إن الفضول والتركيز كثيراً ما يتعارضان، غير أنه ليس من الضروري أن يكون الأمر كذلك.
كارستن لوند بيديرسن
في الزمن الذي خصصته لقراءة هذا المقال، يغلب على ظني أنك ستتفقد هاتفك. ولعل إشعارات البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية ستظهر على شاشة القفل لديك، ولن تقاوم. فإذا شرعت في تصفح تطبيقاتك، ستتفقد “تويتر” أيضاً. وإن كنت تتخذ “تويتر” مصدراً للأخبار، فربما تنقر على مقال عن تقنية “البلوك تشين” أو عن العطل في “باربادوس”. وسأعد نفسي محظوظاً إن عدت إلى هذا الموضع ثانية.
إن نيكولاس كار، مؤلف كتاب “السطحية: ما الذي يفعله الإنترنت بعقولنا”، ليزعم أن سلوكك هذا مشكلة خطيرة، وأن زبد الإنترنت يختطف قدرتك على التركيز والتفكير. أما أنا فأخالفه الرأي، بل أقول إن ضجيج الشبكة الساحر في بيئة العمل المعاصرة حقيقة لا مناص منها. ففي عصر البيانات الضخمة والمعالجات المتزايدة القوة، يتوجب علينا استيعاب مزيد من المعلومات بوتيرة أسرع. ومن سينجح في هذا العالم المملوء بالتشتيت من المفكرين والمديرين والمبتكرين، هم أولئك الذين يجمعون بين صفتين تبدوان متناقضتين: القدرة على استيعاب معلومات متنوعة من مصادر شتى، والقدرة على التركيز الشديد. أسمي هذا “مفارقة التشتت والتركيز”. فمع أن هاتين الصفتين تبدوان متعارضتين، إلا أنهما معاً تشكلان مجموعة المهارات اللازمة لإدارة أثمن مواردك الشخصية ــ انتباهك ــ في عصر الاتصال الفائق.
نعم، لقد كانت هذه القدرات دوماً ذات شأن، غير أن اجتماعها سيزداد أهمية في الأعوام القادمة مع استمرار تطور وسائل التواصل الاجتماعي والحوسبة المحمولة. (انظر “مجموعة المهارات لعالم متصل”، حيث يُعرض الأثر الصافي لمختلف توليفات هذه المهارات الجوهرية). إن العاملين في مجال المعرفة بحاجة إلى معلومات متنوعة. وقد أظهرت الأبحاث مراراً أن تنوع النماذج الذهنية ــ أي كيفية تفسيرك للمشكلات ورؤيتك لها ــ يؤدي إلى حل أفضل للمشكلات وإلى مزيد من الابتكار. وهذا موضوع يتخلل كتاب “سوء التصرف: صناعة الاقتصاد السلوكي”، مذكرات ريتشارد ثالر، أستاذ العلوم السلوكية والاقتصاد في كلية بوث لإدارة الأعمال بجامعة شيكاغو، والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2017. إذ كان ثالر في شبابه يلحظ دوماً ظواهر شاذة تخالف النماذج الاقتصادية التقليدية، كأثر التملك ــ ميل الناس إلى المبالغة في تقدير قيمة ما يملكون. وحتى بعد أن صار عالماً مرموقاً، ظل فضوله واسع الأفق، فنشر أبحاثاً حول موضوعات مثل أسباب اتخاذ فرق كرة القدم الأمريكية قرارات غير عقلانية في اختيار اللاعبين الجدد. ولمعالجة مثل هذه الظواهر استعان بعلماء النفس.
وقد ثبت أن أمثال ثالر ممن يبحثون عن مصادر متنوعة للمعلومات أكثر قدرة على التنبؤ من أولئك الذين يعتمدون على مصادر محدودة. وقد ازدادت الحاجة إلى تنوع وجهات النظر. ومن أخطار صعود وسائل التواصل الاجتماعي أن شبكات الناس ليست متنوعة بما يكفي، فيخشى أن تتحول إلى غرف صدى. وتجسد هذه الظاهرة مفاهيم “فقاعات الترشيح” و”الأخبار الزائفة”. فنحن نتواصل أكثر فأكثر، لكن غالباً مع أشخاص أو منشورات تشاركنا وجهات نظرنا.
