حاورته: مريم علي
أ. د. حسني أحمد علي المتعافي هو باحث ومفكر مصري، له مشروع فكري وتجديدي واسع يتناول الدراسات القرآنية والتاريخية واللغوية، كما نشر العديد من الدراسات المعمقة التي يناقش فيها التقاويم المختلفة للوقوف على حقيقتها، وكان لنا معه هذا الحوار الثري.
1. دكتور حسني، لنبدأ من الفكرة الأساسية: لو أردنا شرح أطروحتك لشخص يسمع بها لأول مرة، فما الفرق الجوهري بين التقويم الهجري المتداول اليوم وبين «التقويم العربي» الذي توصلت إليه؟ وما الذي دفعك أصلًا إلى الشك في الصورة المتداولة للتقويم؟
هناك شروط يجب أن تتوفر فيما يُسمَّى بالتقويم. وما يُسمى بالتقويم الهجري المعروف الآن ليس، في رأينا، تقويمًا أصلًا. ويجب هنا استعمال المصطلحات بدقة؛ إذ يفتقد هذا التقويم مفهومًا أساسيًا، هو مفهوم السنة، فلا يعدو أن يكون تتابعًا من اثني عشر شهرًا قمريًا لا تناظرها أي ظاهرة فلكية دورية.
ولذلك سنسميه هاهنا «اللاتقويم». ووصفه بالهجري لا يمنحه، في رأينا، أي قداسة. أما التقويم القويم فهو التقويم العربي المقوَّم القديم، وكان ينبغي أن يبدأ بسنة نزول القرآن التي تتضمن ليلة القدر المباركة.
إن الحدث الأعظم والأكبر والأفخم في تاريخ الإسلام والذي احتفل به الله تعالى وأبرزه هو إنزال القرآن في ليلة القدر المباركة، قال تعالى:
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)} القدر، {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6)} الدخان، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ…} البقرة.
هذا هو الحدث الأصلي الأكبر الذي كان ينبغي أن يبدأ به التقويم الإسلامي. ولكنهم، ويا للأسف، اختاروا سنة إخراج الرسول من قريته بدايةً لما يسمونه بالتقويم الهجري؛ وهو الإخراج الذي قال الله عنه:
{وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُم} [محمد: 13]
فلم يكن هذا الإخراج حدثًا سعيدًا ليُبدأ به التقويم، ولم يكن لذلك، في رأينا، أي مبرر مهما حاولوا أن يتفلسفوا. وقد ترتب على هذا الاختيار ما يلي:
1. اندثار أكثر أخبار العصر المكي الذي نزلت فيه الرسالة العالمية، فلا يكاد الناس يعلمون عنه شيئًا مؤكدا! ومما اندثر تاريخ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ نفسه قبل أن يتلقى الوحي.
2. اندثار التاريخ الوجداني الحقيقي للدين، فلا أحد يعلم ماذا كان يحدث مثلًا في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وكيف كان المؤمنون يتعبدون في هذه الفترة.
3. أصبحت الغزوات والسرايا هي محور العصر النبوي، وأصبح تاريخ هذا العصر هو غزوات أو استعداد لغزوات.
4. اختفاء جوانب عديدة من الإعجاز القرآني كان يجب اتخاذ سنة نزول القرآن بدءا للتقويم لتظهر! منها:
أ. في الآية التالية: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيم }(النحل: 110)، فإن الهاء هي الحرف الثالث عشر في الآية إشارة إلى سنة الهجرة اعتبارا من بدء التنزيل، والمثنى هو الغفور الرحيم أما الجملة الكاملة التي تتضمن المثنى، وهي: {إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } فعدد حروفها واحد وعشرون حرفا وهذه إشارة إلى سنة العودة إلى مكة أي فتحها والذي تم في السنة الثامنة للهجرة: (النحل: 110).
ب. في الآية: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} [الفتح: 1] فإن عدد حروف الجملة بالرسم العثماني هو تسعة عشر حرفا وهو يشير إلى فتح الحديبية والذي تم في السنة السادسة للهجرة.
وهناك غير ذلك، ولكن ليس هذا موضوعنا الآن.
التقويم مسألة مصيرية؛ فهو نظام ابتكره الإنسان للبقاء على قيد الحياة، ثم لتنظيم أموره المعيشية وفق الظواهر المناخية. وقد استلزم ذلك قياس الفترات الزمنية وتنظيمها وتقسيمها إلى وحدات متفق عليها، كالأيام والشهور والسنوات، بالاعتماد على الحركات الفلكية المتكررة، وتحديدًا دورات الشمس والقمر.
فلم يكن الدافع الأول لابتكار هذا النظام ترفًا فكريًا أو شغفًا مجردًا، بل كان البقاء على قيد الحياة هو المحرك الأساسي. يتجلى هذا بوضوح في الحضارة المصرية القديمة؛ حيث كان فيضان النيل في عنفوانه القديم، قبل ترويضه بالسدود الكبرى، يأتي كقوة طبيعية عاتية تدمر كل شيء في طريقها، وتوقع خسائر فادحة في الأنفس والثمرات. من هنا، أصبح ابتكار التقويم ضرورة وجودية ملحة للنجاة.
اكتشف حكماؤهم أن الظهور الشفقي للنجم سيريوس (Sirius)، الذي كان يُسمّى في المصرية القديمة «سبدت» (Sopdet) وباليونانية «سوتيس» (Sothis) (أي أوّل ظهور له قبل شروق الشمس بعد غياب) هو علامة فلكية تسبق فيضان النيل.
وبذلك توصل حكماؤهم إلى التقويم الشمسي، وارتقى هذا العلم ليصبح سرًا مقدسًا يختص به الملك وأكابر الكهنة، ومفتاحًا لضمان استمرار الحياة والعمران. وكان الأمر كذلك في حضارات أخرى؛ فالتقويم الروماني كان يومًا بيد يوليوس قيصر، بوصفه الحاكم والكاهن الأعظم في روما، وهو الذي أخذ بالتقويم المصري وفرضه على الرومان بدلًا من تقويمهم القديم، فأصبح اسمه التقويم اليولياني، ثم الميلادي من بعد.
ولا يزال هذا التقويم يُستعمل لدى الفلاحين في مصر إلى اليوم لمعرفة المناخ الحقيقي وضبط شؤون الزراعة ومواسمها. ولم يحاول أي نظام، مهما كان متعصبًا، تغيير هذا الوضع، لعلمهم بحقيقة الأمر.
لقد أدرك الإنسان القديم، من خلال معاناته وتأمله، أن الفوضى الظاهرية للطبيعة تخفي وراءها نظامًا كونيًا بالغ الدقة. تحولت مراقبة السماء من مجرد دهشة إلى علم تطبيقي يربط حركة الأجرام السماوية بحركة الأرض ومناخها. كان الكهنة في مصر يرقبون شروق النجم سيريوس المتزامن مع بدء الفيضان، مؤسسين بذلك لواحد من أقدم التقاويم الشمسية في التاريخ. لم يكن التقويم حينها مجرد أداة لحساب الأيام، بل كان تجسيدًا حقيقيًا لمفهوم الاستخلاف في الأرض؛ حيث يعكس قدرة العقل البشري على قراءة كتاب الكون المفتوح، وتحويل الظواهر الطبيعية المدمرة إلى دورات زراعية واقتصادية محكمة تضمن استقرار المجتمع، وتحفظ كرامة الإنسان ومقومات بقائه.
ويلي هذا المقصد، أي مقصد النجاة من الكوارث الطبيعية، مقصدٌ وثيق الصلة به، هو تحديد مواقيت الفصول المناخية لضبط مواسم الزراعة والبذر والحصاد وما يترتب عليها من أسواق تجارية وكافة مقومات الحضارة الأخرى.
باطراد التقدم وتطور الحضارة تطور التقويم من أداة بدائية للنجاة من طوفان النهر، إلى سجل رياضي وحضاري يوثق قدرة الإنسان على صياغة أزمنته وتنظيم أموره.
وكان من البديهي أن تنشأ تقاويم أخرى في البيئات الحضارية العريقة في بابل والصين والهند وغيرهم، وأن تتشابه التقاويم الناتجة في الكثير من جوانبها، ذلك لأن الأساس واحد: «الاعتماد على وجود ظواهر طبيعية دورية قابلة للملاحظة والإدراك البشري»
وبالرجوع إلى السؤال:
فما الفرق الجوهري بين التقويم الهجري المتداول اليوم وبين «التقويم العربي» الذي توصلت إليه؟ وما الذي دفعك أصلًا إلى الشك في الصورة المتداولة للتقويم؟
تدفع إلى الشك في «اللاتقويم» المعروف الآن أمور عديدة، وقد نضطر إلى تكرار بعض ما سبق لبيانها، كما أن إجابات الأسئلة التالية ستكشف جانبًا منها. وربما كان السؤال الأجدر بالطرح هو: «لماذا يستمر التمسك بلاتقويم كارثي فشل في التعامل مع أي أمر بشري حضاري أو في تنظيم حياة الناس، ويتنافى مع عالمية الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان، وتسبب، بحسب رأينا، في إضلال مليارات من البشر منذ الأخذ به، من دون فائدة تُذكر؟»
وما فعلناه ليس التوصل إلى تقويم جديد، وإنما إعادة اكتشاف التقويم العربي الحقيقي الذي كان العرب يأخذون به لتنظيم شؤون حياتهم. فالعرب، مثل غيرهم، كانوا بحاجة إلى تنظيم حياتهم، وكان ذلك أكثر إلحاحًا في بيئتهم الصحراوية القاسية، وكذلك في الواحات الكبرى مثل يثرب وغيرها. ولذلك قسموا السنة إلى ستة فصول مناخية، لا إلى أربعة فقط. وكان بنو إسرائيل، بتقويمهم العبري الشمسي القمري القديم، يعيشون بين ظهرانيهم، كما كانت لقريش علاقات تجارية مع أمم لديها تقاويم حقيقية، ورحلة الشتاء والصيف التجارية معلومة. وكانت للأشهر الحرم قداسة مطلقة، وما كان النسيء المذموم، في قراءتنا، إلا محاولة للتملص من إلزاماتها دون انتهاك لقداستها.
