لي فليمنغ وأولاف سورنسن
لكل مؤسسة مواطن قوة وضعف، ولتعزيز الأولى وتقليل أثر الثانية؛ كثيرًا ما تسخّر الشركات موارد عظيمة لصياغة استراتيجياتها، كأن تضع خطة محكمة لتجاوز المنافسين في سوق ناشئة، وفي الوقت ذاته، قد تهمل تلك الشركات المهمة الجوهرية المتمثلة في تحديد ماهية استراتيجيتها الحقيقية في ابتكار المنتجات، والنتيجة: مشروعات بحث وتطوير لا تنسجم مع بقية أركان المؤسسة.
إن وضع الاستراتيجية الصائبة لابتكار المنتجات ليس بالأمر الهيّن، بل هو مسعًى معقّد يتطلب أوّلًا فهمًا عميقًا لكيفية تأثير التقسيم التقني (التقنية المعيارية) على جهود البحث والتطوير؛ ففي التصميم المعياري، يكون لتغيير أحد مكوّنات المنتج (كعنصر التسخين في آلة صنع القهوة مثلًا) تأثير يسير على أداء بقية الأجزاء أو النظام ككل. أما في التصميم غير المعياري، أو ما يُسمّى “المقترن”، فإن الأجزاء تكون شديدة الترابط، وتنتج عن ذلك سلوكيات غير خطية؛ إذ قد يؤدي تغير يسير في جزء واحد إلى اختلاف هائل في أداء النظام بأسره؛ فعلى سبيل المثال، في أشباه الموصلات، يمكن لشائبة دقيقة للغاية (عشرة أجزاء من البليون) أن تغيّر مقاومة السيليكون بأكثر من عشرة آلاف ضعف. وبوجه عام، تجعل التصاميم المعيارية البحث والتطوير أكثر قابلية للتنبؤ، لكنها غالبًا ما تفضي إلى تحسينات تدريجية لا إلى طفرات كبرى. أما التصاميم المقترنة، فهي أكثر خطرًا، لكنها أرجى في تحقيق الاكتشافات الكبرى.
وهذا التوازن بين قابلية التنبؤ والابتكار يمكن تصوره كمشهد تقني؛ حيث تمثل التلال المنحدرة التحسينات التدريجية القائمة على المكوّنات المعيارية، وتمثل القمم الشاهقة الوعرة الاختراعات الثورية التي تعتمد على أجزاء شديدة الترابط. ويتطلب تطوير منتجات جديدة استكشاف هذا المشهد التقني؛ فشركة كـ”دِل” التي تنافس بالكفاءة التصنيعية وإدارة سلسلة الإمداد، قد يكون اجتناب القمم الوعرة وعبور التلال المنحدرة استراتيجية ناجعة لها. أما شركات أخرى كـ”آبل”؛ فعليها تسلق القمم العالية للمحافظة على ميزتها التنافسية. وفي مثل هذه المساعي، يكون من الحكمة تقليل المخاطر عبر رسم “خريطة” للتضاريس، أي باكتساب فهم عميق للعلوم الكامنة وراء التقنيات المستخدمة.
إن مفهومَي “مشهد التقنية” و”الخريطة” يمثلان استعارتين قويتين لفهم سر نجاح بعض الشركات في جهود البحث والتطوير وإخفاق غيرها، بل إن هذا الإطار أداة ثمينة لمساعدة المؤسسات في اتخاذ قرارات مصيرية بشأن عمليات الابتكار وتوزيع الموارد؛ فمثلًا، إذا وجدت شركة صعوبة بالغة في نقل المنتجات من البحث والتطوير إلى التصنيع، فقد تكون تستكشف منطقة وعرة من المشهد التقني، وقد يكون من الأنفع لها أن تعمل في تضاريس أكثر أمانًا باستعمال مكوّنات معيارية (كالأجزاء القياسية). أو قد تستفيد كثيرًا من استثمار كبير في العلوم الأساسية لرسم خريطة للمشهد تساعد الباحثين على تجنب العثرات التقنية. وبمعالجة مثل هذه القضايا، تضمن المؤسسة أن تكون استراتيجيتها في ابتكار المنتجات متوافقة مع مكامن قوتها التنافسية.
مشاهد التقنية
نبدأ بفكرة بسيطة وكلاسيكية: إن الاختراعات تجمع بين مكوّنات سواء أكانت أشياء بسيطة أم ممارسات مخصوصة أم خطوات في عملية تصنيع بطرق جديدة نافعة. فالمخترع قد يبتكر منتجات جديدة إما بإعادة ترتيب وصقل المكوّنات القائمة أو باستعمال مجموعات جديدة منها، فالسفينة البخارية تجمع بين المحرك البخاري والسفينة الشراعية، والسيارة توحّد بين الدراجة والعربة ومحرك الاحتراق الداخلي، ومصفوفات الحمض النووي الدقيقة وهي أجهزة تمكّن العلماء من اختبار فعالية أو سمّية دواء تجريبي تعتمد على أشباه الموصلات والأصباغ الفلورية والنيوكليوتيدات، وميدان التصنيع النانوي الناشئ يجمع بين تقنيات من صناعة أشباه الموصلات والهندسة الميكانيكية والتقنية الحيوية.
