مقالات

مفهوم الحُبّ في الفلسفة والفكر الحديثين

رسلان عامر

مقدمة

يعتقد الكثيرون أنّ العلاقة بين الحُبّ والفلسفة إمّا لا وجود لها أو أنها ضعيفة، فالحُبّ ينتمي إلى ميدان العاطفة فيما تنتمي الفلسفة إلى ميدان العقل، وبذلك قد يبدو وكأن الحُبّ والفلسفة ليس فقط لا جامع بينهما، بل حتى أنهما متناقضان، فالعاطفة لا تخضع للعقل ولا تلتزم بالمنطق، ولذا لا يمكن أن نؤطرها في إطار فلسفي أو نقيّمها على أسس فلسفية أو ننظمها وفقًا لفلسفة معينة، والفلسفة بدورها تقوم على العقل، ويجب ألا تدخلها العاطفة، أو تؤثر عليها أو فيها، فإن دخلت العاطفة الفلسفة أضعفت نظامها القائم على العقل وخفضت سويتها بقدر دخولها فيها، وإن سعتْ الفلسفة لقولبة العاطفة في قوالبها إما فشلت بسبب تمرد العاطفة أو وضعت الإنسان في حالة توتر بين عقله وقلبه، أو كبتت عواطفه.

ووفقًا لهذه الرؤية ينشأ تصور أن الفلاسفة والمفكرين والعلماء إمّا هم غير مبالين بشؤون الحُبّ، أو أنهم قليلو الاهتمام بها؛ هذا إنْ لم يكونوا ضده.

في الواقع لا يمكن إنكار ما بين العاطفة والعقل من اختلاف أو حتى تناقض، مع ذلك فهما يلتقيان في وحدة الانتماء الإنساني، وشراكة الوجود والفعل في وحدة الذات الإنسانية، وبذلك يحدث بينهما فعل ورد فعل، وهذا قد يكون من نوع تواجه الأضداد أو توافق المختلفات، وفي المحصلة يمكن للمفكرين والفلاسفة وعلماء الإنسانيات أن يطوروا مذاهبهم الفكرية والفلسفية في الحُبّ أو من الحُبّ، مثله مثل أيّ ظاهرة إنسانية أخرى، وأن يسعوا بالتزامن مع ذلك إلى تجسيد مذاهبهم الفكرية هذه عبر تطبيقها في واقعهم المعاش، وعيش تجارب الحُبّ أو اتخاذ موقف من الحُبّ يتفق مع مذاهبهم الفكرية، وقد ينجحون أو يفشلون في هذا بدرجة أو بأخرى. هذا ما كان عليه الحال منذ أيام الفلاسفة والحكماء القدماء في الحضارات القديمة المختلفة، وهو ما يزال مستمرًا إلى عصرنا الحديث الراهن.

سنتناول في مقالتنا هذه آراء ومواقف ومفاهيم عدد من المفكرين الفلاسفة والأخصائيين الإنسانيين الحديثين في الحُبّ، وبالطبع مصطلح «الحُبّ» هنا لا يعني فقط الحُبّ بين الرجل والمرأة، بل هو يشمل الحُبّ الإنساني بمستوياته وميادينه المختلفة. وقد تم ترتيب هؤلاء المفكرين الفلاسفة والعلماء وفقًا للتسلسل الزمني لتواريخ حياتهم.

1- ستاندال: الحُبّ هو صنع صورة مُثلى للمحبوب

يرى المفكر والروائي الفرنسي ستاندال (واسمه الحقيقي ماري هنري بيل) (1783-1842) أنّ الحُبَّ عمليةٌ يقوم فيها المحبّ بصنع صورة مثلى للمحبوب، تتمثل فيها أجمل وأسمى الصفات، وهذه العملية تشبه وضع غصن شجرة في منجم لمدة شهر أو شهرين أو أكثر، فيخرج مرصعًا بالبلورات التي التصقت به، ويتلألأ كأنه غصن من البلور، وهذه العملية يسميها ستاندال بـ«التبلور» (Crystallization)، حيث يتم لصق الصفات الرائعة بصورة المحبوب كما تلتصق البلورات بالغصن لتغطي شكله الحقيقي بصورة مثالية، وبهذا الحُبّ وعبر تصور المحبوب مثاليًا تعبـّر الذات عن سعيها نحو الكمال وبحثها عنه. وقد نشر ستاندال أفكاره الفلسفية عن الحُبّ في كتاب يحمل نفس العنوان: «عن الحُبّ» عام 1822 والجزء الأول منه هو تحليل للحبّ، حيث يقسّم الحُبّ إلى أربعة أنواع([1]) هي:

  • الحُبّ العاطفي (Passionate Love)، وهو أروع شكل من أشكال الحُبّ، وهو ما يرفعه ستاندال عاليًا، ويكرّس له معظم اهتمامه، ويحدد له سبع مراحل تطورية ليترقى عبرها من الإعجاب إلى «التبلور»، أو العملية التي ينسب بها الحبيب جميع أنواع الكمال إلى حبيبه.
  • الحُبّ الجسدي وهو ما يتمّ في نطاقٍ جنسي رغبوي بحت.
  • الحُبّ المهذّب، ويترجم إلى الإنكليزية بـ(Mannered Love)، أو (Sympathy-Love)([2])، وهو الذي يتمّ كعلاقة اجتماعية منفصلة عن العاطفة، ومحكومة بالآداب والقيم الاجتماعية.
  • الحُبّ الغروري وهو ذاك النوع من العلاقات الذي يعتقد من يقوم به بأنه قد يحقق له المكانة والهيبة الاجتماعية، حيث يسعى الرجال مثلاً لامتلاك العشيقات المميزات كما يسعون لامتلاك الخيول الجميلة([3]).

أمّا في الجزء الثاني من العمل، فيعرض وجهات نظره، التي تعتبر راديكالية في ذلك الوقت، والتي يفضل فيها التعليم الكامل والحريّة الأخلاقية للمرأة على الزواج. ويرى ستاندال أنه إذا تم الوصال بين المحب ومحبوبته، فالتبلور يتوقف وقد يذوب، وإن لم يتم فهو يزداد، وتصبح فكرة الحرمان من المحبوبة دافعًا لتجميلها وتمجيدها([4]).

أمّا مراحل تطور الحُبّ السبعة وفقًا لستاندال، فهي:

1- الإعجاب، ولا يشرح ستاندال في كتابه المذكور آنفًا هذا المصطلح معتبرًا إيّاه على ما يبدو مصطلحًا مفهوما.

2- المرحلة الثانية لا يسميها ستاندال باسمٍ محدد مكتفيًا بالقول عنها باقتضاب: «أنت تفكر: “يا لها من متعة أن أقبّلها أو تقبّلني!”».

3- الأمل، وهي المرحلة التي يصل الرجل والمرأة معها إلى أقصى درجات الشغف، وفيها يبدأ الرجل بالتفكير بحسنات المرأة كصفات كاملة، وتمنحه هي نفسها إلى أقصى حد.

4- ولادة الحُبّ، وفي هذه المرحلة يستمتع المتحابان بقرب بعضهما بكل حواسهما بقدر الإمكان.

5- التبلور الأول، وفيه يضفي المحبّ على حبيبته التي تبادله الحُبّ عددًا لا يحصى من الصفات المثلى، ويعتبرها نعمة سماوية نزلت من السماء لأجله.

6- الشك، وهنا يبدأ المحبّ بالشك بصدق حبّ حبيبته له، وحقيقة الصفات المثالية التي أضفاها عليها، ويشعر بالألم لأنّ الصورة البلورية التي صنعها لها معرّضة لخطر التحطم.

7- التبلور الثاني، فيه يسعى المحبّ لإنقاذ صورة محبوبته البلورية، ويحاول إقناع نفسه بأنها مثالية وأنها تحبّه، في الوقت الذي يساوره الشك بعملية التبلور كلها.

هذا ما يقوله ستاندال عن عملية التبلور، وكما نرى فهو يتحدث عن تجربة حب عميقة مرهفة، وهي بلا شك ترتبط بتجربته الخاصة، حيث كان الدافع وراء كتابه «عن الحُبّ» هو حبّه اليائس لميتيلد ديمبوسكي ([5]).

