مقالات

حَدِيثٌ عَن الصُّورَة: المفْهُوم والمجَال

محمد شوقي الزين

«لا نحيا مباشرةً سوى في عالم الصور». بهذه العبارة يُوطِّد عالم النفس كارل غوستاف يونغ كينونتنا الأيقونية. نحن كائنات أيقونية، جُعلت في الصورة، من السرديات الدينية حول خلق الإنسان على صورة الإله إلى السرديات العلمية حول التكوين الطبيعي وأشكال الحياة البيولوجية. لم تحظ الصورة بالاهتمام بالمقارنة مع اللغة، مع أن الصورة وُجدت قبل اللغة، منذ الرسومات البدائية في الكهوف والمغارات، بينما كانت اللغة مجرَّد أصوات يبثها البدائي للتواصل بمحيطه المباشر. لم تحظ الصورة بالاهتمام سوى في عصر التقنية والسينما والتكنولوجيات الحديثة أو في المجمَّعات الكنسية للتاريخ الديني. كانت الصورة من قبيل الدجَّال الذي يكون إزاءه الصمت رهبةً. أسهمت الأفلاطونية في إلحاق دجل الصورة بالفنان والسُّفسطائي وتحصر جدل الفكرة في الفيلسوف، لأن لا وجه للمقارنة بين الصورة والفكرة (مع أنهما توأم)، مثلما لا وجه للمقارنة بين الكلب الأليف والذئب الماكر (الاستعارة هي لأفلاطون)، حيث تشغل الصورة دور الذئب الشبيه بالكلب (إنها محط الشُبهة والتدليس).

من ثمَّ كان أفلاطون في مقام الاحتراس من دجل الصورة، من سحرها ومكرها. لكن الصورة هي في كل مكان، متوارية من فرط تمظهرها. أمام هذا «الحضور الشمسي» للصورة الذي يُعمي العيون (ومن ثم يجعلها محجوبة في عين ظهورها)، يتطلب الأمر من جانبنا «الاستجلاء القمري» بضياءٍ فهمي لمعرفة ما هي الصورة؟ لماذا كانت غائبة في عين حضورها؟ لماذا كانت مغيَّبة بدواع الدجل والمكر وإرادة الاحتراس من التباسها وفتنتها؟ كيف عبرت التاريخ متخفيَّة أو متلبِّسة في الفن والأدب؟ لماذا تنكَّرت لها الفلسفة باسم الفكرة المتعالية، أي باسم المنطق والاستدلال والجدل الحي؟ تدفعنا هذه الأسئلة إلى النظر في أوديسًّا الصورة، الرحلة الدرامية والمشوِّقة في الوقت نفسه التي باشرتها في تاريخها الطويل، عابرةً مختلف القارات المعرفية والوجودية.

  1. حَدُّ الصُّورَة: الصُّعُوبَة والمحَاوَلَة

في الفصل الحادي عشر من «الاعترافات»، يقول القديس أغسطين: «ما مَعْنى الزَّمَن؟ إذا لم يَسْألني عَنْه أحَدٌ، أعْرف مَا هُوَ؛ إذا سَألني عَنْه أحَدٌ وهَمَمْتُ بالإجَابَة، أجْهَل مَا هُوَ». يبدو لنا أن مفهوم الصورة هو في الصعوبة نفسها التي وجدها أغسطين في تعريف الزمن. لأن الصورة هي من الوُسع والشمول ما يجعلها صعبة الضبط والتحديد. فهي تنطوي على كل الحالات التي ينطلي عليها المفهوم: صورة الشيء المادي أو صورة الشيء الذهني، اللوحة الزيتية أو بورتريه الشخص، الصورة السينمائية أو الصورة الواقعية، الواقع والخيال، الأثر والنقش السراب والحلم، الذاكرة والتنبؤ، إلخ. منذ البداية، على الأقل منذ التصوُّر الأفلاطوني، تمَّ حشر الصورة في مجال الوهم: السراب، التلألأ، الأشياء المنعكسة على سطح الماء أو المرآة، إلخ. كان هذا المسوِّغ الأساس الذي حكم على الصورة بالإقصاء. لأن السراب والتلألؤ المنعكس على السطوح هي كلها «مظاهر»، وليست «ظواهر أو جواهر». لذا، حكم أفلاطون على المظهر بالخداع والتمويه.

ثم إن تعريف الصورة يخضع إلى المجال الذي تشتغل فيه. يختلف مفهوم الصورة في المجال الفلسفي عن مفهوم الصورة في المجال الديني أو المجال الفني أو المجال التقني. يقوم كل مجال بصبغ الصورة بدلالة معيَّنة، هي دلالة السياق الذي تنتمي إليه إن كان هذا السياق هو الفلسفة أم الدين أم الفن أم التقنية والإشهار. الصورة في المجال الفلسفي هي «المحاكاة» بوجود شيء شبيه لشيء آخر، يُمثِّله أو ينوب عنه مثل الرمز أو العلامة؛ الصورة في المجال الديني هي «التشابه» بوجود الخلق على صورة الخالق تبعًا لآية سِفْر التكوين: «وقَالَ اللهُ: لنَعْمَل الإنْسَان عَلَى صُورَتِنَا كشَبَهنَا […] فخلَقَ اللهُ الإنْسَان عَلَى صُورَتِه» (التكوين، 1، 26-27)؛ الصورة في المجال الفني هي «التمثُّل المرئي» الذي يتضمن على الرسم والنقش والتصوير والزخرفة، إلخ؛ الصورة في المجال التقني هي «المطرس» الذي يتيح ابتكار الصورة افتراضيًا ومضاعفتها في المجال الرقمي والفضاء الثلاثي الأبعاد. وإن كانت الصورة تختلف باختلاف المجال الذي تنتمي إليه وتنصبغ بمضامينه، إلا أن ثمّة عنصرًا جامعًا بين مختلف الدلالات وهو الصِّنْو أو النَّظير الذي يتضمن على مدلول المحاكاة (الفلسفة)، والتشابه (الدين)، والتمثُّل (الفن)، وأخيرًا المطرس (التقنية).

