النقاط الرئيسية:
- تشير الأبحاث والحكم الشعبية إلى أن الندم العادي والمتوقع يؤلم أكثر إذا كان على الأشياء التي لم نفعلها.
- في حالة فقدان الشهية، قد يبدو الندم اليومي أمرًا لا مفرّ منه على كلٍّ من الأمور التي فعلناها ولم نفعلها.
- الندم على عدم التعافي هو مزيج معقد من الندم على الفعل وعدم الفعل.
قال أحد الأشخاص: “إنه من الأفضل أن تندم على الأشياء التي فعلتها بدلًا من الندم على الأشياء التي لم تفعلها”، ولكن كل شيء فعلته هو شيء آخر لم تفعله، وكل كأس من النبيذ هو فصل لم يُقْرَأ، ولا يوجد فصل سهل بين الفعل وعدم الفعل، بل هناك آلياتُ الحكم الضرورية نفسها على القيمة. (Autobiography of an Illness, 2004).
تتعلق الحكمة الشعبية الأكثر شيوعًا بشأن الندم بتفاوته؛ فنحن نندم على الأشياء التي لم نفعلها أكثر من الأشياء التي فعلناها.
وتدعم بعض نتائج الأبحاث هذا الأمر؛ إذ تشير إلى أن الندم على عدم الفعل المتوقع أكثر قوة من الندم على الفعل المتوقع في مجال الصحة، وله ارتباطات أكثر وثوقية بالنوايا السلوكية، وربما بالسلوكيات الصحية (Brewer, DeFrank, & Gilkey, 2016).
الندم المتوقع عند فقدان الشهية
كيف يظهر هذا التفاوت عند فقدان الشهية؟ لقد ذكرت في الجزء السابق من هذه السلسلة أن المرض قد أضعفني إلى درجة أنه قضى على أشد أشكال الندم التي كان من الممكن أن تشجعني على اتخاذ أفعال ذات معنى، وفي ضوء ما ذكر، أو على الأقل في السنوات الأولى من مرضي؛ إذ كان كل شيء أقل ارتباطًا بشكل بدهيّ، شعور ممتع على نطاق صغير من الندم الرجعي والمتوقع على أشياء فعلناها وأخرى لم نفعلها، قد تكون مترابطة أحيانًا بشكل وثيق إلى درجة أن أحدهما يتداخل مع الآخر. أتذكر أنني كنت أخفي بيضة عيد الفصح حتى أتناولها سرًّا في جوف الليل، وأتذكر نادمةً البيض كلّه الذي تلقيته في السنوات الأخرى وأخفيته بندم، وأكرر الفعل نفسه متعمدةً؛ لأضيف على الندم المحفوظ للعام القادم، وأتذكر شعوري بالعجز بشكل أسبوعي تقريبًا؛ بسبب هذا الندم المتوقع الذي شعرت بأنه لا مفرّ منه مهما كان الإجراء الذي سأختاره؛ ألا أوافق على الخروج في ليلة الجمعة عندما يقترح أحدهم شيئًا ما، مع العلم أنني سأندم في الصباح على عدم الذهاب، ولكنني سأندم أيضًا على ذهابي.
يبدو غريبًا بالنسبة لي الآن أن هذه السيناريوهات كلّها التي انتهت بالخسارة لم تدفعني عاجلًا إلى بذل جهود كبيرة لتغيير القواعد، وبدلًا من ذلك، حاولت أن أوضح ذلك في مذكراتي بوجهات نظر ثنائية العقل والجسد:
أتساءل ما إذا كان الأمر يستحق أن يدمّر عقلي جسدي بهذه الطريقة، بينما يُفترض أن يكون في أوج أيامه، سأندم عندما تبدأ التجاعيد بالظهور، وسأندم على عدم الخروج والتباهي بنفسي، ولكن عقلي يستطيع أن يفكر في طرق أفضل لقضاء وقته، ويجبر الجسد أن يحذو حذوه، وهذه هي المشكلة، وقد تكون هذه المشكلة هي ذاتها التي أعانيها مع فقدان الشهية أيضًا؛ فالدماغ قويُّ جدًّا بالنسبة للجسم. (4 فبراير 2002م).