***
2. ما أول ظاهرة أو خلل في التقويم الحالي يستطيع الإنسان العادي ملاحظته بنفسه، وتدفعه إلى التساؤل: هل هذا فعلًا هو النظام الزمني الذي كانت تعمل به العرب والمسلمون في صدر الإسلام؟
إن أول خلل في التقويم الحالي يستطيع الإنسان العادي ملاحظته بنفسه أنه، في رأينا، ليس تقويمًا أصيلًا ولا يصلح لتنظيم شؤون الحياة. فالإنسان سيلاحظ أنه يستعمل التقويم الميلادي الجريجوري لضبط معظم أموره، وقد يستعمل إلى جانبه تقويمًا محليًا آخر لتحديد المناخ وتنظيم شؤون الزراعة. وفي مصر مثلًا يوجد لكل شهر وصف مختصر في عبارة معروفة تبين طبيعته المناخية، وهذا من شروط التقويم الناجح؛ إذ تكون لكل شهر شخصيته الخاصة.
الأشهر المصرية، وشخصية كل شهر
توت (11 سبتمبر – 10 أكتوبر): «توت يقول للحر نموت» (بداية انكسار الحر وتلطف الجو).
بابه (11 أكتوبر – 10 نوفمبر): «بابه خُش القفل واقفل» (بداية البرد وإغلاق الأبواب والنوافذ ليلاً).
هاتور (11 نوفمبر – 10 ديسمبر): «هاتور أبو الذهب المنثور» (موسم زراعة القمح اللامع كالأصفر الرنان).
كيهك (11 ديسمبر – 9 يناير): «كيهك صباحك مَساك، تقوم من فطارك تحضر عشاك»، أقصر أيام السنة وأطول الليالي.
طوبة (10 يناير – 8 فبراير): «طوبة يخلي الصبية كركوبة» (ذروة البرد الشديد والصقيع تكرمش الجلد).
أمشير (9 فبراير – 9 مارس): «أمشير أبو الزعابيب، ياخد العجوزة ويطير» (شهر الرياح والعواصف المتقلبة).
برمهات (10 مارس – 8 أبريل): «برمهات روح الغيط وهات» (موسم حصاد الخضروات والمحاصيل واستوائها).
برمودة (9 أبريل – 8 مايو): «برمودة دق بـ الأعمودة» (موسم دراس القمح وفصله عن التبن).
بشنس (9 مايو – 7 يونيو): «بشنس يكنس الغيط كنس» (انتهاء حصاد المحاصيل الشتوية).
بؤونة (8 يونيو – 7 يوليو): «بؤونة نقل وتخزين المونة» (شدة الحر التي تجعل الناس تلزم البيوت وتخزن المؤن).
أبيب (8 يوليو – 6 أغسطس): «أبيب أبو اللهاليب فيه العنب يطيب» (موسم نضج العنب والفاكهة الصيفية).
مسَرى (7 أغسطس – 5 سبتمبر): «مسَرى تجري فيه كل ترعة خسرى» (موسم ارتفاع مياه النيل وامتلاء الترع الجافة).
أما في «اللاتقويم»، فالشهر مجرد فترة زمنية بين مولدي هلالين. ولو افترضنا أن قومًا ضلوا في الصحراء وانعزلوا عن العالم مدة طويلة، فلن يستطيعوا الاستدلال على شهر رمضان، مثلًا، بأي ظاهرة مستقلة.
تعريف رمضان الآن هو أنه الشهر الذي يأتي بعد شعبان، وتعريف شعبان أنه الشهر الذي يأتي قبل رمضان؛ ولا شيء غير ذلك. فلا توجد لرمضان علامة مناخية أو فلكية تميزه. وكذلك الأمر في شهر ذي الحجة، الذي قد يأتي في أشد القيظ، بما قد يؤدي إلى هلاك أعداد كبيرة من الناس، وهذه ظاهرة يستطيع الجميع ملاحظتها.
ويلاحظ الناس أيضًا أن المسلمين في بعض البلدان يصومون أكثر من عشرين ساعة، بينما يصومون في بلدان أخرى أقل من أربع ساعات. ويستعمل خصوم الإسلام هذه المسألة للطعن في عالميته، ويزعم بعضهم أنه مجرد تحريف من اليهودية والمسيحية ليلائم العرب في شبه جزيرتهم، بل إن منهم من يطعن بسبب ذلك في الإله نفسه، ويزعم أنه لم يكن يعلم شيئًا خارج شبه الجزيرة.
وذلك رغم أن العرب، قبل الإسلام وطوال العصر النبوي، كان لديهم، بحسب أطروحتنا، تقويم عربي قويم، وكان لديهم القلامسة المختصون به. ولم يكن يعيب هذا النظام إلا الأخذ بالنسيء المذموم للتلاعب بالأشهر الحرم، من دون أن يؤثر ذلك في أصل التقويم أو في عدّ السنين.
وكلما ازداد علم ووعي عامة الناس بحقيقة المسألة سيزداد شكهم في الدين، أو يطلبون العلم بحقيقة الأمر.
***
3. دعوى أن التقويم تعرض لتغيير تاريخي دعوى كبيرة؛ فما الذي تقول إنه تغيّر تحديدًا؟ ومتى وقع هذا التحول؟ وهل نستطيع تحديد الجهة أو المرحلة التاريخية المسؤولة عنه؟ وما أقدم دليل تاريخي مستقل تستند إليه لإثبات أن نظامًا أسبق كان مختلفًا عن النظام المتداول الآن؟
أرى أن التحول وقع عبر مسارين متوازيين: مسار ديني تشريعي، ومسار سياسي واقتصادي.
أما المسار الأول، فيتعلق بإبطال النسيء. فالقرآن حرّم التلاعب بحرمة الأشهر، وهو ما أفهمه بوصفه تحريمًا لتأخير حرمة شهر ونقلها إلى شهر آخر لأغراض سياسية أو عسكرية. وكانت المؤسسة التي تتولى شؤون التقويم، أي مؤسسة القلمّس، تجمع ـ بحسب قراءتي ـ بين وظيفتين مختلفتين: وظيفة فلكية تتمثل في ضبط التقويم والكبس، ووظيفة أخرى تتعلق بإعلان النسيء والتصرف في مواقع الأشهر الحرم.
ومع إبطال النسيء، اختفت هذه المؤسسة تدريجيًا، ويبدو أن وظيفتها الفلكية اختفت معها. وهنا وقعت المشكلة الأساسية: جرى التخلي عن آلية الكبس التي كانت تحفظ ارتباط الأشهر بمواقعها الموسمية، فتحولت الشهور إلى دورة قمرية محضة تتراجع عن السنة الشمسية بنحو أحد عشر يومًا كل عام.
ولا أجد في القرآن، ولا فيما نُقل عن النبي ﷺ، أمرًا صريحًا بإلغاء التقويم العربي نفسه أو بإبطال مبدأ الكبس الفلكي. والذي أفهمه من خطبة حجة الوداع هو أن الأشهر عادت آنذاك إلى مواضعها الصحيحة بعد ما وقع من تلاعب بالنسيء. ثم توفي النبي ﷺ بعد ذلك بمدة قصيرة، فلم يتسنَّ إنشاء نظام مؤسسي جديد يميز بوضوح بين الكبس بوصفه إجراءً فلكيًا والنسيء بوصفه تلاعبًا بحرمة الأشهر.
كما أن أثر التوقف عن الكبس لا يظهر فورًا. فالشهر يتراجع تدريجيًا داخل السنة، ولذلك يمكن أن تمر سنوات قبل أن يصبح الانفصال بين الاسم الموسمي وموضع الشهر واضحًا بصورة كبيرة. ومن هنا أرى أن التقويم لم يُلغَ في يوم بعينه، وإنما تُركت الشهور تسير من دون تقويم حتى استقر النظام القمري المحض.
أما المسار الثاني فهو اقتصادي وجيوسياسي. فبعد الفتوحات اتسعت الدولة إلى الشام والعراق ومصر وفارس، وهي مناطق تمتلك تقاويم شمسية مستقرة تُستخدم في الزراعة والضرائب والإدارة. ولم يعد الاقتصاد العربي معتمدًا بالصورة نفسها على رحلتي الشتاء والصيف أو على الأسواق الموسمية في الجزيرة العربية، كما أن قطاعات واسعة من العرب انتقلت إلى الحواضر الجديدة.
ولهذا أصبح من الممكن استخدام الشهور القمرية في الشعائر، في حين تُدار الزراعة والخراج والتجارة بالتقاويم الشمسية المحلية. ومع مرور الوقت قلَّت الحاجة العملية إلى إعادة إنشاء التقويم العربي المقوَّم، وأسهم ذلك، في رأيي، في اندثاره.
ومتى وقع التحول؟
لا أعتقد أنه يمكن تحديد سنة واحدة بوصفها سنة إلغاء التقويم. البداية الحاسمة كانت مع إبطال النسيء في أواخر العصر النبوي، ثم ظهرت آثار غياب الكبس تدريجيًا في السنوات التالية.
