ترجمة: لولوة العيدان
مع التغيرات التي يشهدها العالم، تحتاج المنظمات والأفراد داخلها إلى علاقات وثيقة لتحقيق النجاح.
عندما انضم عالم النفس الاجتماعي إدغار شين إلى كلية سلون للإدارة التابعة لمعهد ماساتشوستس للتقنية في الخمسينيات، كانت الكلية قد أطلقت للتو تجربتها العظيمة في تدريس الإدارة من خلال التخصصات الرسمية؛ مثل الرياضيات وعلم النفس الاجتماعي والاقتصاد والتاريخ. كان ذلك تحولًا جذريًّا عن شرح “ممارسة الإدارة” من خلال حالات دراسية يُدَرّسها أساتذة كانوا يعملون مديرين في معظم حياتهم المهنية. ولقد أشعل النهج الجديد شرارة تعاون وثيق غير متوقع وفكر عميق ومبتكر حول القيادة وثقافات المجموعات والتغيير التنظيمي؛ وهي كلها مجالات دراسية ناشئة في ذلك الوقت. وفي هذه البيئة شرع إيد وزملاؤه فيما أسموه “ربع قرن مثير من بناء النماذج”، وهو ما ساعد في تحديد طريقة تفكير الناس وتفاعلهم مع المنظمات.
وبعد عقود من الزمان في عصر رقمي، يقول إد إن الوقت قد حان لنموذج جديد؛ نموذج مبني على العلاقات المهنية الوثيقة والانفتاح والثقة. وقد عمل هو وابنه بيتر شين المتعاون معه على هذا النموذج على مدى السنوات القليلة الماضية. وبعد حصوله على شهادة في علم الإنسان وماجستير في إدارة الأعمال، قضى بيتر معظم مسيرته المهنية في منصب مدير تنفيذي للاستراتيجية في عديد من الشركات في وادي السيليكون. في عام ٢٠١٥م، قرر الانضمام إلى إد في تحليل ووصف التغييرات الجارية مع ازدياد تعقيد مهام الإدارة وترابطها وتقلبها. يقدمان في هذه المحادثة وجهات نظرهما حول الحياة التنظيمية، وتاريخًا موجزًا للأفكار التي أدت إلى هذه اللحظة وأفكارهما حول المستقبل.
إد شين: بيتر، دافعت في عملنا المشترك الأخير عن الجمع بين الثقافة والتغيير والقيادة في عملية متكاملة بدلًا من النظر إليها بوصفها ثلاثة موضوعات منفصلة ذات أهمية. لماذا هذا النهج؟
بيتر شين: يؤمن معظم الذين يعملون في الشركات الكبرى والصغرى بأهمية الثقافة. سواء أكانت قوة دافعة للاستراتيجية أم لا، فإن الثقافة التي تشكل الأساس العميق للعمل؛ قد تكون قمعية ومُلهمة وإيجابية، أو سلبية. وهي لا تتغير عندما تمر شركاتنا بفترة سيئة أو عندما نعلن “لدينا مشكلة ثقافية”. ومن المؤكد أن المخاوف الثقافية للمنظمات تختلف من بيئة إلى أخرى؛ فقد تقلق الشركات الناشئة بشأن بناء الثقافة الصحيحة؛ وقد تقلق المنظمات في منتصف العمر بشأن كيفية دمج الثقافات الفرعية المهنية والاجتماعية، وغيرها التي غالبًا ما تتعارض مع أهدافها؛ وقد تركز المنظمات كبيرة السن مثلًا على كيفية خلق ثقافة الإبداع، أو ثقافة إشراك الموظفين مع تراجع الاستقرار نحو الجمود واللامبالاة. مع ذلك، فإن الثقافة هي القوة العظمى التي تجعل المنظمات تستقر في أثناء نضجها، ولا يمكن التلاعب بها بتدابير سريعة مثل مراجعة بيان المهمة؛ فالثقافة تستمر عبر مراحل النمو. وتستغرق مبادرات التغيير التي تغير مجازيًّا لون الجدران وقتًا طويلًا لتغيير المعتقدات الراسخة التي وضعت تلك الجدران في البداية.
