الشعر يرتبط في كثير من الأحيان بقوالب وأوزان وطرق قد يصعب تكييفها بسهولة مع تجارب المرأة الحديثة
د. عبير الجربوع: أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية ومديرة مركز التدريب اللغوي بجامعة الملك سعود
حاورها طامي السميري
- “كيف يرى الشعر العالم” هذا هو عنوان كتابك وسؤالي: هل وصلتِ إلى معرفة ما يراه الشعر عن العالم وكيف كانت هذه الرؤية؟
لم أرد أن أعرف ما يراه الشعر، لكني أردت أن أعرف طريقة رؤية الشعر للعالم، وكيف تختلف عن رؤيتنا. لم أسأل “ماذا” يرى الشعر في العالم؟ بل سألت “كيف” يرى الشعر العالم؟ لأن إجابة “ماذا” معروفة، ولا داعي للبحث فيها؛ فالشعر يرى ما نراه، لكنه يراه بطريقة مختلفة. الشعر ليس مجرد كلمات مصفوفة، ولا هو وزن وقافية ومعنى، بل هذا أبسط وأقل ما يمكن أن يقال عن الشعر. الشعر لغة، ونظام تمثيل، وشكل رمزي يمثّل الأشياء التي نعرفها ونراها، لكنه يمثّلها جماليا بحرية ودون مراقبة، هو وسيلة للنظر إلى العالم من زوايا مختلفة لا يمكن أن يصلها إلا الشعر. الشعر أداة تمارس نفوذها وسلطتها، وتسمّي الأشخاص والأشياء كما تريد، وكما ترى. الشعر لا يرى الأشياء على حقيقتها، ولا يرى الأشياء كما نراها نحن، الشعر يوجد ارتباطات مختلفة بين الأشياء، “يشعر” بروابط بينها، يخترع علاقات بين الأشياء، وينتج صورا ومعاني، ويعيد تشكيل الواقع مستعينا بالخيال، يجمع بين عناصر لا جمع بينها. يحاول أن يكون أداة للمعرفة، وأداة التعريف، يريد أن يعرِف الأشياء، ويعرَّف الأشياء، يريد أن يكون وسيلة لفهم العالم وتفسيره، أن يكون تنظيما لفوضى العالم. الشعر لا يخضع لمنطق الإنسان، للمنطق العادي للأشياء، بل له منطقه الخاص.
- عبر مراحل زمنية الشعر السعودي مر بعدد من التحولات والتغيرات– في تصورك ما العوامل التي أدت الى هذه التحولات والتغيرات وهل كانت في الجانب الشكلي أم لامست العمق في الجانب الفني؟
لا يمكن للإنسان ألّا يتغير وإلا عُد ميتا، تغيّر الإنسان هو تغير في طريقة تفكيره، وفيما ينتجه، وفي شعره بالضرورة. العقل الإنساني بطبيعته معماري، يسعى لتركيب الأشياء وربطها لخلق أنساق وأنظمة للفهم ولتصنيف هذا العالم، وهذه الأنساق تختلف وتتطور بتغير الإنسان وتطوره. لا يمكن أن يحدد المرء العوامل الحقيقية للتحولات التي طرأت على الشعر وعلى الأدب عموما، صحيح أن الظروف السياسية والاجتماعية والحضارية والثقافية والانفتاح على الثقافات الأخرى تؤثر كثيرا، لكن العبرة بالشاعر الذي يتأثر بها، ويسمح بتأثيرها عليه، لا بالعوامل نفسها. يمكن أن تكون أبرز مظاهر التحول هو تطور وسائل الإعلام وظهور شبكات التواصل الاجتماعي التي نقلت الأدب إلى بعد آخر، وسهلت التواصل بين الشاعر والجمهور.
- الشاعر السعودي عندما يستدعي الرموز الأسطورية فبأي ضرورة شعرية يستدعيها وهل هناك رؤية متجددة في توظيف تلك الرموز؟
إذا قلنا إن الأسطورة هي نظام فكري متكامل لجأ إليه الإنسان لتفسير العالم، فهي شبيهة بالشعر في ذلك: كلاهما تفسير العالم، وترتيب فوضى العالم، وتوسّط بين الإنسان والعالم، وكلاهما له نظام ومنطق خاص به، كلاهما شكل من أشكال المعرفة. بين الشعر والأسطورة تشابه كبير حتى قيل إن: “الشعر هو السليل المباشر للأسطورة وابنها الشرعي”. والأسطورة تخليد لفكرة أو معنى أو شخصية، وحين يستخدم الشعر الأسطورة، فهو يستخدمها للغرض نفسه، لتخليد شيء ما، لكنه مشغول بتخليد نفسه وشاعره، يؤسطر الشاعر نفسه ليخلّدها، ويؤسطر الشعر نفسه ليخلدها.