غير أن الصنو الذي ينطوي على فكرة المشابه لا يعني المطابق حذو النَعل بالنَعل، مثل المطابقة «شِبْه» التامَّة عند التوأم. ليس الشبيه هو المطابق. لأن المتشابهين، وإن كانا يتماثلان في كل الخصائص والسمات، إلا أن كل واحد منهما ينفرد بكينونة خاصة، على غرار بصمة السبابة التي هي فريدة تخصُّ كل شخص على حدة، أو جينة الخلية. غير أن هذا التمايز في عين التشابه يبقى ضمنيًا أو متواريًا، ممَّا يجعل «الشَّبَه» عنوان «الاشتباه» أو الالتباس، ويثير إذن «الشُبهة» أو الريبة. ليس بعيدًا من وجهة نظر فونولوجية (على مستوى النُطق، أن يكون «الشَّبَه» قريبًا من «الشَّبَح» وهو الطَّيْف الذي يثير الغموض (ظِلُّ كائنٍ ما)، والارتياع (شبح الميِّت). ليس غريبًا أن يكون الأصل الاشتقاقي للصورة بالمعنى اللاتيني لكلمة (imago)، تحيل إلى القناع الجنائزي في الطقوس الغابرة: «إنها كلمة تعني القناع الشمعي الذي يوضع على وجوه الموتى والذي يضعه القاضي في الجنازة، ليُحتفظ به في صناديق الفناء فوق الرفّ بعيدًا عن كل العيون. فالدين الذي ينهض على تقدّس الأجداد كان يتطلب أن يعيش هؤلاء من خلال الصورة» (ريجيس دوبريه، 2007، ص17).

على الخلاف من مدلول الموت الذي طبع كلمة (imago) في تلك الطقوس، فإن مدلول الحياة طغى على الكلمة لتدلّ في البيولوجيا على «اليافعة»، وهي المرحلة النهائية التي تنمو فيها الحشرة وتخرج إلى الحياة كائنًا مكتملًا. يمكن القول بأن الصورة تنطوي في مقولها كما في مدلولها على التناقض، لأن الطابع الشمولي للصورة لا يفلت من فكرة ضم النقائض للدلالة تارةً على المحسوس (الصورة الحسيَّة)، وتارةً أخرى على المعقول (الصورة الذهنية)؛ من جهة الواقعي والملموس، ومن جهة أخرى الخيالي والمجرَّد. أن تجمع الصورة بين الشيء ونقيضه هو الذي جعلها محط احتراز، ما دامت التقاليد الفلسفية منذ أفلاطون وأرسطو وضعت اليقين وعدم التناقض في قلب كل تفكير وجدل. ثمّ إن الصورة ترتبط بشكل أساس بـ«النظر»، وإن كانت لا تُختزَل إليه حصرًا بحكم وجود صور ذهنية خاصة بالذوق والسماع واللمس، إلا أن التقاليد الفلسفية عوَّلت على «اللغة» بأوسع معانيها في النُطق والمنطق، في التعبير والتفكير معًا على أساس المشترك الدلالي في الكلمة الإغريقية «لُوغُوس» (logos)، من أرسطو وإلى غاية الفلسفات اللغوية المعاصرة (فتغنشتاين، السيميولوجيا، التداولية، إلخ).

لم يأتِ إقصاء الصورة من باب اللغة فحسب، وبشكل أوسع من باب الفكرة وصناعة المفهوم، بل أيضًا من وجهة الإحساس والإدراك بالتعويل على «التجربة» في أزمنة حديثة كانت تولي وجهها شطر العلم والمنهج (من فرنسيس بيكون إلى رونيه ديكارت). كان هنالك فلاسفة مثاليون، ثم فلاسفة عقلانيون، وأخيرًا فلاسفة تجريبيون. لكن لم يعرف تاريخ الفلسفة فلاسفة جعلوا من الصورة مبحثهم الرئيس. ارتحلت هذه الأخيرة إلى المجال الديني، بين الأخذ والرد، منذ «سجال الأيقونات» في الحضارة البيزنطية، من القرن الرابع إلى القرن السابع الميلاديين، ثم إلى المجال الفني منذ البواكير الأولى للفن في النهضة الأوروبية، خصوصًا في إيطاليا. قراءة دقيقة في هذا الارتحال التاريخي الذي سنتوقف عنده في إسهامات قادمة، من شأنها أن تُقدِّم لوحة عامة حول تطوُّر الصورة على هامش العقلانيات والتجريبيات المتنامية في الفلسفة، وكذلك المدلول الذي اتَّخذته عبر هذا الارتحال والتوطين. لمعرفة وجه العزل الذي طال الصورة في تاريخها المضطرب، محاولة معجمية هي ضرورية لفهم أنماط الصورة، تلك التي تمَّ الاحتفاظ بها وحصر مدلولها ومجالها، وتلك التي تمَّ إقصاؤها وتصنيفها في فئة الاشتباه والتضليل.

  1. أصْنَاف الصُّورَة: اللوْحَة والقيمَة

إذا اتَّفقنا على تحديد الصورة في «التمثُّل» ومشتقاته: المَثَل، المثال، المثيل، المماثل، التمثيل، التمثال، إلخ، فإن هذا التحديد ينحصر في مدلول أساس خاص بالصورة وهو «التقليد». هناك «مثال» يُقلَّد في نُسخ متكاثرة ومتواترة، و«مثيل» هو مشابه لغيره، و«تمثيل» بنيابة الغير في مشورة أو قرار، و«تمثال» بنحت شيء مطابق لما هو موجود في الواقع (تمثال إنسان أو حيوان). في كل الأحوال، تُقدِّم لنا الصورة الحالة التي «يُحاكي» فيها شيءٌ شيئًا آخر، هو أصله أو نائبه أو مماثله. أمَّا الأصل فهو يقتضي نسخة تقلِّده، وأمَّا النائب فهو الذي يُمثِّل أشخاصًا للحديث باسمهم أو اتِّخاذ القرار بموافقتهم، وأمَّا التمثال فهو يحتاج إلى مثال يحتذيه ويكون مشابهًا له. في تشنيعه للفن، مرتع الصورة، يلجأ أفلاطون بالضبط إلى فكرة التقليد ليُبيِّن كيف أن هذه الفكرة يلحقها التشويه في ذاتها والتشويش على غيرها.

