تتبدل الإمبراطوريات حين تفقد جيوشها، غير أن منطقها قد يبقى حيًّا في اللغة والمعرفة، وفي تلك الخرائط التي توزّع البشر بين ناضج وقاصر، ومتقدم ومتأخر. فالعنف الإمبراطوري لا ينتهي دائمًا بانحسار الاحتلال أو سقوط السلطة السياسية؛ إذ قد يتحول من قوة ظاهرة إلى نظام خفيّ في التصنيف والتمثيل والحكم على الثقافات. وفي هذا التحول تحديدًا تتجلى «بربرية الحضارة» the barbarism of civilization، بتعبير إدغار موران، باعتبارها قدرة الحضارة على أن تتزيّا بلباس العقل وهي تمارس التراتب، وأن تتكلم باسم الإنسان وهي تنتقي من يستحق الامتياز الكامل لهذا الاسم.
غير أن المسألة، في عمقها، أوسع من محاكمة الغرب وحده على تاريخه في تجسيد المركزية على مدار قرون. فالمركزية مرض في النظر، أو النظرة، قبل أن تكون عنوانًا جغرافيًا. إنها تلك اللحظة التي تتحول فيها ثقافة ما إلى ميزان للعالم كله، فتجعل تاريخها معيارًا للتاريخ، وذاكرتها مقياسًا للكرامة. وحين يحدث ذلك، يتحول ما صُنّف من قبل هامشًا إلى مركز صغير؛ يندد بالاحتقار الذي وقع عليه، ثم يهبط بالاحتقار ذاته على شعوب أبعد أو أضعف حضورًا- أو ربما أقل رسوخًا في مخيلته.
لقد وصف إدوارد سعيد الطريقة التي صاغ بها الغرب شرقًا ملائمًا لسلطته؛ شرقًا قابلًا للشرح وللتأديب وللتمثيل نيابة عنه. غير أن هذا الدرس يفقد قوته الأخلاقية حال تطبيقه في اتجاه واحد فقط. فما الذي يمنع الشرق، أو بعض خطاباته، من صناعة «شرق» آخر في داخله؟ ما الذي يمنع العربي الذي احتج طويلًا على صورته في العين الغربية من أن ينظر إلى شعوب أخرى، أو إلى أمم أنهكها الاستعمار والهيمنة، بوصفها أطرافًا حضارية، أو كتلة عمل، أو غرابة ثقافية؟ هكذا تنتقل العدوى من عين إلى عين، وتغدو الضحية قادرة على أن تحمل في حدقتها صورة الجلاد.
تعمل المركزية غالبًا من خلال ترتيب ضمني للشعوب في الوعي العام. وهي لا تحتاج إلى قوة عسكرية كي تفرض نفسها؛ تكفيها كلمة مثل «متخلف»، أو «بدائي»، أو «هامشي»، أو «غريب»، كي تختصر أمة كاملة في علامة نقص. عندئذ لا يعود الآخر صاحب تاريخ وتجربة وحق في السرد، وإنما يصبح درجة أدنى في سلم متخيل، شاهدًا على مسافة يرسمها المركز ليطمئن إلى علوّه.
في هذا الموضع تلتقي بصيرة موران مع ما ذكره فرانز فانون حول استبطان صورة السيد، ومع نقد ليفيناس للعلاقة التي تختزل وجه الآخر في موضوع قابل للامتلاك. فالمشكلة لا تقف عند قوة تهيمن على ضعيف، وإنما تمتد إلى البنية التي تجعل الإنسان قابلًا للإنقاص كلما ابتعد عن مركز الاعتراف. وكل ثقافة تفقد يقظتها أمام هذا الميل تستطيع أن تنتج بربريتها الخاصة، مهما امتلأت لغتها بكلمات الحرية والكرامة والحداثة.
أظن أن خطابنا العربي يحتاج إلى نقد مزدوج؛ نقد يواجه المركزيات الكبرى حين تختبئ داخل المعرفة والتنمية وحقوق الإنسان الانتقائية، ونقد يفتش عن المركزيات الصغيرة في لغتنا ومخيلتنا وأحكامنا اليومية. فالتحرر من الهيمنة يكتمل حين يتطهر الصوت من شهوتها. ولا يكفي أن نطالب العالم بأن يرانا في تعقيدنا واختلافنا، ثم نحرم غيرنا من الحق نفسه. فالعدالة الثقافية تبدأ من أن ننتزع من مخيلتنا رغبتها المتأصلة في ترتيب البشر.
إن الحضارة، في معناها الأعمق، تقاس بقدرتها على كسر تهشيم الصورة المرأوية للذات التي تجعل الإنسان لا يرى إلا نفسه. فكل مركز يخلق هامشه، وكل هامش يستسلم لإغواء المركز يخلق ضحية جديدة. وبين المركز والهامش يضيع الوجه الإنساني، وتخسر الثقافات إمكان اللقاء، ويصير العالم أكثر ازدحامًا بالتصنيفات وأفقر في الاعتراف.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