في مشهد التقنية، تُقابل القِمَمُ بالاختراعات التي نجحت في دمج مكوّناتٍ شتّى، وتُمثِّل الأوديةُ المحاولاتِ الفاشلةَ في الجمع بين العناصر (وقد اختُبر مفهومُ مشاهد التقنية في دراسةٍ مستفيضةٍ استندت إلى بياناتٍ تزيد على مئتي عام من مكتب براءات الاختراع الأمريكي. ومجازًا، فإن المخترعين يبتغون القِمَمَ في هذا المشهد، متجنبين الهوّات الفاصلة بينها. فإذا لم يُحِط الباحثون علمًا بالمكوّنات التي يعملون بها، ولا بكيفية تفاعل تلك الأجزاء؛ فإنهم يتيهون في ضبابٍ كثيف، لا يبصرون القِمَمَ ولا الأوديةَ من حولهم. ولهذا، يُؤثِر الباحثون (ومديروهم) التقدُّمَ الحذر، أعني التعديلات الطفيفة على المفاهيم المثبتة، وهو ما يُعرف بالبحث المحلي أو التدريجي. وهذه الطريقة محمودةٌ؛ إذ يعلم الباحثون من التجربة أن التحسينات اليسيرة غالبًا ما تُفلِح وتنال قبولًا معقولًا في السوق. ويجدي هذا البحث المحلي خاصةً في أرضٍ تغلب عليها قِمَّةٌ واحدةٌ شامخة كجبل فوجي، إذ يكفي المخترع أن يسعى صعودًا ليبلغ الاختراع التالي، غير أن من عيوب هذا السبيل أنّه حتى من سبق إلى القمة لن ينال إلا فضلًا زائلًا من التفوق التقني على المنافسين.
ثم تأمَّل أرضًا أخرى كجبال الألب، تتعدد فيها القِمَمُ وتتشابك، فهنا يغيب عن المخترعين الساعين في الضباب جلُّ الاختراعات العظيمة، إذ هي وراء هاويةٍ من النهايات التقنية المسدودة. والسير البطيء صعودًا يفضي غالبًا إلى أن يُحْبَس الباحث في تلٍّ محلي دون العُلى الشاهقة كجبل بلان. فإذا حُبس في قِمَّةٍ محلية، فإن أي اتجاه يسلكه سيقوده إلى الهبوط. وبسبب الضباب لا يبصر القِمَمَ وراء الأودية المجاورة، فلا يدري أين يتجه أو هل يلزمه أن ينصرف؛ لذا فإن البحث المحلي في مثل هذه الأرض الوعرة يكاد يكون خائبًا، ولو أنفق فيه الباحثون أعمارهم وجهودهم. بل لا غناء لهم إلا بخريطةٍ، ولو كانت تقريبية؛ فبها يتبينون وعورة الدرب ويختارون المسلك الأمثل إلى القِمَّة، فإذا بلغوها، ظفروا بتفوقٍ تقنيٍّ كبير على المنافسين، لا سيما من حُرِم الخريطة.
ولا يخفى أن اقتحام الأرض الوعرة؛ أي العمل مع الأنظمة شديدة الترابط أمرٌ محفوفٌ بالمخاطر، لا تؤمن عواقبه، غير أن العائد لمن أحرز كشفًا فارقًا قد يكون عظيمًا، عسير المنال على غيره. ومع ذلك، فإن السعي وراء هذه الطفرات مسعًى جسيم، ليس كل منظمةٍ تطيقه، بل إنّ كثيرًا من الشركات أصلح لها أن تقتصر على أرضٍ أقل وعورة؛ أعني العمل بمكوّناتٍ معيارية التركيب.
المشاهد السلسة والجبال المنحدرة
إن استراتيجية إعادة التركيب المعياري تحمل منافع جمّة (انظر: “ملخص الاستراتيجيات للابتكار في المنتجات”). فهي تخفّض كلفة التصميم وزمن الإنجاز، إذ يمكن للعاملين أن يعيدوا استخدام مكوّناتٍ مجرَّبة لصنع أنظمة معقدة بسرعة وفاعلية. وكذلك، لما قلَّ التداخل بين المكوّنات، أمكن للشركات أن تعتمد منهجيات تطوير موزعة ناجعة، تعمل فيها فرقٌ متعددة متوازية على الأجزاء المختلفة. غير أن استكشاف مشهدٍ تقنيٍّ أملس له مثالب أيضًا؛ فمع أن إعادة التركيب المعياري تقلل خطر الفشل، إلا أنها تحدُّ من إمكانات التفوق الباهر، إذ تصبح الابتكارات الجذرية أقل احتمالًا، ويؤثر ذلك كذلك على الأداء، إذ لا تستطيع الأنظمة المعيارية أن تستوفي كامل ما بين المكوّنات من إمكانات التآزر؛ فمثلًا، استطاعت شركة “صن مايكروسيستمز” بناء أنظمة عملية بسهولة نسبية لاعتمادها على معالجات معيارية، غير أن قدرة حواسيبها الحسابية ظلت دون منافستها “أبولّو كمبيوتر” التي اعتمدت على تصاميم مخصصة أكثر ترابطًا. إلا أن “صن” تفوقت في النهاية، إذ عجزت “أبولّو” عن مواصلة وتيرة الابتكار.
وإن الإفراط في المعيارية يُضعف القدرة على الحفاظ على التفوق التنافسي، إذ إن المكوّنات المعيارية تُركَّب بسهولة، فيسهل على المنافسين تقليد المنتج المعياري. ومع انتشار هذه المعرفة التقنية، تصبح الصناعة رهينة السلع المتشابهة، فتقل الحواجز أمام الدخول، ويكثر المتنافسون، ويقل التمايز بينهم، وسوق الحواسيب الشخصية شاهد على ذلك. والمفارقة أن تبسيط مشهد الابتكار التقني يفضي إلى تعقيد مشهد المنافسة.
