بقلم: نك فغنال | ترجمة: إبراهيم الكلثم
يجب أنْ تعرف
جاءت ياسمين لرؤيتي في العلاج النفسي؛ لأنها كانت قلقة من أنها فكرت في قتل ابنتها حديثة الولادة. شرحت لنا أنها بعد يوم أو يومين فقط من الوصول إلى المنزل من المستشفى بعد الولادة، جاءتها فكرة مزعجة في ذهنها ذات مساء بينما كانت تغير حفاضة ابنتها: إذا وضعت يدي حول حلقها وخنقتها، فإنها ستموت تقريبًا على الفور… كانت ياسمين مذهولة من فكرة أنها ستفعل شيئًا فظيعًا لابنتها الرضيعة. وقالت: “لا أريد أنْ أؤذيها، لكنني خائفة من أنَّ هذا يعني وجود شيءٍ ما داخلي يريد قتلها سرًّا… لم أبقَ معها بمفردي مدة ثمانٍ وأربعين ساعة لأنني لم أرِد اغتنام الفرصة”.
وبقي موكلي يصف كيف يمكن لهذه الأفكار أنْ تتزايد مثل تلك التي تخيلت أنها تخنق ابنتها. وكانت متأكدة من أنها إما قد جُنت أو أنَّ عقلها اُختل، ولكن لم تكتشف ذلك بعد.
لحسن الحظ، بعد أسئلة قليلة، استطعت إخبار ياسمين بثقة أنها لم تُجن ولم يُختل عقلها. أخبرتها أيضًا أنه لا يوجد أي خطر من أنها ستؤذي ابنتها حقًّا. وفي الواقع، أرى أنه سيكون من الأفضل أنْ تذهب إلى المنزل الآن وتحمل ابنتها بمفردها. شرحت لها أنَّ ما كانت تعاني منه كان أفكارًا مزعجة غير مرغوب فيها، وأنها كانت من أعراض القلق، وليست هلوسة أو اعتلالًا نفسيًّا.
بعد مرور عدة أشهر، عملت مع ياسمين لتغيير الطريقة التي فكرت بها وتفاعلت مع أفكارها المزعجة غير المرغوب فيها. من خلال تعلم الاستجابة لها على أنها مزعجة وليست خطيرة، قل تواتر أفكار ياسمين المزعجة وشدتها بشكل ملحوظ. والأهم من ذلك كله، أنها كانت قادرة على أنْ تكون مع ابنتها وتستمتع بأيامها الأولى معها دون خوفها المستمر من أنها قد ترتكب شيئًا فظيعًا.
نفكر جميعًا بكثير من الأفكار التي تدور في أذهاننا على مدار اليوم؛ مثل الأفكار، أو المعتقدات، أو القصص، أو الخطط، أو الصور. غالبًا ما نعي ما نفكر به، مما يعني أننا نبدأه ونوجهه إلى حد ما: إذا أحسست بالجوع، فإنك تفكر في أقرب مكان للعثور على الطعام. ولكن ليست الأفكار كلها نستطيع التحكم بها.
تظهر الأفكار ببساطة في العقل الواعي. إذا حصل لك مرة وتذكرت فجأة اجتماعًا أو موعدًا نسيته، فأنت تعلم أنَّ الأفكار يمكنها أنْ تأتي دون وعي أو تحكم. وهذه الأفكار المزعجة؛ هي أفكار تحدث دون موافقتنا أو جهدنا. وعلى الرغم من أنها غالبًا ما تكون مفيدة أو عادية، فإنها يمكن أنْ تبدو في بعض الأحيان مخيفة أو حتى مزعجة، وفي هذه الحالة يشير إليها علماء النفس على أنها أفكار مزعجة غير مرغوب فيها.
الأفكار المزعجة غير المرغوب فيها شائعة جدًّا. تشير الدراسات إلى أنَّ أكثر من 90 في المئة من الناس يعانون منها في مرحلة ما، وتشمل الموضوعات الشائعة، مثل العدوانية، والتلوث، والسلوك غير اللائق جنسيًّا.