أما التأريخ الذي نُسب تأسيسه إداريًا إلى عهد عمر بن الخطاب، في القرن الأول الهجري، فقد مثّل مرحلة مهمة في تثبيت النظام الجديد من الناحية الإدارية. فقد اتُّخذت الهجرة نقطةً لبداية التأريخ، واستُخدمت الشهور القمرية المتتابعة من دون إعادة إنشاء نظام الكبس السابق.
ولا أرى أن عمر هو الذي أنشأ هذا الوضع من الأصل؛ فقد كان النظام القمري قد أصبح قائمًا بالفعل. لكن اعتماد هذا النظام في التأريخ الرسمي أسهم في ترسيخه مؤسسيًا، وفي الفصل بين التقويم المستخدم في الشعائر والتقاويم الشمسية المستخدمة في الإدارة الاقتصادية والزراعية.
ولهذا لا أحمّل شخصًا واحدًا مسؤولية التحول. المسألة، كما أفهمها، نتيجة سلسلة من التطورات: إبطال النسيء، اختفاء المؤسسة التي كانت تتولى التقويم، عدم إنشاء بديل لها، ثم اتساع الدولة واعتماد التقاويم المحلية في شؤون الاقتصاد والإدارة.
أما الأدلة على أن العرب كانوا يعرفون نظامًا يعتمد على الكبس قبل ذلك، فهي متعددة، وأرى أنها تحتاج إلى معالجة مستقلة؛ لأنها تتوزع بين الأدلة اللغوية والتاريخية والفلكية، وبين ما يتعلق بأسماء الشهور والأشهر الحرم ووظيفة القلمّس والنسيء.
***
4. من أكثر النقاط إثارة للأسئلة في أطروحتك فكرة إضافة شهر للتقويم. والقرآن يقول إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا؛ فكيف يبقى عدد الشهور اثني عشر مع وجود شهر مضاف؟ وما المقصود بهذا الشهر من الناحيتين الحسابية والشرعية؟
إضافة شهر الكبس أو التقويم لا تؤدي إلى تغير عدد الأشهر، لأن السنة الحقيقية هي، بكل بساطة، شمسية، السنة الشمسية لا يمكن أن تحتوي على أكثر من 12 شهرًا قمريًا.
12 شهرًا قمريًا ليست سنة أو حولا، هي مجرد فترة زمنية.
السنة الحقيقة هي الفترة الزمنية اللازمة لإتمام دورة للأرض حول الشمس، هذه الفترة الزمنية لا يمكن أن تحتوي أكثر من 12 شهرا قمريًا.
الشهر يُضاف كل سنتين أو ثلاث بدورية معينة، إلى الـ 12 شهرا قمريًا وهي مجرد فترة زمنية، وليست سنة حقيقية، 12 شهرا قمريًا مجرد فترة زمنية لا تعبر عن أي شيء حقيقي!
فإضافة شهر الكبس لازم للحفاظ على مفهوم السنة الحقيقية، مثله مثل إضافة يوم إلى الشهر القمري كل شهرين للحفاظ على مفهوم الشهر، وهم يفعلون ذلك بالفعل مضطرين، ودون ضجيج، ولو لم يفعلوا وأصروا على ألا يقوَّموا الأشهر لحدثت فضائح مدوية
الدورات الفلكية الثلاث اللازمة للتقويم مستقلة، وليست قابلة للقياس المشترك، ولذلك لا تحتوي الوحدة الأكبر على عدد صحيح من الوحدات الأصغر.
The three astronomical cycles required for the calendar are independent and incommensurable; therefore, the larger unit does not contain a whole number of the smaller units.
الشهر القمري لا يساوي عددًا صحيحا من الأيام، بل يساوي 29. 530588 يوما، العدد الصحيح = 29، ولذلك لزم التقويم، فجعلوا الأشهر 29 أو 30 يومًا بالتبادل، وأضافوا يومًا إلى ذي الحجة وفق نظام أو خوارزمية معينة، بغض النظر عن رؤية الهلال، لذلك فالشهر القمري الطبيعي يختلف عن الشهر القمري الحسابي.
السنة الشمسية الواحدة تعادل حوالي 12. 368265 شهرًا قمريًا، العدد الصحيح = 12، كما ذكر القرآن الكريم، ولذلك أيضًا لزم التقويم.
بدون تقويم الأشهر سيسقط مفهوم الشهر.
بدون تقويم السنين سيسقط مفهوم السنة
بدون تقويم الأشهر والسنين يكون الناتج: لاتقويم.
وهناك توضيح إضافي يتمثل في:
العدد 29 هو أكبر عدد صحيح Integer number يمكن أن يتضمنه الشهر الطبيعي وهو دورة القمر حول الأرض.
العدد 12 هو أكبر عدد يمكن أن تتضمنه السنة الطبيعية، وهي دورة الشمس حول الأرض.
إضافة شهر التقويم لن تؤدي إلى أي زيادة في السنة الطبيعية.
التقويم هو جبر الكسور التي يؤدي تراكمها إلى اختلال التقويم، وهذا يحدث الآن بالفعل على مستوى الأشهر.
***
5. وهنا يبرز مفهوم «النسيء»: ما الفرق، في قراءتك، بين النسيء الذي حرّمه القرآن وبين إضافة شهر لأغراض تقويم السنة؟ وما الدليل القرآني والتاريخي الذي يجعلك ترى أن التحريم تعلق بالتلاعب بحرمة الأشهر، لا بمبدأ التقويم الشمسي القمري في ذاته؟
لقد بدأت مؤسسة «النسيء» في شبه الجزيرة العربية كحاجة حضارية واقتصادية ملحة لضبط الزمن، وانتهت كأداة للفساد التشريعي والتلاعب السياسي، قبل أن تندثر تمامًا تحت وطأة التحولات الجيوسياسية الكبرى التي أحدثتها الفتوحات الإسلامية. هذه الرحلة التاريخية للتقويم العربي تكشف كيف يتحول العلم إلى أداة للهوى، وكيف تموت التقاويم حين تنتفي الحاجة الاقتصادية إليها.
في البداية، كان منصب «القلمّس» منوطًا بوظيفة علمية بحتة: تحديد الأوقات التي يجب فيها «الكبس» (إضافة شهر الكبس) لضمان بقاء التقويم القمري متوافقًا مع الفصول الشمسية. كان هذا الضبط حيويًا لاستمرار دورة الحياة في البيئة العربية، وضمان وقوع مواسم الحج والأسواق في أوقات اعتدال المناخ ووفرة المحاصيل.
هذا النموذج كان محاكاة لما كان يقوم به حاخامات اليهود في الجزيرة العربية (مثل يهود يثرب وخيبر). يظهر هذا التأثر بوضوح في التشابه اللفظي والوظيفي بين كلمة «ناسي» (Nasi) العبرية – والتي كانت تُطلق على رئيس المجلس اليهودي (السنهدرين) المسؤول عن إعلان السنة الكبيسة – وبين لقب «الناسئ» العربي.
وقد بلغ من الأهمية السياسية والاجتماعية لهذا المنصب أن القبائل العربية كانت تتفاخر باحتكارها له، كما جاء في شعرهم:
ومنا ناسئ الشهر القلمس
وقال آخر مفتخرًا بهذه السلطة الزمنية:
وكان من طقوس هذا المنصب أن يقف الناسئ في التجمع الأعظم للعرب خلال موسم الحج، ليعلن ما إذا كان العام القادم سيشهد إضافة شهر كبس أم لا.
ألسنا الناسئين على معدٍّ شهور الحل نجعلها حراما
كانت الأشهر الحرم تمثل هدنة مقدسة تُعلق فيها السيوف ويُمنع فيها الصيد، لكن توالي ثلاثة أشهر حرم متتابعة (ذو القعدة، ذو الحجة، محرم) كان يشكل ضغطًا اقتصاديًا خانقًا على القبائل الرعوية التي تعتمد على الغزو والصيد.
تفاقمت هذه الأزمة بسبب الممارسات الاستغلالية لقبيلة قريش التي تفننت في استنزاف أموال الحجيج. فقد فرضت قريش (تحت لواء ما عُرف بـ «الحُمس») قواعد تلزم الحجاج بشراء ملابس جديدة للطواف وترك ثيابهم القديمة بحجة أنهم «أذنبوا فيها»، مما كان يترك الحجاج بنهاية شهر ذي الحجة في حالة إفلاس تام ونفاد كامل للموارد.
في السنوات التي يُضاف فيها شهر «الكبس» قبل شهر محرم، كانت القبائل تتنفس الصعداء؛ فهذا الشهر الإضافي (وهو شهر حِل) يمنحهم فرصة للصيد والإغارة لتعويض خسائرهم قبل دخول شهر محرم الحرام. ولكن المشكلة الكبرى كانت تقع في السنوات التي لا تشهد كبسًا فلكيًا.
ولتجاوز هذه الأزمة الخانقة، وجد العرب مخرجًا بديلًا: الضغط على «الناسئ» ليقوم بـ تأجيل حرمة شهر محرم ونقلها إلى شهر صفر. وبموجب هذا الإعلان، يصبح محرم شهرًا حلالًا تُباح فيه الغارات، ويصبح صفر هو الشهر الحرام. استجاب النسأة لهذا المطلب، مما منحهم سلطة سياسية وتشريعية هائلة.
هذا الفعل تحديدًا – تأخير الحرمة ونقلها لأغراض دنيوية واستغلالية – هو النسيء المذموم الذي نزل القرآن بتحريمه، والذي طغى مفهومه السيئ على الاستعمال الفلكي الأصلي للكبس، مما أدى إلى انهيار قدسية الأشهر الحرم واضطراب التقويم.
بعد الإبطال القرآني الحاسم للنسيء في حجة الوداع، ووفاة النبي محمد ﷺ السريعة بعدها، لم يُتح المجال للدولة الإسلامية الفتية لفرز الوظيفة الفلكية (الكبس لضبط الفصول) عن الوظيفة المحرمة (ترحيل الحرمة).