2- سورين كيركجارد: المحبّة هي انتصار الروح في الإنسان على الجسد

يتكون الإنسان عند الفيلسوف الدانماركي كيركجارد (أو كيركيغور) (1813-1855) من الجسد والنفس والروح، لكن «الروح» هي الوجود الحقيقي للإنسان، وهي داخل الجسم تكون في غربة وقلق، وفي ما يتعلق بالجنس تكون المهمة هي إخضاعه بشكل طبيعي لسلطة الروح، وتحقق هذه المهمة هو انتصار الحُبّ في الإنسان، حيث تقهر الروح الجسد، لدرجة أن ما هو جنسي يتم نسيانه.

ونظرة كيركجارد هذه إلى الجنس، هي نظرة توجهها المسيحية بشكلٍ رئيس، وهي تتميز إلى حد كبير برفض الحياة في العالم، ومن ثمّ فإماتة الغريزة الجنسية أو تحويلها إلى حب روحي تتلاشى فيه تمامًا هذه الغريزة ([6]). وعن هذا الحُبّ الروحي يقول كيركجارد: «أقول فقط عندما تكون ميتًا عن الأنانية، ومن ثمّ ميتًا عن العالم إلى درجة كراهية ما في العالم والأشياء التي في العالم، وعندما لا تحبّ بأنانية حتى إنسانًا واحدًا آخرًا، وفي محبتك لله تتعلم بغض ذاتك؛ عندئذ فقط تستطيع أن تقول أنك بدأت في المحبّة بحسب المسيحية»([7]).

أما تصنيف كيركجارد للحبّ، فهو يتضمن 3 مستويات يرتبط كل منها بمرحلة من مراحل تطور الإنسان، وهي:

1- المرحلة الحسية، وفيها يكون الإنسان تحت سيطرة غرائزه، ويكون الحُبّ فيها حسيًّا بامتياز ومتمحورًا حول المتعة الجسدية، والرجل لا يفكر بالمرأة إلا كأنثى، ويكون الزواج مستبعدًا، ومثل هذا الحُبّ عابر زائل، لا يلبث فيه الرجل أن يملّ من المرأة فينشد المتعة عند أخرى غيرها.

2- المرحلة الأخلاقية، وفيها يتحرّر الإنسان من سيطرة الغريزة والشهوة الحسية، وترتقي أخلاقه، فيختار فتاة أحلامه  ليس من أجل المتعة بل ليتزوج منها ويعيش معها كل حياته في شراكة وجودية عاطفية أخلاقية([8]).

3- المرحلة الإيمانية أو الدينية، وفيها يرتقي الإنسان بإيمانه بالله، ويقترن الحُبّ بالإيمان، ويعزّزه ويتعزّز به، ويتمثل بمحبّة الله ومحبّة الناس، أو محبّة القريب بمعناها الشامل، على أساس الإيمان بالله، كما تقول التعاليم المسيحية([9])([10]).

ذاك هو مفهوم كيركجارد للحبّ، وبالمقارنة مع ستاندال الذي يركز على حبّ الرجل للمرأة، فكيركيجارد، الذي يولي هذا الحُبّ قدرًا من الاهتمام اللازم ويراه كعلاقة زواج وشراكة أخلاقية وجودية دائمة، يركز بشكل رئيس على الحُبّ الشامل الذي تقع محبّة الله في مركزه وذروته، ومثل هذا الحُبّ القائم على الإيمان، يصبح عند ستاندال الذي يجمع بين الوجودية والمسيحية في نظرة عبثية إلى العالم البشري، هو الخلاص الوحيد من هذه العبثية.

3- ليف تولستوي: المحبّة تجتاز حدود الجسد، والجنس فقط للإنجاب

آمن الفيلسوف والروائي الروسي تولستوي (1828-1910) بتعاليم الإنجيل كتعاليم أخلاقية سلوكية، وفي فكره تعتبر المحبّة أحد المحاور الأساسية، وقد ركز عليها كقيمة كبرى على طريق حياة الإنسان الباحث عن معنى وغاية لحياته، وعن علاقة رفيعة مع الله، ومع الناس الآخرين.

ولكن محبّة الآخرين لا يمكن أن تتحقق بدون محبّة الله، فبهذه المحبّة فقط يمكن للإنسان أن يحبّ قريبه وأي شخص ومهما كان جلفًا أو مؤذيًا أو حتى كريهًا وعدائيًا بالنسبة له، أما بدون محبّة الله، فمحبّة القريب تصبح شيئًا غير مفهوم.

وبرأي تولستوي، الله يريد منا أن نكون سعداء، ولذا فقد وضع فينا الحاجة إلى السعادة، إلا أن الله أراد أن يكون الجميع سعداء وليس البعض فقط، ولذا فقد وضع فينا الحاجة إلى المحبّة، ولذا يمكن للناس أن يكونوا سعداء فقط عندما يحبون جميعًا بعضهم بعضًا.

وبالنسبة للحبّ الجنسي، كان تولستوي من دعاة العفة، وهو يرى أن الزواج الوفي جيد، وعدم الزواج أفضل، لكن يمكن لندرة من الناس القيام بذلك؛ أما من يتزوج وهو قادر ألا يتزوج فهو- برأيه- كمن يقع دون أن يتعثر. وتولستوي يرفض الرأي القائل بأن العفة تتعارض مع الطبيعة البشرية، ويرى بأنها ممكنة وأنها تعطي خيرًا لا مثيل له حتى في زواج سعيد. أما المعاشرة الجنسية فهي مبرّرة فقط في الزواج بغاية إنجاب وتربية الأطفال، وهذه خدمة متواضعة لله، خدمة عبر «الأطفال»؛ لأن من يفشل في فعل أمر ما، يمكن لأولاده من بعده أن يفعلوه من أجل الله، وباستمرار الذرية الصالحة يمكن للإنسان أن يتابع تحقيق كل ما يريده الله منه. وهكذا فالأطفال هم الذين يجعلون الزواج مبرّرًا ومقدسًا، أما الزواج الذي يرفض فيه الزوجان إنجاب الأطفال فهو أسوأ من الزنا ومن كل فجور. وبالنسبة لممارسة الجنس من أجل المتعة، فتولستوي يرى أنّ غالبية الناس قد انحدروا فيها إلى ما دون مستوى الحيوانات، وقد كان عليهم ألا يكونوا كذلك على الإطلاق، بل على العكس، فذكور الحيوانات وإناثها لا تتصل جنسيًا إلا عند إمكانية التناسل، أما الرجل والمرأة فيتعاشران من أجل المتعة بغض النظر عن إنجاب الأطفال([11]).

ومما تقدم نجد عدة نقاط يلتقي فيها تولستوي مع كيركجارد، وأهمها التركيز على محبّة الله، ونبذ المتعة الجنسية الجسدية والإعلاء من شأن الزواج، وهذا عائد إلى الخلفية المسيحية المشتركة التي توجه بتعاليمها وقيمها الأخلاقية والروحية فلسفة كل منهما.

4- كليف ستيبلز لويس: ثلاثة أنماط نوعيّة للحب مقابل أربعة شائعة

في كتابه «المحبّات الأربع» (The Four Loves)، الذي تم نشره عام 1960، يقوم الكاتب واللاهوتي البريطاني كليف ستيبلز لويس (Clive Staples Lewis-1898-1963) بشكل فكري باستكشاف طبيعة الحُبّ من منظور مسيحي وفلسفي. كان لويس في البداية يعتقد أنه يجب وضع مفهوم «الحُبّ الاحتياجي» (Need-love) الأدنى -كحبّ الطفل لأمه- في تناقض مع مفهوم «الحُبّ الهبوي» (Gift-love) الأسمى، إلا أنه أدرك سريعًا أن طبيعة هذه التصنيفات الأساسية للحبّ أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه للوهلة الأولى، فحاجة الطفل إلى المحبّة الأبوية هي ضرورة وليست انغماسًا في الأنانية، في حين أن الحُبّ الهبوي من قبل الوالدين بشكلٍ مفرط يمكن أن يأخذ شكلاً معكوسًا، ويصبح انحرافًا بحد ذاته.

