أندرو مكافي من معهد ماساتشوستس للتقنية، مؤلف كتاب “المؤسسة 2.0″، يتحدث عن كيف يمكن للتقنية المتطورة، وطوفان البيانات أن يتيحا للشركات أن تصير أكثر ذكاءً، بل أن تتصرف على نحوٍ أكثر ذكاءً أيضًا، وذلك ضمن سلسلة “المؤسسة الذكية الجديدة” التي أطلقتها “سلون مانجمنت ريفيو“.
أندرو مكافي، حاوره: مايكل إس. هوبكنز
من المحرر
لعلّك لا تدري أن بينك وبين جاري كاسباروف قواسم مشتركة أكثر مما تظن، وكذلك منظمتك؛ أي منظمةٍ كان بينها وبين عالم الشطرنج شبهٌ أعظم مما تتخيل.
في عام ١٩٨٥م صار كاسباروف، وهو في الثانية والعشرين، أصغر بطلٍ للعالم في الشطرنج في التاريخ. وعلى مدى العقدين التاليين لم يكن فقط اللاعب الأعلى تصنيفًا في العالم، بل أول بطلٍ يواجه الحواسيب في مباريات علنية متكررة. وفي بداية تلك الحقبة كان هو المنتصر دومًا، ثم في عام ١٩٩٧م خسر كاسباروف أمام الحاسوب الخارق “ديب بلو” التابع لشركة “آي بي إم”. وقبل أن يمضي عقدٌ آخر، ويعتزل كاسباروف، كانت التقنية قد تطورت حتى درجةٍ لم يعد معها قادرًا على هزيمة الحواسيب المتخصصة كشأن “ديب بلو”، بل لم يعد بمقدوره حتى هزيمة برامج الشطرنج الجيدة، العاملة على الخوادم التجارية المتاحة.
يحب أندرو مكافي الباحث في معهد سلون، ومؤلف “المؤسسة 2.0″، هذه القصة كثيرًا، لكن الجزء الأحب إليه منها هو ما يأتي بعدها.
يقول مكافي: “تزداد القصة إثارةً، ويزداد تفاؤلي، أن كاسباروف ذكر أنهم أجروا سلسلة مسابقات سمحوا فيها لأي توليفة من البشر والحواسيب أن تتنافس فيما بينها، ولم تكن التوليفة الفائزة فريقًا من أفضل لاعبي الشطرنج، ولا مجموعة من أسرع الحواسيب ذات القوة العُظمى، بل كان الفائز بعض اللاعبين الجيدين الذين يعملون مع الحواسيب الشخصية. لقد كان هناك امتزاجٌ بديع بين الحدس البشري وقدرة التعرف إلى الأنماط، مدعومة بقوة حسابية كبيرة، وكانت عملية ذلك الفريق في اختيار النقلات أفضل من أعظم الأساتذة، وأسرع الحواسيب على السواء”.
لهذه القصة عبرتان؛ الأولى: كلنا جاري كاسباروف. لقد شهدنا جميعًا ما شهده من قفزات مذهلة في قوة الحوسبة، وسعة تخزين البيانات وسرعة الاتصالات، والتي غيرت عالمه وعالمنا، وأثارت أسئلةً جديدة عن مكانة القادة والمديرين والعاملين في هذا السياق. وإذا أضفنا البعد الرابع في تطور التقنية اليوم؛ أي انتشار المجسات والأجهزة الذكية (العالم الذكي)، فقد بلغنا مع كاسباروف عصر طوفان البيانات؛ إذ صار مقدار ما يمكننا معرفته وتحليله من المعلومات يكاد يتجاوز الإدراك.
ولا ريب أن الشركات لم تستوعب ذلك بعد، فماذا سيعني هذا كله للمنظمات؟ وكيف يمكن إنجاز الأعمال على الوجه الأمثل؟
هنا تبرز العبرة الثانية من قصة الشطرنج؛ فقد أظهرت المسابقات بين التوليفات المختلفة من البشر والآلات أن أفضل طريقة لإنجاز العمل ليست في البشر وحدهم، ولا في الحواسيب وحدها، بل في ابتكار أنظمة تمزج بين مواهب البشر وقدرات الآلات، وتنسق بين هذه العطايا جميعًا.
وهذا التحدي في الابتكار هو ما يثير حماسة مكافي، كما يظهر في الحوار الآتي معه. ولهذا أطلقت “سلون مانجمنت ريفيو” مشروع مركز الابتكار الجديد، بالتعاون مع معهد “آي بي إم” لقيمة الأعمال، تحت عنوان “المؤسسة الذكية الجديدة”.