في تسويغه للمسألة، يأخذ أفلاطون في الكتاب العاشر من «الجمهورية» مثال «السرير» الذي يأتي شكله ناصعًا وكاملًا من إلهام الله، يلقيه الله على من يجتبيه من بين الحِرَفيين ويُصوِّر في ذاته فكرة السرير. ثم يقوم الصانع بإنجاز الفكرة في المادَّة بأن يُعطي للسرير الشكل والأبعاد، وأخيرًا يأتي الفنان ليُقلِّد السرير المصنوع في نسخة مصوَّرة: رسم أو نحت. بالانتقال من الفكرة الناصعة إلى الصناعة المنجَزة ثم إلى النسخة المقلِّدة، نلمس انخفاضًا في قيمة السرير، لأنه ينتقل من المثال إلى المادة، ومن المعقول إلى المحسوس. في الصيغة النهائية وهي التقليد، يُصبح السرير عبارة عن خداع، لأنه يتجاوز المعقول (الفكرة)، والمحسوس (المادة) نحو الوهم (الخيال)، ويتخطَّى الأصل والنسخة نحو «نسخة النسخة». إذا كانت النسخة تُمثِّل «الأيقونة» وهي محاكاة مثال أصيل (المعقول)، فإن نسخة النسخة هي «الأيدولة» وهي محاكاة مثال غير أصيل (المحسوس). نُدرك على أساس هذا التقسيم أن الصورة تُعرَب في صيغة الجمع: «صُوَر». يمكن الحديث عن «الصورة بالجمع» لأنها تفيض على مختلف الميادين التي تتردَّد عليها، ميادين هي في الغالب متناقضة، مثل ميدان العقل وميدان الحسّ وما يتوسطهما وهو ميدان المصوِّرة أو الخيال.

ما هي الأصناف المتنوِّعة التي تُشكّل مفهوم الصورة وتُضفي على هذه الأخيرة صيغة الجمع؟ نبدأ بـ«الأيقونة» (eikon) التي هي التمثُّل المرئي بترجمة الفكرة المعقولة في الشيء المحسوس. فهي وساطة بين عالم المثال وعالم الواقع، لها وجه إلى المثال (الموديل) الذي تريد تجسيده في الواقع، ووجه إلى الواقع (النسخة) الذي تُجسِّد فيه الكيانات المجرَّدة. الأيقونة هي ترجمة أمينة للمثال في الواقع. نفهم من ذلك أن مساوقها «الأيدولة» (eidolon) هي ترجمة مشوَّهة، ترجمة بوصفها خيانة للأصل. لأن ما تُوفِّره الأيدولة هو البريق أو المظهر. مرادف الصنم، إنها مثل الصنم تمامًا الذي يأتي خاليًا من الروح، ويوهم بالحركة (على غرار التمثال الباروكي: جحوظ العينين، ارتفاع الذراع، تأخُّر القَدَم)، بينما هو ثابت وهو مجرَّد وثن مركَّب من حجر أو خشب. على الخلاف من الأيقونة التي تحيل إلى عالم أسمى هو المثال الذي تنحدر منه وهي على مسافة منه، فإن الأيدولة تحيل إلى ذاتها في محض ظهورها وتُطابق بينها وبين المثال إلى غاية إفنائه والحلول محله.

بهذا المعنى، تقترب الأيدولة من «الظِّل» (phantasma) الذي هو عبارة عن حلم أو شبح، ويُشير في الأصل اللغوي إلى ما يتلألأ أو يشعّ، من الكلمة (phôs) التي تشير إلى الشعاع أو البريق أو اللمعان (Cassan, 2014, p.478). ليس غريبًا أن تكون الثيمة الغالبة في عصر الباروك الإيطالي (القرن السابع عشر) هي لعبة الظلال والأنوار في فن الرسم (أهم الرسَّامين: لورانزو برنيني، كارافاجيو)، ولأن الباروك (Baroque) ينطوي على الخصائص التي تتَّسم بها الأيدولة: الموت (رمز «الجمجمة» في الباروك)، القلق، العتمة التي تتخلَّلها أنوار ساقطة، المظاهر البرَّاقة، الزخرفة الصادمة للعين، إلخ. في الشبه العائلي للأيدولة، يمكن الوقوف كذلك على «الإيهام» (simulacrum) الذي يتَّصف بإخفاء شيء غير موجود (Baudrillard, 2003, p. 3). الإيهام هو إذن الإخفاء. لكن لا يُخفي شيئًا، بل «يُوهم» بوجود شيء قام بحجبه، مثل الشخص الأنيق ببدلة ثمينة الذي يحمل حقيبة توهم باحتواء أشياء نفيسة (المال مثلًا) لكنها فارغة. يستدعي الإيهام عمل الخيال من جهة المتلقي الذي يتصوَّر أشياءً هي غير موجودة في الأصل. الخيال، الوهم، الخرافة، هي القرابة الداخلة في الشبه العائلي للأيدولة.

إذا التفتنا إلى قرابة أخرى للصورة والتي تحيل إلى «الأثر»، يمكن تعداد «الإطار» (skhema) وهو قيام الشيء أو الوضع الذي يكون عليه؛ «النمط» (tupos) وهو الشيء المطبوع أو المنقوش مثل الضربة التي تترك أثرًا على مساحة أو جسد؛ «الشكل» (morphè) وهو الأبعاد والأحجام والمقامات الخاصة بشيءٍ ما؛ «الهيئة» (figura) وهي السمة أو المظهر الذي يكون عليه الشيء بعد أن حصل على النمذجة أو القولبة؛ «الطراز» (species) الذي يشير إلى النظرة الأولى التي تتفرَّع عنها رؤى، هي بمنزلة الحدس أو الشرارة الأولى التي تتيح أفكارًا وصنائع. يتعلَّق الأمر بنظرة تستلهم من النموذج لتُخلِّده في نُسخ وأصناف متوالية. عندما يتعلَّق الأمر بالصور البيانية التي تستلهم منها البلاغة من أجل الإفحام أو التفخيم، يمكن تعداد «الاستعارة» (metaphora) وهي علاقة المشابهة بين المعنى المنقول منه والمعنى المنقول إليه وتقوم على التحويل؛ و«الأمثولة» (allegoria) وهي التعبير عن خاطر أو فكرة في صيغة مصوَّرة لاستخلاص معنى ضمني من المعنى الظاهر وتتضمن على الحكاية والقول المأثور والإشادة والأمثال؛ و«اللغز» (enigma) وهو الإشارة التي تفلت من قانون العبارة، ويتضمن على الأحجية والأسرار.