اقترحت نظريات نفسية تقليدية أنَّ الأفكار المزعجة تمثل أمنيات أو رغبات دون وعي، ومع ذلك لا يوجد دليل يدعم هذا الادعاء. وبالتالي، فإن معظم أساليب العلاج النفسي الحديثة، مثل العلاج السلوكي المعرفي (الذي أؤيده شخصيًّا) يعد أنَّ السبب الأولي للأفكار المزعجة غالبًا ما يكون ببساطة عشوائيًّا أو غير معروف. تظهر أنواع الأفكار جميعها في أذهاننا على مدار اليوم، وبالتالي فإن حقيقة وجود أفكار مخيفة أو مزعجة في بعض الأحيان ليست مفاجئة إحصائيًّا.
على الرغم من أنَّ الأفكار المزعجة ليس لها بالغالب سبب أو أصل محدد، فإنها يمكن أنْ تنتج تحديًدا من الصدمة. في اضطراب ما بعد الصدمة، على سبيل المثال، من الشائع جدًّا تجربة أفكار مزعجة حول الحدث الصادم أشهرًا أو حتى سنوات بعد الحدث نفسه.
عندما تصبح الأفكار المزعجة غير المرغوب فيها متكررة ومؤلمة، كما هو الحال في حالة ياسمين، فإن السبب يتعلق بكيفية عرض الشخص لهذه الأفكار والاستجابة لها، وليست الأفكار نفسها. على مدى عقود، اكتشفنا أنَّ قمع الفك (محاولة متعمدة للتخلص من الفكر أو تجنبه) ينتج عنه ظهوره في العقل الواعي.
في دراسة “الدب الأبيض” الشهيرة الآن عام 1987م، أظهر عالم النفس دانيال فيجنر وزملاؤه أنَّ توجيه المشاركين بعدم التفكير في الدب الأبيض بوضوح في أثناء مهمة الدراسة أدى إلى تأثير “عكسي” مثير للسخرية؛ إذ أصبحت أفكارهم في الدب الأبيض متكررة. طور فيجنر في وقت لاحق نظريته “العملية الساخرة” لقمع الفكر، والتي رأت أنه على الرغم من أنَّ قمع الفكر يمكن أنْ يقلل من تواتره على المدى القصير، فإن العقل “يتحقق” من هذه الفكرة مرة أخرى في المستقبل، مما يؤدي إلى المزيد من الإزعاج. يبدو الأمر كما لو أنَّ الاهتمام الإضافي الذي تفكر فيه من خلال محاولة قمعه يخبر عقلك: “هذه الفكرة مهمة للغاية، لذا ذكرني بها لاحقًا”.
هذه “العملية الساخرة” هي المحرك الرئيسي للأفكار المزعجة غير المرغوب فيها المتكررة في حالات، مثل اضطراب الوسواس القهري: تمامًا كما هو الحال مع الدببة البيضاء التي لا يمكن كبتها، كلما حاولت عمدًا قمع الفكرة المخيفة، كلما “تذكر” عقلك هذه الفكرة لاحقًا. هذه هي الطريقة التي يصبح بها الفكر المزعج غير المرغوب فيه في بعض الأحيان حلقة مفرغة من الأفكار المزعجة والتجنب والقلق. مفتاح الهروب من هذه الدوامة هو تغيير علاقتك بأفكارك.
في عملي كمعالج للعلاج المعرفي السلوكي، أبدأ افتراض أنه مهما كانت مزعجة، فإن الأفكار المزعجة غير المرغوب فيها ليس لها معنى ثابت ولا تتنبأ بأي دقة بكيفية تصرف الشخص. في حين أنَّ بعض مدارس العلاج النفسي الأخرى قد ترى أنَّ الأفكار المزعجة غير المرغوب فيها تمثل أمنية أو رغبة خفية دون وعي، فإن نهجي الذي استخدمته يدرك أنه ليس بالضرورة أنْ تعني أي شيء. إنَّ الأشخاص الذين لديهم أفكار مزعجة غير مرغوب فيها مرتعبون منها ويحاولون عمدًا قمعها بقوة، وهذا يشير إلى أنهم في الواقع يرغبون في عكس ذلك. في الواقع، تشير الأبحاث إلى أنَّ وجود أفكار مزعجة غير مرغوب فيها لا يزيد من خطر احتمالية فعل الشيء الذي يفكر به.