لكن الملاحظ على استخدام الأسطورة في الشعر السعودي، أنه لا يلجأ للأساطير القديمة العالمية، بل يلجأ لاختيار عناصر من بيئته ليؤسطرها، وليس الاختيار بحد ذاته هو ما يجعلها أسطورية، لكن تشكيلها وخلق الروابط بينها هو ما يجعلها أسطورية. لم ألحظ الارتباط الكبير بين الشاعر السعودي والأسطورة العالمية، ما لحظته هو ارتباط الشاعر السعودي ببيئته وثقافته وتحويلها إلى أساطير. الشعر السعودي يهدف لخلق أسطورته الخاصة التي تعتمد على مفردات الشعر كثيرا، لأن الشاعر يهدف لأسطرة الشعر في المقام الأول، كأن الشعر يقوم مقام الأسطورة ويغني عنها. بل كأن الشعر هو أسطورة قائمة بذاتها.
- عناصر الماء حضرت في قصائد الشعراء بشكل لافت. هذا الحضور هل كان توظيفه مغايرا أم ارتبط بالصورة الكلاسيكية المتمثلة في الخصب والعطاء؟
حضور الماء له رمزية كبيرة في كل الثقافات، فالماء عصب الحياة، وعصب في الشعر، وإذا كان الشعر السعودي وريثا للشعر القديم، فإنه ما زال يمتح مما متح منه الشعر القديم. كان النظام التمثيلي المائي هو النظام التمثيلي الأبرز لدى الشعراء السعوديين، إذ يلعب الماء وعناصره دورا مهما في حمل المعاني المختلفة، فهو مصدر الحياة: “وجعلنا من الماء كل شيء حي”، حتى الشعر يحييه الماء. لا سيما أن الماء وسيط تمثيلي صالح لتوظيفه في أشكال عديدة، ويمكن أن يحمل التجربة الشعرية ويجمّلها.
- هل القاموس اللفظي لشعراء المرحلة الحالية مختلف ومغاير عند البعض أم المفردات تتشابه ومن ثمَّ تتشابه الأنظمة التمثيلية؟
قد تكون الأنظمة التمثيلية متشابهة في القالب العام والحدود العريضة ومختلفة في التوظيفات الداخلية، وهو ما يستدعي بدوره تشابه الألفاظ المندرجة تحت الحقل الدلالي للنظام التمثيلي. تشابه الألفاظ بين الشعراء يؤدي بالضرورة إلى تشابه بين الأنظمة التمثيلية، وتشابه الأنظمة التمثيلية بالضرورة يؤدي إلى تشابه في الألفاظ. هناك تشابه بين الأنظمة التمثيلية المستخدمة في الشعر السعودي، يعود ذلك إلى تشابه الاستلهام ومصادر التخييل؛ بسبب تشابه البيئة. وكذلك التشابه في التوظيف والاستخدام بسبب تشابه الموروث الشعري.
- الشاعر الجماهيري في المشهد السعودي قد يبدو نادر الحضور. كيف تنظرين الى جماهيرية الشاعر بشكل عام وهل تجعل من الشاعر يعيش هاجس الخضوع كتابة القصيدة التي يرغبها الجمهور؟
يختلف الأمر من شاعر إلى آخر، فبعضهم يكتب لأن هناك رغبة ملحة في الكتابة، وربما لا يهتم برأي الآخر / الجمهور سلبا كان أم إيجابا، وهناك من يهتم للجمهور وتفاعلهم، ويجعلهم المعيار الأهم في الكتابة. جماهيرية الشاعر هي مسألة معقدة وتختلف من شاعر لآخر. في المشهد السعودي، كما في الكثير من المشاهد الأدبية، الشاعر الجماهيري قد لا يكون بالضرورة هو الأكثر حضورًا في الوسط الأدبي النخبوي، لكن له حضور قوي في وسائل الإعلام الاجتماعية والمهرجانات الكبرى. وبعض الشعراء الجماهيريين في السعودية يحققون قاعدة جماهيرية ضخمة، وذلك بسبب قدرتهم على التفاعل مع هموم الجمهور واحتياجاته، ومعرفتهم للغة التي يفضلها هذا الجمهور.
- ما أبرز النتائج التي توصلتِ لها في دراستك عن نظام التمثيل في الشعر السعودي؟
من أبرز النتائج التي وصل لها البحث:
- في النظام التمثيلي الأسطوري اتسم الشعر السعودي بأنه لا يستخدم العناصر الأسطورية كثيرا، بل يعتمد على مفردات البيئة وعناصرها في تشكيل الأنظمة الأسطورية التي يستخدمها. ويشكلها ويخلق روابط بينها لتكون أسطورة.
- يعتمد النظام التمثيلي الأسطوري على استخدام مفردات الكلام والشعر كثيرا. فالشاعر يهدف لخلق أسطورة شعرية، وأسطرة الشعر والشاعر.
- في النظام التمثيلي الأليغوري لم يكن هناك اهتمام كبير بالحدث، أي لم يعمد الشاعر إلى إنشاء حدث مكتمل العناصر، بل كان يكتفي بما يقدم الفكرة التي يريدها.
- ارتبطت عناصر الماء بمعاني الجمال والخصب والعطاء والمعاني الإيجابية. وكان غيابه غيابا لهذه المعاني.
- لم يخرج الشاعر السعودي عن الأنظمة التمثيلية التي استخدمها الشعراء السابقون. ولم يعمد لابتكار أنظمة تمثيلية تخضع لأدوات العصر الحديث وتطوراته.
- بقيت الاستخدامات في الأنظمة التمثيلية المختلفة متشابهة بين الشعراء إلى حد كبير، حيث بقي الأنموذج الشعري القديم مهيمنًا على الشعر السعودي في أنظمته التمثيلية.
- كان الحديث عن الشعر طاغيا في قصائد كثيرة باختلاف الأنظمة التمثيلية المستخدمة، وباختلاف موضوع القصيدة.
- ماهي الملامح البارزة لحضور عناصر الطبيعية في الشعر السعودي؟
عناصر الطبيعة في الشعر السعودي تمثل جزءًا أساسيًا من الهوية الشعرية، وقد حافظت على حضور قوي عبر الأجيال. وكانت الغلبة في معجم الشعر السعودي لمعجم الطبيعة؛ لثراء الطبيعة بالعناصر التي يمكن أن تشكل مصدرا للصور، وكان النظام التمثيلي الطبيعي هو أبرز الأنظمة التمثيلية التي اعتمدها الشعراء بعناصرها المختلفة، فقد كانت العناصر الطبيعية من أهم أدوات الشاعر لتقريب الأفكار والمضامين الشعرية؛ لكثرتها وقدرتها على أداء المعاني المختلفة، وإمكانية توظيفها في مجازات واستعارات عدة.
وقد حضرت عناصر الطبيعة بكثرة في الشعر السعودي، ويلاحظ بعض التشابهات والتقاطعات بينها. فالنظام التمثيلي المعتمد على عناصر السماء يدل على الاتساع والامتداد، والرغبة في الانطلاق. والنظام التمثيلي المعتمد على استخدام الطير بوصفه عنصرًا تمثيليًا من عناصر الطبيعة يدل على وجود المعاني الإيجابية، من سعادة وخفة وقدرة، وعلى الحركة المستمرة، والانتقال من مكان إلى مكان آخر. ودل النظام التمثيلي الطبيعي المعتمد على عناصر الغيث والمطر على انتشار الخير والخصب.
- لماذا أصبح الجمال الشكلي هو الملمح الرئيسي لقصائد شعرا الجيل الحالي وغاب العمق الفني الذي يلامس المتلقي؟
أظن أن هذا حكم لا أساس له، وربطه بشعراء الجيل الحالي لا مسوغ له. مشكلة الأدب أن مادته هي اللغة، فكل تغيير في الشكل هو تغيير في المعنى، وكل تغيير في المعنى هو تغيير في الشكل. فلا يمكن الفصل بين الفن وأداة الفن في الأدب. الشاعر حينما يكتب القصيدة لا يحاول – وفق ما أرى – أن يربط المعنى باللفظ، أي أنه لا يعاملهما على أنهما شيئين منفصلين، بل يأتيه مرة واحدة، بقالب كامل، فمعنى الشعر لا يمكن أن يأتي بمعزل عن قالبه ولا نظامه التمثيلي الذي يراه الشاعر ويختاره تحديدا لما يريد قوله. الشكل لا يمكن أن يكون شكلا فقط في الشعر، بل هو شكل ومعنى، والمعنى لا يمكن أن يكون معنى فقط في الشعر، بل هو معنى وشكل. الوعي الشعري يأتي عبر اللغة، عبر الشكل والجمال الشكلي، ولا يمكن الفصل بينهما.
- لماذا الأسماء الشعرية النسائية البارزة في كتابة الشعر الفصيح محدودة بينما الحضور النسائي أكثر تأثيرا في كتابة الرواية والأجناس الأدبية الأخرى؟
السؤال يعكس نقطة حساسة في المشهد الأدبي السعودي والعربي عمومًا. ربما كانت الأسماء الشعرية النسائية في الفصيح محدودة مقارنة بالحضور النسائي في مجالات أخرى مثل الرواية أو القصة القصيرة. عندما نتحدث عن الأدب النسائي في المنطقة، نجد أن الرواية، على سبيل المثال، هي مجال أدبي أكثر مرونة في استيعاب تجارب النساء وتقديم قصصهن وحياتهن. فالرواية توفر مساحة أكبر للأصوات النسائية لتكون حرة في التعبير عن أفكارها ومشاعرها، بينما الشعر يرتبط في كثير من الأحيان بقوالب وأوزان وطرق قد يصعب تكييفها بسهولة مع تجارب المرأة الحديثة، وطريقتها في التعبير. أقول ربما ولا أجزم بشيء.
- هناك شعراء عرفوا واشتهروا بعد فوزهم بجوائز شعرية -كيف نظرتك من الناحية الفنية لهذا النوع من الشعراء وهل تصبح الجوائز هي مقياس الشاعر الجيد؟
لا أظن أن الجوائز هي الطريقة الأفضل أو الأدق لقياس الشعر الجيد، لكنها طريقة ممتازة للتسويق للشاعر ونشر شعره، وللتسويق للشعر عموما. جوائز الشعر هي إحدى الطرق التي يمكن أن تفتح أبواب الشهرة والانتشار للشاعر، وتساعد على تسليط الضوء على أعماله، لكن عندما نتحدث عن الجوائز كمقياس للشاعر الجيد، فإن هذا يدخل في منطقة تتعلق بمفهوم الجمال الفني في الشعر وبالأبعاد المعرفية والفنية للأدب عموما. من ناحية، الجوائز قد تكون بمثابة دفعة قوية للشاعر على المستوى الشخصي والمجتمعي. فالفوز بجائزة قد يتيح له فرصة أكبر للتواصل مع جمهور واسع، والحصول على الدعم المادي والمعنوي. لكن من ناحية أخرى، الجوائز ليست بالضرورة مقياسًا أكيدًا لجودة الشعر أو استحقاق الشاعر. فالأدب في الأساس مجال تتنوع فيه الأذواق والمعايير النقدية.
- -في ظل هذه التحولات الحياتية على مستوى العالم هل ما زال الانسان يحتاج الشعر؟
تعود بدايات الشعر إلى فترة غير معروفة، وأول ما وصلنا من الشعر كان قبل 150 سنة قبل الهجرة. استمرار الشعر كل هذه السنوات دليل على حاجة الإنسان للشعر. الشعر طريقة للنظر إلى العالم، وسيلة لفهم العالم، سواء لمنشئه أو لقارئه، الشعر وسيلة لإدراك العالم؛ لذلك يحتاجه الإنسان ليستطيع التعامل مع العالم الذي يعيش فيه، الشعر وسيلة رمزية للتعبير، وللفهم والإدراك. الشعر وسيط رمزي بين الإنسان والعالم، يدخل من خلاله إلى عالم الأشياء، ويفرغ فيها كل شيء حتى يستطيع استيعابه. ليس ذلك فقط، فالشعر ليس مجرد إعادة إنتاج أو محاكاة للواقع، بل هو تشييد وإنشاء وبناء العالم: عالم الإدراكات والمفاهيم، وهذا ما يمنح الفن عموما والشعر خصوصا مكانته الحقيقة في الثقافة الإنسانية. لا يزال الشعر يحتفظ بمكانة خاصة في حياة الإنسان، حتى لو تغيرت صورته واستخداماته، يظل الشعر هو نافذة تتنفس من خلالها المشاعر.
———–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر الضيف فقط.