ولكن المنظمات لا بد وأن تعمل في عالم يتغير باستمرار. وتتطور عمليات العمل لدينا استجابةً للتغيرات السريعة في الظروف الاقتصادية الكلية والصغرى. ويحدث كثير من جمع البيانات وصنع القرارات الآن بسرعة البرق، في حين أنه كان يحدث سابقًا بسرعة الصوت؛ أي بسرعة الحوار والتأمل.
في هذا السياق، إذا نظرنا إلى التغيير كمُتَسَلْسِل خطي أو كتحولات تحدث على شكل خطوات مفاجئة، أي إذا اعتقدنا أن لدينا الوقت للتوقف والتغيير والاستئناف مع تطور الأحداث، فقد نتأخر. على الرغم من أن نماذج التغيير الخطية والهابطة قد لا تزال تعمل في تدفقات الإنتاج البسيطة، فإنها غالبًا ما تقتصر على تعديل أو إضافة أو تحسين العمليات الحالية، ومن غير الواضح إلى متى يمكن للبشر أن يضيفوا هذا النوع من القيمة قبل أن يتفوق الذكاء الاصطناعي في أداء هذه المهام بكفاءة أكبر.
ربما يكون من الأفضل لنا أن نفكر في التغيير بوصفه شكلًا موجيًّا لا توجد فيه حالات انتظار، بل مجرد مد وجزر متغيرين يمكننا أن نبذل قصارى جهدنا لإدارتهما. وأنا آمل أن يتفوق البشر على الذكاء الاصطناعي عندما يتعلق الأمر بالتكيف المستمر مع السياقات المتغيرة في أربعة أبعاد، في حين تتفوق الأتمتة في الضبط الدقيق في ثلاثة أبعاد.
إنني أشعر بالفضول والتفاؤل في الوقت نفسه إزاء النماذج الجديدة للعمل وتصميم المنظمات، حيث تحولت التسلسلات الهرمية وأوصاف الوظائف ومسارات العمل إلى عمليات مرنة من التكيف الدائم مع تغير الظروف، تمامًا كما يحول الكائن الحي تدفق الدم إلى الأعضاء الأكثر احتياجًا. وسوف تتطور المنظمات مع نضجها إلى عدد من الثقافات الفرعية. وسيؤثر التغير البيئي السريع في هذه الثقافات الفرعية تأثيرًا مختلفًا تمامًا، ومن ثم ستشكل عمليات التغيير القيادة الرسمية وغير الرسمية على حد سواء. لذلك، لا يمكننا النظر إلى هذه العوامل نظرًا منفصلًا.
إد شين: لقد تحولت القيادة أيضًا إلى عملية مرنة بدلًا من أن تكون شيئًا يتميز باللقب أو الموهبة، أو مثابرة الأفراد في مناصب السلطة الرسمية.
بيتر شين: نعم، يعكس ذلك ما نراه في جميع المنظمات. بالنسبة للبعض اليوم، وبالنسبة لكثير منا قريبًا، يجري العمل في مجموعات ومشاريع بأعضاء متغيرين وأدوار جديدة تتطور باستمرار مع زيادة تعقيد المهام وترابطها. وقد نرى القيادة على أنها تحسينٌ جديدٌ في أداء العمل؛ سواء كانت استراتيجية جديدة أو منتجًا أو خدمة جديدة أو طريقة جديدة لمجموعة ما لإدارة اجتماعاتها واتخاذ قراراتها. إن القيادة بهذا المعنى تنبع من الحاجة، وبناء أنواع العلاقات التي من شأنها أن تجعل من الممكن تحقيق شيء جديد وأفضل، وتبني فكرة أن الدافع والعمل يمكن أن يأتيا من أي مكان في المنظمة أو مجموعة العمل. إن العلاقات التي نراها مزدهرة؛ ليس فقط بين الأقران في المنظمات الرسمية، بل أيضًا في التحالفات والنظم البيئية، تعزز الانفتاح والثقة لتعظيم تدفق المعلومات وتحسين عملية اتخاذ القرار.