ونتيجة للرفض القاطع لكل ما يمت للنسيء بصلة، اعتُبرت كل ممارسات القلمّس والناسئ محرمة بالكلية. اختفت طائفة «النسأة» تمامًا من الوجود، ومُحي ذكرهم من التاريخ العربي الإسلامي اللاحق، وتُرك التقويم القمري يدور حرًا دون كبس، لتنفصل الأشهر عن فصولها التي سُميت بها.
ورغم اندثار «التقويم العربي المقوَّم» وضياع تطابقه مع الفصول، لم يشعر العرب بأي فراغ، ولم يسعوا لابتكار نظام كبس جديد (إسلامي) يعوض النظام المفقود. يعود هذا التجاهل إلى تحول جيوسياسي واقتصادي غير مسبوق في تاريخهم:
1. انتفاء الحاجة لرحلتي الشتاء والصيف: بسقوط الإمبراطورية الفارسية وانسحاب البيزنطيين، استولى العرب في وقت قياسي على أغنى بلدان العالم القديم. تدفقت عليهم الثروات والغنائم بشكل جعلهم في غنى تام عن التجارة القوافلية المرهقة التي كانت تتطلب ضبطًا دقيقًا للتقويم.
2. موت الأسواق الجاهلية: مع تدفق ثروات الشام والعراق ومصر، فقدت أسواق مثل عكاظ ومجنة وذي المجاز قيمتها الاقتصادية فاندثرت طبيعيًا، ومعها اندثرت الحاجة لمعرفة توافق الأشهر مع مواسم القطاف في الحجاز.
3. اعتماد التقاويم المحلية للخراج: هجر العرب البادية واستقروا في الحواضر الجديدة في العراق والشام ومصر. ولإدارة هذه الإمبراطورية الزراعية الشاسعة، اعتمدوا بكل بساطة على التقاويم الشمسية المحلية (التقويم القبطي في مصر، والسرياني/اليولياني في الشام، والفارسي في العراق). تركوا أهل كل بلد يعملون بتقاويمهم الزراعية الأصلية لضمان استقرار مواسم الحصاد ودفع «الخراج» في وقته دون نقص أو خراب.
وهكذا، مات التقويم العربي القديم موتًا طبيعيًا، لم يقتله فقط التحريم الديني للتلاعب بالأشهر الحرم، بل قضى عليه استغناء أصحابه عنه بعد أن انتقلوا من رعاية الإبل وتتبع القوافل في الصحراء، إلى جباية الخراج وإدارة أخصب أراضي العالم القديم.
وفي كل ذلك دحض للتقاويم التي أقامها المجتهدون العصرانيون على افتراض سنة معينة تم فيها إيقاف العمل بالتقويم العربي القديم.
النسيء في جوهره القرآني والتاريخي ليس نظامًا تقويميًا فلكيًا لضبط الزمن، بل هو مناورة سياسية وعسكرية استهدفت التلاعب بالتشريع وتأجيل الحرمة الزمنية لتحقيق مآرب دنيوية. الخلط التراثي اللاحق بين «النسيء» (التأخير العشوائي للأحكام) و«الكبس» (التعديل الرياضي لضبط السنة القمرية مع الشمسية) أدى إلى تجريد التقويم العربي من وظيفته البيئية والاقتصادية.
من المنظور المعجمي والصرفي، يحمل الجذر (ن-س-أ) دلالة قاطعة على «التأخير والإرجاء»، ولا يتقاطع دلاليًا مع معاني الزيادة أو الإضافة (الكبس). تتجلى هذه البنية الدلالية بوضوح في النص القرآني الذي يعالج الظاهرة كجريمة تشريعية، وليس كخطأ فلكي:
• التلاعب بالتشريع (تحليل وتحريم): الآية {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ. . . } لا تذم الحساب، بل تذم الفعل التشريعي البشري المتمثل في {يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا}. الهدف كان رفع الحرمة عن شهر كـ «محرم» لاغتنام فرصة إغارة أو صيد، ونقل هذه الحرمة إلى شهر «صفر».
• الحفاظ على البنية الكمية (المواطأة): قوله تعالى {لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ} يثبت أن المشركين لم يكونوا ينقصون أو يزيدون عدد الأشهر الحرم المطلق، بل كانوا يحافظون على الرقم «أربعة» ظاهريًا مع تفريغه من مضمونه بتغيير مواقع هذه الأشهر عشوائيًا.
• التوثيق الشعري: بيت الكميت بن زيد: (ونحن الناسئون على معدّ *** شهور الحل نجعلها حراما) يوثق بدقة هذه الآلية؛ فالفعل هنا هو إحلال الحرام وتحريم الحلال عبر الترحيل الزمني، كأداة للسيادة وفرض النفوذ السياسي على قبائل معدّ.
إن النص القرآني في الآية {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} يؤسس لقاعدة رياضية وطبيعية دقيقة:
• الأساس القمري: تخصيص أربعة أشهر حُرُم يستلزم بالضرورة أن تكون الأشهر قمرية، لارتباط الحج والنسك برؤية الأهلة الثابتة.
• الإطار الشمسي: تحديد العدد بـ «اثني عشر» يشير ضمنيًا إلى الإطار الشمسي، حيث أن الرقم 12 هو أكبر عدد صحيح (Whole Number) من الدورات القمرية التي يمكن أن يستوعبها الحيز الزمني للسنة الشمسية الواحدة.
• الحفاظ على هذا التناسق الطبيعي يتطلب «الكبس» (إضافة شهر فلكي محسوب بانتظام)، وهو يختلف جذريًا عن «النسيء» المحرم الذي هو عبث سياسي آني.
النسيء الذي أبطله القرآن لم يكن نظامًا مبنيًا على دورات فلكية منتظمة (كالدورة الميتونية)، بل كان قرارًا اعتباطيًا يتخذه المسؤول (القلمس) في ختام موسم الحج استجابةً لضغوط السادة ومصالحهم. إذا أرادت قبيلة استكمال حرب أو نهب، طلبوا تأخير الحرمة، فيقوم القلمس بإرجاء حرمة المحرم إلى صفر.
هذا العبث البشري بـ «حرمة الزمن» هو ما وصفه القرآن بـ «الزيادة في الكفر»، لأنه يعتدي على الميثاق الأمني الذي يحمي أرواح الناس واقتصادهم. أما إسقاط هذا التحريم القرآني الدقيق على آلية «الكبس» الفلكي، فهو خطأ تأويلي أدى لاحقًا إلى انفصال الأشهر العربية عن جذورها المناخية ودلالاتها الطبيعية، وتحويل التقويم إلى دورة مجردة تائهة عبر الفصول.
***
6. تقول إن الشهر التقويمي يُضاف بعد كل اثنين وثلاثين شهرًا قمريًا تقريبًا، وحددت مواضع معينة لإضافته، منها ما يأتي بعد ربيع الآخر أو ذي الحجة أو شعبان. كيف توصلت إلى هذه الدورة تحديدًا؟ وهل تعتمد على قاعدة رياضية وفلكية يمكن لباحث مستقل أن يعيد حسابها فيصل إلى النتيجة نفسها؟
بالنسبة لهذا السؤال، فمسألة إضافة الشهر التقويمي بعد كل اثنين وثلاثين شهرًا قمريًا تقريبًا كانت أول طريقة أخذنا بها لتقويم التقويم، وسرعان ما عدلنا عنها لاكتشافنا، بفضل الله تعالى، الطريقة الصحيحة، والضرورية الحتمية في الوقت ذاته، وهي كذلك لأنها تتضمن في بنيتها قاعدة رياضية وفلكية يمكن لأي باحث مستقل، أو أي إنسان بصفة عامة، أن يعيد حسابها فيصل إلى النتيجة نفسها.
ولذلك لتوفير الوقت، وزيادة فاعلية الحوار نفضل تعديل السؤال لكي يكون كما يلي:
ما هي أسس طريقتكم للتقويم؟ كيف توصلت إلى هذه الدورة تحديدًا؟ وهل تعتمد على قاعدة رياضية وفلكية يمكن لباحث مستقل أن يعيد حسابها فيصل إلى النتيجة نفسها؟
وجوابي هو أن طريقتنا للتقويم قد تكون صعبة من حيث البيان النظري لها وتوضيح أسسها وما يستلزمه ذلك من خلفية كبيرة في مجالات شتى، ولكنها في غاية السهولة من حيث النتيجة، يمكن لأي باحث مستقل، بل لأي إنسان، أن يعيد حسابها فيصل إلى النتيجة نفسها.
يُعرّف التقويم الوظيفي الدقيق بأنه تقويم مناخي بالأساس، يرتكز على ربط الأشهر بالفصول الطبيعية. يقتضي هذا الربط الاعتماد على ظاهرة فلكية كبرى تتمثل في الدورة الظاهرية للشمس حول الأرض كوحدة قياس كبرى (السنة)؛ لكونها تمثل أقصر فترة زمنية تتضمن دورة الفصول المناخية كاملة دون تكرار.
ولتلبية الاحتياجات الإدراكية للإنسان، يجب أن ترتبط وحدات القياس الزمنية الثلاث (اليوم، الشهر، السنة) بظواهر طبيعية دورية واضحة المعالم، على النحو الذي أدركته الحضارات الإنسانية المبكرة دون تعقيد حسابي. وبناءً عليه، تُعد الوحدة الأصغر من السنة (الشهر) وحدة قمرية بطبيعتها، ترتبط بدورة القمر حول الأرض وتجلياتها المرئية المتمثلة في أطوار الهلال. يُفضي هذا النسق إلى حتمية اعتماد «التقويم القمري-الشمسي» (Lunisolar) كنموذج معياري طبيعي. في هذا السياق، يجب استبعاد مصطلح «السنة القمرية» الدارج لغويًا واعتباره مصطلحًا مغلوطًا علميًا؛ إذ إن تراكم 12 شهرًا قمريًا لا يشكل «سنة» لافتقاره إلى أي ظاهرة فلكية أو مناخية مناظرة تُكمل دورة طبيعية مستقلة.
