1
قيل لهما عند الهبوط: في الأرض كِسرةٌ من السماء، لا تُرى إلا إذا فقدتماها. لم يفهما المعنى إلا حين صار للزمن ظلّ، وللأجساد ثقل، وللأسماء أوزان. كان آدم، الخارج من صفحته الخفيفة إلى جسده الكثيف، ينظر إلى يديه كمن يراهما لأول مرة: كيف تُمسك؟ كيف تُفلت؟ كيف يمرّ المعنى من الأصابع فلا يُمسك؟ وكانت حواء، على عكسه، تُجرّب. تُلامس ورقةً فتكتشف خشونتها، تذوق ثمرةً فتجد داخلاً غير الخارج. تضحك لأنّ الضحك على الأرض يحدثُ صوتاً.
في الجنّة كانا معلّقَيْن كحاشيةٍ على متن النور، لا يُصابان بالدهشة لأنّ الأشياء كلَّها كانت أوضح من أن تفاجئ. أمّا الآن فقد صار العالمُ قابلاً للتجربة؛ صار ممكناً أن يخطئا وأن ينجحا، أن يُصابا بخيبةٍ وأن يبتكرا عزاء. كان ذلك هو معنى الفقدان: عندما تفقد السماء، تبدأ في البحث عنها داخل كلِّ شيء.
صنعت حواء أوّل بيتٍ على الأرض سقفاً من أغصانٍ رطبة، وفتحت فيه كُوّةً تطلّ على جزءٍ من السماء. قالت لآدم:
ليكن لنا بابٌ إلى ما فقدناه.
لم يعلق آدم كان مصدوما من الطرد، مدهوشا فيما قذف فيه، جلسا ليلاً يتتبّعان تغيّر الأزرق. لاحظا أنّ للّون ساعاتٍ، وأنّ النجوم تشبه ثقوباً في عباءةٍ واسعةٍ كانوا يسكنونها ثم خرجوا. تسمّي حواء كلَّ نجمٍ باسمٍ لا تدري من أين يأتيها، ويصحّح آدم نُطقَ بعض الحروف، لكنّه لا يجرؤ أن يصحّح الاسم لنفسه.
أدرك آدم أنّ الجمال هنا ليس مُعطىً كاملاً كما كان هناك، بل يتشكّل؛ يحتاج عيناً ترى، ويداً تُصلح، وصبراً يُتابع التحوّل. وفهمت حواء أن الجمال لا يُرى إذا لم يتحرّك المرءُ نحوه. كان الهبوط درساً في الحركة، وفي المتعة والألم.
2
وُلدا الصبيّان من المتعة، بدا الأمر كأنّ السماء أرسلت لهما صورتين مختلفتين من السؤال نفسه. سمّتهما حواء: هابيل وقابيل. شبَّ قابيلُ مالكاً، يُرضيه أن يُسطّر الأرض بخطوطٍ مستقيمة، أن يصنع للزرع أشكالاً متساوية، أن يجعل للماء مساربَ محدّدةً. الجمال عنده نظامٌ وامتلاك: أن تقول هذا لي فأُحسِّنه.
وشبَّ هابيلُ راعياً، يلهث خلف قطيعٍ لا يقف في مكان. يزعم أنّه يسمع للأرض نغماً إذا مرّت عليه الأقدامُ برفق. يضع رأسه على التراب فيشمّ في الأعشاب حكايةَ المطر قبل أن يقع. الجمال عنده مرورٌ وإطلاق: أن تقول ليس لي فأُهديه.
لم يكن ذلك فرقاً في الطبع فحسب، بل في التأويل أيضاً: كيف نستعيد السماء الضائعة؟ أبتملكها، أم بهبتها؟
في ذات مساءٍ من شتاءٍ مبكّر، حدّثهما آدم عن الباب. قال إنه رأى في أوّل ليلةٍ على الأرض باباً من نورٍ بعيدٍ جداً، ظهر ثم اختفى. سألته حواء لماذا لم يركض نحوه. أجاب: كنتُ مشغولاً بتعلّم الثقل. لكنّ فكرة الباب كانت قد دخلت البيت، وصارت تعويذةً تُردّدها الفصول: هناك بابٌ، من يجده يعود.
قال آدم: الباب لا يُرى إلا لمن يقدّم أجمل ما عنده لما ليس له. لم يكن يتكلّم عن قربانٍ بقدر ما كان يشرح رياضيات الجمال التي تعلّمها بالحدس: الجميل يطلب أن يُحرّر من صاحبه.
تلقّف قابيل الفكرة بطريقته: إذا كان الأجملُ طريقاً إلى الباب، فالأجمل هو أتقن ما يُصنع ويُمتلك. شرع يصنع حديقةً تُرى من بعيد كأنها زخرفةٌ على صفحة الأرض. أقام جداراً، وقاس الأحواض، وابتدأ يُهذّب الأشجار كأنها حروفٌ في مصحفٍ من خضرة.
أما هابيل، فقد مضى إلى البعيد مع قطيعه. قال لأمه وهو يودّعها: سأجربُ أن أترك الأشياء على ما هي عليه، فربما انفتح البابُ ونحن نسير. صنع من الخطى صلاة، ومن الوداع عادة. وكان إذا بلغ كثيباً عالياً نظر إلى الأفق مثل من يقف على عتبةٍ لا تُرى، ثم يطلق زمارةً طويلةً كمن يطرق الباب.
3
كبر الصبيّان وتباعدا. كانت حواء تُوازن بين فرحين وحذرين. حين يعود قابيل تحملق في يديه الممتلئتين بالأشكال وتقول: هو يصنع ما لم يكن. وحين يعود هابيل، مزهوّاً بلهاثه والندى على شعر ذراعيه، تقول: وهو يرى ما لا نرى. كان آدم صامتاً على الدوام.
في مساء، اقترحوا أن يجعلوا للباب عيداً؛ أن يضع كلّ واحدٍ أجمل ما عنده على صخرةٍ في أعلى التلّ، وينتظروا علامةً من الغيب. اجتمع الأربعة، وكان للقمر وجهٌ رطبٌ يلمع.
وضع قابيلُ في حجر الصخرة سلّةً من ثمارٍ كاملة، يكاد الكمال يؤذيها من تمامه: لونٌ لا خدش فيه، سطحٌ أملس كمرآة. أمّا هابيل فوضع الحملَ الأسمَن من قطيعه، ليس لأن السِمَنَ يُرضي، بل لأنّ هذا الحمل كان أحبّها إليه. وعندما مدّ يده ليُقدّمه، ارتجف، ثم ابتسم كمن يفهم: أُهديك ما يُؤلمني فقده، لأنّ الباب لا يُفتح بغير ألمٍ جميل.
لا أحدَ يعرف ما العلامة التي وقعت حقاً. تقول روايةٌ إن ناراً من السماء أكلت قربان هابيل، وتقول أخرى إن ريحاً مرّت على ثمار قابيل فلم تتحرّك. وقيل أيضاً إن العلامة لم تقع في الخارج أصلاً، بل في الداخل: رأى هابيلُ في قلبه البابَ مفتوحاً للحظة، ورأى قابيلُ البابَ مغلقاً إلى الأبد.
أيّاً كان الأمر، فقد شعر قابيلُ بالظلم يعضّ قلبه؛ ماذا فعل ليُحجب؟ وهل الجمال خيانةٌ لصانعه؟ كان يقلب الأسئلة كحجارةٍ في صدره. صوته، وهو يقول لأخيه في اليوم التالي: لنخرج إلى الحقل، كان صدىً بعيداً للغصّة الأولى.
4
خرج الأخوان. كان الحقل ممتداً بلا سورٍ، عكس حدائق قابيل المصنوعة. قال هابيل: إن قبل اللهُ منّي، فلأنّي أعطيتُ غير متردّد؛ وإن لم يقبل منك، فربما لأنك جعلت الجمالَ وسيلةً للرجوع، ولم تتركه غايةً في نفسه.
هزّ قابيل رأسه: أنت تريد أن تقول إن ما أحبه يُغلق الباب عليّ؟
ابتسم هابيل: لا. أريد أن أقول إن الباب لا يُفتح إلاّ من جهةٍ لا تحسبها. قد يكون التخلّي، وقد يكون الحبَّ نفسه إذا صار حُرّاً من رغبته في الثواب.
كانت كلمة نجرب هي الشرارة. رأى قابيل أن التجربة التي يقال فيها لا أحد يضمن أقسى من الظلم. كانت يده تبحث عن شيءٍ يُثبت العالم. التقط حجراً. نظر في وجه أخيه فلم يرَ سوى رحابةٍ تُقلقه. ضرب.
تقول الأرض إن الحجر وقع على الصمت.
عندما سقط هابيل، لم تمت عينه مباشرةً. كانت عينٌ واحدة قد فتحت على مشهدٍ صغيرٍ ومريعٍ وجميلٍ في آن: حشرةٌ تمشي على عودِ قمحٍ رفيع، وأخوه يلهث ويعود إلى الوراء، وسماءٌ مائلةٌ كمن ستقع ولا تقع. ظلّت تلك العينُ تقاوم الانطفاء كقنديلٍ في ريح. كانت نظرةً طويلةً ومنكسرةً وممتنّة.
جلس قابيلُ إلى جواره. ألقى الحجر بعيداً. لاحظ أنّ كلَّ ما حوله أجمل؛ ليس لأنّ الجريمة تُنشّف العيون، بل لأنّ الموت يجعل الضوء حادّاً. كان ذلك درساً قاسياً في طبيعة الجمال الأرضي: كثيراً ما يظهر في حدود الفاجعة.
لم تقبل الأرضُ الجسدَ في الحال. ظلّ قابيلُ يدفع الحجارة عليه فيتفلّت. تعلّم الدفن من طائرين يتعاركان، فإذا بأحدهما يقع، والآخرُ يحفر بمنقاره حفرةً صغيرة، ويدفع رفيقه فيها. فعل مثلما رأى، فأذعنت الأرض في النهاية.
عاد إلى البيت، فوجد حواءَ جالسةً عند الباب المفتوح إلى السماء. كانت تعرف. لم تصرخ، لم تلعن. مدت يديها فاحتضنتهما معاً: القاتل في حاضرها، والمقتول في غيابه. كان حضنها هو القبر الحقيقي. قالت: سيكبر لنا صبيانٌ آخران، وستمتلئ الأرض. لكن تذكّروا: الباب ليس مكافأةً ولا عقوبة، إنّه يتفتّح أحياناً حين نُصلح ما أفسدناه متذكرة خطيئتها الأولى.
5
في الليالي التالية، صار آدم يقوم قبل الفجر. يحمل حجراً ويجلس عند التلّ حيث الصخرة. وأمّا قابيل، فصار يكره جدرانه. هدم بعضها، وترك الأشجار تنمو كما تشاء. كان يراقب فوضاها فيستعيد صورةَ أخيه وهو يقول نجرب.
كَبُرَتْ في قلبه فكرةٌ غريبةٌ: هل الجمالُ، في جوهره، قتلٌ للزائد؟ هل كان ضربتُه اختصاراً قاسياً للطريق الذي يفعلُه الفنُّ حين يُميتُ حرفاً ليحيا المعنى؟ ارتعب من الفكرة، ثم هدّأها: الفنُّ يقتل الفائض، لا الإنسان.
عادت حواء من الحقل ذات صباحٍ ومعها نبتةٌ زرقاءُ صغيرة. قالت لآدم: وجدتُها على قبره. كانت النبتةُ تمتصّ الضوء، ثم تُخرجه زرقةً لا تشبه زرقة السماء ولا زرقة البحر. زرقةٌ ثالثة. زرعتها قرب الباب المفتوح إلى السماء، وصارت كلّما ذبلت تسقيها بدموعٍ لا أحد يعرف هل هي للحزن أم للرجاء.