نتحدث عن أهمية العلاقات طوال الوقت. إد، لقد زعمت مرارًا وتكرارًا أن تحسين العلاقات يتطلب تطوير فهم أكثر ثراءً لمستويات العلاقات والأنواع المختلفة وكيفية عملها. كيف نفعل ذلك؟
إد شين: إن أعماق علاقات العمل تعكس في الأساس فئات واسعة نشأت في كل المجتمعات. وما أطلقنا عليه علاقة المستوى سالب ١ وهو في كلمة واحدة يعني الهيمنة. وتوجد هذه الهيمنة عندما يمارس شخص مسيطر سلطة مطلقة ويخضع الشخص الآخر، كما هي الحال في المصانع الاستغلالية أو السجون.
إن أغلب علاقاتنا؛ سواء في العمل أو في المجتمع المدني، ليست غير متكافئة إلى هذا الحد، ولكنها تميل إلى أن تكون منعزلة وتعاملية. وفي هذه العلاقات من المستوى الأول، نتعلم أن نؤدي أدوارًا مختلفة من أجل التعايش مع الآخرين وإدارة شؤوننا اليومية. ويُعزَّز هذا المستوى في العمل من خلال التصميم التنظيمي؛ حيث يُوظَّف الموظفون لمهاراتهم اللازمة للوفاء بأدوار محددة بوضوح، ومن المتوقع منهم الحفاظ على مسافة اجتماعية ومهنية مناسبة من أقرانهم، ومن الأشخاص الأعلين أو الأدنين في التسلسل الهرمي.
إننا على دراية تامة بالثقافة الإدارية التي تصاحب هذا التصميم عادة. فإذا كان العمل ملائمًا لمثل هذا التعريف الدقيق للأدوار، فإننا نقبله لأنه فعال حتى إن كان تجريده يجعلنا نطلق عليه وصف البيروقراطية (وربما نتذمر منه). ولكن الضعف الأساسي في العلاقات على المستوى الأول هو أن المسافة بين الأدوار -وحتى داخلها- تجعل من السهل للغاية على الموظفين بجميع المستويات، تجنب التواصل المفتوح وتعزيز عدم الثقة. ويصبح عدم التحدث أسهل وأكثر أمانًا عندما تُعد المنافسة المهنية أمرًا مفروغًا منه ثقافيًّا في نظام هرمي صارم. وهذا يجعل المنظمة عُرضة للعجز في الجودة والسلامة ورضا العملاء والإبداع. وبوسعنا أن نفكر في المستوى سالب ١ بوصفه علاقات سلطة والمستوى الأول بوصفه علاقات أدوار، ونؤكد أن أيًّا منهما لن ينجح في المستقبل.
سنحتاج بدلًا من ذلك إلى علاقات من المستوى الثاني، والتي يمكن وصفها بالعلاقات الشخصية. ونحن نرى هذه العلاقات الآن في نشأة ما أطلق عليه علماء الاجتماع التنظيم غير الرسمي، حيث ينشئ الموظفون والمديرون روابط أوثق لخلق تواصل أفضل وثقة أكبر. وفي العلاقات من المستوى الثاني، يختار الناس التعامل بعضهم مع بعض بوصفهم بشرًا كاملين، وليس مجرد شاغلين للأدوار، ما يقلل من المسافة النفسية حتى عبر الحدود الهرمية، كما يحدث عندما ينشئ مسؤول تنفيذي رفيع المستوى علاقة شخصية مع مهندس من مستوى الموظفين العاديين، وبالتالي يكتشف ما يجري حقًّا في المنظمة.
مع ازدياد تعقيد العمل وترابطه، وتحول المنظمات إلى كيانات عضوية ومرنة تتكون من مجموعات وفرق، يتعين على مديري المستقبل التعرف إلى موظفيهم لبناء قنوات تواصل فعالة وموثوقة وتعزيز الثقة المتبادلة، ويجب على جميع أفراد المنظمة أن يشعروا بالأمان النفسي للتحدث عندما تواجههم مشكلة، وممارسة القيادة عندما يرون طريقة جديدة وأفضل لإنجاز شيء ما. لطالما فعل القادة والمديرون العظماء ذلك، لكنه لم يصبح جزءًا ضروريًّا من الثقافة الإدارية التقليدية؛ يجب أن يكون كذلك.