لاحقًا يواصل لويس تجربته الفكرية باستكشاف طبيعة المتعة، مميزًا بين «المتع الاحتياجية» (Need-pleasures)، مثل الماء للعطشان، و«المتع التقديرية» (Pleasures of Appreciation)، مثل حبّ الطبيعة، ومن هذا المفهوم الأخير طوّر ما أسماه: «العنصر الثالث في الحُبّ، الحُبّ التقديري» (Appreciative love)، ليتماشى مع «الحُبّ الاحتياجي»، و«الحُبّ الهبوي». ثم يمضي لويس  إلى مواجهة هذا التمييز النوعي الثلاثي للحُبّ مع أنواعه الأربعة الواسعة الشيوع، التي يشير إليها في عنوان كتابه، الذي يصنف في فصوله الأربعة الختامية الحُبّ في أربع فئات، مستندًا بشكل جزئي إلى كلمات الحُبّ اليونانية الأربعة، وهي: ستروڠي (Stroge)، وفيليا (Philia)، وإيروس (Eros)، وأڠاپي (Agape).

  • ستروڠي، أو رابطة التعاطف، وتدل على المودة الناتجة عن حالة الألفة بين الناس، التي يتم فيها تجاوز الخصائص والقيم الشخصية التي تعتبر جديرة بالحُبّ، والمثال على ذلك الحُبّ الأسري.
  • فيليا، أو رابطة الصداقة، وهي برأي لويس المحبّة المتبادلة بين الأصدقاء التي تكاد تبلغ مستوى الأشقاء في القوة والمدة، وهي الرابطة القوية القائمة بين الأشخاص الذين يتشاركون في القيم أو الاهتمامات أو الأنشطة، وهو يعرب عن استيائه الشديد من الطريقة التي يتجاهل بها المجتمع الحديث الصداقة.
  • إيروس، أو الحُبّ الرومنسي، ويدل على الحُبّ الجنسي الشخصي، وهو يميز بين هذا النشاط، والنشاط الجنسي الفظ الذي يسميه: «فينوس»، وبهذه المقاربة يميز بين النشاط المتمثل بالرغبة بامرأة معينة، والرغبة بامرأة بشكل عام.
  • أڠاپي، أو محبّة الله، وتدل على الحُبّ الإيثاري غير الأناني وغير المشروط وغير الخاضع للظروف، وهو أعظم أشكال الحُبّ، وفيه تتمثل الفضيلة المسيحية. وبالنسبة للويس يجب أن تخضع أشكال المحبّة الأخرى غير المكتفية بحد ذاتها لمحبّة الله المليئة بالحُبّ الخيري، لتمنع في تلك الأشكال ما يسميه لويس تعظيم الذات «الشيطاني»([12]). وكما نرى فلويس إضافة إلى ما أدخله من مفاهيم جديدة في الحُبّ؛ فهو بدوره مثل كيركيجارد وتولستوي، يعطي أهمية مركزية في الحُبّ لمحبّة الله، وهذا أيضًا يرتبط بثقافته المسيحية بشكل رئيس.

5- إيريك فروم: الحُبّ هو الجواب على مشكلة الوجود الإنساني

في كتابه «فنّ الحُبّ» يصنف عالم الاجتماع والنفس والفيلسوف الألماني إيريك فروم (1900-1980) الحُبَّ إلى عدة أشكال، منها: الحُبّ الأخوي، والحُبّ الأمومي، الحُبّ الجنسي، وحبّ الذات، والحُبّ الإلهي.

  • الحُبّ الأخوي: وهو حب الإنسان لكل الناس، وشعوره الإنساني بالمسؤولية والرعاية والاحترام تجاههم جميعًا.
  • الحُبّ الأمومي: الأم بالنسبة للطفل تمثّل الطبيعة التي ولد منها، ويتجلى حبّها في أن تمنحه الرعاية وحبّ الحياة والشعور بالأمان، فيما يمثّل الأب عالم النظام والقانون والسلطة الذي صنعه الإنسان، ويتمثّل حبّه بأن يرشد الطفل ويعلمه كيفية التعامل مع المجتمع ومواجهة المشاكل.
  • الحُبّ الجنسي: على العكس من فرويد الذي يعتبر أن الحُبّ الرومانسي هو تسام للغريزة الجنسية، يرى فروم أن هذا الحُبّ هو شكل مباشر من الحُبّ الأخوي ينشأ بين شخصين مختلفي الجنس، وإذا لم يكن هذا الحُبّ الجنسي أخويًا، ولم يكن هو الدافع للاتحاد الجسدي، فالاتحاد الجسدي عندها لن يكون أكثر من شعور عربيدي مؤقت عابر.
  • حبّ الذات: عند فرويد حبّ الذات هو النرجسية الأنانية التي تتموضع في أدنى درجات تطور الشخصية، وإنْ ظهرت فيها في مرحلة متأخرة، يصبح صاحبها عاجزًا عن الحُبّ؛ أما فروم فيقول: «ﺇﺫﺍ ﺃﺣﺒﺒﺖ ﻧﻔﺴﻚ ﻓﻘﺪ ﺃﺣﺒﺒﺖ ﻛﻞ ﺷﺨﺺ ﺁﺧَﺮ، ﻛﻤﺎ ﺗﻔﻌﻞ ﺇﺯﺍﺀ ﻧﻔﺴﻚ، ﻭﻃﺎﻟﻤﺎ ﺃﻧﻚ تحبّ ﺷﺨصًا ﺁخر ﺃﻗﻞ ﻣﻤﺎ ﺗﺤﺐّ ﻧﻔسك، ﻓﻠﻦ ﺗﻨﺠﺢ ﺣقًا ﻓﻲ ﺣﺒّﻚ ﻧﻔﺴﻚ».
  • حبّ الله: يربط فروم بين حبّ الله وحبّ الإنسان، ويرى أن ﻃﺒﻴﻌﺔ حبّ الإنسان المتدين ﻟﻠﻪ ﺗﺘﻔﻖ ﻣﻊ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺣﺒّﻪ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ، وﺣﺒّﻪ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ، يتجسد ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺗﻪ ﺑﺄﺳﺮﺗﻪ وﻳﺘﺠﺪﺩ ﺑﺒﻨﺎﺀ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻴﺶ ﻓﻴﻪ([13])([14]).

ويرى فروم أن الحُبّ هو الجواب على مشكلة الوجود الإنساني، المتمثلة بانفصال الإنسان عن الطبيعة ليعيش حياة العزلة؛ فالإنسان «قد تجاوز الطبيعة، ولكنه لم يتركها إطلاقًا، إنه جزء منها، ومع هذا فإنه لمّا كان قد ابتعد عن الطبيعة، فإنه لا يستطيع أن يعود إليها، وهذا الانفصال هو مصدر كل قلق، وهو يعني العجز عن استخدام القوى الإنسانية، وعدم القدرة على مواجهة العالم الذي يحاصر الإنسان، والذي يولد ويموت فيه الإنسان دون إرادته، وهكذا يصبح الوجود المفكك المنفصل سجنًا لا يطاق، وتصبح أعمق حاجة عند الإنسان هي الحاجة إلى قهر انفصاليته، وترك سجن عزلته، ولكي يتحرر الإنسان عليه بشكل أو بآخر أن يوحد نفسه مع الناس الآخرين ومع العالم الخارجي»([15])، وهو يستطيع أن يفعل ذلك بالحُبّ، فـ«الحُبّ هو قوة فعّالَة في الإنسان، قوة تقتحم الجدران التي تفصِل الإنسان عن رفاقه، وتوحِّده مع الآخرين، وتجعله يتغلَّب على الانفصال والعزلة. ومع هذا يسمح له أن يكون نفسه، أن يحتفِظ بتكامله، وفي الحُبّ يحدث الافتراق: اثنان يصبحان واحدًا ومع هذا يظلان اثنين»([16])، ولكي يتحقق هذا فعلى الإنسان أن يسعى لتطوير شخصيته الكلية، فهو لن يحصل على الحُبّ الحقيقي؛ إلا عندما يتعلم كيف يحب الآخر بتواضع وشجاعة وإيمان ونظام([17]).