لحظت الأمر فورًا في فترة شبابي القصيرة، ولكن عقلي، بالتأكيد، كان ضعيفًا مثلي؛ كيف كان يمكن أن يكون خلاف ذلك؟
في سياق التعافي
إذًا، كيف تتغير ديناميكيات الندم على الفعل مقابل عدم الفعل في سياق التعافي؟ إنه لأمر مضحك؛ فالندم على عدم التعافي، المتوقع أو الرجعي، هو نوع من الشكل الكلي للتفاصيل كلّها التي تشير إلى أن عدم التعافي يعني أنك لم أو لن (تضحك، أو تغامر، أو تشبع نفسك وتبلغ النشوة، أو تراودك أفكار ملهمة، أو تبكي من دون أن تنظر إلى الأمور الأخرى…). ولكن فإن عدم التعافي هو أيضًا شكل للأشياء المحددة كلّها التي فعلناها، والتي ستُحبَطُ بطرق محددة تمامًا، سواء إذا كانت قد غيرت تجربتي الخاصة بشكل أساسي بسبب عدم وجودها (كما أوضحت في الجزء السابق من هذا المقال)، مثل: (حفل زفاف صديق؛ إذ لم أستطع التفكير في أي شيء سوى مدى شعوري بالبرد)، أم إذا أثرت بشكل كبير على تجربة شخص آخر أيضًا، ربما من خلال القسوة المدفوعة بالإكراه، مثل: (الوقت الذي تجاهلت فيه ما يحتاج له أخي لأنني أعطيت الأولوية لوجبة العشاء التي أقدسها في الليل). هذه هي الأشياء التي فعلناها أو جربناها، وليست الأشياء التي لم نفعلها أو لم نجربها، إلا أن بنية هذه الأمور لها جانب عكسي مضمّن فيها؛ إذ كان من الممكن أن يكون هذا الموقف جميلًا أو لطيفًا وعاديًّا، ولكنه بدلًا من ذلك كان ذكرى مؤسفة تؤلم عند تذكرها، ولذلك فهي لا تزال أشياء غير مكتملة؛ الأشياء التي منعك فقدان الشهية من فعلها بالطريقة التي كنت تريدها.
في حالة الندم على الفشل في التعافي، فهناك مزيج رفيع المستوى من الفعل وعدم الفعل، وكلها تصب في “لم أتعاف” (الندم)، أو “أخشى الندم على عدم التعافي” (الندم المتوقع)، وبشكل أوضح، يمتد هذا التوقع إلى أبعد حد، فنحن نتخيل استمرار هذا المرض حتى موتنا، ولعلنا نتخيل استذكارنا ونحن على فراش الموت، الأمور كلّها التي وضعناها بوصفها أولوية على نحو سيّئ.
البساطة لا تعني السهولة
إذًا، ما الذي يمنعنا؟ لقد كتبتُ في مكان آخر بشأن بساطة ما يدور حوله بدء عملية التعافي، وفي الواقع فمعظم ما هو مطلوب لإتمامها هو تناولُ كثيرٍ من الطعام، وأخذُ قسطٍ كبيرٍ من الراحة، والسماح لأنفسنا بأن نكون أكبر حجمًا، وأسمن، وأقوى، وأهدأ وغيره. ولكن، بالتأكيد، فالبساطة لا تعني السهولة، فمن العوامل التي تجعل هذه الأمور كلّها أصعب، والتي تبادرت إلى ذهني عند مراجعة الأدبيات البحثية عن الندم المتوقع في سياقات صحية أخرى، هو أن التعافي من اضطراب تناول الطعام المقيد لا يعني فقط فعل أشياء “صحية” متفق عليها بشكل عام؛ للتخلص من المرض واكتساب الصحة.
في البداية، سيوافق الأطباء والمعالجون على الأرجح على أنه يجب عليك تناول مزيد من الطعام، وربما قد يصفون لك بعض الفحوصات التي يجب أن تجريها، والمكملات الغذائية والأشياء الاعتيادية الأخرى جميعها المرتبطة بالرعاية الصحية الطبية السائدة، ولكن، حتى في بداية العلاج وبشكل متزايد مع استمرار عملية التعافي، إذا كنت تفعل ذلك بشكل صحيح (أي بطريقة ناجحة)؛ فمن المحتمل أنك ستفعل كثيرًا من الأشياء التي لا توافق عليها المؤسسة الطبية السائدة بالنسبة لعامة الناس، ولكن للأسف فذلك ينطبق في أحيانٍ كثيرة على الأشخاص الذين هم في مثل حالتك بالضبط. قد تشمل هذه الأفعال أمورًا مثل عدم ممارسة التمارين الرياضية مدة طويلة، أو تناول كثير من السكر المكرر مدّة طويلة، أو تناول الطعام حسبما تشعر بالجوع، وبما يتجاوز مؤشر كتلة الجسم x عوضًا عن التغيير، واتباع “خطة للمحافظة على الوزن”. وتتعارض هذه التصرفات أيضًا مع غالبية الرسائل الإعلامية بشأن كيفية التمتع بصحة جيدة، ومع ذلك فهي ضرورية للناس كي يصبحوا بصحة جيدة بعد اضطراب تناول الطعام المقيد.
إن الحاجة إلى تحدي العقيدة الطبية والإعلامية تغير المخاطر بالنسبة للسلوكات الصحية الأخرى التي دُرِسَت فيما يتعلق بالندم المتوقع؛ إذ يعمل الندم المتوقع مُحفّزًا لفعل أمر ما؛ لأن البشر الذين يحاولون اتخاذ القرارات يسعون عامّة إلى تقليل مشاعرهم غير السارة إلى الحد الأدنى، ومن تلك المشاعر غير السارة التي نحاول التقليل منها لوم الذات. وبصفة عامة، نتوقع ندمًا أقل عند اتخاذ قرارات مبررة، وكذلك فإن التبرير هو تكوين اجتماعي إلى حد كبير. ومن ثمَّ، فإن الناس يتوقعون قدرًا أقل من الندم على فعل يُعتقد، على نطاق واسع، أنه يحمي الصحة، مثل الحصول على التطعيم، مقارنةً بعدم الفعل مثل عدم الحصول على التطعيم الذي تدينه المؤسسة الطبية باستمرار. ومن المفترض أن يتغير التوازن في مثال التطعيم إذا نشأ المرء في مجتمع مناهض للتطعيم، ولكن بشكل عام، “في سياق السلوك الصحي، غالبًا ما يتحدى عدم الفعل السلطة الطبية، ما يجعل متّخذ القرار أكثر عرضة للوم الذات” (Brewer, DeFrank, & Gilkey, 2016).
التعافي كاملًا من فقدان الشهية حالة غريبة تتطلب تحدي السلطة الطبية في أحيانٍ كثيرة، وليس فقط المعايير الاجتماعية والثقافية؛ لذا من الصعب تجنّب لوم الذات بوصفه عاملًا مساعدًا؛ فمحاربة فقدان الشهية المستمر لدى المرء والهواجس الهستيرية في العالم بالتحكم في النظام الغذائي، وممارسة الرياضة، ووزن الجسم، والتي تتماشى جيدًا مع مخلفات فقدان الشهية تلك، تحوّل التعافي إلى تمرد، ويتطلب ذلك الاستعداد للمخاطرة بأنواع المشاعر غير السارة كلّها، بما في ذلك لوم الذات. وغالبًا ما يكون ذلك من دون أن يكون هناك من نلجأ إليه؛ لطمأنتنا بأن كل شيء سيكون على ما يرام إذا تمكنا فقط من المحافظة على هدوء أعصابنا والاستمرار.
تضيف هذه الاحتمالات المتراكمة المؤلمة بُعدًا آخر لفهمنا سببَ بقاء مقاييس نتائج العلاجات القياسية سيئة للغاية (Troscianko & Leon, 2020). وفي مواجهة هذا كلّه، فقد يكون وضوح المعرفة بمدى ندمنا إذا لم نفعل شيئًا ما هو أحد الأشياء الوحيدة القوية بما يكفي لإبقائنا مستمرين.
في الجزء الأخير من هذه السلسلة، سأقدم بعض الأفكار لتحقيق إمكانات الندم المتوقعة، وتجنب بعض المصايد.
المراجع
Brewer, N. T., DeFrank, J. T., & Gilkey, M. B. (2016). Anticipated regret and health behavior: A meta-analysis. Health Psychology, 35(11), 1264. APA PsychNet record here. Full-text PDF here.Troscianko, E. T., & Leon, M. (2020). Treating eating: A dynamical systems model of eating disorders. Frontiers in Psychology, 11, 1801. Open-access full text here.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة سيكولوجي توداي).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




