ترجمة: غيداء العبودي
“إن حوار الحضارات أم الصراعات هو أكثر اختيار مهم يواجه العالم، لأنه ليس خيارًا بين الحضارات فحسب، بل هو خيارٌ يتعلق ببقاء البشرية”.
كانت هذه كلمات عميد معهد الدراسات الإنسانية المتقدمة بجامعة بكين دو وي مينغ. مؤخرًا، أجرى دو وي مينغ، عضو أكاديمية الفلسفة الدولية، وعضو في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، وباحث في مركز جامعة هارفارد آسيا، مقابلة عن بعد مع وكالة الأنباء الصينية لبرنامج “مشكلات الشرق والغرب” في منزله في بيركلي، كاليفورنيا، الولايات المتحدة، وأجاب عن عدة أسئلة حول الحضارة الصينية، والعلاقات الصينية الأمريكية وحوار الحضارات وغيرها من القضايا.
ملخص نص المقابلة:
العصر المحوري وحوار الحضارات
صحفي وكالة الأنباء الصينية شو هوانغ غوان: “لقد كنت دائمًا تدعو وتدافع بحماسة عن حوار الحضارات، كيف يمكننا أن نتفوق على العصر المحوري ونطلق منظورًا جديدًا لحوار الحضارات في العصر الحديث؟”.
دو وي مينغ: “قام الفيلسوف الألماني كارل ياسبرس بصياغة مصطلح “العصر المحوري”، والذي يشير إلى الفترة ما بين 800 سنة و200 سنة قبل الميلاد تقريبًا، وكان يعتقد بأن ذلك العصر كان عظيمًا وحاسمًا في عملية تطور الحضارة الإنسانية، لذلك استخدم مصطلحًا ميكانيكيًّا كـ (المحور) لوصفه. كان هناك ما لا يقل عن أربع حضارات كبرى في العالم خلال “العصر المحوري”، وتشمل الحضارة اليهودية المسيحية، والحضارة الهندية، والحضارة اليونانية، والحضارة الكونفوشية الصينية، وكان لتلك الحضارات جميعها تأثير ضخم. العلماء الذين يعملون في البحث الأكاديمي، وخاصة الدراسات الثقافية المقارنة، ويعتقدون أن هذه العقول –الحضارات الكبرى التي ظهرت في الوقت نفسه واندمجت معًا، والعصر الذي تأثرت فيه بعضها ببعض– يعني تنوع الحضارة الإنسانية وتعدديتها وشموليتها، والتي لم تكن في اتجاه واحدٍ أو بين الشرق والغرب، بل هي روح خاصة تشمل الاتجاهات جميعها الشرق، والغرب، والشمال، والجنوب.
قدّم مفهوم “العصر المحوري” للبشرية تفكيرًا فلسفيًّا متنوعًا وضخمًا، ممثلًا رؤية مشتركة للمجتمع البشري. بالتأكيد هناك تحديات ونقاشات وحتى صراعات في هذا الشأن، وبناءً على ذلك يمكن تطوير قيمة مشتركة. إنني متخصص في الدراسات الكونفوشية، خصوصًا الدور الذي تؤديه الفلسفة الكونفوشية في الثقافة الصينية والتي بحد ذاتها ثقافة متعددة ومتنوعة، كما أتمنى أيضًا أن أسلك طريقًا متعددًا ومفتوحًا، يشمل قيمًا إنسانية متنوعة ومختلفة.”.
صحفي وكالة الأنباء الصينية: “ما أهم شيء لتعزيز الحوار بين الحضارات المختلفة في العالم المعاصر برأيك؟ وكيف يمكننا التغلب على العقبات؟”.
دو وي مينغ: “إن الجميع قلقون حاليًّا من تضييق مساحة الحوار، وانخفاض إمكانية بدء الحوار. بشكل عام، ندرك بأنه لو كان تطور الحضارة الإنسانية متنوعًا، حتى من وجهة نظر الحضارة المحورية، فهناك على الأقل أربع حضارات مختلفة، بالتالي، في إطار الحداثة، يجب أن يكون اتجاه الحضارة البشرية في المستقبل متنوعًا، أي إن الحضارات الكبرى جميعها التي تمثلها حضارة المحور، وأنواع مختلفة من الحضارات الأصلية ومناطق أخرى من العالم كالحضارات التي تمثلها أفريقيا، والتي تنتمي إلى إرث إنساني مشترك يتطلب الاندماج والتواصل.