وبرأي فروم في كتابه المذكور، الذي يوجزه نبيل سلامة، فالحُبّ هو «وقوف» وليس «وقوعًا»، وهو عطاء وليس أخذًا، والعطاء في الحُبّ لا يعني الحرمان من الشيء المعطى أو التخلي عنه، فالعطاء بحد ذاته باعث أكبر للفرح من التلقي، وفيه يعطي الإنسان من ذاته وحياته، ويعبر عن اتقاده بالحياة([18]). والحُبّ ليس علاقة شخصية بين شخص وشخص، وليس له موضوع واحد، ولكنه علاقة بين الإنسان والعالم ككل، فمن يحب شخصًا واحدًا حبًّا حقيقيًا، فهو يحبّ جميع الناس والعالم والحياة، ويحبّ في حبّه هذا نفسه أيضًا ([19]).

وكما نرى، يتوسع إيريك فروم في تصنيف الحُبّ، ولكنه يلتقي بدوره مع كل من كيركجارد وتولستوي ولويس في بعض أفكاره، فمفهومه للحبّ الأخوي هو شبيه بمفهوم حبّ القريب بمعناه الشامل الذي دعا إليه كل من أولئك المفكرين، وهو يرتبط أيضًا بمحبّة الله التي يركز عليها كلا منهم.

6- جان بول سارتر: الحُبّ مشروطًا بالحريّة هو ملاذ من العرضية

لم يكن الفيلسوف الفرنسي سارتر (1905-1980) في موقفه من الحُبّ بين الرجل والمرأة يؤمن بديمومة هذا الحُبّ، وبفهمه التقليدي كارتباط دائم، كان سارتر يعتبره متناقضًا مع الحريّة، التي كان يعتبرها الشرط الرئيس لنجاح الحُبّ، وفي العلاقة بين الحُبّ والحريّة، يمنح سارتر كفيلسوف وجودي الأولوية للحريّة. بالنسبة له جوهر الإنسان يرتبط بحريته، والحريّة هي أساس طبيعة الإنسان، والإنسان بنظره محكوم بالحريّة، وهو مشروع يصنع نفسه بنفسه على مستوى ذاته، وكل علاقة تتناقض مع الحريّة هي علاقة فاشلة. لكنه في حواراته الأخيرة مع دي بوفوار التي نشرت بعد وفاته عام 1980، يقول: «بطبيعة الحال لدي أولوية تضع الحريّة في المرتبة الأولى وتضع الحُبّ في المرتبة الثانية، لكنني اليوم، أتمنى لو أنني قلبت المعادلة، فالحريّة ليست سوى وسيلة توصلنا للحبّ الدائم. إننا للأسف نستهلك اليوم مفهوم الحُبّ حين نقارنه بالحريّة، فنحن لا نزال نجهل كل الجهل ما هو الحُبّ … إن كل استهلاك لمفردة الحُبّ، يعني أننا ندير ظهرنا للمعنى الحقيقي للشيء الجميل ولقيمته الحقيقية»([20]).

مع ذلك فالحُبّ عند سارتر له قيمة وجودية كبرى، فسارتر الذي كان يرى أن وجود الإنسان في الحياة عرضي ولا معنى ولا قيمة له، كان يعتبر أن الحُبّ قادر على تغيير هذا الواقع وجعل وجود الإنسان ضروريًا ومبررًا، فالنظرة شبه المطلقة التي ينظرها المحبّ للمحبوب، تجعل المحبوب في مأمن من العرضية ولو إلى حين (21).

وهذه النظرة التي ينظرها المحبّ للمحبوب، التي تتخطى محدودية وموضوعية هذا الحُبّيب، تعطي لهذا الحُبّيب قيمة مطلقة وتجعله كافيًا بحد ذاته، وتحميه من النظرة التقييمية الصارمة التي كان من الممكن لهذا المحبّ أن ينظر فيها إلى هذا المحبوب كآخر بدون الحُبّ، فتسلبه ذاته وتصادره وتضع له الحدود، وتسقطه إلى مستوى الشيء، وبدلاً من ذلك ينفي الحُبّ عن المحبوب وضعية الموضوع المستلب، ويجلعه ذاتًا واعية حرّة، ويصبح الحُبّ نفسه هو حامي حريته.

وقد عاش سارتر تجربة حُبّ غير تقليدية فريدة مع سيمون دي بوفوار، استمرت أكثر من 50 عامًا، وقد حاولا فيها معًا تطبيق أفكار سارتر في الحُبّ، وعن هذه التجربة يقول سارتر: «بلا عشق ولا روعة، ولكن من أعماقي»([21]). أما دي بوفوار فقد ابتدعت بدورها مفهوم «الحُبّ الأصيل»، و«اعتبرته واحدًا من أكثر الأدوات قوةً للأفراد الراغبين بالحريّة» وركزت فيه على جوهرية احترام حريّة الذات وحريّة الآخر وعدم استغلال الآخر أو ظلمه أو إساءة معاملته، واعتبرت علاقتها مع سارتر، التي حافظ فيها كلًا منهما على حريته التامة، مثالاً على هذه العلاقة([22]).

وهكذا نجد عند سارتر مفهومًا مبتكرًا للحبّ يربطه بالحريّة، وتكون الحريّة فيه هي ناظم الحُبّ، والحُبّ هو هدف الحريّة، وهو الذي يعطي لحياة الإنسان المعنى؛ ورغم الاختلاف الكبير في المدارس الفكرية، فمفهوم سارتر للحبّ الذي يتخطى محدودية وموضوعية الحبيب يتشابه عمومًا مع مفهوم تولستوي لمحبّة الغير بصرف النظر عن صفات هذا الغير.

7- جون آلان لي: نظرية عجلة الألوان الحُبّيّة

جون آلان لي (1933-2013) هو عالم نفس كندي، وقد طرح في كتابه «ألوان الحُبّ: استكشاف طرق الحُبّ»الصادر عام 1973، نظرية مبتكرة في الحُبّ سمّاها: «نظرية عجلة الألوان الحُبّيّة» ([23])، وفيها يستخدم عجلة الألوان التقليدية لوصف ظاهرة الحُبّ المركبة عند الإنسان، يوزع عليها أنماط الحُبّ التي تنقسم لديه إلى عدة درجات، أولية وثانوية وأنماط من الدرجتين الثالثة والرابعة، وفي نظريته، يشـَبّه جون لي الحُبّ بدائرة في داخلها مثلث وهي مقسمة إلى ثلاث أقسام، وتتوزع الأنماط الأولية على محيط هذه الدائرة، والأنماط الثانوية على محيط المثلث، ويأخذ كل نمط منها لونًا خاصًا به كما في عجلة الألوان.

عدد الأنماط الأولية عند لي ثلاثة، وهي: «اللودوس، والأيروس، والستروڠي»، وألوانها على التوالي هي الأزرق والأحمر والأصفر([24])، وكما تشتق كل الألوان الأخرى في الطبيعة من هذه الألوان القاعدية، فكذلك هو الأمر في الحُبّ، الذي تشتق فيه كافة الأنماط المختلفة من هذه الأنماط الأولية، عبر تداخلاتها في ما بين بعضها ومع مشتقاتها، وهذا ما ينتج أنماطًا جديدة من الحُبّ تختلف بشكل جوهري عن الأنماط السابقة الداخلة في تكوينها، كما هو حال الألوان في الطبيعة، حيث يختلف -مثلًا- اللون البرتقالي بشكلٍ جوهري عن اللونين الأحمر والأصفر المكونين له.

وهكذا تنشأ أنماط الحُبّ الثانوية الثلاثة من تفاعلات الأنماط الثلاثة الأولية، لتشكل بدورها أنماطًا مختلفة ومستقلة عن الأنماط الأولية، فتنشأ «المانيا» من تفاعل كل من اللودوس والأيروس كنمط حبّ مختلف ومستقل عن كل منهما، وبنفس الطريقة تنشأ «البراڠما» من تفاعل الستروڠي واللودوس، وينطبق الحال نفسه على الأڠابي، التي تنشأ من تفاعل الأيروس والستروڠي([25]).