إن التنافس في ميدان التقنية السلسة يقتضي حماية قانونية قوية للملكية الفكرية، أو امتلاك قدرات متممة –كالتصنيع منخفض التكلفة مثلًا– أو الجمع بين الأمرين معًا؛ فبراءات الاختراع قد توفر قدرًا من الأمان تجاه الشركات المقلدة، إلا أن هذا الأمان غالبًا ما يتآكل مع نضوج التقنية وتعلم الغرباء طرق التحايل على البراءات. فإذا لم يكن لدى الشركة استراتيجية لصون ملكيتها الفكرية، كان لزامًا عليها أن تعتمد على مكامن قوتها المتممة، كسرعة تطوير المنتجات، أو التصنيع الرشيق، أو خدمة العملاء المتفوقة. فشركة دِل، على سبيل المثال، لم تحقق نفعها من تطوير منتجات ثورية، بل من خلال إدارة سلسلة التوريد النموذجية والتنفيذ القوي لنموذج أعمالها. وهذه المواطن من القوة مكنت الشركة من النجاح في سوق أتاح فيه توحيد الواجهات والبروتوكولات حتى للمستهلكين بناء حواسيبهم بأنفسهم من خلال مزج الأجزاء المختلفة (كالشاشات والمعالجات والأقراص الصلبة وما إلى ذلك).
ومثال آخر على نجاح المنهجية المعيارية هو جهاز “ووكمان”؛ إذ عمد مهندسو شركة سوني، لتطوير هذا المنتج المفصلي، أوّلًا إلى بناء مكتبة من المكونات القياسية القابلة للاستبدال، وبذلك انتقل بحثهم عن المنتجات إلى أرضية تقنية سلسة، مما أتاح لهم إيجاد توليفات نافعة بيسر نسبي. وقد تمكنت سوني من الحفاظ على ميزتها التنافسية، لا لأن موقفها الأول كان عصيًّا على المنافسة، بل لأنها كانت دومًا تسبق منافسيها بخطوة واحدة على الأقل. فإعادة التركيب المعياري أتاح الابتكار السريع، ومكّن سوني من إغراق السوق بتغييرات وتحسينات متواصلة في المنتجات، مما صعّب على المنافسين مجاراتها. كما امتلكت سوني خبرة تصنيعية وقوة تسويقية أبقتا المنافسين في مأمن. ويحمل نجاح “ووكمان” درسًا آخر مهمًّا: فمع أن التصاميم المعيارية غالبًا ما تقود إلى تحسينات تدريجية في المنتجات، إلا أنها قد تفضي أحيانًا إلى سلسلة من الابتكارات التي تصبح علامات تجارية رائجة.
ولكي تتبع الشركة استراتيجية معيارية في ابتكار المنتجات، ينبغي أن توجه قسم البحث والتطوير أوّلًا إلى استخدام المعايير القائمة، لا سيما إذا كانت مقبولة على نطاق واسع. وإن لم تكن المعايير قد ظهرت بعد، فعلى المهندسين أن يضعوا واجهات وبروتوكولات معيارية خاصة بهم قبل الشروع في تصميم منتج جديد. وبعد إرساء تلك المعايير الخاصة، ينبغي للمؤسسة أن تسعى جاهدة لاعتمادها على نطاق واسع في الصناعة، خاصة إذا كانت معايير منافسة في طور الظهور. ومن الأساليب الفعالة في ذلك، إسناد تصنيع المكونات المعيارية إلى جهات خارجية؛ بغية تشجيع الموردين على تطوير أجزاء يمكنهم بيعها لشركات أخرى، مما يسرّع في انتشار تلك المعايير في أرجاء الصناعة. (ومن الطريف أن شركة “صن مايكروسيستمز” اتبعت هذا النهج بالضبط لتتغلب على شركة “أبولّو كمبيوتر”).
وقد يكون هيكل قسم البحث والتطوير عاملًا حاسمًا أيضًا، ولتعزيز مبادئ التصميم المعياري، ينبغي للشركات أن توزع مسؤوليات تطوير المنتجات على فرق مستقلة، يتولى كل منها مكوّنًا من مكونات النظام. فهذه المنهجية في تطوير المنتجات الموزعة تحفز الباحثين والمهندسين –ولو بشكل غير مباشر– على تبني المعايير والسعي إلى التصاميم المعيارية، وإلا فإنهم سيعانون من عدم الكفاءة حينما تجد المكونات التي يطورونها صعوبة في العمل مع أجزاء طورتها فرق أخرى.
المناظر الوعرة ذات القمم الشاهقة
كما أشرنا آنفًا، فإن الاستراتيجية المقترنة في ابتكار المنتجات مغامرة عالية المخاطر عظيمة العائد. فالشركات التي يحالفها الحظ في هذا المسعى تحتل موقعًا شبه مثالي؛ إذ غالبًا ما تنطوي الاكتشافات الناجمة عن هذا النهج على معارف ضمنية يصعب على المنافسين تكرارها، إذ يتطلب الأمر فهمًا عميقًا للأصول النظرية الكامنة. ولهذا، فإن حماية الملكية الفكرية والقدرات المتممة أقل أهمية مما هي عليه في الاستراتيجية المعيارية. (بل إن كتمان الاختراع قد يكون أبلغ في حمايته من براءة الاختراع؛ لأن إجراءات البراءة تقتضي الكشف عن التفاصيل التقنية). غير أن السعي وراء التصاميم المقترنة يستلزم استراتيجية فعالة لمواجهة تعقيد المناظر التقنية الوعرة.
التجريب العشوائي الواسع
ومن الأساليب المتبعة في ذلك، توليد عدد هائل من التجارب العشوائية ثم إخضاعها لمعايير انتقاء صارمة، فبدلًا من محاولة فهم العلاقات المعقدة بين مكونات المنظومة، يركن المبتكرون إلى قوة الأعداد الكبيرة، على غرار عملية الانتقاء الطبيعي في التطور. ويتطلب نجاح هذه الاستراتيجية أمرين: وسائل لتوليد التنوع بتكلفة زهيدة، واختبارات دقيقة لتقييم قيمة تلك التنوعات.