إذا لجأنا إلى الصور الأصلية (المجرَّدة أو الحسيَّة) التي هي في مقام الأصل بالمقارنة مع الفرع، يمكن إحصاء «المصدر» (scheme) في مقام الجذر الذي تتولَّد عنه كلمات أو أفكار أو كيانات. إنه نواة أو فوَّارة تنبع منها كل ما هو قابل للولادة (مثلًا، البذرة التي تنطوي على النبتة، النطفة التي يصدر عنها الجنين، إلخ). عند إيمانويل كانط، هو الإطار (الوعاء أو الإناء) الذي تقوم بموجبه مَلَكَة الفاهمة بتلقي مضامين تجريبية نابعة من الحس. مثلًا، ينجرُّ عن إدراك الشجرة في العالم الخارجي تمثُّل مفهوم الشجرة في الذهن، أي استغراق الجزء (شجرة ما) في الكل (صنف الأشجار)؛ «الأصل» (arkhêtupon) في مقام النموذج الأول الذي تصدر عنه نماذج فرعية. مثلًا، العقول (العقل بالقوة، العقل المكتسب، العقل بالفعل) التي تصدر عن العقل الفعَّال (أرسطو، إسكندر الأفروديسي) أو الصور العقلية التي تنتج عنها الوقائع الحسيَّة (الأفلاطونية المحدثة). الأصل هنا بمنزلة المطرس الذي تنتج عنه الصور المتواترة والتابعة للنوع نفسه. ينطوي الأصل على فروع تراتبية مثل النمط في شكل بصمة، والمثال النموذجي الذي ينطوي على سمات سلسلة (مثلًا، سلسلة صنف الطيور)، والنموذج أو الموديل (paradeigma) القابل على التعميم في مجالات متنوِّعة (مثلًا، «البَرَادَايْم» في العلم عند توماس كون وتعميمه على العلوم الاجتماعية والإنسانية والفنون والآداب).

  1. أزْمِنَة الصُّورَة: دَرَجَات وعَتَبَات

أصناف الصورة التي عرضناها هنا هي غير حصرية، لأن هناك عددًا لا يُحصى من الصور في جميع الأنواع المادية والذهنية والميتافيزيقية والروحية. اكتفينا بالأهم منها للحصول على لوحة شاملة، تصنيفية في جوهرها، للتمييز بين المعقول والحسي، بين الصور المجرَّدة والصور المادية. للجمع بين هذه الأنواع المختلفة والمتباينة، يمكن اللجوء إلى تقسيم زمني بين حاضر الصورة (الإدراك الحسي)، ثم ماضي الصورة (التذكُّر أو الاستحضار)، وأخيرًا مستقبل الصورة (التوقُّع أو التنبُّؤ). من شأن هذا التقسيم الزمني أن يضعنا أمام لوحة أخرى تجمع بين مختلف الأنواع التي تضطلع بها الصورة.

(أ) حاضر الحسّ: إذا كانت الصورة تنحصر عمومًا في سؤال التمثُّل باستحضار شيء في صيغة فكرة أو شكل أو خيال، فإن الحسّ هو العتبة المبدئية التي تنطلق منها الصورة. لأن الأشياء الحسيَّة المحيطة بنا هي كذلك صور، تتمايز بالأبعاد والأحجام والألوان، فنُميِّز بين الحجر والشجر والمدر. إذا كانت الصورة مسألة إنارة أو إضاءة، وهو ما يوحيه الاشتقاق المشار إليه أعلاه، فلأن التمييز يقوم أساسًا على مبدأ الاستجلاء. يقول كانط بناءً على تجربة الغرفة المظلمة: «ففي الظلمة أتوجَّه في غرفة معروفة لديَّ إذا تمكنتُ من إدراك شيء واحد أحتفظ بموقعه في الذاكرة، ولكن لا شيء يساعدني عندئذ بوضوح سوى القدرة على تحديد المواضع وفق مبدأ ذاتي مميّز، لأنِّي لا أرى على الإطلاق الأشياء التي ينبغي أن أجد موقعها» (كانط، 2005، ص100-101). معجم الإنارة الداخل في تحديد مفهوم الصورة هو الذي يتيح التمييز ومن ثمَّة الحُكم على طبيعة الأشياء التي ندركها. لأن لا شيء يتميَّز بذاته ما لم تكن هنالك إنارة حسيَّة تُميّزه عن غيره وتُبدي شكله ولونه، وما لم تكن هنالك إنارة عقلية تُميّزه عن غيره من الأشياء من حيث الأهمية والسمة والقيمة.

في حاضر التشكُّل الأيقوني، يتواقت الإدراك الحسي وتشكيل صورة ذهنية عن الشيء المدرَك. ثمة منبِّهات حسيَّة (نظر، لمس، شم، سمع) تقع على موضوعٍ ما، وتبثُّ نحو الذات معلومة حول الموضوع (مشهد، شيء خشن أو ليِّن، رائحة، صوت أو نغم) تعرف بموجبها هوية ذلك الموضوع وطبيعته. بهذا المعنى تشغل الصورة دور «الوساطة» بين العنصر الإدراكي (percept)، والعنصر المفهومي (concept). ربما هي الوضعية غير المريحة التي شغلتها الصورة في تاريخها الطويل، ما دام أفلاطون كان يحترس من «البَيْن-بَيْن»، والصورة هي «بَيْنيَّة» بامتياز، لأن النماذج التي عيَّرها (الفنَّان، السُّفسطائي) هي مثل «الشيطان»، تقبع في الشقوق والثغرات والظلال، عسيرة الضبط، مجهولة الهوية، لا تنتمي إلى «هذا» ولا إلى «ذاك». غير أن «البَيْنيَّة» الأيقونية ليست دائمًا سلبية أو مستهجنة، لأنها في مقام «البرزخ» الجامع بين عالمين، ونعرف القيمة الروحية المضافة التي أضفاها ابن عربي على ما هو «برزخي»، بما في ذلك «عالم الخيال» («mundus imaginalis» بتعبير هنري كوربان) الذي أولاه قيمة روحية في مقام الرؤيا والنبوة.

