أكتب هذه المقالة لأجل أخي الصغير. أخي، كسائر أقرانه، لديه هاتفٌ ذكي، وبالتالي فهو عرضة لعشرات الإعلانات التي تتقافز على شاشة هاتفه يوميًا. تنجح هذه الإعلانات في دغدغة مشاعر أخي، لذا يطلب منا بين الفينة والأخرى أن نقتني له إحدى السلع التي أعلن عنها الشهير الفلاني لأن عليها تخفيضًا، وبالطبع لأنه يحتاجها. في حال اقتنينا له السلعة التي (احتاجها)، ما يلبث أن ينساها ويظهر إعلان آخر لمنتج آخر وهكذا. لكن غالبًا ما تُقابل رغباته (المشروعة) بالرفض لأنها تثقل على كاهل الأسرة. في النهاية صار أخي يكبت رغباته، وطور شعورًا بالإحباط، نقص الثقة بالنفس، والمقارنة المستمرة مع الآخرين. وحينما أسأله عن حلمه عندما يكبر، يجيب: “جنيُ المال”. “سأصبح غنيًا حتى أبتاع جميع ما أرغب بشرائه، ولربما أصبحت معلنًا”. بالنسبة لي، كان ذلك إيذانًا بدق ناقوس الخطر، كي لا يصبح أخي فريسة سهلة للنظام الرأسمالي الحديث. أزعم أن أخي، لوحده، لا يكوِّن عينة تمثيلية أستطيع من خلالها الإدلاء بتعميمات، لكن لربما عانت العديد من الأسر بسبب نفس الإعلانات ومرت بتجارب مشابهة. ما هو الحال في الأسر المتعففة أو التي ترزح تحت طائلة العوز على سبيل المثال؟
كل إعلان هو بمثابة يوطوبيا مؤجلة، إذ يحمل وعدًا مضمرًا بمستقبلٍ يصبح فيه التملك هو الفضيلة الأساسية. كل إعلان يصرح ضمنًا: تملك لتسعد. أحاجج، في البدء، أن ما من إعلانٍ حديث بريء. بمعنى أن الإعلان في العصر الراهن، عصر النزعة التجارية Commercialism، والمادية Materialism، والاستهلاكية Consumerism، لا يكتفي بنقل المعلومات كوسيط محايد، كالقول أن مواصفات السلعة هي كذا وكذا، بل يساهم في إنتاج الرغبات، إعادة إنتاجها، توجيهها، وتضخيمها، بل يربط المنتج بالهوية وصورة الذات. في كتابه: الإنسان ذو البعد الواحد، يصنف هربرت ماركوزه الحاجات على أنها إما حقيقية وإما كاذبة. فأما الكاذبة فهي التي تفرضها مصالح اجتماعية خاصة على الفرد (١). ويدرج ضمن هذه الحاجات الكاذبة ما أطلق عليه الاستهلاك حسب إيحاءات الدعاية. نستنتج من تمييز ماركوزه أن الرغبات/ الحاجات التي تصنعها الدعاية ليست أصيلة، بل خارجة عن الذات ومصطنعة، لكنها تمر بعملية تذويت internalization حتى يقتنع المرء أنها رغبات دفينة لطالما تمناها، وتنبئ عن حاجة حقيقية، بينما هي تخدم نظامًا قائم. يضفي الإعلان على السلعة ما يدعوه ماركس بتقديس السلعة commodity fetishism حيث تضاف قيمة جوهرية للسلعة (كالسعادة مثلًا)، وهذه الإضافة ليست ناتجة عن عملية الإنتاج، بل عبارة عن معاني اجتماعية خالصة. يشرح جيجيك في فلمه المعنون: دليل المنحرف إلى الأيدلوجيا كيف أن كوكا كولا ليس مشروبًا لروي الظمأ وحسب، بل حامل لخيال يعد بالسعادة والمتعة. من وجهة نظر المدرسة السلوكية، فالإعلان لا يعرض بمعزل عن سياقات كالجاذبية والفخامة والمكانة الاجتماعية. إن ما يحدث فعليًا هو إشراط كلاسيكي classical conditioning حيث يقرن المنتج بمثير إيجابي من أجل تكوين استجابة تتمثل في شراء العميل للمنتج. قد يصح القول أننا في خضم هندسة سلوكية للرغبة، ولو أن في ذلك مفارقة oxymoron، إذ لا تعترف أدبيات المدرسة السلوكية بالعمليات الجوانية كالرغبة، بل بالمثير والاستجابة فقط، لكنه تعبيرٌ مجازي لا أكثر.