ماذا تفعل؟
إذا كنت أنت أو أي شخص تحبه يعاني من الأفكار المزعجة غير المرغوب فيها، فإن الخطوة الرئيسية لفهمها هي أنَّ محاولة التخلص من الأفكار المزعجة تزيدها سوءًا، في حين أنَّ الرغبة في خوض التجربة وتقبلها يخفف من حدتها.
فيما يلي بعض الخطوات العملية التي يمكنك اتخاذها لتغيير علاقتك بالأفكار المزعجة غير المرغوب فيها، وفي هذه العملية، أخبر عقلك أنه على الرغم من أنها قد تبدو مزعجة أو غير مريحة، فإن أفكارك ليست خطيرة.
أقر بأفكارك المزعجة وسَمِّها. تجنب استخدام مصطلحات، مثل “الأفكار السيئة” أو “الأفكار السلبية”. تعزز هذه التسميات فكرة أنَّ الأفكار خطيرة ويجب تجنبها. بدلًا من ذلك، حاول وصفها أنها شيء أكثر حيادية وواقعية، على سبيل المثال “أفكار غير مرغوب فيها” أو “أفكار مزعجة”. ذكر نفسك بإيجاز أنه على الرغم من أنها قد تبدو مخيفة، فإن الأفكار المزعجة غير المرغوب فيها ليست خطيرة ولا تتنبأ بأي دقة بما ستفعله بالفعل.
اُكتب أفكارك المزعجة. قد يساعد “نسخ” أفكارك المزعجة غير المرغوب فيها على الورق. عندما تلاحظ الفكرة المزعجة، دوِّن الفكرة أو الصورة المحددة التي واجهتها للتو. هذا له فائدتان: أولًا: يجبرك على إبطاء تفكيرك وميلك إلى القلق؛ لأنك لن تستطيع الكتابة بسرعة كالتفكير. ثانيًا: إنَّ إخراج الأفكار “من عقلك” وكتابتها على الورق سيساعدك على الابتعاد عنها ويمنحك منظورًا مختلفًا، ويقلل من غموض الأفكار.
تأكد من صحة أفكارك المزعجة. التأكد من صحة شيء ما يعني الاعتراف أنه موجود، وأنه حقيقي ومفهوم، حتى لو كان سيئًا. ذكر نفسك أنه من المنطقي أنْ يذكرك عقلك بهذه الأفكار؛ لأنك استجبت لها في البداية كما لو أنها تهديدٌ. على أنها سيئة، فإن الأفكار المزعجة ليست علامة على اختلال دماغك أو اعتلاله؛ بل إنها في الواقع تفعل ما هو مصمم لفعله، وتعلمك عن الأشياء التي يحتمل أنْ تكون خطرة. بالطريقة نفسها التي يمكن أنْ ينطلق بها إنذار الحريق عند إحساسه باحتراق البسكويت، فإن عقلك مرتبك قليلًا حول ما هو خطير وما ليس خطيرًا.
تأكد من صحة استجابتك العاطفية. بمجرد التأكد من صحة الأفكار المزعجة نفسها، تأكد من صحة استجابتك العاطفية لها. حتى لو كنت تعرف ذهنيًّا أنَّ الأفكار المزعجة ليست خطيرة، فمن المفهوم والطبيعي تمامًا أنك قد تشعر أحيانًا بالخوف أو الانزعاج عند ظهورها.
أعد توجيه انتباهك. بمجرد الاعتراف بالأفكار المتطفلة، وردود أفعالك عليها، والتأكد من صحتها، فإن الخطوة الأخيرة هي إعادة توجيه انتباهك بلطف، ولكن بحزم إلى مكان آخر. في نهاية المطاف، الاستمرار في التفكير والقلق والتمعن في أفكارك المزعجة يحافظ على الاعتقاد الخاطئ أنها خطيرة أو مشكلة يجب حلها، مما يزيد من احتمال أنْ يستمر عقلك في التفكير بها.
إذا كنت تقود السيارة، فاستمع إلى المدونة الصوتية التي كنت تتطلع إليها. إذا كنت في السرير في وقت متأخر من الليل، فأشعل شمعتك واقرأ قليلًا لتسمح لعقلك بالاسترخاء ثم أخيرًا تنام.
أخيرًا، اِعلم أنَّ إعادة توجيه انتباهك ستكون عملية مستمرة. من المرجح أنْ يعود انتباهك إلى الأفكار المزعجة من وقت لآخر، هذا طبيعي، ولكن في كل مرة تلاحظ فيها أنَّ انتباهك ينجرف إلى الأفكار المزعجة، اعترف بلطف أنها ليست نافعة وأعد توجيه انتباهك إلى عملك المهم.
غالبًا ما يسألني الناس: “أليست إعادة توجيه انتباهي هي نفسها مثل صرف انتباهي عن أفكاري أو قمعها؟” الفرق هو أنه مع إعادة التوجيه، فإنك تعترف أولًا بالأفكار المتطفلة وتتأكد من صحتها وعندها فقط تحول انتباهك. الخطوة الأولى مهمة لأنها تظهر أنك لست خائفًا من الأفكار، بينما لا ترغب أيضًا في البقاء على الحال نفسه.
اليقظة: يجد الكثير من الناس أنَّ إنشاء عادة التأمل الانتباهي يمكن أنْ تساعدهم على إدارة الأفكار المزعجة غير المرغوب فيها. في معظم أشكال اليقظة، تمارس تركيزك على شيء ملموس، مثل التنفس أو المانترا، وتصارع التشتت بسبب الأفكار أو الأحاسيس الأخرى. هذا يبني التحكم في الانتباه الذي يمكن أنْ يكون مفيدًا عندما يتعلق الأمر بإيقاف الأفكار أو إعادة توجيه انتباهك بعيدًا عن الأفكار المزعجة.
تأجيل الفكرة: غالبًا ما يكون من المفيد تأجيل التفكير في فكرة مزعجة غير مرغوب فيها. لفعل ذلك، أنشئ وقتًا مخصصًا كل يوم أو مرة واحدة في الأسبوع، عندما تتذكر عمدًا أو تفكر أو تكتب أفكارك المزعجة غير المرغوب فيها. ثم، طوال يومك، إذا ظهرت فكرة مزعجة، أَجِّلْها بتذكير نفسك أنك ستفكر فيها لاحقًا، ثم أعد توجيه انتباهك إلى أفكار أخرى.
إستراتيجيات لتجنبها أو تقليلها: بالإضافة إلى الخطوات المذكورة أعلاه، من المهم أنْ تكون على دراية ببعض الإستراتيجيات التي تبدو بدهية ولكنها غير مفيدة في نهاية المطاف، والتي يحاول الكثير من الناس عملها عند مواجهة الأفكار المزعجة. تجنب هذه النقاط لو استطعت:
تشتيت التركيز: عندما يتبادر إلى الذهن فكرة مزعجة غير مرغوب فيها لأول مرة، من الطبيعي أنْ تشتت تركيزك على الفور وتحاول تجنب التفكير في الأمر. لكن هذا التشتيت الفوري يعزز من تضخيم التهديد غير الصحيح في عقلك فحسب، ويعزز الفكرة الخاطئة أنَّ الأفكار المزعجة خطيرة، مما يؤدي إلى زيادة القلق والأفكار المزعجة. تذكر، كن متأكدًا من أنك أعدت توجيه انتباهك بمجرد أنْ تقر بالأفكار فترة وجيزة ومشاعرك تجاهها والتأكد من صحتها.
البحث عن الطمأنينة: عند مواجهة تيار من الأفكار المزعجة غير المرغوب فيها، يطور الكثير من الناس عادة البحث عن الطمأنينة من شخص آخر، وعادةً ما يكون زوجًا أو والدًا أو صديقًا وفيًّا. على الرغم من أنَّ البحث عن الطمأنينة يشعرك بتحسن في الوقت الحالي، فإنه في الواقع يزيد الأمور سوءًا على المدى الطويل. من خلال طلب الراحة والطمأنينة، فإنك تعزز مرة أخرى الاعتقاد الخاطئ أنَّ أفكارك المزعجة خطيرة وإشكالية، مما يؤدي إلى تكرارها باستمرار في المستقبل. بدلًا من البحث عن كلمات مهدئة من شخص آخر، ذكر نفسك بإيجاز أنَّ الأفكار المزعجة ليست خطيرة ولا مشكلة، وتأكد من صحتها من خلال تجربتك، ثم أعد توجيه انتباهك بثقة.
التفكير المفرط أو القلق أو أي حديث سلبي آخر مع النفس: في حين أنَّ التشتت والبحث عن الطمأنينة هي إستراتيجيات غير مفيدة؛ لأنها تشير إلى الخطر من خلال سلوك “الهروب” (أي من خلال محاولة الهروب من أفكارك المزعجة)، فإن الحديث السلبي مع النفس، مثل القلق والإفراط في التفكير، يعزز تفسير التهديد نفسه من خلال استجابة “القتال”؛ أي من خلال محاولة إصلاح الأفكار أو القضاء عليها. عندما نقلق بشأن العواقب المحتملة لأفكارنا المزعجة أو نفكر فيما تعنيه تلك الأفكار، نستمر في تعزيز الاعتقاد الخاطئ أنَّ أفكارنا خطيرة، والتي (مرة أخرى) يمكن أنْ تشعر فترة وجيزة بالارتياح أو القوة، ولكن على المدى الطويل، فإنك تحافظ على القلق أو تزيده فحسب.
باختصار، أهم سؤال يجب أنْ تسأله لنفسك في أي وقت تأتي فيه تلك الأفكار المزعجة غير المرغوب فيها هو: ما الذي سيفهمه عقلي من طريقتي في التعامل مع هذه الأفكار؟
بعبارة أخرى، هل ردود أفعالك على أفكارك المزعجة تنقل الخوف أو الثقة؟ إذا رأيت نفسك تحاول التهرب من أفكارك أو التصارع معها، فمن المحتمل أنك تنقل الخوف، مما سيديم الأفكار والقلق. من ناحية أخرى، إذا كان بإمكانك التعامل بهدوء مع تلك الأفكار غير المرغوب فيها، وملاحظتها بحيادية، ثم الاستمرار في يومك مع السماح لها أنْ تكون جزءًا من تجربتك، فأنت تنقل الثقة، وهو الحل لتقليل تواترها وشدتها.
النقاط الرئيسية- كيفية التعامل مع الأفكار المقلقة
على الرغم من أنها قد تكون مزعجة وغير مريحة، فإن الأفكار المقلقة غير المرغوب فيها ليست خطيرة ولا مؤشرًا على أنك من المحتمل أنْ تفعل سلوكًا سيئًا. في الواقع، إنها مظهر شائع نسبيًّا من مظاهر القلق.
عندما تواجه أفكارًا مقلقة غير مرغوب فيها، تجنب الرغبة في تشتيت انتباهك على الفور، أو البحث عن الطمأنينة أو الوقوع في أنماط من الحديث السلبي مع النفس، مثل القلق وفرط التفكير.
أفضل طريقة للتعامل مع الأفكار المقلقة غير المرغوب فيها هي أنْ تكون على استعداد لتجربتها، وهذا يعني الاعتراف بها على أنها سيئة وغير مرحب بها، ولكنها ليست خطيرة في الحقيقة، والتأكد من صحتها واستجابتك العاطفية المفهومة لها، ثم إعادة توجيه انتباهك بلطف ولكن بثقة إلى فكرة أخرى.
تشمل التمارين البسيطة للحد من القوة العاطفية للأفكار المقلقة رسمها أو كتابتها، وتَعَمُّد تخصيص الوقت للتفكير فيها في وقت محدد لاحقًا.
تعلم المزيد
ربما تكون أقوى طريقة لإدارة الأفكار المقلقة غير المرغوب فيها هي مواجهتها عمدًا. في كل مرة تقترب فيها بهدوء وتعمد من أفكارك المقلقة (وتجرب أنه لا يوجد شيء مخيف نتيجةً للأفكار المقلقة)، تدرب عقلك لتراها آمنة، ثم لا أهمية لها. يعرف هذا باسم “انتهاك التوقعات” (عندما لا تأتي توقعاتك السلبية حقًّا) وفي هذا السياق، عندما تتكرر بمرور الوقت، فإن عقلك يعلم أنه على الرغم من أنها تبدو مخيفة، فإن الأفكار المقلقة ليست خطيرة. نتيجة لذلك، يجب أنْ تنخفض أفكارك المقلقة في كل من التواتر والشدة على المدى الطويل.
إليك تمرين بسيط يمكن لأي شخص أنْ يحاول تحقيق تقدم حقيقي أمام أفكاره المقلقة.
التدخلات المجدولة
الفكرة الأساسية وراء التدخل المجدول هي إنشاء وقت ومكان ثابتين، إذ تبدأ في التفكير في أفكارك غير المرغوب فيها عمدًا، مما يؤدي إلى علاج خوفك المرتبط بتلك الأفكار.
إليك طريقة البدء:
- اختر وقتًا محددًا كل يوم يمكنك فيه فعل التمرين باستمرار. تحتاج إلى خمس دقائق فقط أو نحو ذلك. بشكل عام، وجد العملاء الذين عملت معهم أنه من الأسهل الالتزام بهذا الروتين في منتصف النهار أو في وقت مبكر من المساء، عندما يكونون متفرغين. تجنب فعل هذا التمرين مباشرة قبل النوم؛ لأنه قد يُصَعِّب من القدرة على النوم.
- اختر مكانًا ثابتًا لأداء تدخلاتك المجدولة. يمكن أنْ يساعد اتساق الموقع في عملية التعلم، ويسهل الالتزام بالروتين.
- خذ ورقة فارغة أو مفكرة وقلمًا، وعين مؤقتًا على هاتفك مدة خمس دقائق.
- اكتب أفكارك غير المرغوب فيها وغير المريحة على الورق. إذا كانت الأفكار كثيرة، فدونها جميعها. إذا كانت توجد واحدة أو اثنتان فقط، فيمكنك ببساطة كتابتهما مرارًا وتكرارًا.
- في أثناء ممارسة التمرين، حاول أنْ تلاحظ أي خوف أو انزعاج قد ينشأ، ثم ذكر نفسك أنك قادر على تحمل هذا الانزعاج، وكرر تذكير نفسك مع مرور الوقت.
- بعد انتهاء الخمس دقائق، ارمِ الورقة بعيدًا وامنح نفسك الفضل في مواجهة مخاوفك عمدًا. علاوة على ذلك، عزز مرة أخرى أنك كنت قادرًا على تحمل الأفكار على الرغم من عدم ارتياحك أو خوفك المتزايد.
غالبًا ما يكون هذا التمرين، والنصائح الواردة في القسم السابق، غير مريحة للغاية ويصعب إكمالها. ولكن من المهم أنْ تذكر نفسك دائمًا أنه لمجرد أنَّ شيئًا ما يبدو سيئًا لا يعني أنه سيئ أو خطير حقًّا.
إذا كان من الصعب جدًّا تنفيذ شيء ما، فحاول تقسيمه إلى خطوات أصغر. على سبيل المثال، إذا كان أداء التدخلات المجدولة مدة خمس دقائق شاقًّا للغاية، فمن المسموح عمل ذلك مدة دقيقة واحدة. وقد تحاول ولو حتى كتابة فكرة واحدة في كل مرة على الأقل.
من المهم أيضًا أنْ نتذكر أنَّ ما نتعامل معه هنا هو عادات عقلية، مما يعني أنه لا توجد إصلاحات فورية. عندما تتدرب على الإقرار بفكرة مقلقة والتأكد من صحتها ثم إعادة التوجيه، على سبيل المثال، من الطبيعي أنْ “يسحبك” عقلك إلى الفكرة. ومن المحتمل أنْ تضطر إلى المحاولة عدة مرات.
أخيرًا، إذا كنت تشعر أنه لا يمكنك إدارة أفكارك المقلقة غير المرغوب فيها بمفردك، أو إذا كانت تسبب لك الكثير من الضيق لدرجة أنها تؤثر بشكل خطير على حياتك، مثل أنْ تخرب علاقاتك، وتعرقلك في عملك، وتسبب لك مشكلات صحية، عندها يجب أنْ تذهب إلى أخصائي الصحة الطبية أو العقلية.
يمكنك أنْ تطلب من طبيب الرعاية الأولية الخاص بك الإحالة. خصوصًا، أنه بالغالب تكون الأفكار المقلقة غير المرغوب فيها المستمرة أحد أعراض الوسواس القهري، والذي يُعالَج بشكل فعال عن طريق العلاج المعرفي السلوكي، وفي بعض الحالات مع الدواء كعامل مساعد.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة سايكي).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