قارن تجربة التجوال في مكتبة قبل عقد من الزمان تقريباً بشراء كتاب عبر الإنترنت اليوم. ففي المتجر التقليدي، وأنت تتجه إلى قسم الأعمال، قد تصادف كتب علم الآثار والأنثروبولوجيا. وإن خامرك أدنى اهتمام، وجدت نفسك تتأمل عناوينها. وربما انتهى بك الأمر إلى شراء كتاب جاريد دايموند الشهير “أسلحة وجراثيم وفولاذ”. ولو قرأت ذلك العمل الباهر الصادر عام 1997، لأدركت كيف جرى تدجين النباتات والحيوانات لأول مرة، وتطورت مناعة الأمراض، وكيف أثرت هاتان الظاهرتان على توزيع ثروات العالم. أما اليوم، فإنك إذا بحثت عن أحدث الكتب الأكثر مبيعاً في مجال الأعمال على “أمازون”، فقلما يُقترح عليك كتاب بهذه الدرجة من الخصوصية.
إن التواصل مع شبكات متنوعة يعزز الابتكار أيضاً. فكثير من الابتكارات نشأت من أفراد اعتمدوا على التعاون مع شبكات مفتوحة، بل وأظهرت الأبحاث أن من يتابعون مصادر متنوعة على “تويتر” يميلون إلى توليد أفكار أفضل. لذا ينبغي للمرء أن يدرب نفسه على البحث عن مصادر ذات آراء متباينة. والحق أن ما أسميه “التشتت” يمكنك أن تعده جزئياً ذلك العبء الذهني الناجم عن انغماسك في شبكة متنوعة.
ومع ذلك، فإن القدرة على التركيز الشديد على مسألة بعينها أمر مهم أيضاً، لا سيما مع توقع الاستجابة الفورية للبريد الإلكتروني والتنبيهات والإشعارات التي تلاحق انتباهنا. فنحن في عصر التشتت، خيره وشره. إذ يمنحنا الإنترنت أخبار بيلاروسيا وآخر تطورات علم الأحياء، ويشغلنا بقوائم التصنيفات والاختبارات الترفيهية حول مسائل ثقيلة الوزن كأي سلالة من الكلاب أو أي شخصية من مسلسل “عائلة سيمبسون” تشبه أكثر.
بينما تستمر صفارات العصر الرقمي في التغريد، يغدو الحفاظ على التركيز العميق والحيوي أشد أهمية. وقد ذهب بعض أنصار هذا الرأي، ومنهم كال نيوبورت مؤلف كتاب “العمل العميق”، إلى أن القدرة على التركيز في مهمة شاقة هي السبيل للتميّز في عالم مشتت. وهذا النوع من التركيز يقتضي تصفية المطالب و”المشتتات المنتجة” التي تتنافس على انتباهك ووقتك، كما يتطلب القدرة على التنقل بين وجهات النظر: رؤية التفاصيل والسياق الأوسع. فإذا استطعت أن تركز على هذا النحو، أمكنك أن تعطي الأولوية لما ينبغي التفكير فيه (فتخطط على نحو أفضل)، وتدرك كيف تفكر فيه (فتعالج الأمور على وجه أكمل). غير أن التركيز لا يعني التصرف كآلة جامدة، بل هو توجيه متعمد لانتباهك، إذ تثبت النظر بدل أن تتيه في الغفلة.