مساران للرغبة:
ماذا يحدث للرغبة إذا تحقق موضوعها؟ بالنسبة للاكان فالرغبة عبارة عن فقدان lack
“Desire is a relation of being to lack” (2)
نحن نرغب دائمًا فيما ينقصنا. الإعلانات تتغذى على هذا النقص واعدة إيانا بالامتلاء، لكن ما يحدث في الغالب هو نشوة مؤقتة يتلوها لحظة اصطدام بالواقع، ويبتعد الخيال المتصور بالامتلاء عن متناولنا، ثم تعاد الكرة. من وجهة نظر علم النفس الحديث وعلم الأعصاب، فالآلية مشابهة. حينما نرغب بشيءٍ ما، يضيء نظام المكافأة في الدماغ مفرزًا الدوبامين (the wanting neurotransmitter)، ثم يحدث ما يسمى بانحياز التأثير impact bias حيث يبالغ المرء في تقدير سعادته المستقبلية ومدتها. وأخيرًا، بعد اقتناء السلعة، يحدث ما يدعى بتكيف المتعة hedonic adaptation أي عودة مستوى السعادة للحالة الطبيعية. (3)
بالنسبة للرغبات التي لا تتحقق، فهي تكبت في اللاوعي في النموذج الكلاسيكي للتحليل النفسي، وقد يؤدي ذلك إلى عصاب وقلق، غير أنه لا توجد أدلة تجريبية مستفيضة تؤكد هذه المسألة. بينما في علم النفس الحديث، فإنه حينما تتوقع مكافأة ولا تحصل عليها، ينخفض مستوى الدوبامين تحت المعدلات الطبيعية مما يؤدي للشعور بخيبة الأمل والإحباط.(4) أما الرغبات طويلة الأمل غير المحققة فتطلق هرمون الكورتزول المخصص للتوتر.
يصبح الحديث شيقًا أكثر حينما نتجاوز الرغبة للحديث عن الذات. ورغم أن الرغبة مكون رئيس في تكوين الذات في نظرية التحليل النفسي، إلا أننا سنستخدم نظرية أكثر تبسيطًا وهي نظرية التناقض الذاتي التي طورها أدوارد هيجنز. تنص النظرية على أن الإنسان يمتلك ثلاث تصورات للذات، وهي الذات الفعلية، الذات المثالية، والذات الواجبية. فإذا كانت الإعلانات تصنع الذات المثالية كأن تقول بأنك لن تكون رائعًا دون أحدث طراز من سيارة مرسيدس، فهي تصنع فجوة نفسية بين الذات الفعلية والمثالية مما قد يؤدي للشعور بالنقص وانخفاض تقدير الذات. كذلك فالبحوث النفسية والسلوكية تشير إلى ارتباط بين الإعلانات وبين انخفاض تقدير الذات، المقارنة الاجتماعية مع من هم أعلى، القلق، الخوف من تفويت الفرص، وغيرها. أخيرًا، ثمة ضرر اقتصادي يتمثل في سلوك الشراء القهري والاستدانة من أجل تحقيق هذه الرغبات. (5) (6) (7)
ثمة تناقض بنيوي بين منطق الصحة النفسية ومنطق السوق، حيث تعتمد الأولى على وجود قدر معقول من الرضا والاكتفاء، بينما يسعى الثاني لإنتاج رغبات جديدة باستمرار. يقول ديكارت: أما بالنسبة للمبدأ الثالث، فهو يظل-بكل وضوح- قريبًا من تعاليم الرواقيين الذي مؤداه أسع دائمًا للسيطرة على نفسك لا على الحظ، وهو ما يعني تقبل النظام والتخلي عن أي اعتراض داخلي حين لا يتحقق ما رغبنا فيه، بل ينبغي اعتبار ذلك الأمر مستحيلًا تمامًا، والرضا بما حدث بعد أن نكون قد بذلنا قصارى جهدنا، إذ أنّ أفكارنا وحدها -بما في ذلك مساعينا- هي التي تقع بالكامل تحت سيطرتنا.(8) ويظل السؤال الملح: هل بإمكاننا السيطرة على أفكارنا في عصرنا الحالي، حيث تتعاظم رغباتنا يومًا بعد يوم؟