ووفق هذه المنهجية، التي تتفاعل وتنشأ فيها الأنماط الحُبّيّة بشكلٍ يشبه تفاعل ونشوء الأنماط اللونية، يمضي لي أبعد من ذلك ليتحدث عن أنماط حبّ من الدرجة الثالثة، ومن الدرجة الرابعة، لكنه يقول بنفسه عنها في كتابه الآنف الذكر أنها أنماط ممكنة نظريًا، وأن التقنية التي يستخدمها لم تتطور بعد بالقدر الكافي للتعرف عليها([26])، ويخبرنا عن هذه الأنماط قائلاً: «يجب أن أحدثكم بمصطلحات لأنواع أخرى تتجاوز المرحلتين الأولية والثانوية، هذه التي أسميها بالثالثوية. في الواقع من الممكن الاستمرار في نفس العملية حتى أبعد من ذلك، والحديث عن المستوى الرابع، ولكن تمامًا كما تميل الألوان التي تجمع بين أربعة ألوان أخرى لتكون من طبيعة لا يمكن وصفها، فكذلك هو الأمر في الحُبّ»، ويضيف: «تسعة أنواع من الحُبّ من الدرجة الثالثة ممكنة نظريًا: الأيروس المانيوي، اللودوس المانيوي، الستروڠي المانيوي، الأيروس الأڠابي، اللودوس الأڠابي، الستروڠي الأڠابي، الأيروس البراڠموي، اللودوس البراڠموي، والستروڠي البراڠموي»([27]). وذاك يعني أن لي يطرح نظريًا أنماط الدرجتين الثالثة والرابعة بشكل استنتاجي يقوده إليه منطق البحث والمحاكمة في نظريته الخاصة، وهو يعترف بعدم قدرة تقنيته العملية على التعرّف على هذه الأنماط كما سلف الذكر. وهكذا لا يعطي لي مسميات محددة لأنماط الدرجة الرابعة، لكنه يعطي مسميات لأنماط الدرجة الثالثة، ويحصي عددها بـ«التسعة»، ويصفها بأن كلاً منها يتكون من اتحاد نمط حبّ أوليّ ونمط حبّ ثانوي.

وعند لي الأنماط الثلاثة الأولية من الحُبّ هي:

  • الإيروس أو «الحُبّ الجنسي»، وهو يدل على الحُبّ المتبادل بين الجنسين ببعديه العاطفي والشهواني، والذي يجمع بين حرارة العاطفة وشوق الجسد، وفيه يختار العشاق الأيروسيون بعضهم بعضًا، إما بواسطة الحدس أو بفعل بنيتهم الكيميوحيوية الخاصة.
  • اللودوس (Ludus) أو «الحُبّ اللعوبي»، وهو يدل على ذلك النوع من العلاقات التي يتعامل الشركاء فيها مع الحُبّ كمجال للحصول على المرح المشترك، وهؤلاء يتركز اهتمامهم في العلاقة على المتعة والترفيه، ولا يهتمون بالعمق العاطفي والارتباط والالتزام فيها.
  • ستروڠي (Storge) أو «الحُبّ العاطفي»، وهذا الحُبّ تلعب فيه روابط القربى أو الألفة الناجمة عن العيش المشترك دورًا رئيسًا، فنجده في العلاقة بين الآباء والأبناء وسواهم من الأقارب، كما ونجده بين الزوجين، اللذين يتطور زواجهما عبر الزمن إلى رابطة قربى تقوم على ألفة ومودة الحياة العائلية المشتركة.

أما الأنماط الثلاثة الثانوية من الحُبّ فهي:

  • المانيا (Mania) أو «الحُبّ الهوسي»، وهو حالة من الحُبّ تتميز بالانبهار بالشريك والسعي للاستحواذ عليه أو التبعية له، وتترافق عادة بالغيرة الشديدة، وإعطاء العلاقة أبعادًا غير عادية عبر النظر إليها كشكل من أشكال الخلاص أو التفوق أو إثبات الذات، والشركاء في هذا النوع من الحُبّ لا يهتمون بمؤهلات الشريك، وغالبًا ما يختارون بعضهم بالصدفة.
  • الأڠابي (Agape) أو «الحُبّ السامي»، وهو أرفع أشكال الحُبّ، الذي يكون فيه المحبّ إيثاريًا في علاقته مع من يحب، ومستعدًا لتحمّل الصعوبات التي تنشأ في العلاقة معه، وهذا النوع من الحُبّ يقوم على التزام لا ينكسر، وفيه يكون المحب معطاءً ويشعر بالرضى والسرور عبر العطاء أكثر من التلقي.
  • البراڠما (Pragma) أو الحُبّ العملي، وهو نوع عملي من العلاقة التي يغلب عليها المنطق الحسابي النفعي، وفيه لا يختار الشركاء بعضهم بعضًا بتأثير الجاذبية أو العاطفة أو الأفكار والمبادئ المشتركة، بل على أساس السِّمات والمؤهلات المرغوبة واللازمة في نهاية المطاف لتحقيق الهدف العملي المشترك مع الشريك.

وكما نرى، نظرية لي في الحُبّ تتعامل مع الحُبّ كظاهرة مركّبة تتداخل وتتكامل فيها أنماط الحُبّ وتنشأ عن تفاعلات بعضها بعضًا؛ وفي الأنماط الأولية والثانوية الرئيسة التي يطرحها لي نجد بشكل عام تقاطعًا بينه وبين لويس في أفكاره حول الأڠابي والستروڠي والأيروس، كما نجد تقاطعًا مماثلاً مع كيركجارد وتولستوي في فكرة الأڠابي.

8- مورغان سكوت بيك: المحبّة كطريق فعليّ للتطور الإنساني الروحي

في كتابه «الطريق الأقلّ ارتيادًا: سيكولوجيا جديدة للمحبّة»، يسعى الطبيب النفسي وعالم النفس والكاتب الأمريكي مورغان سكوت بيك (M. Scott Peck،1936- 2005) لمساعدتنا على إدراك معنى المحبّة الحقيقية، لكي نصبح أشخاصًا محبين بشكلٍ حقيقي فعلي، لنصِل في المحصلة إلى حياة إنسانية نامية ومستقرة روحيًا، ونتماهى فيها مع أرواحنا الحقيقية؛ وهذه بالطبع عملية شاقة، وتقتضي جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلاً.

يرى بيك أن الانضباط هو السبيل الأنجع للتطور الروحي للإنسان، لكن المحبّة هي القوة التي تكمن وراءه، وتوفر له الدافع والطاقة، وهو يدرك أن المحبّة ظاهرةٌ شاملة وعميقة جدًا، وهي غامضة وغير قابل للاختبار وللمعرفة ولا يمكن فهمها أو قياسها أو تحديدها بالكلمات وأن أحدًا لم ينجح يومًا من قبل بتعريفها تعريفًا حقيقيًا مُرضيًا، ومع ذلك فمن خلال تجربته الفعلية في المعالجة السريرية في الطب النفسي، يحاول تعريفها، وفقًا لغايتها، بأنها «استعداد الفرد لتطوير ذاته من أجل نموه الروحي، أو نموّ شخص آخر»، وقد توصل إلى قناعة بأن ما يتراءى للناس محبّة ليس كذلك على الإطلاق غالبًا، وتحركه دوافع مختلفة، ومن خلال خبرته العملية يقدم ملاحظات عمّا يبدو أفعالًا للمحبّة، أيّ معبرة عن المحبّة أو مدفوعة بها، وعمّا لا يبدو كذلك، ويمكن تلخيصها بما يلي:

1- المميِّز الرئيس بين ما يبدو أفعال محبّة وما لا يبدو كذلك، يتمثل في الغاية الواعية أو غير الواعية في ذهن المحبّ أو غير المحبّ.

2- المحبّة هي عملية شاملة تتسم بالغرابة، وفعل المحبّة هو عبارة عن فعل للتطور الذاتي، حتى حين تتجسد غاية الفعل في تعزيز نموّ فرد آخر.

3- لا يمكن التفريق في المحبّة بين محبّة الذات ومحبّة الآخرين، وكما أنه ليس بمقدور الإنسان أن يعلـّم أطفاله الانضباط ما لم يكن هو نفسه منضبطًا، فليس بمقدوره أن يحبّ الآخرين ما لم يحبّ نفسه، فالمحبّة الإنسانية تعني الإخلاص للإنسانية، وتقتضي الالتزام بتطور الذات وتطور الآخرين، ومن ثمّ فمن المستحيل التخلي عن طريق التطور الروحي الذاتي من أجل تطوير شخص آخر روحيًا، فلكي نكون مصدر قوة بالنسبة للآخرين علينا أن نطور أولاً قوتنا الذاتية.