ويقوم الهيكل الزمني للتقويم على أربعة أشهر رئيسة، يقترن كل منها بإحدى الظواهر الفلكية الكبرى (الاعتدال الربيعي، الانقلاب الصيفي، الاعتدال الخريفي، الانقلاب الشتوي). رياضيًا وفلكيًا، يبلغ الفاصل الزمني بين كل ظاهرتين متتاليتين ثلاثة أشهر.
وبإخضاع الاحتمالات الممكنة للاستقراء العلمي والتاريخي والفحص المنطقي لترتيب هذه الأشهر في منظومة السنة، يتبين قطعيًا أن متوالية الأشهر الرئيسة هي (3، 6، 9، 12). ومن الجدير بالذكر أن نفس هذه النتيجة تسري على التقويم الميلادي الجريجوري، أما المتواليات البديلة مثل (1، 4، 7، 10) أو (2، 5، 8، 11)، فهي احتمالات ساقطة علميًا لتعارضها مع المعطيات والأدلة التاريخية والمناخية. وعليه، يتحدد التموضع الفلكي للأشهر على النحو الآتي:
شهر ربيع الأول (الشهر 3): يتضمن الاعتدال الربيعي.
1. شهر جمادى الآخرة (الشهر 6): يتضمن الانقلاب الصيفي.
2. شهر رمضان (الشهر 9): يتضمن الاعتدال الخريفي.
3. شهر ذو الحجة (الشهر 12): يتضمن الانقلاب الشتوي.
وتاريخيًا، لجأ العرب إلى تقنية «الكبس» لضمان ثبات شهر ذي الحجة ضمن مجاله المناخي. تنشأ الضرورة الحسابية للكبس من الفارق الزمني بين الدورتين؛ حيث تقل دورة الـ 12 شهرًا قمريًا عن الدورة الشمسية بمقدار يقارب (10. 875) يومًا.
فإذا بدأ شهر ذي الحجة في يوم (س) من التوقيت الشمسي في سنة ما، فإنه سيتراجع في العام التالي ليبدأ في يوم (س – 10 أو 11). وخلال سنتين أو ثلاث، سيؤدي هذا التراجع إلى انتهاء شهر ذي الحجة قبل وقوع ظاهرة الانقلاب الشتوي. لتصحيح هذا الانزياح، يُشترط إجراء الحسابات الفلكية بهدف مركزي وهو: الإبقاء على لحظة الانقلاب الشتوي داخل الحيز الزمني لشهر ذي الحجة. وعندما تُظهر الحسابات أن الشهر سينتهي قبل الانقلاب الشتوي في العام التالي، يصبح «الكبس» (إضافة شهر تقويمي) إجراءً حتميًا.
ووفقًا لتصورنا فإن شهر رمضان الحقيقي هو الشهر القمري العربي الأول الذي تقع بدايته في برج السنبلة (العذراء)، فشهر رمضان ليس هو شهر سبتمبر نفسه، وإنما هو الشهر العربي الذي يتضمن الاعتدال الخريفي الذي يأتي في شهر سبتمبر، فرؤية الهلال قبل الاعتدال الخريفي في سبتمبر أو في أواخر أغسطس هي علامة بدء رمضان الحقيقي، وفي رمضان هذا ليلة القدر الحقيقية بخواصها الفريدة المميزة من حيث الأهمية العظمى واعتدال المناخ، فشهر رمضان شيء، وشهر سبتمبر شيء آخر، ويمكن الاستغناء تمامًا عن ذكر شهر سبتمبر، فلا حاجة بالتقويم العربي إلى التقويم الميلادي إذا تمَّ ضبط التقويم كما سيتضح في البند التالي.
بافتراض أن هذه السنة مثلًا هي سنة (س) طبقًا للتقويم العربي، فالشهر العربي الذي يتضمن الاعتدال الخريفي هو شهر رمضان الحقيقي، فبأخذ البداية الصحيحة المذكورة لشهر رمضان في الاعتبار وباتباع التقويم الصحيح من الآن فصاعدا سيأتي رمضان في توقيته الطبيعي بطريقة تلقائية، وهو الخريف (في نصف الكرة الشمالي)، كما ستأتي أشهر الحج تقريبًا في الشهور (نوڤمبر، ديسمبر، يناير) فلا حاجة مطلقًا لمعرفة متى بدأ الانحراف عن التقويم والأخذ باللاتقويم.
القول بأن شهر رمضان هو الشهر القمري العربي الذي يتضمن الاعتدال الخريفي يعادل القول بأنه أول شهر قمري عربي يبدأ عندما تدخل الشمس في برج السنبلة (العذراء)، أي بعد بزوغ نجم سهيل في الحجاز، فبزوغ نجم سهيل كان يعني امتناع القيظ وبدء اعتدال المناخ وازدياد الرطوبة.
ويمكن الحصول على نفس النتائج بإجراء الحسابات بقصد الإبقاء على توقيت الانقلاب الشتوي داخل شهر ذي الحجة، أو بقصد الإبقاء على بداية الشهر داخل شهر القوس في التقويم الهجري الشمسي.
وهناك معلومة غاية في البساطة ولكن يغفل عنها أكثر الناس: شهر رمضان شهر عربي، كان موجودًا قبل إنزال القرآن، وقبل الأمر بصيامه
والخلاصة أن شهر رمضان هو عندنا الشهر العربي القمري الذي يتضمن الاعتدال الخريفي، لكن:
• وفق تقويم أم القرى الهجري الشمسي (تقويم البروج): شهر رمضان هو الشهر العربي القمري الذي يبدأ في شهر (برج) السنبلة وينتهي في شهر (برج) الميزان؛ بحيث يتضمن آخر أيام السنبلة وأول أيام الميزان، وهي النقطة الفاصلة التي يحدث فيها الاعتدال الخريفي.
• وفق التقويم الفارسي الهجري الشمسي (الجلالي): شهر رمضان هو الشهر العربي القمري الذي يبدأ في شهر «شهريور» وينتهي في شهر «مِهْر»؛ بحيث يتضمن آخر يوم من شهريور وأول يوم من مهر، وهما يوما الانتقال الفعلي للاعتدال الخريفي.
• وفق التقويم الجريجوري (الميلادي): شهر رمضان هو الشهر العربي القمري الذي يتضمن النقطة الفاصلة للاعتدال الخريفي (22 أو 23 سبتمبر)، وفقًا لحساباتنا تواريخ رمضان للدورة التي تبدأ سنة 2015 هي كما يلي:
15/9/2015
3/9/2016
22/9/2017
11/9/2018
1/9/2019
19/9/2020
9/9/2021
29/8/2022
17/9/2023
5/9/2024
25/8/2025
13/9/2026
3/9/2027
21/9/2028
11/9/2029
31/8/2030
19/9/2031
7/9/2032
27/8/2033
هذه الأرقام تتكرر كل 19 سنة لذلك لتحصل على بداية رمضان في أي سنة أخرى أضف أو اطرح مضاعفات الرقم 19 من السنة المناظرة. مثلا: رمضان لهذه السنة 2026 أتى يوم 13 سبتمبر، سيأتي أيضًا يوم 13 سبتمبر في السنوات: 2026 ± ن × 19؛ حيث ن: عدد صحيح. التاريخ المذكور قد يزيد أو ينقص يومًا حسب رؤية الهلال. لم تثبت رؤية هلال الشهر العربي ليلة 12 سبتمبر طبقًا لدار الإفتاء المصرية، ولثبوت استحالة رؤية الهلال علميا، لذلك كان 12 سبتمبر هو المتمم للشهر العربي. و يمكن إلحاق هذا الكلام بشرح طريقتنا للتقويم.
***
7. تربط كذلك بعض أسماء الشهور ومواقعها بأزمنة موسمية محددة؛ فمثلًا تربط ربيع الأول بالاعتدال الربيعي، ورمضان بفترة قريبة من الاعتدال الخريفي وظهور هلال سبتمبر. ما الأدلة اللغوية والتاريخية والفلكية التي تثبت أن هذه المواضع ليست مجرد توافق محتمل بل جزء من بنية التقويم الأصلية؟
دعيني أعلق أولًا على ما جاء في السؤال وتحديدًا قولك «فمثلًا تربط ربيع الأول بالاعتدال الربيعي، ورمضان بفترة قريبة من الاعتدال الخريفي وظهور هلال سبتمبر» فالصحيح أن شهر رمضان هو عندنا الشهر العربي القمري الذي يتضمن الاعتدال الخريفي، ولا يوجد شيء اسمه هلال شهر سبتمبر، ويمكن تجاهل مسألة شهر سبتمبر تمامًا، هو مجرد إحداثي اختياري نستعمله كما نستعمل الإحداثيات الكارتيزية Cartesian coordinates في الرياضة والهندسة لتحديد موقع نقطة، يمكن الاستغناء عنها باستعمال الإحداثيات القطبية Polar coordinates.
وهكذا بدلًا من أن نقول إن شهر رمضان يجب أن يحتوي الاعتدال الخريفي الذي يوافق 22 سبتمبر، يمكن أن نقول: شهر رمضان هو الشهر القمري العربي الذي يبدأ في شهر السنبلة من تقويم أم القرى الهجري الشمسي، والسنبلة هي رمز الخير والبرّ والنماء، وينتهي في شهر الميزان، وهو رمز تقويم الأعمال بالحق.