يمكن إدانة الإعلانات أخلاقيًا من مسارين مستقلين. الأول عبر حجة نتائجية consequentialist تعتمد على مبدأ عدم الإضرار no harm principle. والأخرى عبر حجة واجبية Dentological تعتمد على احترام الشخص كفاعل مستقل ومعاملته كغاية لا وسيلة. كما رأينا أعلاه، فالإعلانات تزيد من عدد وشدة الرغبات. كثير من هذه الرغبات غير قابل للتحقق. بالتالي فالإحباط المزمن للرغبات يؤثر على التوازن النفسي، وبالتالي يوجد حجة أخلاقية على أن الإعلان ليس نشاط إعلامي وحسب، بل قد يلحق ضررًا يمكن قياسه. أما مبدأ عدم الإضرار فيمكن تبريره تبعًا لعدة مدارس أخلاقية، ولو أن ذلك خارج إطار هذه الورقة ويدخل في صلب الميتا أخلاق، منها الحدسية الأخلاقية Ethical Intuitionism والنفعية القاعدية Rule Utilitarianism. أما النقطة الثانية فثمة سؤال كانطي ينشأ مفاده ما إذا كان المستهلك يُعامل بوصفه غاية عاقلة أم بوصفه أداة لتحقيق غاية المعلن التجارية. بمعنى أنه ضمن بيئة business is business (العمل هو العمل)، ألا يكون تعظيم الربح هو الهدف الأساسي. وعندما يكون الإعلان مصممًا بحيث يستهدف الانفعالات والرغبات بدل تقديم أسباب يمكن للشخص أن يزنها عقلانيًا، ألا يكون ذلك مخالفة للمبدأ الكانطي: عامل الإنسانية، سواء في شخصك أو في شخص غيرك، دائمًا في الوقت نفسه كفاية، ولا تعاملها أبدًا كمجرد وسيلة.(9) البيئة النفسية الرقمية مصممة باستخدام الخوارزميات، البيانات الضخمة، الاستهداف الشخصي، الإشعارات وغيرها. فإذا كانت البيئة مصممة من أجل توجيه السلوك من أجل الربح، فهل ما زال الفرد يعامل بوصفه فاعلًا مستقلًا، ناهيك عن الإعلانات invasive بطبيعتها وتعتدي على المجال الخاص.
ماذا عن المعلن؟ هل هو معفيّ من المسؤولية الأخلاقية؟ فالمعلن قد يقول بأنه يقوم بحملة تسويقية وحسب، وأنه لا يجبر أحدًا على الشراء، وأنه مالم يعلن فسيعلن أحدٌ آخر. تشير حنة آرندت في كتابها آيخمان في القدس كيف للأفراد أن يتنصلوا من مسؤوليتهم الأخلاقية بالاحتماء بدورهم داخل مؤسسة أو نظام. فالمعلن ليس مجرد ترس في آلة بل يظل مساءلًا. المعضلة الأخلاقية ليس أن كل إعلان يجرح طفلًا، بل أن الصناعة بأكملها تعمد على تكوين بيئة تتعاظم فيها الرغبة، والمقارنة، والشعور بالنقص من أجل تعظيم الربح. إن السؤال عن مسؤولية “المؤثرين” يفتح أسئلة كثيرة عن أخلاقيات التأثير في عصر التكنولوجيا الحديثة، لكن ذلك يتجاوز مدى هذه الورقة.
ثمة اعتراضات قد تساق منها الاعتراض الليبرالي الكلاسيكي: أنا شخصٌ عقلاني، قادر على التقرير بنفسي، ولا أحد يجبرني على الشراء. والجواب أن المسألة ليس ما إذا كان لديك حصانة أمام الإعلانات أم لا، بل ما نوع التأثير الذي يحاول الإعلام ممارسته. يضاف إلى ذلك الاعتراض القائل بأنه لا يوجد طريق آخر سوى الإعلانات. ذلك صحيح، أرى بالفعل أننا في قفص سكنر ولا مجال للعودة، لكن ذلك لا يمنع من كشف بنية الخطاب ومعرفة فيمن يصب في مصلحته. وأخيرًا، الاعتراض الذي فحواه أنه لا يوجد شخص يعرف أبجديات العمل التجاري لا يؤمن بالإعلان كضرورة لنجاح المشروع. تنفق الشركات عشرات الملايين من أجل الحملات التسويقية لما قد يدر عليها ذهبًا. وهذا صحيحٌ كذلك. يتعلق الأمر بمواقعية positionality إذ في الأمر صراعًا من نوعٍ ما. ولا صح أن نكون سلبين passive أمام الإعلانات وتأثيرها. مثلما ثمة صراع بين دعاة نزع السلاح لأسباب سلموية، وبين المعرفة التي يعرفها رئيس أي دولة في العالم بأن في ذلك انتحارًا سياسي.
في فلم They live، يرتدي البطل نظارات تمكنه من رؤية ما لم يكن يراه قبلًا، حيث تتحول الإعلانات إلى أوامر مثل: أطع، استهلك، تزوج وأنجب. الفضاء البصري مملوء برسائل توجه سلوكه ورغباته دون أن يعي. ويظل السؤال: إلى أي مدى يتشارك واقعنا مع ما يجري في الفلم؟ أما بعد كل هذه المقالة فأتمنى أن لا يصبح أخي معلنًا. رغم أن الأمر لا يتطلب سوى نوع من الكارديشيانية، أي نقل المجال الخاص للمجال العام كي تصبح حياته الشخصية فرجة، وأن يرتضي لنفسه أن يكون لوحة إعلانية متنقلة، وسلعة في سوق العرض والطلب.
—————————————————————————————————————–
1- Marcuse, H. (1964). One-dimensional man: Studies in the ideology of advanced industrial society. Beacon Press.
2- Lacan, J. (1991). The seminar of Jacques Lacan, Book II: The ego in Freud’s theory and in the technique of psychoanalysis, 1954–1955 (S. Tomaselli, Trans.). W. W. Norton. (Original work published 1978)
3- Armenta, C., Bao, K. J., Lyubomirsky, S., & Sheldon, K. M. (2014). Is lasting change possible? Lessons from the hedonic adaptation prevention model. In K. M. Sheldon & R. E. Lucas (Eds.), Stability of happiness: Theories and evidence on whether happiness can change (pp. 57–74). Academic Press. https://doi.org/10.1016/B978-0-12-411478-4.00004-7
4- Schultz, W. (2016). Dopamine reward prediction error coding. Dialogues in Clinical Neuroscience, 18(1), 23–32. https://doi.org/10.31887/DCNS.2016.18.1/wschultz
5- Rankin, H. J. (2024, June 26). The psychological dangers of marketing. Psychology Today. Psychology Today
6- Adfree Cities. (n.d.). Advertising & mental health. https://adfreecities.org.uk/what-we-do/advertising-mental-health/
7- Bangash, S. A., Naveed, M., Baig, T. A., & Javed, S. (2025). Psychological effects of social media advertising and marketing on consumer decision making. Journal of Media Horizons, 6(3), 2064–2075. https://doi.org/10.5281/zenodo.16918371
8- Descartes, R. (1998). Discourse on method (D. A. Cress, Trans.). Hackett Publishing Company. (Original work published 1637)
9- Kant, I. (1997). Groundwork of the metaphysics of morals (M. Gregor, Trans.). Cambridge University Press. (Original work published 1785)




