ترجمة: فطيم العتيبي
التأثير المشترك هو عنصر جوهري لتحقيق شمولية حقيقية داخل أي منظمة.
سيفال جونديمير، أستريد سي هومان، ليندريد (ليندي) جيرير
(التنوع هو أن تتم دعوتك إلى الحفل، أما الشمولية فهي أن يُطلب منك الرقص)
.هذا التصريح، الذي يُتداول كثيرًا في أوساط التنوع والشمولية (DEI)*، يكشف دون قصد عن نقص كبير في فهم العديد من الشركات لمفهوم الشمولية. فالحفل يعود إلى مالك يقرر من يتم إدراجه ضمن قائمة الضيوف ومن يمكنه الرقص. حتى عندما دعوة مجموعة متنوعة، فإن السلطة لا تزال تتركز في يد مجموعة أو فرد معين.
لكن هناك بديل: شركة يكون فيها لجميع الموظفين رأي فيما إذا كان ينبغي إقامة الحفل ومن يمكنه الحضور، حيث يمكن للجميع استعراض حركاتهم دون انتظار أن يمد لهم أحد يده لدعوتهم إلى حلبة الرقص.
التنوع والشمولية في عملية اتخاذ القرار
إن ضمان أن يتم استغلال وجهات النظر المختلفة لأعضاء المجموعات المتنوعة في صنع القرار داخل المؤسسة أمر حيوي لأي شركة جادة في تعزيز التنوع والمساواة والشمولية، وبالتالي تعزز الابتكار وتحسن من الأداء التنظيمي. وإلى أبحاثنا وخبراتنا في تقديم الاستشارات بشأن التنوع والشمولية للمنظمات في مختلف الصناعات حول العالم، نعتقد أن الشركات بحاجة إلى النظر بعناية في كيفية اتخاذ القرارات ومن يتخذها. يجب أن يتم التحقيق فيما إذا كانت الأفكار التي يعبر عنها الموظفون من خلفيات ديموغرافية متنوعة تحصل على فرص متساوية للتأثير على صنع القرار في المؤسسة.
التحديات الحقيقية
تؤكد العديد من الشركات على أهمية زيادة التنوع والشمولية في فرق اتخاذ القرار، وتعزيز العمليات التي تشجع الموظفين على التعبير عن اختلافاتهم في الرأي ، لكن من السذاجة الاعتقاد بأن مجرد وجود التنوع سيؤدي بالضرورة إلى تحقيق المساواة في صنع القرار. بمعنى آخر، الحصول على مقعد الطاولة لا يعني بالضرورة أن الآراء والمساهمات ستُدمج فعليًا في نتائج القرارات، أو تتحول إلى أفعال ملموسة داخل الشركة. فعندما يكون لهذه الآراء تأثير ضئيل أو معدوم على القرارات، قد تُفقد مزايا التنوع على أداء الفريق ونتائج القرارات التنظيمية، مما قد يجعل الأفراد من المجموعات الأقل تمثيلًا يعانون في الشعور بالانتماء داخل مؤسساتهم.
مثال عملي على الإقصاء في بيئة العمل
إليك مثالًا من تجربة إحدى النساء الملونات(من غير البشرة البيضاء).
“كنت في اجتماع الفريق الإداري الاستراتيجي الشهري في شركتي. شجع المديرون الجميع“
على التعبير عن آرائهم مرة أخرى حول خطة حديثة اقترحتها الإدارة العليا لجلب مستشارين خارجيين. شعرت بالدعم من نهجهم الشامل وعبرت عن بعض مخاوفي واقترحت خطة بديلة. استدار المدير نحوي وقال كم هو ممتن لمساهمتي، ثم استدار إلى الغرفة وأعلن أننا سنمضي قدمًا كما هو مخطط. هل شعرت بالألم؟ ربما، لكنني شعرت في الغالب وكأنني تعرضت للخداع، واستمررت في سؤال نفسي: “هل حقًّا أُريد أن أكون جزءًا من هذه الشركة؟
إن الاختلافات في الآراء ووجهات النظر والمساهمات تؤثر بشكل جوهري على نتائج اتخاذ القرارات، وهذا يرتبط بشكل وثيق بالسلطة والسياسة. يكون أعضاء المجموعات الممثلة تمثيلًا ناقصًا، مثل النساء والأقليات العرقية، في وضع غير مواتٍ لأن مساهماتهم قد لا تُلاحظ، أو يتم التغاضي عنها، أو يُقلل من قيمتها، وبالتالي فإن الوصول إلى تحقيق بيئة عمل أكثر إنصافًا يتطلب فهمًا نقديًا لهذه التقاطعات بين التنوع والسلطة.