وعلى سبيل المثال شهر رمضان الحقيقي سيبدأ يوم 13 سبتمبر، وهذا اليوم وفق تقويم أم القرى الهجري الشمسي يعادل يوم 20 السنبلة. وبذلك أيضًا يمكن القول بأن شهر رمضان هو الشهر القمري العربي الذي يحتوي آخر يوم في شهر السنبلة وأول يوم في شهر الميزان.
***
8. وإذا كانت أسماء الشهور مرتبطة بالمواسم، فكيف تفهم عالمية هذا النظام مع اختلاف المناخ بين البلدان، ومع انعكاس الفصول بين نصفي الكرة الأرضية؟ هل المقصود موسم مناخي محسوس في كل مكان، أم موضع فلكي ثابت في السنة الشمسية؟
كل أسماء الشهور في أي تقويم تنشأ أصلًا من البيئة التي ظهر فيها ذلك التقويم، ولا يمنع هذا من أن يصبح التقويم عالميًا في استعماله. فالتقويم الجريجوري، مثلًا، يحمل أسماء ترجع إلى آلهة وأباطرة رومانيين، وبعضها مرتبط بأرقام الشهور في ترتيب قديم، كما أن اسمه نفسه مرتبط بالبابا جريجوريوس الذي أمر بإصلاحه. ومع ذلك لم يمنع هذا كله من أن يصبح التقويم مستخدمًا على نطاق عالمي.
والأمر نفسه ينطبق على أسماء الشهور العربية. فمن الطبيعي أن تكون قد نشأت من بيئة شبه الجزيرة العربية، وأن تعكس ظواهر مناخية أو أحوالًا موسمية عرفها العرب في تلك البيئة. فالاسم يحتفظ بأصله التاريخي واللغوي، حتى لو اتسع استعمال التقويم بعد ذلك خارج المنطقة التي نشأ فيها.
والقرآن نفسه أُنزل بلسان عربي مبين، ولم يمنع ذلك من عالمية رسالته. ولذلك لا أرى تعارضًا بين أن تكون أسماء الشهور عربية المنشأ ومرتبطة ببيئة معينة، وبين أن يكون النظام الزمني الذي تنتظم فيه صالحًا للاستعمال على نطاق أوسع.
أما مسألة انعكاس الفصول بين نصفي الكرة الأرضية، فهنا ينبغي التمييز بين الاسم الموسمي وبين الموضع الفلكي. فالموضع الفلكي ثابت، بينما يختلف التعبير المناخي عنه بحسب موقع الإنسان على سطح الأرض.
وبالنسبة إلى شهر رمضان، فإن ما يهمني هو ارتباطه بنقطة فلكية محددة في السنة، لا أن يكون المناخ المحسوس متماثلًا في كل مكان. ففي نصف الكرة الجنوبي تنعكس الفصول، لكن هذا لا يغيّر موضع الاعتدال في الدورة السنوية؛ الذي يتغير هو وصف الفصل بالنسبة إلى السكان هناك.
أما الحج، فالمسألة مختلفة قليلًا، لأنه شعيرة تُؤدَّى في مكان بعينه، ولذلك يكون الاعتبار المناخي مرتبطًا ببيئة الحجاز نفسها. فالذي يأتي للحج من جنوب أفريقيا، مثلًا، ينتقل إلى مناخ الحجاز ولا يحمل معه مناخ موطنه.
ومن ثم فإن عالمية التقويم لا تعني أن تكون الأسماء أو الأحوال المناخية متطابقة في جميع أنحاء الأرض، وإنما تعني أن يستند النظام إلى مرجع فلكي ثابت يمكن تطبيقه في كل مكان، مع بقاء الاختلافات المناخية المحلية على حالها.
وفي رأيي، هذا الفهم أوفق بعالمية التشريع؛ لأن النظام الذي يُراد له أن يخاطب الناس كافة لا ينبغي أن يتوقف على ظرف مناخي محلي لا معنى له خارج بيئة بعينها، وإنما على بنية فلكية عامة يشترك فيها البشر جميعًا.
***
9. دكتور، في إطار أبحاثكم حول تصحيح التقويم الهجري ودراسة ضبط بدايات الشهور، هل توصلتم خلال بحثكم إلى أي نتائج أو مؤشرات يمكن أن تساعد في تحديد موعد ليلة القدر بصورة أدق؟ وهل وجدتم ارتباطًا بين ضبط التقويم الهجري وبين إمكانية معرفة الليلة التي توافق ليلة القدر، أو أن أبحاثكم قادتكم إلى ترجيح يوم أو ليلة معينة لها؟
نعم، بفضل الله تعالى. تقودني الحسابات التي أعتمد عليها إلى أن ليلة القدر ترتبط، في الأغلب، بالمنطقة الزمنية القريبة من الاعتدال الخريفي. وقد يحدث تطابق في بعض السنوات، وليس بالضرورة في كل سنة، ولذلك فالمهم عندي هو تحديد المجال الزمني الذي تقع فيه ضمن التقويم الصحيح.
وأجد قرينة تستحق التأمل في دعاء وداع شهر رمضان الوارد في الصحيفة السجادية، والمنسوب إلى الإمام علي زين العابدين بن الحسين، حيث يقول: «اللَّهُمَّ إنَّا أَهْلُ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي شَرَّفْتَنَا بِهِ… حِينَ جَهِلَ الأَشْقِيَاءُ وَقْتَهُ وَحُرِمُوا لِشَقَائِهِمْ فَضْلَهُ».
ما يلفت انتباهي هنا هو الفصل بين «وقته» و«فضله». فالعبارة لا تتحدث فقط عن الجهل بفضل الشهر، وإنما تشير أيضًا إلى الجهل بوقته. وأنا أقرأ هذا بوصفه قرينة محتملة على أن مسألة توقيت رمضان لم تكن، في بعض البيئات المبكرة، أمرًا خاليًا تمامًا من الخلاف أو الالتباس.
ولا أزعم أن هذا النص وحده يكفي لإثبات نظام تقويمي كامل، لكنه يكتسب دلالة أكبر إذا قُرئ إلى جانب الأدلة الأخرى التي أعتمد عليها في إعادة بناء التقويم العربي القديم. فمن وجهة نظري، يمكن أن تكون عبارة «جهل الأشقياء وقته» إشارة إلى وجود اختلاف في معرفة الميقات الصحيح للشهر، وهو ما ينسجم مع فرضيتي القائلة إن رمضان كان مرتبطًا بموضع فلكي ومناخي ثابت.
أما من الناحية التاريخية، فقد شهد القرن الهجري الأول تحولات سياسية وإدارية كبرى، وأصبح تنظيم الشؤون العامة، ومن بينها الزمن والمواقيت، جزءًا من عمل الدولة. ومن ثم أرى أنه من المشروع أن نسأل عما إذا كانت التحولات السياسية والمؤسسية التي وقعت بعد العصر النبوي قد أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في استقرار نظام تقويمي مختلف عن النظام الأسبق الذي أفترض وجوده.
وأتعامل مع هذا باعتباره سؤالًا تاريخيًا يحتاج إلى جمع القرائن، لا بوصفه حكمًا يمكن بناؤه على نص واحد. فالصحيفة السجادية، في قراءتي، لا تقدم برهانًا مستقلًا قاطعًا على تغير التقويم، لكنها تقدم شاهدًا نصيًا مهمًا يفتح باب التساؤل حول معنى «جهل وقت رمضان» في مرحلة مبكرة من التاريخ الإسلامي.
ولهذا فإنني أضع هذا النص ضمن مجموعة الأدلة والقرائن، ولا أفصله عنها. والنتيجة التي أصل إليها هي أن ضبط التقويم قد يجعل البحث عن ليلة القدر أكثر تحديدًا، وأن المنطقة الزمنية الأقرب إليها، بحسب النموذج الذي أدافع عنه، هي المنطقة المحيطة بالاعتدال الخريفي.
***
ومن الطريف أن بعض التفسيرات الشائعة لأسماء الشهور العربية تبدو، في نظري، كما لو أنها تفترض أن العرب سمَّوا الشهور بحسب أحوال مناخية عابرة ثم تركوا هذه الأسماء تدور بعد ذلك في جميع الفصول من دون أن يروا في ذلك أي تناقض.
فإذا قيل إن «ربيع» سُمّي لوقوعه في الربيع، وإن «جمادى» ارتبطت بجمود الماء من البرد، وإن «رمضان» ارتبط بشدة الحر، فإن السؤال الطبيعي هو: كيف يمكن أن نحافظ على هذه التفسيرات نفسها، ثم نقبل في الوقت ذاته أن تنتقل هذه الشهور عبر الفصول جميعًا؟
المشكلة عندي ليست في أسماء الشهور، وإنما في التصور الذي يفصل هذه الأسماء عن مواضعها الموسمية الأصلية ثم يحاول تفسيرها وكأن هذا الانفصال أمر طبيعي منذ البداية.
ولهذا أرى أن دلالات الأسماء نفسها تمثل قرينة أخرى على أن الشهور العربية لم تكن، في أصل النظام، تدور بحرية عبر السنة الشمسية كما تفعل اليوم، وإنما كانت مرتبطة بمواقع موسمية أكثر ثباتًا.
***
10. تستدل بحديث النبي ﷺ: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض». جمهور الشراح ربط الحديث بإبطال النسيء وإعادة الأشهر إلى ترتيبها الصحيح. فما الذي يجعلك ترى أن الحديث يحمل أيضًا دلالة زمنية أو موسمية أوسع؟ وما الذي يميز قراءتك عن التفسير التقليدي للنص؟
قول الرسول «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» حدث في حجة الوداع التي من أثبت الأمور أنها كانت قي شهر ذي الحجة، وبالتالي فهو ينطبق بالضرورة على شهر ذي الحجة، بمعنى أن شهر ذي الحجة في التقويم العربي وافق شهر ذي الحجة الحقاني الذي هو عند الله.
أما النسيء الكفري فقد وصفته الآية بدقة، وتم إبطاله بآية قرءانية محكمة، كما سبق بيانه، ولا علاقة له بمسألة التقويم وخضوعه لقواعد فلكية حسابية، ومن يحاول إلصاق اللاتقويم الهزلي برب العالمين إنما يسيء إليه ويشكك في كماله.
***
11. من أقوى طرق اختبار أي تقويم قدرته على تفسير التواريخ القديمة. هل تستطيع أن تقدم مثالين أو ثلاثة لأحداث من صدر الإسلام وردت لها تواريخ أو قرائن زمنية في المصادر الإسلامية، وتقابلها شهادات مستقلة، مثل المصادر البيزنطية أو السريانية أو القبطية أو الفارسية، ثم تبين كيف يتطابق تاريخها مع تقويمك بصورة أدق من التقويم المتداول؟
المشكلة في هذا النوع من الاختبار أن المادة المستقلة المتاحة عن العصر النبوي محدودة جدًا. فلا نملك، في حدود ما وقفت عليه، شهادات بيزنطية أو سريانية أو قبطية أو فارسية مفصلة تسجل أحداث العصر النبوي نفسها مع تواريخ دقيقة يمكن مطابقتها مباشرة مع الروايات الإسلامية.
ولهذا ينبغي الحذر من جعل غياب الشهادة الخارجية معيارًا وحيدًا للحكم على الحدث التاريخي. فلو طبقنا هذا المعيار بصورة صارمة على أحداث مثل نزول القرآن أو الهجرة أو بدر، لأمكن الطعن في قدر كبير من تاريخ المرحلة المبكرة لمجرد غياب شاهد خارجي معاصر يسجل الحدث نفسه. وأنا لا أقول إن الشهادات المستقلة غير مهمة؛ على العكس، وجودها يقوي أي إعادة بناء تاريخية. لكن غيابها لا يكفي وحده لإبطال رواية داخلية، خصوصًا في مرحلة تاريخية تعاني أصلًا من ندرة الوثائق المعاصرة.
ومن هنا فإن اختباري للتقويم لا يقوم أساسًا على انتظار شهادة بيزنطية أو سريانية تؤكد كل تاريخ إسلامي مبكر، وإنما على تراكم مجموعة من الأدلة: البنية الفلكية للتقويم، أسماء الشهور ودلالاتها، مواضع الأشهر الحرم، معنى النسيء، النصوص الدينية، القرائن المناخية، وطريقة انتظام الأشهر داخل السنة.
وأرى أن قوة هذه القرائن مجتمعة ينبغي أن تُناقش بذاتها، وبالمعيار نفسه الذي نناقش به أي بناء تاريخي أو مذهبي يعتمد على جملة من المقدمات والروايات والاستدلالات، لا على وثيقة خارجية واحدة حاسمة.
ولذلك فإن السؤال الأهم عندي ليس: هل توجد وثيقة غير إسلامية تسجل كل حدث من أحداث العصر النبوي؟ وإنما: هل يفسر النموذج الذي أقدمه المعطيات الفلكية واللغوية والتاريخية المتاحة بصورة متماسكة وقابلة للاختبار؟
إذا أمكن تقديم حالات تاريخية توجد فيها شهادات مستقلة مؤرخة بدقة، فهي بطبيعة الحال ستكون مفيدة جدًا في اختبار النموذج، وأنا لا أعترض على ذلك. لكنني لا أرى أن غياب هذا النوع من الشهادات عن كثير من أحداث المرحلة المبكرة يصلح وحده حجة ضد التقويم الذي أقترحه.
***
12. هناك اعتراض تاريخي صعب: إذا كان المسلمون قد عرفوا نظامًا مختلفًا ثم تغير، فكيف أمكن أن يضيع مع استمرار الصيام والحج ومراقبة الأهلة وتوارث الشعائر جيلًا بعد جيل؟ ولماذا لا نجد في المصادر المبكرة خبرًا صريحًا يقول إن طريقة حساب الشهور قد تغيرت؟ كيف تفسر هذا الصمت التاريخي؟
أرى أن السؤال يفترض مسبقًا أن النظام الذي استقر لاحقًا يحتاج إلى خبر صريح يعلن لحظة الانتقال إليه، بينما قد تكون المسألة قد جرت بطريقة مختلفة تمامًا. فالتقويم، في تصوري، لم يُلغَ بقرار واحد وفي سنة محددة، وإنما اندثر تدريجيًا نتيجة مجموعة من العوامل الدينية والسياسية والإدارية والاقتصادية.
المشكلة الأولى تتعلق بطبيعة المادة التاريخية التي وصلتنا من العصر المبكر. فنحن لا نملك توثيقًا متصلًا ومفصلًا لكل ما جرى في العقود الأولى، وقد ضاع جانب كبير من مواد العصر النبوي وما دوّنه شهوده. كما أن القسم الأكبر من المدونة التاريخية المعروفة دُوّن في مراحل لاحقة، وهو ما يجعل إعادة بناء بعض التفاصيل المبكرة أمرًا صعبًا. ومن هنا لا أرى أن غياب خبر صريح يقول: «في هذه السنة أُلغي نظام الكبس» دليل كافٍ على أن هذا النظام لم يكن موجودًا.
أما العامل الثاني فهو أن الأولويات بعد وفاة النبي ﷺ اتجهت أساسًا إلى تثبيت الدولة الجديدة وإدارة التوسع السريع الذي شهدته. وفي رأيي، لم تُنشأ في تلك المرحلة مؤسسة علمية مستقلة تتولى متابعة المسائل الدينية والحياتية التي تحتاج إلى ضبط مستمر، ومنها التقويم. ومع اختفاء وظيفة القلامسة وعدم وجود جهة تتولى ما كانوا يقومون به من حساب وتقويم، تُركت الأشهر تسير من دون آلية للكبس.
ولهذا لا أرى أن السؤال الصحيح هو: من الذي ألغى التقويم العربي، وفي أي سنة؟ الأدق أن نسأل: لماذا لم تستمر الجهة التي كانت تتولى تقويم السنة في أداء وظيفتها بعد حجة الوداع؟ فالرسول ﷺ، بحسب قراءتي، أعلن في حجة الوداع عودة ذي الحجة إلى موقعه الصحيح. وبعد وفاته بقليل، كان المطلوب، بعد مرور سنتين أو ثلاث، إجراء الكبس عند الحاجة. لكن ذلك لم يحدث، ولم تُنشأ هيئة تقوم مقام القلامسة، ولم يُفرَّق بوضوح بين الوظيفة الفلكية للكبس وبين النسيء المحرّم المتعلق بالتلاعب بحرمة الأشهر.
وتدل مسألة اعتماد التأريخ الإداري نفسها، في رأيي، على أن تنظيم الزمن لم يكن أولوية منذ البداية. فالرواية المعروفة عن شكوى أبي موسى الأشعري من وصول كتب لا تحمل تاريخًا، وما ترتب عليها من التفكير في اعتماد تأريخ للدولة في عهد عمر، تكشف أن الحاجة الإدارية هي التي دفعت إلى تنظيم التأريخ بعد أن اتسعت الدولة. ومن هنا أرى أن التعامل مع التقويم كان في جانب منه استجابة للحاجة العملية أكثر منه استمرارًا لمؤسسة تقويمية سابقة.
ثم جاءت التحولات الاقتصادية الكبرى بعد الفتوحات لتقلل الحاجة العملية إلى التقويم العربي القديم. فالعرب الذين كانت حياتهم مرتبطة برحلات التجارة الموسمية والأسواق ومناخ الجزيرة انتقل قسم كبير منهم إلى العراق والشام ومصر، وأصبحت إدارة الزراعة والخراج تعتمد على التقاويم الشمسية المحلية المعمول بها في تلك البلاد، كالقبطي والسرياني والفارسي. وهكذا لم يشعر المجتمع الجديد بالحاجة الملحّة إلى إعادة بناء نظام الكبس العربي القديم.
وبمرور الوقت، أدى الجمع بين اختفاء الجهة المتخصصة بالتقويم، والالتباس بين الكبس الفلكي والنسيء المحرّم، والتحولات السياسية والاقتصادية الكبرى، إلى أن يستقر العمل على الشهور القمرية من دون كبس. ومن ثم انفصلت الأشهر تدريجيًا، في قراءتي، عن المواقع الموسمية التي كانت مرتبطة بها.
لهذا أرى أن اندثار التقويم العربي كان عملية تاريخية تدريجية، لا قرارًا اتخذه شخص بعينه في لحظة بعينها. وقد يكون هذا تحديدًا هو السبب في أننا لا نجد في المصادر خبرًا واحدًا يعلن تغيير النظام: لأن التغيير لم يقع، بحسب تصوري، على هيئة إعلان رسمي، وإنما حدث عندما توقفت آلية التقويم عن العمل ولم توجد مؤسسة تتولى استمرارها.
***
13. أطروحتك لا تبقى مسألة تاريخية مجردة، لأنها تمس عبادات حاضرة. فإذا كنت ترى أن رمضان في التقويم المتداول لا يقع في موضعه الأصلي، فكيف تنظر إلى صيام المسلمين اليوم؟ وكيف تجمع بين نقد الموعد وبين دعوتك إلى الصيام مع الجماعة حفاظًا على وحدة الأمة؟ وهل تعد ذلك حكمًا شرعيًا، أم موقفًا عمليًا إلى حين حسم المسألة جماعيًا؟
آثرت الإجابة مبكرًا عن هذا السؤال لأنه يبين أنكم ربما تعودون إلى مدونة قديمة عُدّل بعض ما جاء فيها منذ زمن بعيد، كما سيتضح. فهناك مقالات وكتب أحدث تتضمن أقوالنا النهائية في هذه المسائل، ونحن، وكل من يقتنع بكلامنا، نلتزم بهذه الأقوال منذ زمن. وأؤكد هذه النقطة لأن بعض من يثيرون الضجيج في مسألة التقويم، كما تبين لنا، لا يصومون أصلًا، أو لا يلتزمون بما ينادون به، بل إن بعضهم لا يفقه المسألة في أصلها.
يمكن تلخيص المسألة فيما يلي:
1. صيام شهر رمضان الحقيقي ركن من أركان الدين الكبرى الـ 19، (ترتيبه رقم 18)، فصيامه ملزم لمن شهده.
2. طالما لا يوجد أي مبرر لعدم صيام رمضان الحقيقي فقد وجب صيامه، كما هو مقرر شرعًا.
3. الأركان الملزمة للأمة مقدمة على الأركان الملزمة للفرد، ومنها وحدة الدين ووحدة الأمة، ولكن هذه الأمة لا وجود لها الآن، وربما لن توجد أبدا إلا لفترة استثنائية، ولذلك فإرجاء صيام رمضان الحقيقي لا يعني إلا إبطال هذا الركن.
4. لا توجد عمليا أي مشكلة في أن يصوم رمضان الحقيقي أيُّ مسلم في الدول الأجنبية، بل إنه يقدم لهم حلا عمليا لمسألة طول ساعات الصيام الشديد في الصيف وقصرها الشديد في الشتاء.
5. لا توجد عمليا أي مشكلة في أن يصوم رمضان الحقيقي أيُّ مسلم في الكثير من الدول المحسوبة على الإسلام، بل إنه يقدم لهم حلا عمليا لمسألة طول ساعات الصيام الشديد في الصيف وقصرها الشديد في الشتاء.
6. إذا وجد أي مسلم نفسه في مشكلة خطيرة في بلد محسوب ظلمًا على الإسلام بسبب صيام شهر رمضان الحقيقي، فدفع المضرة مقدم على جلب المنفعة.
السؤال التقليدي:
هل حقًّا تصومون رمضان الحقيقي ولا تصومون رمضان غير الحقيقي؟
الجواب: كل من علم حقيقة الأمر ووصله البلاغ المبين، ملزم بصيام رمضان الحقيقي، ولا يجوز له صيام رمضان غير الحقيقي.
ولا يحق لأحد أن يجعل من نفسه محكمة تفتيش على الآخرين في أمور الدين.
نحن نقول مثلًا: ذكر الله هو ركن الدين الجوهري، القيام بحقوق الأركان من قراءة وتلاوة وتدبر وتفكر ركن مقدم على إقامة الصلاة.
ليس من حقّ أحد أن يسألنا:
هل حقًّا تذكر الله؟
هل حقًّا تقرأ القرآن؟
إذًا، فما هو حكم من يصومون رمضان غير الحقيقي؟
جوابي هو أن هذه الأمة أضاعت جل الدين، ولم تبق منه إلا قشورا لا تنتج إلا منافقين وجهلة وفسقة ومعدومي الضمير، وقد اقترفوا على مدى التاريخ كل ما هلكت الأمم السابقة بسببه، وأصبحوا مجرد أدوات شيطانية لصد الناس عن سبيل ربهم، فكل المطلوب هو الاستعاذة بالله من شرهم.
ومع ذلك يوجد بعض المسلمين الطيبين، ذوي النفوس الخيرة، فأولئك عسى ربهم أن يرحمهم، وله سبحانه طرقه العديدة التي ينجي بها عباده المخلصين، فهو لطيف لما يشاء، وهو العليم الحكيم.
***
14. ما الذي يمكن أن يفنّد أطروحتك؟ بمعنى آخر: ما الدليل التاريخي أو الحساب الفلكي أو النص الأصلي الذي لو ثبت على نحو قاطع مخالفًا لنتائجك لقلت إن النظرية تحتاج إلى تعديل جوهري أو إنها غير صحيحة؟ وما المصادر والحسابات التي تنصح الباحث أو المشاهد بالرجوع إليها حتى يستطيع اختبار الأطروحة بنفسه، لا أن يكتفي بالثقة بك أو بمخالفيك؟
قدّمنا نظريتنا، وهي بنيان واسع يتداخل فيه عدد من المجالات، ولها أدلة تتجاوز الثلاثين. ولا يمكن عرض ذلك كله في حوار موجز. ومن يستطيع أن يقدم نقدًا أو اعتراضًا على عبارة وردت فيها فليقدمه؛ ونحن نرى أنهم لم يفعلوا، ولن يفعلوا.
فليس في جعبتهم، في رأينا، إلا الشتائم والاتهامات. وهذا، من وجهة نظرنا، مبلغ ما تعلموه من أديانهم الشركية الإقصائية التي لا دين فيها أصلًا، ولا قيم إنسانية، ولا حتى مفهوم مقبول عن الله والرسول والرسالة.
كل ما لديهم من دليل هو: «إن نتبع إلا ما ألفينا عليه السلف».
هذه النظرية جديدة، وغير مسبوقة، ويوجد الآن مجتهدون عديدون في هذا المجال، وكلهم يشتركون في الأدلة، ولكن الاختلاف هو في طريقة التقويم، طبقًا لنظريتنا بدأ شهر رمضان يوم 13 سبتمبر، هناك من يقول: بل سيبدأ يوم 12 أكتوبر، وقد قمنا بدحض كلامهم ببراهين ساطعة.
***
15. أخيرًا، إذا صح جانب أساسي من هذه الأطروحة، فما الذي يترتب عليه فعلًا؟ هل يمتد الأثر من رمضان إلى الحج والأشهر الحرم وليلة القدر وإعادة تأريخ بعض أحداث التاريخ الإسلامي؟ وما العلامات التي يستطيع الإنسان العادي التحقق منها بنفسه؟ وإذا خلص بحث علمي وشرعي واسع إلى ضرورة مراجعة التقويم، فكيف يمكن أن تتم هذه المراجعة بصورة مؤسسية وتدريجية تحفظ وحدة المسلمين، ومن الجهات العلمية والشرعية والفلكية التي ينبغي أن تشارك فيها؟
لا يمكن مطالبة صاحب أي مهنة بأن يعمل بما يؤدي إلى بوار مهنته والقضاء عليها. ويمكن النظر إلى أمثلة تاريخية عديدة على مقاومة أصحاب المصالح للتغيير:
في الدولة العثمانية قاوم الخطاطون بضراوة إدخال المطبعة، وأيدهم شيوخ اللاإسلام العثمانيون، مما أدى إلى الكوارث التي يعاني منها المحسوبون على الإسلام إلى اليوم. وفي مصر قاوم السقاؤون بضراوة إدخال صنابير المياه في المساجد وأيدهم مشايخ المالكية والشافعية والحنابلة، ولم يفتِ بإمكان استعمالها إلا الحنفية، فأصبح الصنبور يُسمى في مصر «حنفية» إلى الآن.
وفي مصر أيضًا قاوم المشايخ بضراوة محاولات الحكام إدخال أي شيء من لوازم الحضارة الحديثة، بما في ذلك بناء جيش على النمط الحديث، أيام محمد علي، وإلى الآن مازالوا يقاومون إصلاح قوانين الأحوال الشخصية التي عمت بها البلوى؛ في الطلاق والميراث.
ولا وجود في العالم المحسوب على الإسلام لما يُسمَّى بجهات علمية شرعية، يوجد جهات لضمان استمرار اتباع الناس للتراث السلفي، فهي بالأحرى جهات جهلوتية مضادة للعلم وغير شرعية، ولا يستمدون قوتهم إلا من الغوغاء والدهماء.
كما لا يوجد أصلًا أي شيء اسمه «وحدة المسلمين»، ولا يجوز اتخاذ ذلك ذريعة لدحض الحق وإحقاق الباطل وعرقلة الإصلاح.
أما مسألة إعادة تأريخ بعض أحداث التاريخ الإسلامي استنادًا إلى تقويم قويم، فهي ممكنة وبسيطة، ولكن لا جدوى منها أصلًا.
الكتب التراثية بما فيها من تواريخ يجب ألا تكون مجالا للتعديل والتغيير.
التواريخ الميلادية الجريجورية لأحداث التاريخ معلومة، والمؤرخون الحقيقيون هم المنوط بهم تحسينها.
ليس ثمة حاجة إلى إعادة تصحيح كل التواريخ الماضية أو استبدال التقويم الصحيح باللاتقويم الخاطئ (رغم أن هذا اللاتقويم الخاطئ لا معنى له ولا نفع منه ولا قيمة له أصلًا، ومن الأفضل إلغاؤه)، يكفي فقط التحديد الصحيح كل عام لرمضان وأشهر الحج.
يكفي المسلم أن يعلم التوقيت الصحيح لبدء شهر رمضان، ومنه سيعلم بكل سهولة بدء شهر ذي الحجة، أو العكس، وهذا لا يستلزم أي حسابات فلكية معقدة، يكفي أن يعلم توقيت الاعتدال الخريفي أو الانقلاب الشتوي. أما اللاتقويم المستعمل حاليا فيجب التخلص منه فورًا توفيرا للوقت والنفقات الباهظة.
أعتقد أنه بذلك غطينا ما ورد في الأسئلة. ونشكركم على الاهتمام بهذه المسألة. ونرجو لكم من الله التوفيق.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