بيتر شين: لقد أمضيت مسيرة طويلة في مجال دراسات المنظمة. هل يمكنك أن تصف كيف توصلت إلى التركيز على العلاقات في عملك بمجال القيادة والثقافة؟
إد شين: لنبدأ بأول وظيفة لي بعد التخرج. بصفتي عالم نفس اجتماعي وضابطًا في معهد “والتر ريد” للأبحاث التابع للجيش، كُلِّفتُ بأن أكون جزءًا من فريق أعاد أسرى الحرب العائدين من معسكرات الاعتقال في كوريا الشمالية بعد الحرب الكورية. كانت وظيفتي تشخيص الاختلالات النفسية، وتقديم المساعدة في أثناء رحلة العودة التي استمرت ١٦ يومًا من كوريا إلى سان فرانسيسكو. كان أول ما وصلني مجموعة ضخمة من البيانات توثّق كيف عمد الشيوعيون الصينيون، في أوائل الخمسينيات، إلى تلقين بعض السجناء المدنيين في البرّ الرئيسي . وحملوا عددًا صغيرًا من أسرى الحرب على التعاون مع العدو، وتزويد الصينيين ببعض الدعاية المفيدة. كانت هذه التجربة متوافقة مع اهتماماتي البحثية في التأثير بين الأشخاص، وأوضحت ما تنطوي عليه علاقة المستوى سالب ١.
لقد قادني هذا إلى سنواتي الأولى في كلية إدارة الأعمال الصناعية التابعة لمعهد ماساتشوستس للتقنية -وهو اسم المعهد قبل أن يدعى “سلون”- عندما وظفني دوغلاس ماكجريجور، أحد أبرز منظري القيادة في عام ١٩٥٦م، لإدخال علم النفس الاجتماعي في تدريب الإدارة العليا، وقد ضمني إلى أولى “المجموعات الساخنة” العديدة التي كانت تتشكل هناك. وقد انضممت إلى وارن بينيس وريتشارد بيكهارد، اللذين أصبحا من أهم المرشدين لي في تعريفي بالتعلم التجريبي. وكانت مختبرات تدريب العلاقات الإنسانية التي نشأت عن أبحاث كيرت لوين حول ديناميكيات المجموعة في معهد ماساتشوستس للتقنية، قد طورت أساليب التعلم التجريبي لمساعدة المديرين على تطوير مهارات مراقبة وإدارة العمليات الجماعية والشخصية. كنت أعتقد في البداية أنني أعرف كل شيء، لذلك قاومت فكرة المشاركة في هذه التجربة. ثم اكتشفت لاحقًا أن التعلم التجريبي أكثر قوة من التعلم النظري؛ من خلال المحاضرات والقراءات وحالات الدراسة. كما أدركت أن بإمكاني أن أكون مدربًا فعالًا لهذه المجموعات، ورأيت في مجموعات التدريب هذه كيف يمكن لعدد من الغرباء، الانتقال بسرعة فائقة من علاقات من المستوى الأول إلى المستوى الثاني.
ثم افترضت أن جوهر الإدارة والقيادة الجيدة يكمن في قدرة ورغبة الأشخاص في هذه المناصب في مراقبة وفهم وإدارة علاقاتهم مع رؤسائهم ومرؤوسيهم وزملائهم. لقد رأيتُ أن المستوى الثاني هو العلاقة المناسبة بين المدير والموظف قبل أن يُسمَّى على هذا النحو. لم أدرك إلا مؤخرًا الحاجة إلى نموذج واضح لعمق العلاقات الذي يعكس كيف يعلّمنا المجتمع التمييز بين العلاقات الاستغلالية والبيروقراطية والشخصية والحميمية.
وبينما كان كل هذا يحدث في معهد ماساتشوستس للتقنية، علمت أن المؤسسات تقدر كثيرًا ما كنا ندرسه؛ فكانوا يستعينون بنا لإلقاء المحاضرات والمشاركة في الاستشارات للمساعدة في حل القضايا المتعلقة بحياتهم المهنية وإدارتهم وقيادتهم. ولم يكن من الصعب أن أنقل اهتمامي بالتلقين إلى مسألة كيف استطاعت الشركات التأثير في الموظفين الجدد لتبني نظام القيم المؤسسي.
بيتر شين: كيف يرتبط كل هذا بإسهاماتك في مجالات التطوير المهني وإدارة المواهب وأفكارك حول الثقافة؟
إد شين: لقد وجدت كثيرًا من الأمثلة على التأثير القوي للشركات في بحثي، ولكنني وجدت أيضًا أن الناس يمكنهم بسهولة مقاومة هذا التأثير؛ من خلال ترك شركة أو ترك صناعة بالكامل، للعمل كمدرسين أو مستشارين. وقد أدى ذلك إلى دراسة كبيرة تابعتُ فيها ٤٤ من خريجي معهد ماساتشوستس للتقنية، واكتشفت أنه في أول ١٠ إلى ٢٠ عامًا من حياتهم المهنية، يستخدم الناس تجاربهم لبناء صورة عن هويتهم وما يحفزهم وما يجيدونه، وما قيمهم الأساسية التي أصبحت تسمى مرساة المهنة. بمجرد أن يطور الخريجون المشاركون في الدراسة مثل هذه الصورة الذاتية، فإنها ترسخ قراراتهم المهنية وتنظم حياتهم العملية.
وللتعمق في دراسة هذه القضايا، انضم إليّ لوتي بايلين وجون فان مانين، اللذان عملت معهما عملًا مكثفًا لأكثر من عقدين في مجال التطوير المهني، ودور المرأة في مكان العمل، والوظائف المزدوجة، والتوازن بين العمل والحياة، ومواضيع مختلفة ذات صلة تشكل في مجموعها مجال التطوير المهني. وقد أسهمت وجهات نظرنا المختلفة وقدرتنا على العمل معًا بشكل وثيق في ربع قرن، في بناء النماذج التي استعانت بشكل متساوٍ بعلم النفس وعلم الاجتماع.
لقد نشأت أغلب خدماتي الاستشارية في السنوات الأولى من اهتمامي بتطوير المهنة، ومن وجهة نظر المنظمة، والتنشئة الاجتماعية للموظفين الجدد وإدارة المواهب. لقد كتبت ورقة بحثية حول كيف كانت الوظيفة الأساسية لقسم شؤون الموظفين، والتي كانت تسمى آنذاك العلاقات الإنسانية، هي المهمة الصعبة المتمثلة في التوفيق بين احتياجات الموظف الفرد مع احتياجات المنظمة. لقد طبق علماء علم الإنسان مفهوم الثقافة على المجتمعات الحديثة وغير المتعلمة لفترة طويلة، ولكن أصبح من الواضح لي، أن ما علمته الشركات لموظفيها الجدد يمكن وصفه أيضًا بثقافة الشركة. ولقد لاحظت بعد ذلك كيف أن كل منظمة ناشئة لديها نظام قيم قوي يتعين على الموظفين الجدد أن يتكيفوا معه. فإذا نجحت المنظمة، فإن ما بدأ بعدِّه قيم المؤسسين سرعان ما أصبح أمرًا مسلمًا به كأساس لنجاح المنظمة، وبعد فترة وجيزة أصبح ثقافة المنظمة. ثم لاحظت أيضًا أن عملية بناء نظام القيم الأساسية الذي تطورت حوله قواعد ومعايير السلوك؛ لم تنطبق على المنظمات فحسب، بل على مختلف المهن والوظائف أيضًا؛ مثل الهندسة والطب والقانون وأشكال مختلفة من الوزارات، وما إلى ذلك.
لقد شعرت لسنوات عديدة بأن دراسات المنظمة في كلية سلون، وفي أغلب كليات إدارة الأعمال، تهيمن عليها علوم النفس. ومع وصول جون فان مانان، تمكنّا من توسيع نطاق تركيزنا وبناء برنامج دكتوراه حول الأساليب الإثنوغرافية. وقد أدى ذلك إلى ظهور سلسلة من حاملي الدكتوراه الذين تبنوا وجهة النظر هذه في عديد من كليات إدارة الأعمال الكبرى الأخرى، وجلبوا تدريجيًّا رؤى اجتماعية وإنسانية ضرورية للغاية في هذا المجال.
