في رائعة المخرج فرانك كابرا «إنها حياة رائعة» (It’s a Wonderful Life, 1946)، يقف جورج بيلي- بطل العمل- عند الجسر الشهير مثقلًا مكتئبًا منهكًا. رجل أنفق عمره في حماية الآخرين يصل، في لحظة انهياره، إلى ظن بأن وجوده عبر العالم من دون علامة كافية. لقد وزّع حياته على البيوت والوجوه والديون المؤجلة والأحلام الصغيرة؛ منح الناس فرصًا، وفتح لهم أبوابًا، ودفع من روحه ثمن لطمأنينتهم، ثم وجد نفسه وحيدًا أمام سؤاله وشكوكه: هل تغيّر شيء حقًا لأنني كنت هنا؟
يأتي الرد الشافي عن سؤاله حين يرى العالم بعد محو أثره منه. المدينة التي عرفها تنقلب إلى مكان بارد. والوجوه تفقد شيئًا من سكينتها، والناس الذين عبر حياتهم يبدو كما لو كان خيطًا سريًا يحفظ تماسكهم قد انقطع من داخلهم. عندها يكتشف أن وجوده كان عظيم النفع رغم ما بدا في عينيه صغيرًا. لقد امتدت يده للآخرين في وقت مناسب عبر قرارات رحيمة وبعض التضحيات التي أنقذت قلوبًا من الانكسار ووجودًا من السقوط في نسخة أشد قسوة من نفسها.
تنبع قوة الفيلم من هذا الكشف تحديدًا. فقد يكون الإنسان ضرورة في حياة آخرين وهو آخر من يعلم. قد يحمل ويحمي وينقذ، ثم يعود بعد حين شاعرًا أن وجوده هامشي لا يحمل أثرًا. قد يضيء طرقًا لا يمشي فيها، ويرمم أرواحًا لا تخبره بما فعل، ويمضي سنوات طويلة منتظرًا جملة واحدة تعيد إليه أثره من الخارج: لقد رأيناك. عرفنا ما صنعت. كان حضورك أساسيًا بالنسبة لنا. وصل إلينا شيء من الجمال الذي تركته خلفك.
من هذه اللحظة تبدأ فلسفة الاعتراف. من حاجة الإنسان إلى شاهد عادل على وجوده، وإلى عين تلتقط ما أخفاه الاعتياد، وإلى كلمة تنقذ المعنى من الصمت. فالاعتراف يعيد قيمة الإنسان إليه وقد نفضنا عنها الغبار، لنمنحه دليلًا على أن حضوره ترك في العالم أثرًا لا تراه العين المتعجلة.
كان هيغل يرى أن الوعي بالذات يمر عبر اعتراف الآخر. فالإنسان، في تصوره، يعرف نفسه حين يجدها منعكسة في وعي آخر. أما أكسل هونيث فيوسع هذا المعنى حين يجعل الاعتراف شرطًا لنمو الإنسان الأخلاقي والاجتماعي. فالفرد يحتاج إلى محبة تمنحه الثقة، وتقدير يشعره بأن ما يفعله له قيمة داخل الجماعة. وبهذا المعنى، تتحول الكلمة الطيبة إلى فعل عادل. وحين نعبر لإنسان ما عن أهمية وجوده ومحوريته في حياتنا، فنحن نعيد إليه جزءًا من صورته التي بددها الاعتياد، ونمنحه مكانًا واضحًا في ذاكرة من حوله.
تتجلى إحدى جوانب مآسينا اليومية، فيما أعتقد، في خوفنا من الإفصاح عن مشاعرنا الطيبة. فقد صار كثيرون يترددون قبل أن يعبروا عن مشاعرهم الطيبة تجاه شخص ما، ويقيسون أثر الكلمة قبل خروجها، ويتجنبون في بعض الأوقات الاعتراف بالفضل لأسباب مختلفة. قلوب ممتنة وألسنة حذرة، هكذا نكون معظم الأوقات. نعرف فضل بعض الناس علينا، ونرى استقامتهم ونبلهم وسط علاقات المصالح، وندرك أثرهم في جعل أيامنا أفضل حالًا، ثم نؤجل الإفصاح عن هذا كله حتى تبرد المشاعر أو يأتي الاعتراف بعد الفوات.
يذكّرنا الفيلسوف تشارلز تايلور بأن الهوية تتشكل داخل حوار طويل مع الآخرين؛ مع الأسماء التي ننادى بها، والصفات التي تلصق بنا، والنظرات التي تجعلنا داخل المشهد أو تدفعنا إلى الهامش. لذلك قد تغيّر جملة واحدة علاقة الإنسان بنفسه. كلمة صادقة يسمعها شخص بعد سنوات من الصمت قد تفتح داخله غرف مغلقة صدأت أقفالها. قد يسألك بدهشة: هل تعني ذلك حقًا؟
في وجه الآخر، كما يشير ليفيناس، نداء أخلاقي سابق على الحسابات كلها. فالوجه يطالبنا بالانتباه: هنا إنسان وتجارب وتاريخ من تعب غير مرئي. والاعتراف أحد أشكال هذا الانتباه. أن نرى الشخص الذي اعتاد الجميع استعماله من غير التفات. وأن نشير إلى من يصلح ما يفسده الآخرون. وأن نذكره بوصفه نموذجًا للشرف والأمانة. ان نخرجه من الظل، ونمنحه حقه في الحكاية. فالجمال الأخلاقي يحتاج إلى شهود كي يتحول إلى مثال ملهم، وكي يغادرعزلته في زوايا الحياة.
العالم يحتاج إلى ذاكرة أكثرعدلًا. ذاكرة تحفظ أسماء الذين خففوا القسوة، وصانوا الود، وعملوا بأمانة، ومرروا في حياتنا أياد رحيمة تعطي ولا تطلب شيئًا. حين نتحدث عنهم، فنحن نربي أعيننا على رؤية الخير، ونمنح الآخرين نماذج صالحة للتأمل والاقتداء. فالرداءة تجد دائمًا من يرويها ومن يضخمها، ومن يمنحها مقعدًا دائمًا في المجالس. لهذا نحتاج إلى أن نلتفت إلى النماذج النبيلة، حتى لو كانت تبدو هامشية في حياتنا أو في مواقعها، ونشير إليها ونفصح لها عن تقديرنا قبل أن تذوب في الاعتياد.
قل لمن يستحق الآن، في لحظة عادية جدًا، من غير تفكير وحسابات: حضورك مقدّر. أثرك واضح. ما تفعله يصل إلينا. فهناك أناس ينتظرون منذ زمن أن يعرفوا أن أن تعبهم ترك علامة.
تبدأ فلسفة الاعتراف من التفاتة، ومن جملة صادقة، ومن شجاعة بسيطة في مدح من يستحق. وربما كان أجمل ما نفعله في عالم يكثر فيه الحديث عن القبح أن نصنع للخير شهوده، وأن نرد إلى الطيبين شيئًا من الجمال الذي صنعوه لنا.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.
* ملاحظة من الكاتب: هذه المقالة مدينة بإلهامها إلى «حنين عبد الله» التي أيقظت تغريدة سابقة لها هذا المعنى وفتحت باب الكتابة عنه.