إذا كان التصوُّر الابستمولوجي (النفسي أو الإدراكي)، يضع الصورة «وَسِيطًا» بين المنبِّه الحسِّي والتشكيل الذهني أو المفهومي، فإن التصوُّر الفينوميولوجي يضع الصورة «وَسَطًا» حيًّا المراد منه توجُّه الوعي (القصدية) نحو إصابة الموضوع في الصميم، أي التوصُّل بالشيء على ما هو عليه في ذاته. لا تكون الصورة هنا مجرَّد مضاعفة للموضوع الحسِّي الخارجي في الموضوع الذهني الباطني، بل تحقيق التضايف بينهما في الموضوع القصدي عندما تكون الذات العارفة هي الوجه الآخر لموضوع المعرفة، لا تنفكُّ عنه، وإن لم تكن متَّحدةً به. اتَّخذ التصوُّر التجريبي وجهة أخرى تكون فيها الحقيقة عبارة عن مطابقة بين أشياء الواقع ووقائع الذهن. يجد التعريف الكلاسيكي-اللاتيني للحقيقة «تطابق الأشياء والعقل» («adæquatio rei et intellectus») استمراره التقني والفلسفي في الفلسفات التجريبية التي تكون فيها الصورة هي تطابق بين الشيء «موضوعًا حسيًّا» والشيء «موضوعًا ذهنيًا»، تطابق يقول المحاكاة أو المضاعفة أو النَّسْخ، إلخ. لكن لا يفلت هذا التطابق من العثرات مثل «الخِدَاع البَصَري» بحسبان السراب في الصحراء ماءً، أو «الهَلْوَسَة» برؤية خيالات أي أشياء غير موجودة في العالم الخارجي.

(ب) ماضي الذاكرة: عندما تزول الصورة الملتقطة في الحاضر بفعل المنبِّه الحسِّي تصير «تذكارًا». يمكن القول بأن زوال الصورة هو في الحقيقة عبارة عن الاحتفاظ بها في جيبٍ من جيوب الذاكرة. تعود الصورة في أشكال متنوِّعة: في شكل «حُلم» يُحرّره اللاشعور ويصيغه في قوالب مبعثرة، أو في شكل «تذكُّر» باستحضار صور فائتة، مُسرَّة أو مؤلمة. يمكن القول بأن الذاكرة هي «خزانة الصور» يلجأ إليها الإنسان لاستحضار فعل أو مشهد، للهروب من وطأة الحال، أو لجلب ذكريات جميلة وحميمية، أو لمباشرة عزاء من جرَّاء فقدان. الصورة الماضية هي نافذة نحو الزائل لاستحضاره دون تشييئه أو إحيائه: نستحضر الطفولة، لكن لا نصير أطفالًا. تقوم بعض العلاجيات (التحليل النفسي مثلًا) بالاشتغال على الصورة الماضية من أجل إصلاح حاضر المريض. إنها طريقة في التعويض يُراد منها الترويض.

لكن لا تكتسي الذاكرة قيمة علاجية فحسب، بل كذلك قيمة استراتيجية في تخزين المعلومات وتعزيز المعارف وتجويد أشكال التعبير. يمكن استشفاف ذلك من خلال «فن الذاكرة» الذي خصَّص له فرنسيس ياتس كتابًا ملهمًا ومهمًّا. تقوم الفكرة على تقنيات الذاكرة من أجل تفادي النسيان أو من أجل تعزيز القُدُرات الحجاجية والبلاغية. كانت هذه مثلًا وسيلة البلغاء والفصحاء الإغريق والرومان الذين كانوا يُلصقون ذهنيًا بكل عمود من أعمدة الرواق كلمة أو مجموعة من الكلمات قبل اليوم الموعود لإلقاء الخُطبة. عندما يأتي اليوم، يصعدون في أعلى المدرَّج لإلقاء الخُطبة أمام الجمهور، يتوجَّهون بالنظر إلى الأعمدة ويقرأون ذهنيًا خطابهم الملتصق افتراضيًا بتلك الأعمدة. تقوم هذه التقنية على ملأ الخانات بصور بصرية لاستعمال محدَّد، ثم محوها من الذاكرة وإعادة ملئها بصور أخرى لاستعمال آخر. تؤدِّي الوسائل التقنية والإلكترونية اليوم دور خزانة الذاكرة بحفظ المعلومات وأرشفة الوقائع الماضية، حيث أصبحت الصورة المتحركة مثل الفيديو أو الشريط أو الفيلم هي الدعامة الماديَّة لتلك الخزانة.

لا تعمل الذاكرة على تشييء الصور الماضية في الحاضر أو تصنيمها، بل إن الموقف إزاءها هو الاستعمال الآني. بتعبير آخر، ليست الصورة الماضية في مقام «القيمة التأمُّلية» بل في مقام «القيمة الاستعمالية» من أجل غرض محدَّد: مثلًا، استعمال الصورة الماضية من أجل ذكريات مُسرَّة يفرُّ بها الفرد من أعباء الحاضر، أو من أجل حل مشكلة بناءً على أفعال ماضية (مثلًا، الشهادة القضائية بشأن جنحة أو جريمة). كذلك من خاصية الصورة الماضية هي قدرتها على التجسُّد في الإحساس بإثارة مشاعر مشابهة للحظة الحاضرة التي زالت (حزن، غضب، فرح). متجذِّرة في الزمن، يمكن للصورة الماضية أن تتخطى نظام الزمانية بأن تصير خالدة وتكتسب رمزية تتعدَّى البُعد المادي الذي يُميِّزها (بطولة، قومية، حبّ). هكذا تُسهم الصورة الماضية في «تكثيف» الشعور بأن تهب الأشياء المادية أبعادًا رمزية وخالدة. يُصدِّق ذلك قول قَيْس بن الملوِّح:

 

أمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيْلَى   أقَبِّلُ ذَا الجِدَارَا وَذَا الجِدَارَا

وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبي   وَلَكِن حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا

 

في الصورة الماضية المنعطفة على اللحظة الحاضرة، ليست الأشياءُ أشياءً (الجدار، الديار)، بل هي رموز تكتسي حُلَّة شعورية وشاعرية، تتكثَّف وتتسربل بالخيال الذي يمنحها قيمة زائدة إلى حدّ اللوعة والهيام.