وكما هو الحال في كثير من الأمور، فإن الإفراط في أي من هاتين الفضيلتين العصر الحديث للمعلومات ليس بمحمود. فمن يجوب الإنترنت دون هدف أو هدى، يتنقل بين الصفحات عشوائياً، بلا تركيز، فإن الضوضاء البيضاء ستحجب عنه كل فائدة، ولن يكرس الوقت الكافي للمهام الحرجة، ولن يميز بين المهم والمهمل. أما إذا غلب عليه التركيز المفرط وحرم نفسه من تنوع الرؤى، فقد يعاني من نقص في الإبداع والبصيرة؛ إذ أظهرت الدراسات أن الإفراط في التركيز يرهق الانتباه ويؤدي إلى قرارات سيئة وتعاون أقل.
ومع ذلك، فإن قلة المعلومات وضعف التركيز أسوأ حالاً. ومن ذا الذي يرضى بذلك؟ بيد أن هذا هو ما نواجهه كثيرًا في عالمنا الرقمي المتشابك اجتماعيًا: إذ نتعرض لوابل من التغريدات ورسائل البريد الإلكتروني وطلبات الصداقة من الأصدقاء والزملاء على فيسبوك ولينكدإن، فيحول ذلك بيننا وبين التماس الرؤى الجديدة أو التركيز التام على المهام التي نعدها الأهم.
والغاية، بطبيعة الحال، هي بلوغ “الوسط الذهبي” بين تنوع المدخلات وشدة التركيز. فإذا بلغت ذلك، كنت أقدر على مجابهة عصر التشتت. ويمكن فهم هذه المهارة على أنها نوع من “ما وراء الإدراك” — كأن لك مدير مشروع شخصي في رأسك. وهذه المهارات تشبه ما يمتاز به القادة والمنظمات العظام من ثبات ومرونة في آن.
أما من يجمع بين الفضول والتركيز، فهو أشبه بما اصطلح على تسميته في شركة “إيديو” للاستشارات التصميمية بـ”المحترف على هيئة T”: فالساق الرأسية ترمز إلى التركيز (أي الخبرة والبصيرة)، والعارضة الأفقية ترمز إلى الانفتاح الذهني (أي التعاطف وفضول التعاون). ووفقًا لما يذكره تيم براون، المدير التنفيذي لإيديو، فإن هؤلاء المحترفين قادرون على الغوص عميقًا في مجالاتهم، وفي الوقت نفسه التفاعل المثمر مع زملاء من تخصصات شتى، وهي خصال مكملة يحتاجها الفريق عند التصدي للمشكلات المحددة.
فكيف تعزز صفاتك على هيئة T؟ أولاً، عليك أن تقوّم قدراتك وتحدد موقعك في مصفوفة المهارات. فإذا عرفت مكامن قوتك وضعفك، سعيت إلى التحسن. فإن كنت ضعيفًا في تنوع المدخلات، فاجتهد في التماس مصادر جديدة توسع معارفك وتناقض افتراضاتك. أو جرب أن تكون محامي الشيطان لنفسك، واسألها دوماً: ما هو الرأي النقيض لهذه المسألة؟ وأي نوع من المعلومات يدعمه؟ وإن كنت ضعيف التركيز، فأغلق هاتفك (أو على الأقل الإشعارات)، وخصص أوقاتاً للتفكير والقراءة بلا مقاطعة. وكان بيل غيتس، المحسن المعروف، يفعل ذلك حين كان يدير مايكروسوفت، إذ كان يعتزل أسبوعين في السنة في كوخ على ضفة بحيرة، يقرأ ويتأمل مستقبل شركته. أما اليوم، فينشر غيتس تأملاته حول الكتب التي قرأها على مدونته “GatesNotes”، ويدعو مؤلفيه المفضلين إلى الغداء في مكتبه. وصديقه الحميم وارن بافيت، المستثمر الملياردير، يشتهر كذلك بكونه “آلة تعلم”، إذ يقرّ بأنه يقضي معظم يومه في مكتبه يقرأ.
ويمكنك أيضاً أن تتعاون مع شركاء تكمل مهاراتهم مهاراتك، أو تجتهد في تحسين ذاتك؛ فكما أن كثيرًا من المهارات تُكتسب بالممارسة المتعمدة، فكذلك التساؤل الذاتي والتركيز.
إننا نعيش في عصر يسوده عدم اليقين، تدفعه التغيرات التقنية والاجتماعية: فالسيارات تقود نفسها، والطائرات المسيّرة ستسلم الطرود قريبًا، واقتصاد “الوكيل الحر” يتطلب محترفين قادرين على إعادة ابتكار أنفسهم طوال حياتهم المهنية. ولتنجح في هذه الأزمنة المضطربة، ينبغي أن تكون قادرًا على إتقان “التركيز المشتت”.
المراجع
1. N.G. Carr, “The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains” (New York: W.W. Norton & Co., 2010).
2. S.E. Page, “The Difference: How the Power of Diversity Creates Better Groups, Firms, Schools, and Societies” (Princeton: Princeton University Press, 2007).
3. R.H. Thaler, “Misbehaving: The Making of Behavioral Economics” (New York: W.W. Norton & Co., 2016).
4. P.E. Tetlock and D. Gardner, “Superforecasting: The Art and Science of Prediction” (London: Penguin Random House, 2015).
5. A. Pentland, “Social Physics: How Social Networks Can Make Us Smarter” (New York: Penguin Press, 2014).
6. E. Pariser, “The Filter Bubble: What the Internet Is Hiding from You” (New York: The Penguin Press, 2011); and E. Zuckerman, “Digital Cosmopolitans: Why We Think the Internet Connects Us, Why It Doesn’t, and How to Rewire It” (New York: W.W. Norton & Co., 2013).
7. J. Diamond, “Guns, Germs, and Steel: The Fates of Human Societies” (New York: W.W. Norton & Co., 1997).
8. P.A. Gloor and S.M. Cooper, “The New Principles of a Swarm Business,” MIT Sloan Management Review 48, no. 3 (spring 2007): 81-84; and S. Parise, E. Whelan, and S. Todd, “How Twitter Users Can Generate Better Ideas,” MIT Sloan Management Review 56, no. 4 (summer 2015): 21-25.
9. C. Newport, “Deep Work: Rules for Focused Success in a Distracted World” (New York: Grand Central Publishing, 2016).
10. S. Pillay, “Your Brain Can Only Take So Much Focus,” Harvard Business Review, May 12, 2017, https://hbr.org.
11. J. Coleman, “The Best Strategic Leaders Balance Agility and Consistency,” Harvard Business Review, Jan. 4, 2017, https://hbr.org. Although the two arguments are related, focus in attention is not necessarily the same as consistency, and agility is not necessarily the same as distraction. For instance, being consistent in action can be a rather mindless endeavor that does not necessarily need focus in attention. And being agile can necessitate very high focus of attention, making the interplay intricate. Moreover, this aspect is very closely related to “ambidexterity.” See C.A. O’Reilly III and M.L. Tushman, “Organizational Ambidexterity in Action: How Managers Explore and Exploit,” California Management Review 53, no. 4 (August 2011): 5-22.
12. M.T. Hansen, “IDEO CEO Tim Brown: T-Shaped Stars: The Backbone of IDEO’s Collaborative Culture,” Chief Executive, Jan. 21, 2010, https://chiefexecutive.net.
13. R.A. Guth, “In Secret Hideaway, Bill Gates Ponders Microsoft’s Future,” The Wall Street Journal, March 28, 2005.
14. P. Galanes, “The Mind Meld of Bill Gates and Steven Pinker,” The New York Times, Jan. 27, 2018; and B. Gates, GatesNotes (blog), www.gatesnotes.com.
15. “The Buffett Formula: Going to Bed Smarter Than You Woke Up,” Farnam Street (blog), sponsored by Royce & Assoc., May 2013, www.fs.blog.
16. Many of the practical solutions for overcoming the distraction-focus paradox (dealing with attention) relate to better balancing agility and consistency. See Coleman, “The Best Strategic Leaders.”
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