حلمت بعدها ببابٍ يُفتح. لم تعد للجنّة كما ظنّت، بل خرجت منها إلى الأرض مرّةً أخرى. فهِمتْ أن الباب لا يعيدنا إلى ما كان، بل يُدخلنا أبعد في ما صار: عبورٌ إلى كثافةٍ أكثر رحابةً.
بعد دوران الأرض، كان البيتُ قد اتّسع وامتلأ بالأطفال والأحفاد. تعدّدت أشكالُ الجمال. وُلد الفنُّ كما يولد الكائنُ من صراعٍ بين يدٍ تُحكم وعينٍ تُطلق. كان قابيلُ شيخاً ينظر إلى الصبية وهم يلعبون، فتأتيه صورةُ أخيه. وكان آدم قد صار بطيئاً، يلملم الكلمات التي أفلتت منه. أمّا حواء، درويشة السماء، فكانت تمشي هائمة بين الناس كبابٍ مفتوحٍ من دون مقبضٍ.
وقف قابيلُ ذات مساءٍ عند الصخرة وقال: أخطأتُ حين أردتُ أن أجعل الجمال جسراً فقط. كان عليّ أن أُصغي لما يفعله من دوني. ثم أضاف: الباب في اليد التي تُطلق ما تحبّ، وفي اليد التي تُصلح ما أفسدت. البابُ مزدوجٌ.
6
ذات سماء في لونها الغامق، رأوا أمراً غريباً: انشقّت شقّاً رفيعاً. خرج منه ضوءٌ لا يسطع بل يلين، ينساب على الحقول والوجوه. لم يصعد أحد، ولم ينزل أحد. ومع ذلك، عرف كلُّ من رأى أنّ باباً مرَّ من فوقهم كما تمرّ الذكرى على قلبٍ لم يُنسِه الزمن وإنما وسّعه.
قيل يومها إنّ هابيل عاد. وقيل إنّ قابيل غُفر له. لكن شيئاً واحداً بَقِيَ مؤكّداً: أنّ الجمال لا يُمتلك؛ إن حاولتَ امتلاكه قتلتَ شيئاً، وإن تركتَه تماماً ضاع. عليك أن تُمسك وتُفلت في الوقت نفسه. تلك هي معادلة الباب.
7
عند القبر حيث الزرقة الثالثة تنمو، وجدت حواء طفلاً نائماً. عيناه مفتوحتان رغم نومه، زرقتان بلون النبتة.حملته إلى البيت. عندما تكلّم، نظر إلى الكُوّة وقال: هنا كِسرةٌ من السماء.
سألته: من أين أتيت؟ من الباب. أيّ باب؟ الذي يُمسك ويُفلت.
كان يرسم دوائر في التراب، دوائر مفتوحة من جهةٍ واحدة. قابيل الشيخ يراقبه من بعيد، يرى في حركة يده الصغيرة شيئاً يعرفه. مسبحةٌ بلا خيط. قربانٌ بلا نار. بابٌ بلا عتبة.
في ليلةٍ واحدة، نما الطفل. صار شاباً يشبه هابيل، ثم شيخاً يشبه آدم، ثم عاد طفلاً. قال وهو يضحك: السماء لم تضع. كانت هنا، في الحجر الذي قتل، في النبتة التي نمت، فيّ.اختفى مع الفجر. تركَ ريشةً زرقاء واحدة.
قابيل التقطها، وضعها في الكُوّة. الضوء مرّ من خلالها فصار أزرق. أزرق ثالث للطفل الغريب وسابع للسماء.
شيءٌ أضاء، شيء كان هناك قبل ضياع السماء، وسيبقى بعد أن تنسى الأرض كيف تتكلّم.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