أدركنا أن عملية تعليم الموظفين الجدد هي في الأساس العملية نفسها التي تستخدمها المجموعة لتعليم أعضائها الجدد ثقافة تلك المجموعة. ولضمان بقائها واستمرار نموها، وجب على المنظمة توظيف وتدريب موظفين يتمتعون بالمواهب والاهتمامات المهنية المناسبة.
بيتر شين: من هذا المنظور، لطالما ارتبطت الثقافة بالقيادة.
إد شين: يحدد المؤسسون ورواد الأعمال النبرة في أثناء تشكيل منظماتهم الجديدة، لذا؛ فإن القادة يخلقون الثقافة بوضوح منذ البداية. ولكن مع نضوج هذه المنظمات، أصبح نوع القادة الذين تختارهم هو الذي يحدد ثقافتها. فهم يطورون فكرة واضحة للغاية عن نوع القيادة المفترض أن تكون في تلك البيئة، ويختارون الأشخاص الذين يطابقون هذه السمات للوظائف العليا. ويحدث الشيء نفسه في جميع الرتب. تستعين المنظمة الشابة بمجموعة متنوعة من المواهب لتحقيق النجاح، ولكن مع تقدمها في السن، تكتسب معتقدات قوية، تتجلى في أوصاف الوظائف حول أنواع المواهب المطلوبة، ثم توظف هؤلاء الأشخاص فقط. تصبح إدارة المواهب في المنظمات الناضجة عملية دقيقة تتمثل في إعادة إنتاج الثقافة نفسها، وتوظيف الأشخاص الذين “ينسجمون” مع الثقافة التقنية (كيفية إنجاز المهام) والثقافة الاجتماعية (كيفية عمل العلاقات داخل المنظمة). عندما تتغير البيئة الخارجية أو الثقافة الكلية، تصل المنظمات إلى لحظة الحقيقة: نحتاج إلى الابتكار، لكننا لا نستطيع إقناع موظفينا بالقيام بذلك! إذا فهمنا كيفية عمل الثقافة، فلن يكون هذا مفاجئًا، وقد تمكنت بعض المنظمات الكبيرة من الابتكار؛ من خلال السماح لوحدات البحث والتطوير الخاصة بها بالحرية في تطوير ثقافاتها التقنية والاجتماعية.
ولكن يكفي الحديث عن كيفية وصولنا إلى ما نحن عليه الآن… بيتر، لقد كنت هنا في وادي السيليكون منذ الأيام الأولى للإنترنت. إنه أحد تلك الأماكن التي يبدو أنها تدور حتمًا حول تحديد المستقبل أكثر من قبوله. عندما نفكر في وجهة نظرنا التكاملية للمنظمات، ما الذي تراه هنا، والذي يمنحك الأمل أو القلق بشأن مستقبل المنظمات؟
بيتر شين: دون أن أمنح شركات التقنية الجديدة كثيرًا من الفضل، أود أن أقول إنه من الصحيح أن المبدعين هنا أحدثوا ثورة في كل من أدوات وعمليات العمل، وهناك كثير من الأمثلة. إن مصطلحات مثل “الارتباط غير المحكم” و”التوافق الوثيق” و”الفشل السريع” و”حقل تشويه الواقع” و”الصراحة الجذرية”، كلها نقاط صغيرة من الضوء في سماء ليلية معقدة، تعكس فكرة بسيطة مفادها أننا نستطيع العمل بذكاء أكبر.