4- المحبّة ليست أمرًا بسيطًا، وهي تتطلب الكثير من الجهد، لكي تصبح ظاهرة حقيقية، فالمرء لا يستطيع توسيع حدوده إلا بتجاوزها، وهذا يقتضي منه بذل الجهود، وحين يحب شخصًا آخر فعليه القيام بالكثير من أجل هذا المحبوب ومن أجل نفسه.

5- معظم الناس لديهم الرغبة بأن يكونوا محبوبين، لكن قلة منهم لديها الاستعداد لذلك، لكن الرغبة لا ينجم عنها بالضرورة فعل، في حين يعني الاستعداد وجود القوة القادرة على التحول إلى فعل؛ فالمحبّة تتمثل بالاستعداد الذي يمتلك النية والقدرة على الفعل معًا، والاختيار أيضًا، ولكي نكون محبين حقيقيين علينا أن نكون محبين بالفعل، وأن نختار فعل المحبّة([28]).

ويقول بيك بأن جزءًا كبيرًا من معاناة مرضاه كان يتعلق بالمفاهيم المغلوطة عن الحُبّ والمحبّة، وهو جزء يمكن تفاديه في حال تصحيح هذه المفاهيم، ومن ذلك مثلاً مفهوم: «الوقوع في الحُبّ»، الذي لا يشكل حبًّا حقيقيًا، بقدر ما هو نشاط مدفوع بالغريزة الجنسية التناسلية، ومرتبط بما يسمى في الطب النفسي بـ «حدود الذات»، وهو شعور مؤقت يفقد نشوته وجاذبيته الأولية مع الوقت كائنًا من كان المحبوب([29]).

ويفسر بيك الوقوع في الحُبّ من الناحية النفسية بأنه هروب مؤقت من قفص الذات الفردية، التي يحس فيها الشخص بالضعف والوحدة المؤلمة، وحالة تمكنه أكثر من التوحد مع العالم الخارجي خارج محيط ذاته، عبر دمج هويته الفردية بهوية شخص آخر، والاتحاد معه، ما يعني تنمية قوة هذا الفرد في مواجهة التحديات والصعاب.

لكن هذه الوحدة الخيالية مع المحبوب سرعان ما تتلاشى عند مواجهة حقيقة أنهما شخصان مختلفان، ولكل منهما اهتماماته وطبائعه المختلفة، التي لا يمكن أن تتوافق كليًا مع طبائع واهتمامات الآخر، ما يضطر كلاً منهما في المحصلة إلى الخروج من هذه الوحدة الوهمية والعودة إلى فرديته، وهنا يكون أمامها إما الانفصال، أو البدء بحبّ بعضهما حبًّا حقيقيًا.

وهكذا نرى أن هذه التجربة ليست حبًّا حقيقيًا، فهي عملية لاإرادية ولا تقوم على استعداد واع واختيار حرّ، وهي مجرد انهيار مؤقت لحدود الأنا الفردية، وليست توسيعًا نهائيًا لحدود الذات وتنمية لها، وهي في المحصلة حيلة تخدع بها جيناتنا عقولنا لإيقاعنا في شرك التزاوج اللازم لحفظ النوع، لكنها مع ذلك تبقى تجربة غير قابلة للضبط، وليست عصية على المنضبطين من الناس، الذين بمقدورهم عدم الخضوع والانقياد للعواطف العمياء([30]).

ويخلص بيك إلى أن «الحُبّ الرومانسي هو أسطورة وكذبة فظيعة جدًا، وهي تسبب فوضى ومعاناة هائلتين؛ إذْ يستنزف ملايين من الناس قدرًا كبيرًا من طاقتهم -باستماتة وبلا طائل- في محاولة لجعل واقع حياته يتوافق مع لاواقعية أسطورة»([31])، و«بوجه عام لا يرتبط النشاط الجنسي والحُبّ ببعضيهما في الغالب، ومع أنهما قد يحدثان في الوقت نفسه، فهما يشكلان أساسًا ظاهرتين مختلفتين»([32]). لكن «الوقوع في الحُبّ» هو مع ذلك قريب من الحُبّ الحقيقي في ما يتعلق بمسألة حدود الذات، فالمحبّة الحقيقة هي توسيع لحدود الذات عبر تركيزنا لطاقتنا النفسية على ما يجسده محبوبنا، أيّ على ما يجذبنا إنسانيًا فيه، وعندما نعمل على تركيز هذه الطاقة على ما هو خارج أنفسنا، فنحن بذلك نعمل على دمجه نفسيًا في داخلنا([33]). ومع استمرارنا في هذه المحبّة وتركيز طاقتنا النفسية لسنوات، تنمو ذاتنا أكثر، وتتسع حدودها، ويصبح اندماج العالم الخارجي فيها أكبر، وبهذا التطور التدريجي يضمحل الفارق بين الذات والعالم أكثر فأكثر، ليتماهيا في المحصلة وتتلاشى الحدود بينهما، وعندها نشعر بشكلٍ دائم بنفس النشوة الغامرة، التي نحسها عند انهيار حدود الذات المؤقت في الحُبّ الرومانسي([34]).

والملاحظ عند بيك أنه يتقارب مع فروم في أكثر من فكرة، فكلاهما يرى في حدود الذات الفردية قفصًا منعزلاً منفصلاً يسجن الإنسان فيه، وكلاهما يركز على تنمية الذات الفردية وفتح الحدود بينها وبين العالم الخارجي، وكلاهما أيضًا يؤكد على أهمية الحُبّ في هذه العملية بوصفه سبيلاً للتطور الروحي، وكلاهما يرى أنه لا يمكن الفصل بين محبّة الذات ومحبّة الآخرين؛ ولكن إضافة إلى ذلك ثمّة نقطة متميزة عند بيك تتمثل باعتباره الحُبّ الرومانسي بشكلٍ التقليدي أسطورة زائفة، وهذا ما سنجد لاحقًا ما يشبهه عند إكهارت تولي.

9-إكهارت تولي: الحُبّ كتجاوز للذات الفردية إلى الذات الكلية

يرى الباحث الروحي المعاصر، الألماني الأصل، الكندي الموطن، إكهارت تولي (Eckhart Tolle)، أن الناس كلهم كل واحد، رغم أنهم في الظاهر أفراد منفصلون، هذه الوحدة هي الحالة التجاوزية (transcendental)، العميقة والمتعالية، الكامنة وراء الحالة الشخصية للانفصال، وكل فرد بشري له بعدان، هما البعد الإنساني النسبي، والبعد الكوني المطلق، في البعد الإنساني يكون الفرد شخصًا وشكلاً (form)، أما في البعد الكوني فهو كائن بلا شكل (formless)، وهو وعي سرمدي متجاوز للزمن.

وبرأي تولي يجب التمييز بين نمطين من الحُبّ، هما: «الحُبّ الشخصي»، و«الحُبّ التجاوزي».

الحُبّ الشخصي، أو ما نسميه حبًّا، هو حالة تقارب بين شخصين، أو بين شكلين، وهو يتخذ أوجهًا عدة، منها مثلاً حبّ الآباء والبنين، والحُبّ بين الجنسين، وأسبابه مختلفة، فالطفل هو شخص أو شكل يأتي من شخصٍ أو شكلٍ آخر هو الأم، ولذلك يتقارب هذان الشخصان أو الشكلان، ويحبّ كل منهما الآخر، وحبّ كل منهما للآخر هو حب شخصي، وكذلك هو حال الحُبّ بين الرجل والمرأة، الذي يلعب فيه الانجذاب الجنسي الجسدي دورًا أساسيًا، والذي يمكن أن يكون شديدًا في حال الامتناع عن ممارسة الجنس لفترة طويلة.

في كل حالة حبّ شخصي يبحث الشخص عن شيء ما عند الآخر الذي يتقارب معه، فهو لا يريد أن يستسلم لعزلته وجزئيته ونقصه في كيانه الشخصي الخاص([35])، ويريد أن يتجاوز كل هذا ليحقق شيئًا من الوحدة والكلية والاكتمال، فهو من الناحية الجنسية مثلًا ليس كلاً، وإنما هو «نصف كلّ» طالما أنه إما ذكر أو أنثى. هذا السعي للتقارب مع الآخر لا يتم عادة بالشكل الصحيح، فيصبح هذا الشخص الآخر بديلًا لحالة عدم الرضى وعدم الاكتفاء والقلق والتوتر المستمرة والمرتبطة بالأنا الشخصية، وهو عمومًا يكون مترافقًا بنزعة للاستحواذ على الشخص الآخر وتملكه، أو لاستبداله ببديلٍ آخر، وهذا لا يمكنه أن يصنع حبًّا حقيقيًا دائمًا.

في الحُبّ الحقيقي، الحُبّ التجاوزي، ليس هناك أيّ سعي للاستحواذ والاستبدال، وليس ثمّة ضيق واضطراب يدفعان للتخبط في البحث عن خلاص في علاقات شخصية غير مستقرة وغير آمنة، فهذا الحُبّ يتم على أرضية وعي البعد اللاشخصي الجوهري في ذات الإنسان، الذي يعني أيضًا وعي الآخر ليس كآخر مختلف، وإنما كشكل ظاهري آخر لنفس الجوهر ونفس الذات، والاعتراف به منتميًا لهذه الذات ومرتبطًا بها، وليس منفصلًا عنها.

هذا الوعي بحد ذاته هو وعي تجاوزي، وفيه يتم تجاوز محدودية العقل الشرطي، الذي اعتاد الإنسان أن يطابق نفسه معه، وتجاوز الذات الشكلية المحدودة إلى الذات الكلية غير المحدودة، التي لا يعود فيها اختلاف وانفصال عن الآخر، إلى حالة من التماهي والوحدة الجوهرية معه وبه في أبعاد مفتوحة لوعي عميق بالكلية والوحدة الكلية، وبدون هذا الوعي لن يكون هناك حُبّ تجاوزي، ومن ثمّ لن يكون هناك حبّ حقيقي، ولن يكون ثمّة إلا ما نسميه حبًّا أو نتوهمه حبًّا، والذي يتحول في كثير من الأحيان إلى مصدرٍ للألم والمعاناة، بدلًا من أن يكون منبعًا للفرح والسعادة.

في الحُبّ التجاوزي المتعالي، يتم تجاوز كل الأمور النسبية، من الخصوصيات الشخصية وحتى التقاليد والأعراف الثقافية الجمعية، إنه حالة تحرر، وانطلاق إلى المطلق، إنه حالة «لا ضجيج عقلي، ولا أمواج عاطفية فيها .. ويمكنك فيها الوصول إلى السكون في نفسك بينما تنظر إلى الآخر»([36]). وبناء على ذلك، يمكننا القول إنّ تولي يتميز بأنه أدخل بعدًا ميتافيزيقيًا في مفهوم الحُبّ، وهو يتمثل برؤيته الوحدة الكلية بين جميع الناس التي تجعلهم واحدًا، وليس هذا فحسب، فتولي يجعل هذا البعد رئيسًا وجوهريًا في الحُبّ، حيث يعتبر أن الحُبّ الحقيقي هو الذي يخرج من إطار الذوات الفردية إلى ذات الإنسان الجمعية الواحدة، وبذلك فهو ينفي الأصالة عن الحُبّ الشخصي ويعتبره زائفًا، وبما أن الحُبّ الرومانسي هو حالة شخصية، فهذا يعني زيفه أيضًا، وبذلك يلتقي تولي مع بيك في هذه المسألة؛ كما أنه يلتقي مع بيك ومع فروم أيضًا في اعتبار الوجود الشخصي المحدود قفصًا يسعى الإنسان للتحرّر منه عبر الحُبّ.

10- ريتشارد كوكرلي: الحُبّ كتجربة سرانية متعالية

منظور مشابه للحبّ كتجربة متعالية، نجده عند الطبيب النفسي الأمريكي المعاصر ريتشارد كوكرلي، ويقدم لنا فيه صورة أخرى من الحُبّ التجاوزي، أو المتعالي، لكنها تختلف عن الصورة التي يقدمها إكهارت تولي رغم تشابهها معها في الفكرة العامة. عند كوكرلي يرتبط مفهوم «التجاوزي»، بالميتافيزيا، والكونية اللامتناهية، وتعدد الأبعاد، وتجاوز الزمان والمكان، والباطنية والروحانية، وتجاوز الفهم التقليدي، وهلم جرا. والحُبّ التجاوزي الذي يتحدث عنه هو حبّ ينتمي إلى هذا المجال، ويمكن وصفه بما تقدم من صفات يرتبط بها «التجاوز» نفسه. أيّ أن الحُبّ التجاوزي الذي يتحدث عنه كوكرلي، هو حالة تنتمي إلى مجال ما يسمى بـ «خوارق الشعور»، أو «الشعور الفائق»، لكن صفة «خارق أو فائق» هنا لا تحمل المعنى الخيالي أو الأسطوري الذي يمكن أن توحي به للوهلة الأولى، ولكن تعني خرق الوضعية أو الحالة العادية وتجاوزها والتفوق والتعالي عليها.

وهكذا فحالات الحُبّ التجاوزي التي يقدمها لنا كوكرلي هي حالة التعالي الشعوري، التي يمكن للشعور فيها أن يكون من القوة والرفعة والجدة بحيث يختلف كليًا عن أيّ شعور آخر معروف، ويمكنه أن يترافق ببهجة كبرى، وشعور بالانتماء والوحدة الكلية إلى كل الكون وكل الوجود، كما يمكن أن يكون نبيلًا وساميًا وصافيًا إلى درجة التضحية الإرادية بالنفس من أجل المحبوب.

وهذه التجاوزية لا تقتصر على مجال واحد من مجالات الحُبّ، فهي قد تحدث في حبٍّ جنسي أو عائلي أو صداقوي أو إنساني عام، ومن الأمثلة التي يقدمها كوكرلي على الحُبّ التجاوزي، حالة الترابط الشعوري بين التوائم، الذين تكون العلاقة والمحبّة بينهم عادة جد قوية، وفيها يمكن أحيانًا أن يشعر أحد التوأمين بشعور الآخر أو يحدس حاله، حتى وإن كان بعيدًا عنه، وبدون أن يتلقى أيّ علم أو معرفة تقليدية عن حاله، وأيضًا -وكما سبقت الإشارة- حالة التضحية الاستشهادية في سبيل من نحب، التي تجعل المحب يتخطى بإرادة ووعي ورضا غريزة البقاء من أجل حماية المحبوب أو الدفاع عنه أو إنقاذه أو ما شابه.

ويقرّ كوكرلي بأن هذه الحالات رغم كثرتها العددية، إلا أنها مع ذلك تبقى نادرة نسبيًا وإحصائيًا، لأن معظم الناس لا يحصلون على تجربة حبّ متعالية، أو يحصلون على شكل سطحي منها، في الوقت الذي تعتبر فيه أروع تجارب الحُبّ على الإطلاق، ويمكنها فيه أن تغير حياة من يختبرها بشكلٍ جذري نحو الأفضل. ويرى كوكرلي أن ثمّة إمكانية لتعزيز فرصة حصول المرء على تجربة حبّ تجاوزية، أو تعزيزها إن هي حصلت، وهذا ما يقتضي، وبشكل جدي ولفترةٍ طويلة، دراسة تجارب الحُبّ التجاوزي، وممارسة النشاطات الروحية، وهي عديدة، بحيث تتضمن التأمل والصلاة، وممارسة اليوغا، أو الرقص الصوفي الإسلامي، أو اتباع إحدى الطرائق الباطنية الهندوسية أو البوذية أو المسيحية أو اليهودية، أو أية طرق روحية أو دينية باطنية أخرى، أو حضور دروس وتمارين الرياضات الروحية، وهكذا دواليك. لكن مع كل ذلك، فليس هناك أيّ ضمان في أن يحصل المرء على تجربة حبّ متعالٍ، ولكن من الممكن أن يحدث هذا فجأة، ولسبب غير معروف.

وبخلاف تولي، في أطروحة كوكرلي، لا يوجد تضارب بين «الحُبّ الشخصي»، و«الحُبّ التجاوزي»، وليس هناك تقسيم تضادي للحبّ إلى «حبّ زائف» هو «الحُبّ التقليدي»، و«حب حقيقي» هو«الحُبّ التجاوزي»، وليس هناك من طريقة أو منهج مضمون للحصول على الحُبّ التجاوزي. الحُبّ التجاوزي عند تولي هو حالة إلغاء للحبّ الشخصي، وتجاوز لشكليته ومحدوديته ووهمه، إلى حبّ حقيقي جوهري لا محدود، ولا شخصي، هو الحُبّ التجاوزي.