لقد ساهم الذكاء الاصطناعي وغيره من التقنيات في توسيع سرعة التواصل ونطاقه وعمقه، وهو أمر لم يحدث قط في الحضارات الإنسانية. ونظرًا لزيادة طرق التواصل فقد ازدادت إمكانية اندماج الجميع مع بعضهم بعضًا، وتعلمهم من بعضهم بعضًا، لذا فإن حوار الحضارات حتمًا سيصبح مسارًا واسعًا لا يمكن تجاهله أو الاستخفاف به لتطور البشرية.
ثمة تناقض ظاهري في هذه المرحلة بين صراع الحضارات وحوار الحضارات. إن كيفية توسيع مساحة الحوار ونطاقه وعمقه والتقليل من العوائق والأضرار الناشئة عن الصراعات والتناقضات المختلفة قضايا كبيرة علينا أن نركز عليها، بغض النظر عن مدى اهتمامنا بالعلوم الإنسانية.”.
صحفي وكالة الأنباء الصينية: “ما رأيك في نظرية صدام الحضارات؟”.
دو وي مينغ: “لقد أتى صامويل هنتنغتون بنظرية صراع الحضارات، ونبعت من الأفكار التي كان لها تأثير كبير في آخر 50 عامًا، ومفادها بأن الحداثة ليست تعددية، بل عملية تطور مرحلية موحدة وأحادية الاتجاه. لذلك، يمكن تقسيم العالم إلى مراحل: الحداثة القصوى، شبه الحداثة، أو متوجه نحو الحداثة، وللحداثة طريق واحد نعرفه جميعًا، وهو “التغريب”. لقد كان لجماعة التغريب تأثير كبير في عملية الحداثة في الصين. لقد طرح فرانسيس فوكوياما مرة نظرية “نهاية التاريخ”، والتي كان يعتقد فيها أن الحضارة الإنسانية تطورت بعد الحرب العالمية الثانية حتى صعود الحضارات الغربية، خصوصًا عند صعود الحضارة الأمريكية، فقد أصبح العالم تدريجيًّا يتأثر بقوة حضارية واحدة فحسب، بينما تعرضت الحضارات الأخرى لتدخلات مختلفة.
طرح صامويل هنتنغتون نظرية صدام الحضارات عام 1993م، قال فيها إنه علينا ألا ننسى أن البشرية لديها إمكانات وتوقعات لحوار الحضارات، إلا أن الصدام بين الحضارات شديد جدًّا، أثارَ مخاوف مبنية على الحضارات والتوجهات المختلفة التي تمثلها المسيحية والإسلام. حازت نظرية صدام الحضارات على تأثير واسع بعد طرحها، واعتبرها الجميع قضية كبيرة. لقد كان لدي تواصل مع صامويل هنتنغتون عندما كنت في جامعة هارفارد، وقد دعاني للمشاركة في ندواته عن صدام الحضارات، أشرت بوضوح حينها بأنه لو كان هناك خطر وجود صدام بين الحضارات -ليس فقط المسيحية والإسلام، بل الصدامات بأنواعها كافة- فإن الحوار سيكون ضروريًّا. يتوافق هذا الرأي إلى حد ما مع وجهة نظر هنتنغتون الأساسية والتي طرحها في سنواته الأخيرة. بات تطوير آلية للحوار واجبًا، لأن الصدامات متناقضة وخطيرة. في الأساس، إنني آمل الهروب من فخ التناقضات والصراعات وصدام الحضارات، والدخول في حوار حضاري قائم على المساواة والمنفعة المتبادلة، والسلام، والازدهار المشترك.”.
الثقافة الصينية والحضارة العالمية:
صحفي وكالة الأنباء الصينية: “ما القيم التي على الصين المعاصرة أن تركز على إعادتها في ثقافتها التقليدية الممتازة برأيك؟”.
دو وي مينغ: “إن الثقافة الصينية هي حضارة منفتحة للتعلم، بالإضافة إلى أنها تتعلم من الحضارات المختلفة، الحضارة الصينية ليست حضارة قائمة على صراعات أو غزو أجنبي، بل هي حضارة شاملة. من مفهوم الثقافة الصيني، علينا توسيع رؤيتنا من خلال مسارات مختلفة، توسيع فهمنا للطبيعة والعالم الإنساني، ثم الاندماج مع بعضنا بعضًا من خلال التعايش السلمي، والتطور على هذا الأساس. لقد كان للأمة الصينية خلفية عميقة منذ العصور القديمة، وهي الاندماج، لذا فإن الحضارة الصينية حضارة تعلم واندماج وحوار، حضارة يمكن من خلالها التعلم والتطور المتبادل عبر الحوار.
تحتوي الثقافة الصينية على مفهوم عميق، وهو “التعايش مع الاختلاف”، فهي توفر لنا موارد غنية لاستيعاب الحضارات الأخرى ودمجها وتأثيرها من خلال التأمل الذاتي، وفهم ومعرفة الذات، والنقد الذاتي. لذا فإن مجال التأثير الثقافي الكونفوشي المتمثل بالحضارة الصينية ثم حضارة شرق آسيا، حضارة ومتناغمة وشاملة نطمح إليها. كما أنها قادرة على توسيع آفاقها تدريجيًّا من الأقل إلى الأكثر، ومن الفقر إلى الغنى، وتطوير الإمكانيات المختلفة التي تحتويها. لذا فقد تطورت الحضارة الصينية باستمرار من خلال إظهار الحكمة الإنسانية وتطوير القيم الإنسانية في العملية المتدرجة للتعايش المتناغم، إنها حضارة عظيمة وشاملة.”.
صحفي وكالة الأنباء الصينية: “برأيك، ما أهمية مفهوم “الشمولية” في العالم المعاصر؟”.
دو وي مينغ: “إن الشمولية هي ما يحتاجه العالم المعاصر، وأعتقد بأنه يجب على الحضارات جميعها بلا استثناء أن تدرك ذلك، لكن من المؤسف بأن الأحادية تنتشر في كل مكان في هذه المرحلة من عملية التطور، والتي تعد استراتيجية ثقافية استبدادية، ليست استراتيجية ثقافية شاملة، إلا أن لها تأثيرًا ضخمًا في مختلف المناطق.”.
العلاقات الصينية الأمريكية ومفهوم “التعايش مع الاختلاف”:
صحفي وكالة الأنباء الصينية: كيف ينبغي لنا أن نرى العلاقات الصينية الأمريكية الحالية من منظور “الشمولية”؟
دو وي مينغ: “تشارك العديد من الدول الكبرى حاليًّا في تشكيل حضارة عالمية، مع اتخاذ الصين والولايات المتحدة كممثلين لها. من المتوقع أن تكون الصين والولايات قادرتين على تقبل اختلافهما والتعلم من بعضهما بعضًا وتبادل المنفعة على أساس التعايش السلمي، لطالما كان هذا المسار الذي يجب علينا اتباعه لفترة طويلة، وليس هناك أي مبرر لرفضه، لأنها مسألة بقاء ونجاة، ومسألة ما إذا كانت الحضارة الإنسانية قادرة على تحقيق التوازن والانسجام بين الأمم جميعها.
أدرك الجميع في العقود القليلة الماضية ضرورة تجنب الحرب النووية والعنف المدمر ضد الإنسانية. أعتقد شخصيًّا أن الحرب النووية، بالإضافة إلى التغير المناخي والكوارث المختلفة الناجمة عن تأثير العوامل البشرية على الطبيعة، هي من القضايا الكبرى التي نواجهها حاليًّا. على أساس هذه الفرضية، يجب على الصين والولايات المتحدة التفكير في كيفية التواصل والارتباط ببعضهما بعضًا.
نحن حاليًّا نواجه خيارًا ضخمًا، ليس اختيارًا بين الثقافات فحسب، بل هو في الواقع اختيار يتعلق بما إذا كانت البشرية قادرة على الاستمرار في البقاء أم لا، اختيار الحوار بين الحضارات أم اختيار الصدام بين الحضارات. يعتقد الكثير من الناس أن فكرة الحوار بين الحضارات فكرة متفائلة للغاية وسطحية وساذجة، لأن “قانون الغاب” في العالم الواقعي قد تكرر مرارًا عبر التاريخ.”.
كما أننا ندرك أيضًا أن ظهور مفاهيم مثل “العالم تحت سماء واحدة” و”العالم كعائلة واحدة”، ومثل الفلسفة الكونفوشية، وخاصة ما أشار إليه جو شي في كتاب “التعلم العظيم”: “إن طريق التعلم العظيم يكمن في إظهار الفضيلة، والقرب من الناس، والتوقف عند الوصول للخير.” وهو المفهوم الأساسي للعالم، من تنمية النفس إلى تنظيم الأسرة وحكم البلاد وإحلال السلام في العالم، وتتوسع تدريجيًّا إلى علاقات إنسانية أوسع. انطلاقًا من هذا التفكير العميق، فإن هذا الطريق ضروري لتمكين البشرية من إنقاذ نفسها والنمو، وقد تعرض هذا الطريق لضربة قوية حاليًّا، وهو أمر محزن ومقلق كثيرًا.
في الحقيقة هذا الصدام ليس مجرد صدام أفكار، بل هو نوع من الصدامات الذي يبدأ من أخلاقيات الحياة اليومية، ويصل إلى أعلى درجات الحكمة وممارسة الاعتدال الذهبي. إن معرفة كيفية السير على طريق شديد الحكمة والاعتدال الذهبي نحو السلام والتناغم أمر ضروري.
إنني حاليًّا أشعر بأنه إذا لم تحل الصدامات والصراعات الحضارية بين الصين والولايات المتحدة، واقتصر الأمر على الجوانب التجارية والعسكرية وغيرها من الجوانب المادية والروحية، فإن التوتر والتناقضات والصراعات بينهما سوف تستمر في التفاقم والتصاعد، ويعد ذلك أكبر خطر يواجه الصين والولايات المتحدة.”.
الدراسة من أجل النضوج ومستقبل البشرية:
صحفي وكالة الأنباء الصينية: “إن الابتكار العلمي والتكنولوجي مرتبط بتطور الحضارة. ما تأثير الذكاء الاصطناعي في تطور الحضارة البشرية؟”.
دو وي مينغ: “تطور الذكاء الاصطناعي له تأثير قوي ومتزايد، ويزيد نطاقه على مختلف جوانب المجتمع البشري. كُشف عن عدة أنواع من الروبوتات المنزلية المتطورة التي تملك ذكاءً اصطناعيًّا في معرض الأجهزة المنزلية والإلكترونيات الاستهلاكية الصيني الذي عُقد في شنغهاي في الرابع عشر من مارس عام 2024م.”.
من الواضح بأن الكتب كانت الناقل للحضارة الإنسانية، فمنذ “العصر المحوري”، سُجّلت وجُمعت الحكمة البشرية المشتركة على شكل نصوص، وتحولت في كلاسيكيات مختلفة، وتوارثتها الأجيال وأثرَتها باستمرار حتى اليوم. التحدي الواضح الذي يُشكّله الذكاء الاصطناعي، هو أن الكتب لم تعد هي الوسيلة الوحيدة لحفظ حكمة البشرية وقيمها، فمن ناحية قد يكون لظهور الذكاء الاصطناعي تأثير كبير في طريقة وراثة الحكمة البشرية واتساع نطاقها، ومن ناحية أخرى، فقد أبرز الذكاء الاصطناعي قضايا مهمة مثل كيفية “تعلم أن تكون إنسانًا”، و”ما الإنسان؟”، و”معنى الإنسان”.
لقد قدمت الأمة الصينية مساهمات عظيمة في أثناء عملية جمع الحكمة البشرية المشتركة، ومن المؤكد بأنها ستقدم إسهامات أعظم في عصر الذكاء الاصطناعي. لذا يعد الذكاء الاصطناعي أحد أهم القضايا في القرن الحادي والعشرين التي يجب على العلوم الإنسانية أخذها بعين الاعتبار.
صحفي وكالة الأنباء الصينية: ازداد عدد الأشخاص الذين يهتمون بالحضارة الصينية ويدرسونها، بصفتك خبيرًا في دراسة الحضارات، هل لديك أفكار تود مشاركتها؟
تبرع السيد دو وي مينغ بدعم من زوجته وأقاربه عام 2016م بأكثر 15000 مجلد (نسخة) من وثائقه الشخصية ومجموعاته الأخرى جميعها لمكتبة جامعة بكين.
دو وي مينغ: “ما نواجهه حاليًّا، حتى الأمور التي أمامنا، معقدة للغاية. إن عددًا قليلًا من الناس يسيطرون على قدر كبير من الموارد، والحضارة الإنسانية بأكملها محاصرة في حالة من الانقسامات، والاختلافات، والصدامات، والتناقضات. فمن ناحية، فإن التقدم المادي في الحضارة الإنسانية يستحق رضا الجميع وفرحهم وفخرهم، ومع ذلك، أصبحت مسألة تطور البشرية عاجلة بشكل متزايد. عُقد المؤتمر العالمي الرابع والعشرون للفلسفة في بكين في عام 2018م، حيث كان الموضوع الرئيسي “تعلم كيف تكون إنسانًا”، وكان ذلك بالضبط المقصد: ما الإنسان؟ وكيف تتعلم أن تكون إنسانًا بالتفصيل؟ وكيفية دمج جسم الإنسان وعقله وروحه مع فطرته وقيم الخير، وكيفية تكوين علاقات صحية بين الناس من خلال العائلة والمجتمع والبلد والعالم، وكيفية تحقيق تناغم دائم بين البشر والطبيعة، وكيفية دمج مشاعر الإنسان مع قوانين الطبيعة. علينا جميعًا التفكير بهذه الجوانب الأربعة من القضية. في النهاية أشكرك على أسئلتك فهي ملهمة ومشجعة كثيرًا، شكرًا لك!”.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