وقد كان مختبر توماس إديسون في “مينلو بارك” بولاية نيوجيرسي، أحد أنجح مرافق البحث في التاريخ، يعمل بمبادئ التجريب العشوائي الواسع؛ فقد جمع إديسون تحت سقف واحد طيفًا واسعًا من الأدوات والمواد الكيميائية والمركبات والتقنيات، وضم إلى “بيت أحلام المخترع” هذا طواقم متنوعة من الحرفيين والمتخصصين. وكان تخطيط المختبر ذاته يسهل التجريب السريع، إذ جمع تقنيات متباينة ظاهريًّا في مساحة عمل واحدة، وشجع العاملين على البحث عن توليفات غريبة. وفي تطويره لاختراعه الأشهر؛ المصباح الكهربائي، جرب إديسون نحو ألف توليفة من مواد الفتيلة وضغوط التفريغ الكهربائي والفولتية وأشكال المصابيح وغيرها، مختبرًا كل واحدة باختبار صارم وواضح: كم من الوقت يبقى المصباح مضيئًا؟
في عالمنا المعاصر، أضحت المحاكاة الحاسوبية أداة قوية لتحسين الفاعلية وتقليل النفقات المترتبة على إجراء عديد من اختبارات التجربة والخطأ. فالمخترعون اليوم يستطيعون أن يأخذوا عينات افتراضية زهيدة الكلفة من مساحات واسعة في ميدان التقنية، عوضًا عن إجراء التجارب الفيزيائية المكلفة. فشركة بي إم دبليو، على سبيل المثال، تبني نماذج حاسوبية لسياراتها النموذجية، ثم “تصدمها” في محاكاة افتراضية. ومن خلال هذا العمل، تمكنت الشركة من دراسة تصاميم جديدة لتحسين سلامة مركباتها، ثم تعمد بي إم دبليو إلى بناء نماذج فيزيائية للتحقق من التصاميم النهائية. ولكي تكون المحاكاة الحاسوبية فعّالة؛ فلا بد لها من وسيلة دقيقة لنمذجة التفاعلات بين المكونات الفردية، فضلًا عن اختبارات موثوقة لتمييز التصاميم المتفوقة.
وأما الثمرة الحقيقية فتظهر حين يعجز المهندسون عن التنبؤ يدويًّا بالسلوك المعقد لنظام ينشأ من تفاعلات آلاف أو ملايين المكونات. فنجاح المعالجات الدقيقة القائمة على الحوسبة ذات مجموعة التعليمات المخفضة (RISC) في ثمانينيات القرن العشرين كان معتمدًا على المحاكاة الحاسوبية، وهو جهد بحثي ضخم تطلب تضافر جهود شركات هوليت-باكارد، وآي بي إم، وميبس، وجامعتي ستانفورد وكاليفورنيا في بيركلي. إذ كان على المهندسين أن يحاكوا آثار زيادة حجم ذاكرة التخزين المؤقت في المعالج الدقيق، أو تنفيذ بعض التعليمات على مستوى العتاد، لأنهم لم يكونوا قادرين على التنبؤ بكيفية تأثير تلك التغييرات على قدرة الشريحة على تشغيل برامج البرمجيات المعقدة المختلفة. ونتيجة لهذا العمل؛ ارتفع معدل التحسن السنوي في المعالجات الدقيقة من خمسة وثلاثين في المئة إلى خمسة وخمسين في المئة.
والمؤسسة التي تعتمد العينة العشوائية واسعة النطاق في ميدان التقنية المتعرج، باستطاعتها أن توظف طائفة من الأساليب لزيادة احتمالات النجاح. وأول ذلك أن تعمل مع تقنيات متنوعة كثيرة، وأن تجمع بين الباحثين من ميادين تبدو غير مترابطة لتمنع انحصار المخترعين في قوالب تقنية أو وظيفية ضيقة. ويمكنها أيضًا أن تشجع بيئة عمل غير مقيدة نسبيًّا؛ فعلى سبيل المثال، سياسة شركة ثري إم التي تتيح للباحثين أن يقضوا يومًا في الأسبوع في مشروعاتهم الخاصة، تشجعهم على تتبع مسارات عشوائية وغير متوقعة. وينبغي كذلك أن تكون الشركة متيقظة دومًا للإنجازات المفاجئة، ولو بدت بعيدة عن الهدف الأصلي. وأخيرًا، قبل أن تطلق الشركة نتائج استراتيجيتها العشوائية في الإنتاج، يجب عليها أن تضمن موثوقية عملياتها التصنيعية عبر طيف واسع من المعايير، غير أنه ينبغي التنبه إلى أنه إذا لم يفهم الناس كيفية عمل التقنية في المختبر، فإن تحديد السبب الجذري للمشكلات في التصنيع سيكون متعذرًا، كما هو الحال في كثير من شركات أشباه الموصلات ومرافق تصنيعها.