أما عند كوكرلي فالحُبّ التجاوزي واقعيًا هو دومًا تجربة شخصية، وشخصية بامتياز، وهي غير مضمونة الحدوث وإن كانت ممكنة من حيث المبدأ النظري لكل شخص؛ وهذا الحُبّ لا يشكل بديلًا للحبّ التقليدي، ولا نفيًا له، بل هو إما رديف له في حين، أو نموّ له هو نفسه أو درجة عُليا منه في حينٍ ثانٍ، أو غير ذلك في أحيانٍ أخرى، وهنا ليس ثمّة في الحُبّ ما هو حقيقي، وما هو غير حقيقي، والخلاف ليس في الحقيقية والجوهرية، ولكنه في شكل وطبيعة هذه الحقيقة والجوهر([37]).

خاتمة

في ما تقدم تم بإيجاز عرض آراء ومواقف لبعض المفكرين والفلاسفة ومختصيّ العلوم الإنسانية الحديثين في الحُبّ وأشكاله المختلفة، وبينهم أدباء، وفلاسفة ومفكرين متأثرين بالدين المسيحي أو مستقلين عنه، ومختصين في علم الاجتماع أو علم النفس، وقد اتفقوا في أمور واختلفوا في سواها، وهذا أمرٌ طبيعي في مواقف أهل الفكر والعلم، وما تم عرضه لا يعني قطعًا أن من تم ذكرهم هم فقط من كان لهم مذاهب وآراء خاصة بالحُبّ، ولو حاولنا تغطية جميع هذه المذاهب الحديثة في الحُبّ لطالت القائمة كثيرًا. لكن كما نرى بوضوح فالفكر العقلاني بأشكاله المختلفة، والحُبّ يمكنهما أن يلتقيا بل وأن يتحدا، فالإنسان هو كائن عاقل وكيان متكامل، وعندما يكون مفكرًا ففكره لا يمكنه أن ينفصل عن حياته ونشاطه. وهكذا ينضم المفكرون والفلاسفة وعلماء الإنسانيات إلى الأدباء والشعراء والفنانين في إضافة نتاجاتهم الخاصة في الحُبّ، ليكون هناك «فلسفة الحُبّ»، و«فكر الحُبّ»؛ بل و«علم الحُبّ»، مما يُغني «ثقافة الحُبّ» ويساهم في تكاملها.


المراجع

1- إريك فروم، فن الحُبّ، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد ، دار العودة –بيروت،2000.

3-  نبيل سلامة، ملخص كتاب فن الحُبّ، اريك فروم، مجلة معابر. https://cutt.us/NmbIV

4- صلاح الدين المنجد، ستاندال والحُبّ، مجلة الرسالة، العدد 553، ‏7‏0/02‏/1944.

5- فريتيوف برانت، كيركجارد، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، مكتبة دار الكلمة، القاهرة 2009.

 6- سورين كيركجارد، ثلاث رسائل في الحياة المسيحية، ترجمة سامي فوزي، مطبعة سان مارك، مصر،2010.

7- مورغان سكوت بيك، الطريق الأقل ارتيادًا، ترجمة أيهم الصباغ، العبيكان للنشر، الرياض، 2015، نسخة كتب غوغل.

8- عبد الجبار الرفاعي، الحُبّ والإيمان عند سورن كيركجارد، ط1، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2016.

10-ماري لومنييه وأود لانسون، الفلاسفة و الحُبّ، ترجمة دينا مدور، ط1، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2015.

11- John Alan Lee, Colours of Life: An Exploration of the Ways of Loving, Toronto, New Press, 1973

12-Irving Singer, The Nature of Love, Volume2: Courtly and Romance, The MIT Press, Massachusetts, 2009

13- مشروع “جمع الكلاسيكيات” ”ليب.رو كلاسيكا“، ستاندال-عن الحُبّ،https://t.ly/j8S4

 (Проект “Собрание классики” “Lib.ru_Классика”, Стендаль- О любви,)


[1] – https://www.britannica.com/topic/On-Love-by-Stendhal

[2] – Irving Singer, The Nature of Love, Volume2: Courtly and Romance, The MIT Press, Massachusetts,2009,Pg. 353, https://t.ly/Agd1

[3] – Проект “Собрание классики” (Lib.ru/Классика):http://az.lib.ru/s/stendalx/text_0040.shtml

[4] – صلاح الدين المنجد، ستاندال والحُبّ، مجلة الرسالة، العدد553، ‏7‏0/02‏/1944.

[5] – https://www.britannica.com/topic/On-Love-by-Stendhal

[6] -فريتيوف برانت، كيركجارد، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، مكتبة دار الكلمة، القاهرة 2009، ص 78-79.

[7] – سورين كيركجارد، ثلاث رسائل في الحياة المسيحية، ترجمة سامي فوزي، مطبعة سان مارك، مصر،2010، ص 31.

[8] – عبد الجبار الرفاعي، الحُبّ والإيمان عند سورن كيركيكورد، ط1، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2016، ص 7-15.

[9] – المرجع السابق.

[10] – سورين كيركجارد، ثلاث رسائل في الحياة المسيحية، مرجع سابق، ص 31.

[11] – Толстой Лев Николаевич, Путь жизни, Lib.ru/Классика: http://az.lib.ru/t/tolstoj_lew_nikolaewich/text_0540.shtml

[12] – The Four Loves – Wikipedia, https://tinyurl.com/2ucdw7ye

[13]– إريك فروم، فن الحُبّ، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد ، دار العودة –بيروت ،2000، ص 47-59.

[14] –  نبيل سلامة، ملخص كتاب فن الحُبّ لإيرك فروم، مجلة معابر، https://tinyurl.com/yrpwc4wu

[15]– المرجع السابق، ص 19- 20.

[16] –  نبيل سلامة، ملخص كتاب فن الحُبّ لإيرك فروم، مجلة معابر، https://tinyurl.com/yrpwc4wu

[17]– إريك فروم، المرجع السابق ، دار العودة، بيروت،2000، ص 7.

[18] – نبيل سلامة، المرجع السابق.

[19] – المرجع السابق.

[20] – جريدة المدى، وجوه الحُبّ الثلاثون..حين يتوفر الحُبّ نشعر أن وجودنا مبَّرر، 2017/04/16،  https://almadapaper.net/index.php

[21] -ماري لومنييه وأود لانسون، الفلاسفة والحُبّ، ترجمة دينا مدور، ط1، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2015، ص 257.

[22] – جوي سليم، كيف تحررنا العلاقة بحسب سيمون دي بوفوار؟  BBC عربي، 12 فبراير/ شباط 2020، https://t.ly/XAPX

[23] – Color wheel theory of love – Wikipedia, https://tinyurl.com/3ax85ec9

[24] –  Valeria Sabater, The Types of Love According to John Alan Lee, Exploring your mind, https://bit.ly/3xBxuez

[25] – Love Attitudes Scale (Short Form), PsyToolkit, https://bit.ly/3BWntv3

[26] – John Alan Lee, Colors of Love An Exploration of the Ways of Loving, New Press 1973,Page 157, Google  Books, https://bit.ly/3SgU2taL & https://bit.ly/3y1pPXx

[27] – المرجع السابق.

[28] -مورغان سكوت بيك، الطريق الأقل ارتيادا،ترجمة أيهم الصباغ، العبيكان للنشر، الرياض، 2015، نسخة كتب غوغل، ص 93-96.

[29] -المرجع السابق، ص 97.

[30] -المرجع السابق، ص 100- 104.

[31] -المرجع السابق، ص 106.

[32] -المرجع السابق، ص 110.

[33] -المرجع السابق، ص 107.

[34] -المرجع السابق، ص 109.

[35]– Kim Eng,Relationships-True Love and the Transcendence of Duality, Creating a New Earth, https://tinyurl.com/7wpx8rms

[36]– Steve Beckow, Eckhart Tolle: Personal and Transcendental Love, Golden Age of Gaia, https://tinyurl.com/3me2ycem

[37] -J. Richard Cookerly, Transcendental Love: Mysteries and Wonders for Your Future? ,What is Love Dr. Cookerly, https://tinyurl.com/yjxrpk9d

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى