتى حين تبقى، تتغير علاقتنا بها، لأن الزمن قادر على أن يغير الشخص الذي كان يريدها.
من هنا تأتي محدودية أخرى لا تعالجها برامج إدارة الوقت. فبمقدورنا تنظيم الأيام، لكننا لا نستطيع الاحتفاظ بنسخة من أنفسنا إلى أن يتاح لها الوقت لفعل كذا. فبعض الأشياء لها موعد داخلي إن فات، قد تبقى ممكنة من الخارج وتصبح مستحيلة من الداخل. ولهذا أيضًا تبدو خطابات «استغلال الوقت» أقل عمقًا من المشكلة التي تحاول حلها. كان سينيكا يرى أن الحياة ليست قصيرة إلى الحد الذي نظنه، وأن البشر يهدرون جزءًا كبيرًا منها ثم يشكون من ضيقها. نعم، كثير من أعمارنا يستهلكه قلق يفقد معناه بعد سنوات قليلة.
ومع ذلك، يفتح تصور الخلود مشكلة من جهة أخرى. وقد رأى برنارد وليامز، في مناقشته الشهيرة لقصة ماكروبولوس، أن حياة بلا نهاية قد تفقد بمرور الزمن قدرتها على إبقاء الرغبات التي تمنح الشخص سببًا للاستمرار. الأبدية نفسها يمكن أن تصبح عبئًا إذا استُنفد ما يجعل الحياة تخص صاحبها.
تبدو هذه الفكرة كأنها تعيد الاعتبار إلى الحياة الأخرى. لكنها لا تحل هم قصر العمر. نحن لا نتألم لأننا حُرمنا من الأبدية في هذا العالم. نتألم لأن بعض الأشياء تنتهي قبل أن نشعر أننا فرغنا منها. وذلك فرق جوهري.
في الغالب نحن نريد أن يصل العمر إلى لحظة تتوافق فيها نهايته مع شعورنا بالاكتفاء. غير أن الحياة لا تعدنا بهذا التوافق. قد ينتهي الوقت والرغبة ما زالت في أوجها. قد ينتهي قبل أن تكتمل المصالحة. ومن هنا يمكن فهم الحزن على قصر العمر بعيدًا عن الخوف المجرد من الموت. إنه حزن على الانقطاع. هناك شيء كان يمضي ثم توقف. علاقة كانت تتشكل. معرفة بدأت تنضج. المستقبل الذي كان جزءًا من هذه الأشياء يُسحب منها فجأة. ومع ذلك، فالمحدودية نفسها تمنح بعض اختياراتنا وزنها، ولو كان لدينا وقت غير محدود لكل شيء، لفقد الاختيار جانبًا من جديته.
وحين نعطي أحدًا من وقتنا، فإننا نعطيه جزءًا من حياتنا بالمعنى الحرفي لا المجازي. المال يمكن تعويضه، وأشياء كثيرة أخرى يمكن استبدالها، لكن الوقت الذي مضى لم يعد موجودًا في مكان يمكن الرجوع إليه. لذلك قد يكون السؤال الأكثر نضجًا عن قصر العمر مختلفًا عن سؤال: كيف نفعل أكثر؟ ليصبح: ما الذي يستحق أن نعطيه من هذا القليل؟ من شأن هذا السؤال أن يغير من معنى الاختيار. إذ لن يعود نجاح الحياة مرهونًا بعدد ما احتوته. فقد تكون الحياة مزدحمة وفقيرة في الوقت نفسه. ويمكن لحياة أقل امتلاءً بالأحداث أن تكون أكثر اتصالًا بما اختاره صاحبها حقًا.
المشكلة أن عصرنا يجعل هذا القبول صعبًا. فنحن نعيش وسط ثقافة تعرض الإمكانات باستمرار، وكل شيء يدعونا إلى تجربة المزيد. حتى الراحة يمكن أن تتحول إلى مشروع جديد يجب تحسينه. وهكذا يصبح الاعتراف بالحدود قريبًا من الاعتراف بالفشل. غير أن أي حياة بشرية ستترك وراءها مساحة لم تُعش.
هذه ليست علة يمكن إصلاحها. إنها من شروط أن تكون الحياة حياة واحدة تخص شخصًا واحدًا. ولو حاول الإنسان أن يعيش كل الاحتمالات، فلن يعيش أي احتمال بما يكفي ليصير جزءًا عميقًا منه.
وهنا تظهر مفارقة الاختيار في صورتها الإنسانية. النقص الذي نشكو منه هو نفسه ما يمنح حياتنا شكلًا، والأشياء التي لم نفعلها ترسم حدود ما فعلناه. والحقيقة أنه ربما يبدأ التصالح مع قصر العمر حين نتوقف عن تخيل حياة مكتملة.
الكمال وهم خطير ومدمر، لأنه يوحي بأن الإنسان يستطيع، إذا أحسن التدبير، أن يصل إلى نهاية لا يبقى فيها شيء يريد فعله أو معرفته. وصورة كهذه أقرب إلى إغلاق حساب على أحد البرامج منها إلى حياة بشرية. فالحياة الأكثر امتلاء قد تكون هي تلك التي تترك وراءها رغبات لم تنطفئ.
لهذا لا يبدو الحزن على قصر العمر شيئًا سيئَا ينبغي التخلص منه تمامًا، لأنه في جانب منه يحمل شهادة على استمرار الصلة بالحياة. لكن المهم ألا يتحول هذا الحزن إلى مطاردة محمومة لكل الممكنات.
سيظل العالم أوسع منا بمراحل لا يمكن حصرها، وستستمر الأشياء قطعًا بعد غيابنا. سيولد آخرون في مستقبل لن نراه، يحملون أسئلتهم إلى أماكن لم نعرفها. سيتحول اسمنا إلى مجرد لقب في بطاقة هوية أحدهم لم يتسن له رؤيتنا وربما لن يعرف أبدًا أننا فكرنا فيه وتحدثنا عنه قبل أن يوجد.
في هذه الحقيقة الكثير من الأسى ربما، لكنها فيها أيضًا ما يحررنا من المهمة المستحيلة وهي أن نستنفد العالم قبل أن نغادره.
يكفي أن نكون قد عشنا فيه حقًا، وفهمنا غاية وجودنا، وأحسنا صنعًا قدر استطاعتنا.
فالحياة لا تنتهي بعد أن نفرغ منها.
تنتهي دائمًا ولا زال فيها بقية.
*يستعير عنوان هذه المقالة عنوانًا سابقًا للدكتور حسن حنفي، ورد في كتابه هموم الفكر والوطن.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