ومن النقاط الجوهرية التي ينبغي تذكرها أن العينة العشوائية الواسعة تقتضي معايير اختبار واضحة وصارمة، وإلا فإن العملية قد تفضي إلى كفاءة متدنية وباحثين محبطين. ففي صناعة الأدوية، يواجه الباحثون تحديات جسامًا بسبب التفاعلات بين جزيء الدواء، والنظام المستخدم لإيصاله إلى هدفه، والنمط الظاهري الفريد لكل مريض. وبدل أن يحاولوا فهم جميع هذه التفاعلات المعقدة والمترابطة، طورت شركة ميرك وغيرها من شركات الأدوية أساليب لاختبار مصفوفات ضخمة من التركيبات العشوائية للأدوية المحتملة في آن واحد ضد أهداف متعددة. وقد تشمل هذه الأهداف، مثلًا، مستقبلات اللبتين للسمنة، أو مستقبلات المكملات للالتهاب، أو الإنترلوكين للحساسية. وتزيد الشركات من تنوع تجاربها بالسعي الدائم لاكتشاف مركبات جديدة لتوسعة مكتباتها، غير أن هذا النهج كان بطيئًا في إنتاج أدوية جديدة، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى افتقاره لاختبارات ذات مغزًى وفعالية، فكثيرًا ما يكون فهم الباحثين للأمراض المستهدفة محدودًا، ويضطرون إلى تمثيلها باختبارات خلوية بسيطة لا تحاكي بدقة كيفية عمل الدواء المحتمل في الإنسان. ولهذا السبب؛ كثيرًا ما لا تكتشف الشركات فشل دواء معين إلا في وقت متأخر، خلال التجارب السريرية المكلفة. وخلاصة القول: إن العينة العشوائية الواسعة تنجح أفضل ما يكون حين تمتلك الشركة ذخيرة وفيرة زهيدة الثمن، وأهدافًا متعددة، وإشارات واضحة تدل على إصابة أحد تلك الأهداف.
البحث الممنهج.
وبدلًا من انتهاج العينة العشوائية، تستطيع الشركة أن تكتسب فهمًا جوهريًّا للمكونات المترابطة المختلفة (وما يتصل بها من تقنيات)، بما في ذلك كيفية تأثير بعض الأجزاء في بعضها الآخر. فإذا حصل الباحثون على مثل هذا العلم، أمكنهم تضييق ميدان الاستكشاف والوصول إلى مخترعات نافعة بسرعة أكبر. وهذا النهج يشبه “رسم خريطة” لميدان التقنية. وغالبًا ما يتطلب هذا الأسلوب استثمارًا باهظًا وطويل الأمد في العلوم الأساسية أو التطبيقية، غير أن ثماره المحتملة عظيمة. وقد أظهرت الأبحاث في استشهادات براءات الاختراع أن هذا النهج يفضي إلى ابتكارات ضعف ما تنتجه استراتيجية التركيب النمطي في المتوسط. وإذا ترجمنا هذا إلى عوائد مالية، فإن العائد يكون أعظم، إذ إن القيمة التجارية للبراءات التي يكثر الاستشهاد بها تتزايد أضعافًا مضاعفة. فقد بيّن البحث الحديث في الابتكارات الرائدة أن براءة اختراع لها أربع عشرة إشارة استشهادية تساوي قيمتها مئة ضعف قيمة براءة لها ثماني إشارات فقط.
نقطةٌ مهمّةٌ ينبغي تذكّرها أنّ الشركاتِ ليست مضطرّةً بالضرورة إلى إجراءِ البحوثِ الأساسيّةِ كي تنتفعَ منها، بل إنّ مجرّدَ الاطّلاعِ على الأدبيّاتِ العلميّةِ والإلمامِ بها قد يُوفّرُ ميزةً قويّةً عند التّعاملِ مع التّقنيّاتِ المتشابكةِ. ومن جهةٍ أخرى، يُمكنُ للشركاتِ أن تتقاسمَ المخاطرَ فيما بينها من خلالِ الاشتراكِ في اتحادٍ صناعيٍّ كاتحادِ “سيماتك”، حيثُ تتعاونُ الشّركاتُ الأعضاءُ (مثل إنتل، وموتورولا، وآي بي إم، وتكساس إنسترومنتس وغيرها) في تطويرِ تقنيّاتِ تصنيعِ أشباهِ الموصلاتِ الأساسيّةِ. وتُعدُّ هذهِ الأساليبُ ذاتَ أهمّيّةٍ خاصّةٍ للشركاتِ الصغيرةِ التي تفتقرُ في الغالبِ إلى المواردِ الضّخمةِ اللّازمةِ لإجراءِ بحثٍ منظّمٍ بمفردها. وإلى ذلك، فإنّ الشّركاتِ الصّغرى والمشروعات النّاشئةَ تستطيعُ أن توسّعَ معرفتَها الدّاخليّةَ توسعةً عظيمةً ببناءِ شبكةٍ غيرِ رسميّةٍ من العلماءِ في شتّى المجالاتِ، وربّما يتحقّقُ ذلكَ من خلالِ الوجود بالقربِ من الجامعاتِ ثمَّ إنشاءِ علاقاتٍ مع الباحثينَ هناك. ومهما تكنِ الوسيلةُ، فإنّ تزويدَ الباحثينَ بخريطةٍ -وإنْ كانت غيرَ دقيقةٍ- للطّبيعةِ التّقنيّةِ الوعرةِ التي يواجهونها قد يؤتي ثمارَهُ بسخاءٍ ما دامتِ المعلوماتُ دقيقةً بالقدرِ الكافي لاكتشافِ الاختراعاتِ القيّمةِ على نحوٍ أسرع.
وقد تجلّى أثرُ البحثِ المرسومِ بوضوحٍ في اختراعِ شركةِ “هيوليت-باكارد” (HP) للطّابعةِ النّافثةِ للحبرِ. فإنّ هيمنةَ الشّركةِ الأسطوريّةِ على سوقِ الطّابعاتِ النّافثةِ للحبرِ تجعلُ من العسيرِ تصوّرَ أنّها عانتْ كثيرًا في تطويرِ هذهِ التّقنيّةِ، حتّى أفلحتْ أخيرًا حيثُ أخفقَ الكثيرونَ قبلها. والحقيقةُ أنّ المفهومَ الأساسيَّ للطّباعةِ النّافثةِ للحبرِ قد نُشِرَ أوّلَ مرّةٍ قبلَ أكثرَ من قرنٍ من الزّمانِ على يدِ اللورد كلفن في منشوراتِ الجمعيّةِ الملكيّةِ عام 1867م. ومنذ ذلكَ الحينِ، استثمرتْ شركاتٌ مثل “آي بي إم”، و”سبيري راند”، وجامعة ستانفورد، و”زيروكس” ملايينَ الدّولاراتِ في هذهِ التّقنيّةِ، ومع ذلكَ لم تكنِ النّتائجُ سوى منتجاتٍ ذاتِ قطعٍ هشّةٍ وحساسيّةٍ في التّشغيلِ حالتْ دونَ الاعتمادِ عليها. ولقد كانتِ الطّابعةُ النّافثةُ للحبرِ تحدّيًا عظيمًا للمخترعينَ لما تقتضيهِ من تشابكٍ كبيرٍ بين المكوّناتِ المختلفةِ، ككيمياءِ الحبرِ، وتخطيطِ المقاوماتِ الّتي تولّدُ نبضةَ الحرارةِ لرشِّ الحبرِ، وشكلِ الإشارةِ الكهربائيّةِ عبرَ المقاوماتِ، وغيرِ ذلكَ.
وقد أفلحَ “جون فوت”؛ أحدُ الفنيّينَ في مختبراتِ “هيوليت-باكارد”، في الجمعِ بين المكوّناتِ المعقّدةِ على الوجهِ الأمثلِ الّذي أدّى إلى منتجِ الشّركةِ الرّائدِ، ولم يكنْ ذلكَ ليتحقّقَ لولا الفهمُ الأساسيُّ لفيزياءِ السّوائلِ فائقةِ التّسخينِ. وإنّ في قصّةِ “فوت” لَعبرًا جمّةً؛ أوّلُها أنّ الأدبيّاتِ العلميّةَ مصدرٌ زاخرٌ بالمعلوماتِ النّفيسةِ، فبعدَ أنْ أحرزَ “فوت” تقدّمًا أوّليًّا في تقنيّةِ النّفثِ الدّقيقِ، عمدَ زميلاهُ “هوارد توب” و”جون مايرز” إلى مطالعةِ المجلّاتِ الفيزيائيّةِ المختصّةِ ليقفا على معارفِ الآخرينَ حولَ ظاهرةِ نَوَى الفقاعاتِ، وهي الظّاهرةُ الّتي تُعدُّ أساسَ جميعِ الطّابعاتِ النّافثةِ للحبرِ. وثانيها أنّ الباحثينَ يستطيعونَ الاستعانةَ بشبكاتِهم الشّخصيّةِ للوصولِ إلى الخبراتِ اللّازمةِ، إذ تواصلَ “توب” و”مايرز” مع أصدقائهما في معهدِ كاليفورنيا للتّقنيّةِ للحصولِ على أحدثِ المعلوماتِ حولَ النّفثِ الدّقيقِ والتّبخّرِ في درجاتِ الحرارةِ العاليةِ. وثالثها أنّ المخترعينَ ذوي القدرةِ العلميّةِ يمكنهمْ أن يُتمّوا ما يلزمُ من البحوثِ الأساسيّةِ بأنفسهم، فقد ابتكرَ “مايرز” وزملاؤهُ محاكياتٍ وتقنيّاتٍ عدديّةً أصيلةً لفهمِ أفضلِ السّبلِ لتطبيقِ آليّةِ نَوَى الفقاعاتِ في سياقِ اختراعِهم. وقد ساعدَ ذلكَ في رسمِ معالمِ المشهدِ التّقنيِّ لشركةِ “هيوليت-باكارد”، ومكّنَها من فهمِ كيفيّةِ حدوثِ النّوى في الحبرِ عندَ تسخينهِ إلى درجاتِ حرارةٍ فائقةٍ.
وقد تكونُ خريطةُ التّقنيّاتِ ذاتَ فائدةٍ خاصّةٍ للشّركاتِ الّتي بلغتْ طريقًا مسدودًا ولم تدركْ ذلكَ بعد. خذْ على سبيلِ المثالِ شركةَ “لورد” الكائنةَ في مدينةِ كاري؛ ولايةِ كارولاينا الشّماليّةِ، والّتي تصنعُ الموادَّ اللاصقةَ والمخمّداتِ. ففي ثمانينيّاتِ القرنِ الماضي، كانتْ “لورد” تسعى لتطويرِ “مخمّدٍ ذكيٍّ” يُغيّرُ مقاومتهُ ليمنحَ راكبَ درّاجةِ التّمارينِ شعورَ صعودِ المرتفعاتِ. وفي ذلكَ الحينِ، كانتِ الشّركةُ (وسائرُ منافسيها تقريبًا) تركّزُ على استخدامِ السّوائلِ “الكهرو-ريولوجيّةِ” (ER) الّتي تزدادُ لزوجتُها عندَ تعريضها لمجالٍ كهربائيٍّ. وقد عانتِ الشّركةُ كثيرًا مع هذهِ الموادِّ حتّى أجرى “ديف كارلسون”؛ أحدُ كبارِ مهندسيها، حسابًا حاسمًا أظهرَ أنّ هذهِ التّقنيّةَ، ولو بلغتْ أقصى إمكانيّاتها، تظلُّ غيرَ عمليّةٍ في جوهرها، ولم يكنْ ذلكَ ليُدركَ إلا بفهمٍ جوهريٍّ للكيمياء والفيزياء المتعلّقةِ بها.
وبعدَ هذا الإدراكِ، سارعتِ “لورد” بتحويلِ بحثِها إلى استقصاءِ الموادِّ “المغناطيسيّةِ-الريولوجيّةِ” (MR)، وهي مشابهةٌ للأولى إلا أنّ خصائصَها تتغيّرُ عندَ تعريضها لمجالٍ مغناطيسيٍّ لا كهربائيٍّ. وقد أثبتَ هذا الانتقالُ إلى مجالٍ آخرَ من المشهدِ التّقنيِّ أنّهُ كانَ موفّقًا؛ فقد جرّبَ باحثو “لورد” أنواعًا شتّى من الموادِّ المغناطيسيّةِ-الريولوجيّةِ، واكتشفوا أنّ زيتًا مخصوصًا مخلوطًا ببُرادةِ الحديدِ وبعضِ الإضافاتِ هو الأنسبُ. ولمعرفةِ سرِّ ذلكَ، عادتِ الشّركةُ إلى البحثِ العلميِّ وأجرتْ بحوثًا أصيلةً حولَ تكسّرِ جسيماتِ الحديدِ تحتَ الضّغطِ الميكانيكيِّ والمغناطيسيِّ. وقد أثمرتْ هذهِ الجهودُ عن تطويرِ منتجاتٍ عديدةٍ، منها مخمّدُ زلازلَ للمباني والجسورِ، وممتصّاتُ صدماتٍ ذكيّةٌ للسّيّاراتِ، وساقٌ صناعيّةٌ توفّرُ مقاومةً ديناميكيّةً بحسبِ وزنِ اللّابسِ ومشيتهِ وبيئتهِ (سواءٌ أكانَ يمشي على سطحٍ مستوٍ أم يصعدُ سلّمًا).
إنّ خريطة التكنولوجيا لَنفيسةٌ أيضًا للباحثين الذين يظنون أنهم بلغوا طريقًا مسدودًا تقنيًّا، وما هم بذلك. بل إن النظريات العلمية قد تحث على مواصلة البحث رغم تكرار الفشل. فلما كان ديفيد وونغ من شركة إيلاي ليلي يبحث عن دواء جديد لعلاج الاكتئاب، استمر في فحص مجموعة من مركبات بينادريل، مع أن تلك المجموعة لم تُظهر سابقًا أي بادرة أمل، إلا أن وونغ واصل البحث استنادًا إلى نظريته في امتصاص السيروتونين، أي فهمه للآلية التي تطلق بها بعض خلايا الدماغ الناقل العصبي القوي وتمتصه. وبفضل ذلك العلم، اكتشف وونغ في نهاية المطاف دواء بروزاك المضاد للاكتئاب.
ومع ما في البحث الموجه بالخريطة من مزايا، إلا أن تطبيقه قد يكون بالغ الصعوبة؛ فالشركات التي تعتمد هذا النوع من البحث ينبغي أن تولي عناية خاصة بكيفية إدارتها لعلمائها. فالمهندسون غالبًا ما يسعون إلى نيل الاعتراف المهني داخل شركاتهم، ويستجيبون جيّدًا للحوافز المالية وحوافز الترقية. أما العلماء، فكثيرًا ما يبتغون الاعتراف الخارجي بنشر أبحاثهم ونيل احترام المجتمع العلمي الأوسع. وقد دلت الشواهد الحديثة على أن العلماء قد يقبلون برواتب أدنى لقاء فرصة تحقيق هذا الاعتراف الخارجي. ومن ثم، فإن إبقاء عمل العالم سرّيًّا أمر عسير إذا كان يقيس نجاحه المهني بعدد المقالات المنشورة ومكانة المجلات التي تظهر فيها. ثم إن أعراف العلم الجوهرية وأساس نجاحه قائم على النشر المفتوح والحوار العلمي. وأخيرًا، فإن العلم الرصين يقنن المعرفة ويبينها، وعليه، حتى لو أجرى علماء الشركة أبحاثهم من غير مكافأة النشر الخارجي، فإن تقنينهم للمعرفة يجعلها أقل خفاءً وأسهل انتقالًا إلى شركات أخرى؛ فمثلًا، الباحثون الذين يغادرون الشركة يستطيعون بسهولة أكبر إعادة بناء أعمالهم لمصلحة منافس.
وتتجلى هذه القضايا الشائكة في تجربة شركة آي بي إم مع ابتكارها في تقنية التوصيل النحاسي، فقد كان ذلك الاختراع الذي يتيح ربط الترانزستورات على الشريحة بمقاومة كهربائية منخفضة جدًّا فتحًا عظيمًا، ولما أعلنت آي بي إم عنه، ارتفع سعر سهمها خمسة في المئة، ولما أُدخلت التقنية إلى الإنتاج ارتفع السعر ستة في المئة أخرى. وقد أحسنت آي بي إم إذ سمحت لباحثيها بنشر الأفكار العامة عن التقنية، مع إبقاء التفاصيل الدقيقة سرية، وامتنعت بحكمة عن التقدم ببراءات اختراع لئلا تكشف عن تلك المعلومات الثمينة. غير أنه في أوائل التسعينات، حينما عصفت بالشركة أزمة وتقشف شديد، غادرها عدد من الباحثين. ومع انتشار المعرفة، تمكنت بقية الصناعة من فهم مزايا التقنية النحاسية فزاد سعي الشركات الأخرى في هذا المجال، ولحقت بخبرة آي بي إم في غضون عامين، لكن في صناعة الشرائح، يمثل عامان جيلًا تقنيًّا كاملًا، مما أتاح لآي بي إم أن تشحن أكثر من مليون شريحة قبل أن يتمكن المنافسون من الرد.
وأهم درس من نجاح آي بي إم في ابتكارها هو أن البحث الموجه بالخريطة عبر تضاريس تقنية وعرة قد يؤدي إلى عوائد مذهلة، غير أن بلوغ تلك الفوائد يتطلب من الشركات إدارة نشطة ورقابة دقيقة لاستراتيجيات الابتكار. وعمومًا، تتطلب الاستراتيجية الموجهة بالخريطة حماية أشد للملكية الفكرية وقدرات تكميلية أقوى من نهج العينة العشوائية، لكنها تتطلب حماية أقل للملكية الفكرية وقدرات تكميلية أضعف من النهج المعياري المجزأ.
اختيار الأرض المناسبة
ينبغي أن تجد الشركات التي تتبع استراتيجية معيارية في الابتكار أن مكوناتها تتوافق بسهولة من غير أثر كبير في أداء النظام، وأنها تستطيع بسهولة استبدال المواد الأولية والموردين وطرق التصنيع. أما المنظمات التي تختار المنافسة باستراتيجية متداخلة، فينبغي أن تواجه عكس ذلك؛ إذ يصعب على مخترعيها تفسير سبب نجاح الابتكارات، ولماذا لا تنجح إلا في “بؤر ضيقة مواتية” صغيرة، ولماذا قد يؤدي تغيير بسيط إلى انهيار النظام كله.
وثمة أمر مهم ينبغي تذكره، وهو أن الصناعات كيانات ديناميكية، فيلزم للمنظمات أن تعيد تقييم ما إذا كانت تستكشف الأراضي التقنية الصحيحة باستمرار؛ فحين ينضج السوق، قد تختار الشركة التي بنت علامة قوية أن تركز على خفض تكاليف التصنيع، ربما باستخدام أجزاء أكثر معيارية في تطوير الجيل الجديد من منتجاتها. ويزيد الأمر تعقيدًا أن التقنيات والمشروعات المختلفة في الشركة الواحدة قد تمثل تضاريس مختلفة، يتطلب كل منها استراتيجية خاصة.
وللانتقال إلى تضاريس أكثر وعورة، ينبغي أن تحفز الشركة مهندسيها على العمل بمكونات جديدة وأكثر حساسية، وهو أمر قد يلقى مقاومة أول الأمر، لا لكونهم يفضلون المألوف فحسب، بل لصعوبة التعامل مع التقنيات المتداخلة أيضًا، ومع ذلك، يمكن للمنظمة أن تدعم الانتقال بمنح الباحثين الوقت والموارد لاستكشاف أفكار قد تبدو غير عملية في البداية، وألا تعاقبهم على انخفاض مؤقت في الإنتاجية.
الذهاب في الاتجاه المعاكس؛ أي الانتقال إلى مشهد تقني أكثر سلاسة، ينطوي على تحدٍّ إداري أيسر نسبيًّا وأقرب إلى المألوف؛ فالشركات التي ترغب في إتمام هذا التحول ينبغي لها أن تؤكد على زيادة الاعتمادية، ورفع الإنتاجية، وقابلية إعادة استخدام المكوّنات والتصاميم. ولا ريب أن اعتماد استراتيجية وحدوية في ابتكار المنتجات لا يكون ذا جدوى إلا للشركات التي تملك القدرات المكمّلة اللازمة للنجاح في الأسواق الشبيهة بالسلع.
وكلا نوعي الانتقال عبر مشهد التقنية يحمل نصيبه من التحديات، غير أن النقطة الجوهرية هي أن الشركات ليست متفرجة سلبية؛ بل يمكنها أن تنتقل عبر هذا المضمار لتجد التضاريس التي تلائمها أكثر، وبذلك، تستطيع أن تستثمر مكامن قوتها، وتتجنب أن يستغل منافسوها مواطن ضعفها.
المراجع
1. See also C. Baldwin and K. Clark, “Managing in an Age of Modularity,” Harvard Business Review 75 (September–October 1997): 84–95.
2. S. Thomke, “Enlightened Experimentation: The New Imperative for Innovation,” Harvard Business Review 79 (February 2001): 66–75.
3. L. Fleming and O. Sorenson, “Science as a Map in Technological Search,” working paper 02-096, Harvard Business School, Boston, Massachusetts, 2002.
4. D. Harhoff, F. Narin, F. Scherer and K. Vopel, “Citation Frequency and the Value of Patented Inventions,” Review of Economics and Statistics 81 (August 1999): 511–515.
5. L. Zucker, M. Darby and M. Brewer, “Intellectual Human Capital and the Birth of U.S. Biotechnology Enterprises,” American Economic Review 88 (March 1998): 290–306.
6. L. Fleming, “Finding the Organizational Sources of Technological Breakthroughs: The Story of Hewlett-Packard’s Thermal Inkjet,” Industrial and Corporate Change 11 (November 2002): 1059–1084; and, for an account of how Inchiro Endo also invented the inkjet at Canon, independent of H-P’s efforts, see A. Robinson and S. Stern, “Corporate Creativity: How Innovation and Improvement Actually Happen” (San Francisco: Berrett-Koehler, 1997).
7. S. Stern, “Do Scientists Pay To Be Scientists?” working paper 7410, National Bureau of Economic Research, Cambridge, Massachusetts, 1999.
8. O. Sorenson and L. Fleming, “Science and the Diffusion of Knowledge,” working paper 02-095, Harvard Business School, Boston, Massachusetts, 2002.
9. For further details on IBM’s story, see: K. Lim, “The Many Faces of Absorptive Capacity: Spillovers of Copper Interconnect Technology for Semiconductor Chips,” working paper 4110, MIT Sloan School of Management, Cambridge, Massachusetts, 2000.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