يصف صديقنا وزميلنا في معهد “بالو ألتو” للمستقبل، بوب جوهانسن، المنظمات “متغيرة الشكل” في المستقبل، مُلخِّصًا الفكرة الأساسية، بأن الهياكل التنظيمية الثابتة هي في أفضل الأحوال عفا عليها الزمن في عام ٢٠١٩م. ويمكن رؤية فكرة تغيير الشكل هذه في نظام الحوكمة الذاتية، وهو جهد مثير للاهتمام من جانب شركة “زابوس” لتجارة الملابس عبر الإنترنت، وغيرها من المنظمات لتحرير الإبداع من معايير القيادة والسيطرة التقليدية. وبالنسبة لكثير من الناس، قد يكون هذا متطرفًا للغاية، بل إن الشركات العالمية متعددة الأوجه قد تعدّه دون أهمية. ومع ذلك، لا يوجد سبب قاطع يجعل الأفكار وراء نظام الحوكمة الذاتية -وهو مجرد نهج واحد للفرق الديناميكية المؤقتة التي تدير نفسها- ولا ينبغي أن تُتَّخذ إطارًا موجّهًا للعمل في أي منظمة، كبيرة كانت أم صغيرة على افتراض أن كبار القادة وقادتهم الرئيسين قد أسسوا الثقة والانفتاح على المستوى الثاني، وأنهم على استعداد للتخلي عن السيطرة الهرمية. أعتقد أن الصراع بين درجات السيطرة مقابل درجات الحرية، هو صراع مركزي للشركات المبتكرة الناشئة التي تحاول الوصول إلى مرحلة النضج، لتصبح شركات متعددة المنتجات والأقسام، ومربحة على المدى الطويل.
إن التطور المثير للاهتمام الآخر هو شعبية الأهداف والنتائج الرئيسة لمساعدة المنظمات على إحراز تقدم في تحقيق أهدافها. توفر مجموعة كبيرة من شركات برامج إدارة الموارد البشرية؛ منها منصة “أتيم” و”ويكدون”، منصات للأفراد والفرق لمشاركة أهدافهم ونتائجهم الرئيسة مع زملائهم، على أساس النظرية القائلة إن الجميع يستفيدون من معرفة موقف الجميع. هذا النموذج هو تكرار أحدث لبناء اجتماعي تقني مألوف يسعى إلى ربط أهداف وتطلعات جميع الأفراد في مجموعة عمل أو منظمة ككل، بالضرورات الاستراتيجية الرئيسة للمنظمة. تتضمن الأهداف والنتائج الرئيسة تقاسم الأولويات والمشاريع والتقدم، صعودًا وهبوطًا وجانبيًّا، استخدمها آندي جروف كرئيس تنفيذي لشركة “نتل”، وقدمها رجل الأعمال جون دور إلى “جوجل”. الاختصار التكميلي للأهداف والنتائج الرئيسة هو CFR، والذي يرمز إلى المحادثات (conversations) وردود الفعل (Feedback) والتقدير (ٍRecognition). مع ضرورة المحادثة التكميلية هذه، إطار إداري يستلهم لغة إنسانية وقيمًا تنبع من صميم التجربة البشرية. قد نصل إلى تقدير أن العملية هنا تكمن في ربط الفوائد التقنية المتمثلة في الرؤية والقدرة على التنبؤ والمساءلة، بالفوائد الاجتماعية المترتبة على المشاركة والانخراط. وقد يثبت هذا أنه خطوة إيجابية للغاية إلى الأمام، وإن كان ربما لا يحل مغالطة الشفافية. قد تبدو الشفافية كأنها فائدة إنسانية في التخلص من الأسرار والأعمال غير المشروعة، ومع ذلك فقد لا تكون ذات قيمة إلا عندما تكون متطلبًا في مجموعة، أو منظمة تفتقر إلى الانفتاح والثقة. مرة أخرى، نرى الصراع بين الحرية والسيطرة؛ وهو ما يتجسد بشكل مماثل في مفارقة CFR. إذا كان الهدف الأساسي هو المشاركة المفتوحة فيما يسير على ما يرام، وما يحتاج إلى تغيير، فقد تكون CFR فعالة للغاية في تسريع النتائج. ومع ذلك، إذا كان التركيز الأكبر على تقديم الملاحظات، فقد يكون هذا مجرد واجهة لتحقيق هدف أعمق؛ وهو السيطرة المركزية.
لقد ذكرت سابقًا القيمة العالية التي توليها المنظمات للسرعة. وإذا تعلمنا أي شيء في مهد الابتكار، فهو أن السرعة مهمة حقًّا. قد تعمل الابتكارات الاجتماعية والتقنية على إعادة تنشيط الإنسانية في العمل الإبداعي، ولكن إذا كان أيٌّ من هذه الابتكارات في العمليات يبطئ الوتيرة، فيمكننا أن نتوقع أن الخطوة الكبيرة التالية سوف تهدف إلى تسريعنا مرة أخرى. قد يرى قائد جديد طريقة للقيام بشيء جديد وأفضل، مبني على الثقة والانفتاح والتأمل. نعتقد أن هذا يحدث كثيرًا (كما يلاحظ فريدريك لالوكس، “هناك شيء ما على وشك الحدوث”). ومع ذلك، فإن من الرياح المعاكسة التي ستواجهها المنظمات في سعيها إلى تكييف ثقافتها الاجتماعية؛ تفضيل الثقافة الكلية للسرعة على التأمل. هذه القوى في توتر دائم. سيحتاج كبار القادة؛ خصوصًا أولئك الذين يشرفون على التنمية التنظيمية، إلى الاستمرار في التفكير؛ مثل علماء الإثنوغرافيا والمراقبين المشاركين للحصول على المزيج الصحيح.
حسنًا، يا إد، يثير هذا ملاحظة وسؤالًا أخيرًا: لأسباب وجيهة عديدة، تطورت التنمية التنظيمية تطورًا كبيرًا منذ كتابك الأول عن الثقافة والقيادة، خصوصًا في مساعدة المنظمات على قبول الحقائق الجديدة وتجربة أساليب جديدة. إلى أين نتجه من هنا؟
إد شين: لقد كانت الاتجاهات في التطوير التنظيمي على مدى عقود عديدة، تضم قبائل خاصة بها من الباحثين والممارسين، وقد شهدنا تطورات إيجابية على عديد من المسارات. ومن حسن الحظ أن هناك مثل هذا الاهتمام المتزايد بإدارة التغيير، والذي يعكس الطبيعة المتغيرة للعمل نفسه. وأنا سعيد للغاية برؤية كثير من الناس ينضمون إلى ركب الثقافة، رغم أنني أحذر من أن البعض قد يفتقر إلى الأساس الكافي في ديناميكيات الثقافة.
إن الحاجة إلى الانفتاح والثقة تسود كل هذه المجالات، ولكن كثيرًا من نماذج القيادة والتغيير والثقافة اليوم، لا تزال تقوم على افتراض أن العلاقات من المستوى الأول -البيروقراطية والمتباعدة مهنيًّا- يمكن أن تنجح، ولكنها لا تستطيع. وتتحدث نماذج أخرى عن أهمية الثقة المتبادلة، ولكنها لا تحددها ولا تقترح كيفية بنائها.
إن الثقة تنشأ من خلال تبادل المعلومات المهمة والمشاركة المفتوحة، حيث نبني علاقات تسمح لنا بالاستشعار، وتوقع بعضنا ردود أفعال بعض، حتى نتمكن من الاعتماد على خطواتنا التالية لتكون داعمة ومتعاونة بدلًا من المنافسة والبحث عن الذات. إن بناء هذه الثقة يساعدنا على العمل الإيجابي نحو الأهداف التي يحددها كل منا. إنها تعزز نفسها، ونحتاج إلى علاقات من المستوى الثاني للوصول إليها.
باختصار، إن المفهوم الأساسي للمستوى الثاني الذي يربط بين الثقافة والتغيير والقيادة هو الانفتاح والثقة المتبادلة. لقد قطعنا شوطًا طويلًا، لكن لا يسعني إلا أن أفكر في المفارقة الصغيرة بأن ما نأمل أن تؤدي إليه كل هذه الأمور، هو بالضبط ما كان دوغلاس ماكجريجور يتصوره منذ البداية بنظرية “واي” الرائعة، وهي نظرية تركز على الجانب الإنساني في العمل.
—————————-
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومجلة MIT Sloan Management Review).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