التأثير المشترك في اتخاذ القرارات
ما يتطلبه الأمر، إلى جانب منح الموظفين مكانًا على طاولة النقاش، هو إتاحة الفرصة لأصواتهم للتأثير الحقيقي على قرارات الفريق والمنظمة، وهو ما يُعرف بالتأثير المشترك. في منظمة تتميز بالتأثير المشترك، يتمتع الموظفون من جميع الخلفيات بما في ذلك المجموعات الممثلة تمثيلًا ناقصًا تقليديًا بمستويات متساوية من التأثير على القرارات التي تحدد ثقافة المنظمة، وهياكلها، استراتيجيتها ورؤيتها.
في أبحاثنا، نرى باستمرار أن تأثير “التأثير المشترك” يفوق تأثير ممارسات الشمول التقليدية، مثل منح الموظفين مكانًا على طاولة النقاش، أو شعورهم بالانتماء والقبول، أو منحهم فرصة ليُسمعوا في أماكن العمل التي تتميز بأداء عالٍ وتنوع مستدام.
على سبيل المثال، في إحدى الدراسات التي أُجريت على أندية للياقة البدنية على مستوى البلاد، تبين أن تجارب الموظفين في التأثير العادل عبر المجموعات الديموغرافية كانت تتنبأ بشكل إيجابي بإيرادات النادي المالية للعام، وهو تأثير يتجاوز تأثير تدابير الشمول التقليدية.
يمكن أن يكون تحسين التأثير العادل تحديًا كبيرًا، إذ تميل العديد من الشركات إلى الوقوع في فخ التعامل مع التنوع والإنصاف والشمول كالتزام شكلي أو مجرد إجراء يتم استيفاؤه بدلاً من اعتباره عملية تتطلب تغييرات معقدة. وتعزيز التنوع في فرق اتخاذ القرار دون مراعاة التأثير المشترك قد يؤدي إلى خلق واجهة شمول زائفة، وهو نوع من النفاق المؤسسي حيث”تدعي الشركة أنها شيء ليست عليه”
في سياق التنوع والإنصاف والشمول، يعني ذلك أنه حتى عندما تجذب الشركة مواهب من خلفيات متنوعة، فإنها تفعل القليل جدًا لدمج هذه الاختلافات في وجهات النظر في هياكلها وعملياتها الأساسية، مما يجعل ممارساتها في التنوع مجرد استعراض شكلي. في هذه الحالة، تتم دعوة التنوع إلى الشركة، ولكنه يُدمج ضمن وجهات النظر السائدة ويصبح غير مرئي مرة أخرى.
في تقرير صادر عن شركة ماكينزي عام ٢٠٢٠، صرّح أحد مديري الموارد البشرية قائلًا: “الانفصال بين ما تقوله الشركة وبين التقدم الذي تحققه على أرض الواقع يمكن أن يؤدي بشكل خطير إلى تآكل مصداقيتها داخل المنظمة وخارجها، ويزيد من الإحساس بعدم الشمولية.”
لقد لاحظنا هذه الديناميكية في إحدى شركات الهندسة، حيث قامت الشركة بتقديم أسهم لمجموعات ممثلة تمثيلًا ناقصًا، مما جعلهم فعليًا شركاء في الملكية، دون أن تمنحهم في الواقع سلطة على القرارات التنظيمية. أدى تلقي الأسهم في ظل غياب السلطة إلى شعور الموظفين بعدم التقدير، وحال دون استفادة الشركة الكاملة من وجهات نظرهم المتنوعة، وتسبب في صعوبة الاحتفاظ بالمواهب المتنوعة.
تعزيز التأثير المشترك
لن يظهر التأثير المشترك بشكل طبيعي دون بذل الجهد اللازم، إذ يتطلب خلق بيئات يتمكن فيها الموظفون من جميع الخلفيات من التأثير على القرارات التنظيمية وعيًا مستمرًا ، ومراقبة متواصلة، ودعمًا نشطًا على مدار الوقت من القادة ومن خلال الهياكل التنظيمية المختلفة. يبدأ هذا من خلال الاعتراف بأن المؤشرات التقليدية للتنوع والمساواة والشمولية ، مثل التمثيل العددي، وشعور الموظفين بالانتماء، والفرص للتعبير عن الآراء، هي أمور مهمة لكنها لا تضمن مستويات متساوية من التأثير.
كشرط أساسي لفهم ما إذا كانت أهداف التنوع والشمولية تتحقق ومتى، من الضروري أن يدرك القادة مدى تكامل قرارات الشركة مع مساهمات الأصوات المتنوعة وتطبيقها بشكل فعلي. و بناءً على هذا الفهم، يمكن للقادة اتخاذ الخطوات التالية لتعزيز التأثير المشترك:
1. قياس التأثير المشترك
على الرغم من أن أهمية قياس وتتبع مؤشرات التنوع والشمولية، مثل التنوع العرقي أو النوعي في القوى العاملة، أصبحت أكثر وضوحًا، فإننا نجد أن التأثير المشترك نادرًا ما يتم قياسه. وتركز معظم استبيانات مشاركة الموظفين وتقييمات التنوع والشمولية على رضا الموظفين عن علاقاتهم مع زملائهم في مكان العمل، لكنها لا تنظر في ماهية هذه العلاقات وكيفية ارتباطها بالسلطة.
على سبيل المثال، واجهت شركة مالية كبرى صعوبة في جذب المواهب من خلفيات ممثلة تمثيلاً ناقصًا والاحتفاظ بها. قمنا بتحليل نتائج استبيان الموظفين السنوي المستخدم لتتبع أهداف التنوع وصياغة السياسات. وبناءً على المقاييس المدرجة، مثل شعور الموظفين بالانتماء والرضا العام عن المهام، لم تكن هناك اختلافات واضحة بين مجموعات الموظفين تفسر نقص المواهب في المناصب المبتدئة أو فقدان الموظفين من خلفيات ممثلة تمثيلاً ناقصًا.
ومع ذلك، لم تتناول أي من أسئلة الاستبيان ديناميكيات التأثير المشترك. كشفت مقابلات الخروج مع الموظفين المغادرين أن أعضاء المجموعات الممثلة تمثيلاً ناقصًا شعروا بأنهم مقيدون في قدرتهم على تحقيق تأثير طويل الأمد. لو تضمن الاستبيان السنوي أسئلة تُقيّم صنع القرار تقييمًا مباشرًا ، لكانت الشركة قادرة على توقع القضايا المتصاعدة والتعامل معها قبل أن يغادر هؤلاء الموظفون.
من المهم أن تطوّر المنظمات استراتيجية لقياس الأثر المشترك تتناسب مع سياقها واحتياجاتها الخاصة. يمكن أن تكون مقابلات الخروج مفيدة لإعادة التفكير في نهج الشركة بأثر رجعي، لكن القياس في الوقت المناسب من خلال استطلاعات الموظفين، سواء أكانت سنوية أم أكثر تواترًا، يمكن أن يزوّد الشركات بمعلومات أكثر فاعلية لدعم جهودها في الحد من هجرة المواهب المتنوعة.
٢-استخدام أدوات اتخاذ القرار وممارسات الاجتماعات لتعظيم الأثر المشترك
الإجراءات المنهجية التي تُعطي الأولوية للخبرة بدلًا من خصائص الموظفين أو مواقعهم الهرمية، يمكن أن تساعد في تقليل التحيزات في اتخاذ القرار التي تعيق الأثر المشترك، مثل إعطاء الأولوية بشكل مفرط للأصوات السطحية الأخرى. ويمكن أن يساعد استخدام إطار عمل استراتيجي لاتخاذ القرار، مثل مصفوفة RACI (المسؤول، المُحاسب، المستشار ، والمطلع)، في ضمان توزيع ملكية القرار على جميع مستويات المنظمة، مما يمنح الموظفين الأفراد فرصة للتأثير على عملية اتخاذ القرار من مواقع ومنظورات مختلفة.
فكر في كيفية تأثير إعدادات الاجتماعات وهياكلها وسلوكاتها على عملية اتخاذ القرار بشكل عادل،واسع إلى خلق ظروف تقلل من ديناميكيات السلطة، مثل اختيار مواقع اجتماعات التي لا “تنتمي” إلى شخص معين، كغرفة اجتماعات بدلًا من مكتب المدير. قم بترتيب جلوس الأشخاص من مستويات هرمية مختلفة على رأس الطاولة لتجنب تعزيز التسلسل الهرمي، في حال عدم توفر طاولات مستديرة.
وزّع مواد الاجتماع مُسبقًا حتى يشارك جميع الحاضرين بخلفية معرفية مشتركة، واستخدم جداول أعمال ومنسقين وقت لدعم توزيع عادل لوقت التحدث وقم بإعطاء وتلقي الملاحظات مع أعضاء فريقك حول كيفية مساهمتهم في خلق بيئة عادلة وشاملة أثناء الاجتماعات وخارجها.
٣- تتبَّع الأثر المشترك على فترات زمنية طويلة وقم بإعادة تقييم التقدم بشكل دوري واتخذ خطوات استباقية لتحسين الأداء باستمرار.
جرب تتبع من اتخذ آخر خمسة قرارات في فريقك. من كانت أصواتهم مشمولة في مناقشة القرار؟ ومن الذي كان له التأثير النهائي في اتخاذ القرار؟
على المدى الطويل، قم برسم خريطة لمعرفة ما إذا كان بعض الموظفين أو أعضاء مجموعات معينة لهم تأثير أكبر في نتائج اتخاذ القرار، وقم بتحليل أسباب ذلك. على سبيل المثال، هل يميل الفريق إلى الاتفاق بسرعة على الأفكار التي تطرحها مجموعات معينة من الموظفين أو تجاهل مدخلات مجموعات أخرى؟
حدد من في الفريق يمكنه، بشكل رسمي أو غير رسمي ، أن يلعب دورًا في تقليل الحواجز المحتملة لتحقيق تأثير عادل، وفكر في مطالبة الأفراد الذين لديهم أدوار قيادية رسمية أو غير رسمية بتولي دور مراقب لتحديد المحادثات التي قد تُهمل آراء بعض أعضاء الفريق وإعادة توجيهها، كذلك ، تحقق بشكل دوري من عمليات اتخاذ القرار ونتائجها في منظمتك لتحديد العقبات المستمرة والجديدة التي تعيق تحقيق الأثر المشترك، واعمل على معالجتها عند الحاجة.
تجاوز الرمزية نحو تأثير حقيقي
الشركات التي ترغب في الاستفادة من مزايا التنوع تحتاج إلى تجاوز الأفعال الرمزية والسياسات البسيطة التي تخاطر بأن تصبح مجرد مظاهر سطحية للشمولية. فالمنظمات التي تتميز بالأثر المشترك تسمح لأصوات جميع موظفيها، بمن في ذلك أولئك من المجموعات الممثلة بشكل ضعيف، بالمشاركة بشكل عادل في اتخاذ القرارات وتشكيل البنى الأساسية والرؤية، والرسالة، والاستراتيجية ، والثقافة.
التركيز على الأثر المشترك يمكن أن يخلق تغييرًا حقيقيًا ، ويحقق فوائد التنوع، ويفعّل الالتزام بالتنوع والمساواة والشمولية.
* DEI هي اختصار لـDiversity, Equity, and Inclusion، وتعني:
1. Diversity (التنوع): يشير إلى وجود مجموعة متنوعة من الأشخاص بخصائص مختلفة، مثل الجنس، العرق ، الخلفيه الثقافية، والدين ، والعمر ، والقدرات.
2. Equity (الإنصاف): يعني توفير فرص عادلة ومتساوية للجميع مع مراعاة الاحتياجات الخاصة لكل فرد، بهدف تحقيق العدالة وتقليل الفجوات.
3. Inclusion (الشمول): يركز على خلق بيئة يشعر فيها الجميع بالترحيب والتقدير، بحيث يمكن لكل فرد المشاركة والمساهمة بحرية.
تُستخدم هذه المفاهيم بشكل شائع في بيئات العمل والمؤسسات التعليمية لخلق ثقافة إيجابية تعزز التعاون والتنوع.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