(ج) مستقبل التوقُّع: الإنسان هو بالتعريف إنسان «السَّبْق»، يتوجَّه نحو الآتي بما يصوغه من مشاريع. كل صورة حاضرة، إنما هي صورة-لأجل-المستقبل، صورة تتغلَّف بالقصد الذي يُوجِّه الإنسان نحو وجهة معلومة من الفعل والأداء. تختلف أشكال التوجُّه نحو المستقبل حسب طبيعة الصور المجنَّدة. يمكن أن تكون الصورة عبارة عن «توقُّع» عندما تجتمع العلامات الحاضرة وتكون القراءة دقيقة. هذا دأب مراكز البحث المتخصصة في علم المستقبليات حول حالة العالم السياسية أو الاقتصادية خلال عقود أو أجيال. قوَّة هذه الصورة في التوقُّع أنها موضوعية وعلمية، تستقرئ الحاضر وترى مسبقًا الوجهة التي يتَّخذها. تكمن هشاشتها في كون التوقُّعات هي مجَّرد افتراضات، لأنها مبنية «استراتيجيًا»، أي وفق مخططات عقلانية، لكنها غير مهيَّأة «تكتيكيًا»، أي تبعًا للمصادفات التي تطرأ فجأةً وتُغيِّر مسار الترقُّب، بسبب «بجعة سوداء» تدخل في نظام التوقُّع وتُعطِّله من الداخل. يُعدُّ نسيم نيكولا طالب أحد المفكرين في هدم فكرة التوقُّع بقوَّة اللامتوقَّع عبر استعارة «البجعة السوداء»، بمعنى بروز طارئ حقير يُخربط ما ترصَّدته المخططات والتقديرات.

يمكن أن تكون الصورة عبارة عن «تنبُّؤ» بتفرُّس العلامات الحاضرة وحدس ما ستؤول إليه الوقائع. قوَّة هذه الصورة أنها تضع «الحدس» في قلب التقدير والارتقاب، لأن الحدس يلج في عُمق الوقائع ويُحسن الربط بينها وبين عواقبها بما يُشبه الرؤية المباشرة لما هو آت. تظهر هشاشتها في كونها ترتكز على انطباعات فردية وتقديرات غير علمية، هي أقرب إلى التنجيم والرجم بالغيب منه إلى الاحتساب بلا غرور الضبط أو عنجهية الدقَّة. نشهد اليوم شيوع هذا النوع من التنبُّؤ (عبر الإعلام أو في مواقع التواصل الاجتماعي) حول صراع جيوسياسي أو مقابلة رياضية، بتقديرات طائشة هي في الغالب خاطئة. أخيرًا، يمكن أن تكون الصورة عبارة عن «نُبوءَة» عندما تنتج عن الإلهام أو البصيرة. هذا حال الفراسة الصوفية والاستبطان العرفاني حيث يكون المستقبل بيِّنًا ناصعًا في بصيرة الملهَم. قوَّة هذه الصورة أنها تستجلي الأمور بسريرة نقيَّة بفعل الزهد والتنسُّك. تنكشف هشاشتها في الالتباس الممكن بين الرؤيا الصادقة والخيالات الفاسدة. عمَّر أدعياء النبوءة التاريخ الديني والمذهبي إلى غاية اليوم بوجود مرشدين روحيين (غورو) تحكَّموا في نفوس تابعيهم وعقولهم وأموالهم. مثلًا، الطائفة الداوودية (نسبة إلى المرشد الروحي «ديفيد كوريش») التي انتهت بالانتحار الجماعي في واكو (تكساس) عام 1993.

لكن ما الذي يجعل الصورة تندفع نحو المستقبل، على أساس أن كل صورة حاضرة هي في الغالب صورة تُمهِّد للآتي؟ نُسمِّي هذا الاندفاع «الرغبة». الرغبة هي نزوع نحو الآتي تحمل صورة عن المرغوب فيه، سواء أكانت الصورة «ذرائعية» للحصول على متعة أو منفعة أم «مثالية» لتشييد مدينة فاضلة أو يوتوبيا. معنى ذلك أن الرغبة في الحاضر هي «نقصان» تسعى لتعويضه في المستقبل بتحقيق مصلحة أو إنجاز مشروع نموذجي. تستمدُّ الرغبة من الخيال أو المصوِّرة علَّة وجودها واندفاعها. لأن أيَّ مشروع أو استباق أو تقدير أو أمل إنما يتغذَّى من عمل الخيال. يمكن للرغبة أن تُحقق مبتغاها الآتي في الحاضر وتُطابق من ثمَّ موضوعها، فتجعل الموجود-بالقوة موجودًا-بالفعل، متحقَّقًا أو منجزًا، فيكون التنفيذ «مرجَّحًا»؛ ويمكن للرغبة ألا تُحقق بُغيتها في المستقبل القريب لكن تعيد الكرَّة أو تنتظر الشروط المواتية، فيكون التنفيذ «ممكنًا»؛ ويمكن للرغبة ألا تُحقق بُغيتها فتتعثَّر لأن الشروط (المادية أو الذهنية) تحول دون ذلك الإنجاز، فيكون التنفيذ «مستحيلًا». في جميع الأحوال، تعتمد الرغبة على عمل الصورة في الترقُّب والانتظار، وتنطفئ بمجرَّد تحقيق المطلب، أو تُولِّد رغبة أخرى بناءً على حاجة جديدة.

  1. الصُّورَة مَوْضُوعًا، والصُّورَة مَنْهَجًا

ثمّة موضوعات تُعالَج فلسفيًا أو اجتماعيًا أو نفسيًا مثل أيِّ موضوع يثير الاهتمام ويطرح مشكلة معرفية أو أنطولوجية مثل الرغبة أو الوعي أو العقل أو الانفعال، إلخ. لكن هناك موضوعات هي في الوقت نفسه مباحث أو ثيمات وكذلك مناهج أو طرائق في المعالجة. هذا شأن «التأويل» الذي يمكنه أن يكون موضوع بحث فلسفي أو ديني أو تاريخي لمعرفة تاريخ تشكُّل النصوص والقراءات، ويمكنه أن يكون منهج البحث في القراءة الفلسفية أو الدينية أو التاريخية بالاعتماد على مجموعة من الوسائل الداخلة في المعجم التأويلي مثل الفهم والمعنى والنصّ والعلامة والترجمة، تحت مظلة شاملة هي التأويلية أو الهيرمينوطيقا. إلى غاية القرن العشرين، كانت الصورة موضوعًا خاصًّا بالدراسات الفنية، لتصير موضوعًا خاصًّا بالدراسات المرئية (Visual Studies) لتشمل الإعلام والسينما والأنترنت. لكن بمقدار ما طغت الصورة اليوم إلى غاية الحديث عن الحضارة المعاصرة على أنها «حضارة الصورة»، أضحت كذلك طريقة في قراءة الأشياء المرئية وتأويلها، أي صارت منهجًا، بل وأسَّست لمنظومة علمية قائمة بذاتها تُسمَّى «علم الصورة» أو الأيقونولوجيا (Iconology).

بدأ هذا العلم مع آيبي فاربورغ على منوال دراساته حول الفن وقراءته لبعض اللوحات الزيتية من عصر النهضة، خصوصًا ساندرو بوتيتشللي، ثم انتظم مع إيرفن بانوفسكي بعنوان إيحائي «دراسات في الأيقونولوجيا» (1939) إلى غاية ويليم ميتشل، مبتكر «المنعطف التصويري» (Pictorial Turn) في أمريكا، وغُتفريد بوهم مبتكر «المنعطف الأيقوني» (Iconic Turn) في ألمانيا. ينبري من هذه النماذج أن الأيقونولوجيا هي منهج في قراءة النصوص المرئية والأشكال الرمزية، يتراوح بين الوصف والتأويل، ويلجأ كذلك إلى مناهج مساعدة مثل التأويلية والفينومينولوجيا والأنثروبولوجيا. يقوم المنهج الأيقونولوجي كما بلوره بانوفسكي على ثلاث محطات أساسية: «ما قبل-الأيقونوغرافي» ويخصُّ الواقعة أو المدلول الوقائعي وهو إدراك الواقعة كما تنجلي (يُعطي بانوفسكي مثال شخص ينزع قبعته من رأسه وتُدرك العين الشكل واللون والهيئة)؛ «الأيقونوغرافي» ويخصّ العُرف أو المدلول الاتفاقي وهو إدراك المغزى من الواقعة (مثال شخص ينزع قبعته علامة على التحية)؛ «الأيقونولوجي» ويخصّ المضمون أو المدلول الضمني (مثال شخص يقدم التحيَّة بنزع القبعة والشخص هو شخصية مشهورة، مما يُضفي على المشهد قيمة رمزية مضافة).

عندما قام بانوفسكي بتطبيق هذه الطريقة في قراءة تاريخ الفن، بيَّن كيف أن الأثر الفني يخضع إلى ثلاث محطات رئيسة: «التصميمات الفنية» وتخصّ الأشياء والأشكال والأساليب؛ «القصص والأمثولات» وتخصّ الأثار الأدبية والفنية والألفة بالمباحث والتصوُّرات والمفاهيم المتعلقة بها والمرتبطة بسياقات تاريخية وبيوغرافية وأحداث حاسمة؛ «القيم الرمزية» وتخصّ الأنماط والاتجاهات الخاصة بتطوُّر الروح الإنسانية ورؤى العالم المتعلقة بها والمرتبطة بالنماذج الثقافية والأعراف التي تتجسَّد في الصنائع والروائع أو ما يُسمّيه هيغل بالفكر الموضوعي. انتقل الاهتمام عند ميتشل بتحديد الأيقونولوجيا في الدراسات المرئية وانفتاحها على التفكيكية وما بعد الحداثة. إذا كانت الأيقونولوجيا قبل ميتشل تنحصر في الأعمال الفنية الرفيعة من عصر النهضة أو الفن الحديث والمعاصر، فإن ميتشل قطع صلته بهذه النخبوية ليُركِّز على الصورة في الحياة اليومية وأشكال التعبير الثقافي العادي مثل الخربشة والكتابة على الجدران (غرافيتي) والتزيين والبطاقة البريدية والصورة الفوتوغرافية. إزاحة الاهتمام من الأثر الفني إلى الأثر الأيقوني من شأنه أن يُبيِّن اهتمام الأيقونولوجيا بتجليَّات الصورة في دعائم مادية ومرئية وليس الصورة في حد ذاتها.

مسوِّغ ميتشل في ذلك هو أن الصورة لها شيء من الخلود والتعالي. ينبري ذلك في تمييزه بين الصورة (image) والتصويرة (picture) حيث الأولى هي زمانية والثانية هي مكانية؛ الأولى هي لا مادية، بينما الثانية هي مادية، لأنه يمكن حرق التصويرة أو إتلافها، لكن لا يمكن إتلاف الصورة التي تخلد في السرد أو الذاكرة. بالموازاة مع الفاصل الذي قدَّمه ابن عربي بين الجسم والجسد، بين الكثيف واللطيف، يمكن القول بأن التصويرة هي في مقام «الجسم» قابلة للتلف أو الزوال، فيما الصورة هي في مقام «الجسد» لما تنطوي عليه من بُعد رمزي يتخطَّى الإطار المادِّي الحصري. الفارق بين الصورة والتصويرة تقنيًا هو الوجه الآخر للفارق بين الصورة والأيقونة مذهبيًا، إذ الأيقونة هي «مَجْلَى» الصورة أو الدعامة المادية التي تنجلي فيها الصورة وتتجسَّد. لكن فيما تظهر الأيقونة أو التصويرة بمادِّيتها الحسيَّة، تبقى الصورة متوارية في عين ظهورها أو تجلِّيها عبر الأيقونة أو التصويرة. الصورة هي «الإمداد» الأصلي الذي يحل ويدوم في «الامتداد» الأيقوني الذي تُمثِّله التصويرة.

هذا الفاصل المعاصر بين الصورة والتصويرة على شاكلة الفاصل المذهبي والديني بين الصورة والأيقونة هو في أصل المنعطف التصويري (ميتشل)، والأيقوني (بوهم) الذي نشأ في خضم ما بات يُعرف بـ«حضارة الصورة» بالموازاة، وأحيانًا بالمنافسة، مع المنعطف اللغوي الذي طغى على الفلسفات المعاصرة. يرى ميتشل أن الصورة أنجزت في تاريخها الطويل والمضطرب «منعطفات» متعدِّدة: الرسم في الكهوف والمغارات بينما لم تظهر اللغة بعدُ كمنظومة في الصوت والعلامة والفكرة؛ علم البصريات الذي غيَّر جذريًا علاقتنا بالعالم بالنظر في اللامتناهي في الصغر (الخلية) وفي اللامتناهي في الكبر (المجرَّة)؛ اختراع الآلة الفوتوغرافية التي توقف الزمن في التصويرة وتُخلد الماضي؛ وأخيرًا السينما أو الصورة المتحركة، الأنترنت أو الصورة الرقمية، ما وراء العالم (ميتافيرس) أو الصورة الافتراضية، إلخ. مجمل هذه المنعطفات هي في مقام التحوُّل التاريخي والميتافيزيقي للصورة، تُقدِّم كلها شيئًا من قبيل «بلاغيات الصورة». لأن التحوُّل الذي شهدته الصورة طال أشكال التعبير عن هذا التحوُّل وهي بلاغية بامتياز، تأخذ في الاعتبار المجاز والتبديل والتفخيم والتناقض والتشبيه وغيرها وهي كلها صور بيانية.

تقوم بلاغيات الصورة بتغذية الصورة بالصورة وإن لم يكن بالإمكان الاستغناء عن اللغة في التعبير عن الصورة. لا يوجد بين اللغة والصورة تنافس أو تنابذ، لأن بمقدار ما يمكن مقاربة العلامة اللغوية «أيقونيًا»، يمكن كذلك مقاربة الصورة «لغويًا» عبر السيميولوجيا وغيرها من المناهج. غير أن بوهم بيَّن كيف أن الصورة تنفرد بخصائص غير لغوية مثل الإشارة والإيماءة والرمز. لغة الإشارات مثلًا هي أيقونية بامتياز، سواءً أتعلق الأمر بذوي الاحتياجات الخاصة في التواصل (الصمّ والبكم) أم بقانون المرور الذي يعتمد على إشارات أيقونية في تنظيم الحركة داخل المدينة أم بالأفلام الصامتة (تشارلي تشابلن مثلًا). بانفراد الصورة ببلاغة خاصة أو بمنطق خاص (بتعبير بوهم) هو إمكانية استغنائها عن التعبير اللغوي، لأن دعامتها في ذلك هي الحواس: العين، اليد، الفم، إلخ. من خاصية هذه الحواس أن تُوفِّر للصورة المرئية عتبات في التدرُّج الدلالي. إذا أخذنا «العين» على سبيل المثال، يمكن الوقوف على بلاغيات عينية مختلفة: ليست الرؤية العيادية/الطبيَّة للجسد هي الرؤية الرومانسية للجسد ولا الرؤية الشبقية أو الرؤية الفنية أو الرؤية الاجتماعية، إلخ. هناك خرائط في العين تجعلنا نرى الموضوع نفسه من زوايا مختلفة وتبعًا لدلالات متعدِّدة ومتباينة.

علاوة على ذلك، تُقدِّم الصورة «وحدة في عين اختلاف» الحواس. إذا كانت الحواس تختلف باختلاف المرامي التي جُعلت لها (العين ترى، اللسان يذوق، الأذن تسمع، اليد تلمس، إلخ) فإن المعاني المستخلصة من الموضوع الذي تستهدفه تلتقي كلها في وحدة أيقونية تقول طبيعة الموضوع: العين ترى الشجرة وتُشكِّل صورة حولها، اليد تلمس الشجرة وتُشكِّل صورة حولها، إلخ. حتى بغياب الرؤية فإن الشخص الضرير يُدرك صورة ما يلمسه أو يسمعه أو يذوقه. كذلك لا ترى العين ما لم يكن هنالك العُنصر الذي يتيح الرؤية وهو الضياء للتمييز بين الأشياء؛ ويختلف الذوق باختلاف الأخلاط، إذ يُدرك المريض مرارة طعم هو في الأصل حلو. تُقدِّم هذه الأمثلة أشكالًا أيقونية خاصة ببلاغيات الصورة كما عمل المنعطف الأيقوني على تبيانها وتوسيعها على فضاءات أقصاها التمركز العقلي الغربي بالاستناد إلى الثقافات الهامشية أو الثانوية وتيَّارات ما بعد الحداثة.


المراجع

دوبريه، ريجيس (2007)، حياة الصورة وموتها، ترجمة فريد الزاهي، أفريقيا الشرق.

كانط، إيمانويل (2005)، ثلاثة نصوص: «تأملات في التربية»، «ما هي الأنوار؟»، «ما التوجُّه في التفكير؟»، ترجمة محمود بن جماعة، دار محمد علي للنشر، تونس.

Baudrillard, Jean (2003), Simulacra and Simulation, trans. Sheila Faria Glaser, The University of Michigan Press.

Cassan, Barbara (2014), Dictionary of Untranslatables. A Philosophical Lexicon, translated by S. Rendall, Ch. Hubert, J. Mehlman, N. Stein, and M. Syrotinski, edited by E. Apter, J. Lezra and M. Wood, Princeton University Press: Princeton & Oxford.

Forrester, Michael (2000), Psychology of the Image, Routledge: New York.

Mitchell, William J. T. (1986), Iconology: Image, Text, Ideology, The University of Chicago Press.

Nail, Thomas (2019), Theory of the Image, Oxford University Press.

Panofsky, Erwin (1972), Studies in Iconology. Humanistic Themes in the Art of the Renaissance, Icon Editions: Oxford.

Wirth, Jean (2013), Qu’est-ce qu’une image ? Genève, Droz.

Wunenburger, Jean-Jacques (1997), Philosophie des images, Paris, PUF, coll. « Thémis/Philosophie ».

Yates, Frances A. (1966), The Art of Memory, University of Chicago Press: Chicago.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى