ترجمة: جود الدهيشي
بإمكان البيانات مساعدة الشركات على فهم تجربة الموظفين وتحسينها بشكل أفضل، ما يؤول إلى قوى عاملة أكثر إنتاجية.
دون وينستون
أسلوبنا في العمل يتغير، وكان هذا ثابتًا طالما كان الناس يعملون، فقد تسارعت وتيرة التغيير بشكلٍ كبير خلال السنوات القليلة الماضية.
واقعيًّا، يُفضِّل الموظفون بشكل متزايد الأولوية لمدى أعمق من العوامل في العمل، كأخلاقيات الشركة ومواءَمتها في القيم. حيث أجرى معهد أبحاث “المعالجة الآلية للبيانات ADP” في دراسته العالمية السنوية على أكثر من 32000 عامل من 17 دولة، تحت عنوان “الأشخاص في العمل 2022: وجهة نظر القوى العاملة العالمية”، إذ ذكرَ أن 76% من العمال سيفكرون في البحث عن وظيفة جديدة إذا اكتشفوا أن شركتهم لديها فجوةٌ غير منصفة في الأجور بين الجنسين أو عدم وجود سياسة للتنوع والشمول. وتتبلوَّر هذه التوقعات المتغيرة في وقت تواجه فيه الشركات مستويات غير مسبوقة من المخاطر. ففي السوق العمل الحالي، يفوق عدد من الوظائف الشاغرة أكثر من عدد السَّاعين للعمل، مما يعد التوظيف واستبقاء الموظفين من بين القضايا التجارية الأكثر إلحاحًا بالنسبة لأصحاب العمل. وتعد لحظة حاسمة للشركات للتفكير بصورة كُليّة في علاماتها التجارية وبناء علاقات ذات مغزى مع موظفيها.
كيف يمكن للشركات أن تبدأ بتصدّي التحديات التي تواجهها مع أصحاب العلامات التجارية؟ تتضمن الإجابة فهمًا حقيقيًّا للدورة الكاملة لتجربة الموظف ودعم احتياجات العمال مع تطورها. وبلا شكٍّ، إن هذه الرحلة تبدأ بالتوظيف والاستقطاب، ولكنها تمتد إلى النمو والتطوير الوظيفي، وتجربة مكان العمل -من الإدماج والثقافة إلى تطوير الفريق والإنتاجية- والصحة والرفاهية. وتبدأ الاستفادة من البيانات لإدارة موارد موظفيك نظرًا إلى تجربة المستخدم للأدوات التي تستخدمها والأولويات والاحتياجات الفريدة لقوتك العاملة. فحينها، يجب أن يستقرّ مجالا التركيز هذان متوازيين طيلة رحلة الموظف، في حين تعمل نحو تحقيق غاية جعل حياة موظفيك أسهل وأفضل.
الإبداع من خلال البيانات
تتأسَّى معظم حلول إدارة رأس المال البشري “MCH” نهجًا واحدًا يناسب الجميع، لكن احتياجات الموظفين في الشركات تختلف بشكلٍ واسع باختلاف النطاق بناءً على جغرافيتها وحجمها، وتصميمها التنظيمي، ومتطلباتها الفنية، وهنا يأتي دور البيانات حقًّا: فأنت بحاجة إلى فهم قوة العمل الفذَّة التي لديك لإدارتها بفاعلية. هل تعمل قوتك العاملة عن بُعد بالكامل، وتمتدّ إلى ولايات أو حتى دول متعددة؟ ما مدى تشعُّب قوتك العاملة من حيث الهوية الجنسية والتعبير عنها، والعرق، والإثنية، والعمر، وحالة المحاربين القدامى والإعاقة؟ بالإضافة إلى ما أنواع فرص التعلم والفوائد التي قد تُثري مساراتهم إلى الأمام على أفضل وجه؟ عندما تدير الأشخاص، يجب أن تكون القرارات مخصصة ومصممة خصيصًا لهم، وهو ما قد يُمثل تحديًا عند اتخاذ القرارات على نطاق واسع.
تُقدم البيانات صورة أكثر اكتمالًا للشخص وكذلك البيئة التي يحدُث فيها العمل، حيث توفر تجربة أن تلتقي بأشخاص يحافظون على الوقت لكل من الموظف وصاحب العمل، ما يساعد في منع المشكلات، وإزالة العمل منخفض القيمة، وتحسين رفاهية الموظف.
لإحداث تأثير إيجابي على تجارب العاملين وحياتهم، يجب أن تحقق تكنولوجيا إدارة رأس المال البشري “MCH” أربع نتائج رئيسة:
- ينبغي أن يصبح الحل بدهيًّا، ما يساعد الموظفين على إدارة عملهم بشكل أسرع وأسهل.
- يجب أن يكون ذا بصيرة، ويقدم بيانات موثوقة ذات رؤية لتوفير ثقة أكبر في اتخاذ القرار.
- يجب أن يكون ذاتيًّا، ويظهر ما يحتاجه الموظف ويتكيَّف مع تفضيلاته فحسب.
- يجب أن يعمل بشكلٍ استباقي، ويتوقع ما سيأتي لاحقًا حيث يبرز الأدوات والموارد المناسبة في لحظة الحاجة.
دعونا نلقِ نظرة على كيفية تطبيق هذه المبادئ الأربعة للمساعدة في تصدّي التحديات التي تواجه الشركات اليوم.
البديهة: حل المشكلات في وقت حدوثها
هُيّئت الحلول البديهة خصيصًا لمساعدة الأشخاص على إنجاز المهام بشكل أسرع وفي خطوات أقل. فهي تبرز ما يهم، عندما يكون مهمًّا. لا سيّما، إن فهم كيفية عمل الأشخاص أمر بالغ الأهمية في بناء حلول مبتكرة. ولمطابقة الطريقة التي يريدها عملاؤك للعمل يجب أن تتوافق أدواتك مع الطريقة التي يفكر بها هؤلاء العملاء ويتصرفون بها.
مثلًا، يعد فصل الوظائف مثل معالجة كشوف المرتبات، وتتبع الوقت، وإدارة الفوائد عبر أدوات أو منصّات منفصلة أقل بدهية، لأن الوقت والأجر والمزايا مترابطة من منظور الموظف. وإنّ افتقار الحلول البدهية لهذه الأنواع من التجارب يُسفر عن احتكاكٍ غير ضروريّ وقد يعني أن الموظفين لا يدركون الفوائد الكاملة لعروض صاحب العمل.
فالدليل لتهيئة الحلول لمعالجة ومواجهة هذه التحديات هو الأخذ بأهداف الموظف في الحسبان. ما يعني أخْذ الوقت الكافي لفهم كيفية أداء التخطيط الحالي: هل يُجابه موظفوك تحديات؟ هل لديهم أفكار جديدة لميزات قد تكون ذات قيمة في حياتهم؟
يُعد استماع “آراء” الموظفين اتجاهًا صاعدًا، ما يمكن أن يساعد في دعم التصميم البديهي. حيث تستبق الشركات الرائدة بنشر جميع أنواع أدوات الاستطلاع ومواقع الاستماع الأخرى للاستفادة مما يدور في أذهان عملائها. وهذا يتضمّن الأدوات الكلاسيكية مثل توجيه وتقويم استطلاعات الرأي التي تقيس نبض القوى العاملة، فضلًا على الأدوات البازغة حديثًا والتي تتأثَّر من التعلم الآلي للنظر في أنماط النشاط واستشعار ما إذا كان العمال قد يعانون من الاحتراق الوظيفي أو الانخراط فيما يشار إليه الآن عادةً بالاستقالة الهادئة.
البصيرة: تُحكِّم قرارات موثوقة
يمكن للتجارب المتجذرة في الأفكار أن تدفع إلى اتخاذ قرارات أكثر استنارةً، سواء بالنسبة للموظف أو صاحب العمل. وفي عصر تستفيض فيه المعلومات بوفرة، أصبح من المهم أكثر من أي وقت مضى الحد من أي ضوضاء وتقديم حلول يمكن أن تساعد الناس على اتخاذ إجراءات ذات مغزى.
يُتيح التنوع، والمساواة، والشمولية مثالًا على كيف أن قصص البيانات هي قصص إنسانية داخل المؤسسات. وفي بيئة يتم فيها التركيز بعمق أكثر من أي وقت مضى على بناء قوى عاملة أكثر تنوعًا وشمولًا، فإن العمل نحو الإنصاف في التوظيف والتعويضات ليس مجرد الشيء الصحيح الذي يجب القيام به، بل إنه أمر حاسمٌ في جذب واستبقاء المواهب وخلق المزيد من الفرص للتقدم.
بينما يتزايد اهتمام الشركات بتسوية المنافسة، فإنها تحتاج إلى أدوات “لرؤية” مواطن عدم المساواة وكيفية معالجتها ماليًّا، ما يتطلب بيانات معيارية شاملة تُمكِّن من إجراء مقارنات عبر المناصب، والوظيفة، والمناطق الجغرافية، والصناعة.
تساعد التطورات القائمة على التكنولوجيا الشركات لتحديد هذه الفجوات وسدّها، بدءًا من مطابقة المهارات، ما يساعد في العثور على مرشحين أكفاء من خلفيات غير تقليدية، لتحليل المعنويات، الذي يُقيِّم تصورات الموظفين بشأن المستوى العام للاندماج في مكان العمل. ومن الأمثلة على ذلك، ففي معهد أبحاث “المعالجة الآلية للبيانات ADP” هناك لوحة معلومات المساواة في الأجر، والتي تسمح للعملاء تحديد مجالات عدم المساواة واتخاذ الإجراءات اللازمة من خلال منح أجور إضافية للعاملين الذين يعدون أقل من المستوى المعياري من منظور المساواة في الأجر وتنفيذ الحلول لتجنب حالات عدم المساواة في المستقبل.
يمكن للتجارب المتجذرة في الأفكار أن تؤدي إلى اتخاذ قرارات أكثر استنارةً، سواء بالنسبة للموظف أو صاحب العمل.
الشخصية والاستباقية: تتطور مع مستخدمِها
تتنامى تجارب الشخصية والاستباقية مع مُستخدِمها، فهي لا تتضمن سوى ما يحتاجه الموظف في البداية، وتتلاءم بسهولة تامّة مع الطريقة التي ينمو بها في وظيفته. وطيلة رحلة الموظف، يتعلم بصورة متواصلة هذه الأنواع من الحلول ويترقّب طرقًا لمساعدة الموظف على النجاح.
من الأمثلة المفضلة لدي على استخدام عناصر التصميم الأربعة المشغلة وهي ما نطلق عليه “أسلوب تذكير عيد الميلاد”. ففي محفظة خدمات التقاعد الخاصة بنا، عندما نتمنى للموظفين عيد ميلاد سعيدًا، فإننا نحثُّهم بشكل استباقي إلى التفكير في تقاعدهم، بما في ذلك تزويدهم برؤية ثاقبة حول مدى استعدادهم للتقاعد ومدى استعدادهم بشكل أكبر إذا زادوا من معدل ادخارهم. أي يتم تخصيص هذه الرؤية وفقًا لعيد ميلادهم وتاريخ تقاعدهم ومعدل ادخارهم، كما أنها توفر رؤية ثاقبة فيما يتصل بالتأثير المتوقع على أرباحهم المستقبلية، وهي استباقية من حيث مساعدتهم على التفكير في أهدافهم طويلة الأجل.
سواء كانت تقدم توصيات تعليمية مصممة خصيصًا لدور الموظف ومسار نموه، أو دعم اتخاذ قرارات امتيازيَّة استنادًا إلى احتياجاته وأهدافه، أو نصائح تدريبية ذكية مصممة لمساعدة القادة لتُلبّي نقاط القوة في فريقهم، يمكن لمثل هذه الأدوات أن تساعد في الارتقاء بوظيفة الموارد البشرية والخبرة التي تقدمها المنظمة لموظفيها.
تَكمُن البيانات تحت العديد من القرارات التي نتخذها في حياتنا اليومية، من المنتجات التي نشتريها إلى الخيارات التي نتخذها لأُسرنا، كما ينبغي للبيانات أن تحدد كيفية إدارة القادة لموظفيهم أيضًا، زيادة على أن لدينا الأدوات اللازمة لفهم بيانات موظفينا، وتحديد نظرتهم، واتخاذ الإجراءات الإيجابية التي يمكن أن تحدث فرقًا ملموسًا في حياة الناس. فإن تركيز اليوم على حياة الموظفين المهنية، واحتياجاتهم المالية، ورفاهيتهم العامة لم يمس سوى السطح. وبصرف النظر عما إذا كان المشهد التوظيفي مُتشددًا أو متراخيًا نظاميًّا، فإن وجود قوة عاملة سعيدة، ومندمجة، ومنتجة هو مفتاح النجاح في أي اقتصاد.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