تهدف “المؤسسة الذكية الجديدة” إلى فهم كيف ستتغير ممارسات الإدارة بفعل الفرص الجديدة في التقاط المعلومات وتحليلها والعمل بموجبها. كيف سيتغير مشهد المنافسة؟ ما التهديدات والفرص التي ستواجهها الشركات؟ أي نماذج أعمال جديدة ستظهر؟ ما الأساليب التنظيمية، والاستراتيجيات التنافسية، وطرائق العمل، وطرائق القيادة التي ستنبثق؟ كيف ستعيد أفضل المنظمات ابتكار ذاتها لتوظيف التقنية والتحليلات في إحراز ميزة تنافسية جديدة؟
وخلال العام المقبل ستجدون في “سلون مانجمنت ريفيو”، وعلى موقعها الإلكتروني، رؤى عن هذه الأسئلة جميعًا في تقارير خاصة ونتائج بحوث استطلاعية ومقالات ومقابلات. وقد بدأنا بالفعل بإجراء مقابلات مع قادة الفكر في أنحاء العالم، من الباحثين والمديرين التنفيذيين على حد سواء. كما أُطلِق أول استطلاع عالمي حول “المؤسسة الذكية الجديدة” لقياس الممارسات الحالية، واستكشاف الخطط المستقبلية، وستُنشر نتائجه بعد أشهر.
وهنا على الموقع، يمكنكم مطالعة مقابلات مختارة مع كبار خبراء معهد سلون حول آثار طوفان البيانات، وتغير التقنية في الإدارة، والتي تشمل صعود التجريب، وتطبيقات جديدة للذكاء الجمعي، وانتشار اتخاذ القرار الموزع، وابتكار التحليلات التوصيفية.
وحوارنا مع أندرو مكافي هو نموذج لما تعد به مبادرة “المؤسسة الذكية الجديدة”. وقد تحدث إلى رئيس تحرير المجلة مايكل إس. هوبكنز.
-لقد صرحتَ بأننا من الناحية التقنية في مكان سريع وغريب. هل تظن أننا نعلم ما ينتظرنا؟
لدينا بعض الإشارات عن موضعنا، وبعض الإشارات عن وجهتنا، لكننا لا نملك أكثر من ذلك.
غير أنَّ أمورًا قليلةً تبدو جليَّةً لا غبارَ عليها، فنحنُ نعلمُ أنَّا نستعينُ بالتقنيةِ لنتواصلَ، بعضُنا مع بعضٍ كبشرٍ، ولنترابطَ ونتآلفَ ونعقدَ جماعاتٍ إنسانيَّة. وهذا هو الظَّاهرُ الذي إذا ما تأمَّلتُه في بواطنِ الشَّركاتِ أسمَّيتُه “المؤسَّسة 2.0″، ويُسمِّيه كثيرٌ من النَّاس “الويب 2.0”.
وأجدُ في هذا الأمرِ باعثًا على الاطمئنانِ في الجملةِ؛ إذ في أعقابِ هذه التِّقنياتِ عظيمةِ القوَّةِ، لا نُهمِّشُ الإنسانَ، بل نجعله في صدارةِ المشهدِ، في قلبِ هذا الرابطِ العظيمِ، ونُتيحُ له أن يتواصلَ ويُشاركَ ما في ذهنه. ولسنا نُقلِّلُ من شأنِ ما في عقولِهم، ولا نسعى لإضعافِ أهميَّته، بل أرى في ذلك سببًا وجيهًا للتفاؤلِ الكبير.
غير أنَّ السُّؤالَ: هل المنظَّماتُ تقتصرُ على أداءِ الأعمالِ القديمةِ بطرائقَ أفضل، أم هي تستغلُّ القدراتِ الجديدةَ لإنجازِ أمورٍ لم يُسبق إليها؟
إنَّه لمن اليسيرِ أن ينصرفَ الفكرُ إلى تحسينِ ما يُزاوَلُ الآن: أسرعَ، أكثر إتقاناً، وأكثرَ انضباطًا وإنتاجيَّةً. وليس في ذلك بأسٌ، بل هو جزءٌ لا يتجزَّأُ ممَّا ينبغي أن تعملهُ المؤسَّساتُ. غير أنَّ العملَ الشَّاقَّ حقًّا هو إدراكُ ما انفتحت عليهِ الآفاقُ من إمكاناتٍ، وما زالَ من قيودٍ بفضلِ هذا الفيضِ من التِّقنيةِ التي نحنُ فيها.
وإنَّه لفنٌّ دقيقٌ خفيٌّ، وأحسبُ أنَّ كثيرًا من الابتكارِ التِّجاريِّ في المستقبلِ سيكونُ على أيدي أناسٍ يقولون: “مهلًا! إنَّا نستطيعُ أن نتناولَ هذا الموقفَ، وهذه المشكلةَ، وهذه الفرصةَ السُّوقيَّةَ، بأسلوبٍ مغايرٍ لما عهدناه من قبل”. ومن أعظمِ التغييراتِ التي أراها قادمةً أنَّه حين يتوفَّرُ هذا الكمُّ الهائلُ من القدرةِ الحاسوبيَّةِ، وجبالُ البياناتِ التي تُسَخَّرُ لها، يغدو المرءُ أكثرَ علميَّةً في الأمورِ، وأشدَّ دقَّةً في التَّحليلِ، ويستطيعُ أن يولِّدَ الفرضيَّاتِ ويختبرَها، ويُجري التَّجاربَ، ويتبنَّى عقليَّةً علميَّةً أصيلةً.
وأرى أنَّ من لم يسعَ إلى أن يُحرِّكَ شركتهُ وقراراتِه في هذا الاتِّجاهِ، فقد فاته خيرٌ كثيرٌ، وعليهِ أن يرجو أنَّ منافسيه لم يسلكوا هذا المسلكَ أيضًا؛ إذ لا ريبَ أنَّ المقارنةَ بين الطَّرائق العلميَّةِ والسابقةِ لها تحسمُ النِّزاعَ دائمًا لصالحِ الأولى.
-فهل تضربُ لنا مثلًا؟
شاهدِ المقطعَ المرئيَّ.
شاهد مقتطفاتٍ من محادثةِ رئيسِ التَّحريرِ مايكل هوبكنز مع أندرو مكافي.
وإليك مثالًا: إذا أنشأتَ نموذجًا بسيطًا لكثيرٍ من القراراتِ الطِّبيَّةِ السَّريريَّةِ، ثم عرضتَ عليهِ جمعًا من المرضى، وعرضتهم كذلك على طبيبٍ خبيرٍ، فإنَّ النَّموذجَ غالبًا ما يُحسنُ التَّشخيصَ، ويُحسِّنُ النَّتائجَ الصِّحيَّةَ.
وإنَّه لأمرٌ يثيرُ الإعجابَ؛ إذ يبدو أنَّ القاعدةَ: إن كان عليكَ أن تختارَ بين الاعتمادِ التَّامِّ على الحدسِ البشريِّ، أو تسليمِ الأمرِ للحاسوبِ ليُخرجَ لك الجوابَ، فقد يكون من الحكمةِ أن تُفوِّضَ الأمرَ للحاسوبِ.
لكنِّي رسمتُ خيارًا موهومًا؛ إذ ليس لزامًا أن تختارَ بين الحدسِ البشريِّ وحدهُ أو الضَّغطِ على زرٍّ، والسَّيرِ بما يُخرجهُ الحاسوبُ، بل تستطيعُ أن تمزجَ بينهما. وما لن يُحسنَهُ الجهازُ هو ما يُسمِّيه بعضُ النَّاسِ “التَّواصلَ المعقَّدَ”.
والتَّحدِّي يكمنُ في تغييرِ كيفيَّةِ اتِّخاذِ القراراتِ المهمَّةِ في المؤسَّساتِ، من الموظَّفِ في الخطِّ الأماميِّ إلى المديرِ المتوسِّطِ إلى رأسِ الهيكلِ الإداريِّ. فالناسُ يظلونَ يتَّخذونَ القراراتِ، لكنَّ الحواسيبَ تُسهِمُ بإخبارِهم إن كانوا يسيرونَ في الاتِّجاهِ غيرِ الصَّحيحِ.
ولكن من اليسيرِ تصوُّرُ كثيرٍ من العوائقِ أمامَ التَّغييرِ الحقيقيِّ في كيفيَّةِ صنعِ القرارِ في المؤسَّساتِ.
إنَّ هذا التَّحوُّلَ نحوَ “المؤسَّسةِ العلميَّةِ” معركةٌ طويلةُ الأمدِ، شاقَّةُ المرتقى. ومن أوجهِ العنتِ أن يُراجَعَ النَّاسُ في قراراتِهم، أو يُدرَجوا في عمليَّةٍ تشاركُهم فيها آلةٌ. وليس من الهيِّنِ أن يصبحَ المرءُ أكثرَ اعتمادًا على البياناتِ، أو أكثرَ إلمامًا بالأرقامِ، أو أن يتَّجهَ اتِّجاهًا كمِّيًّا، أو أن يُدرِكَ ما هي التَّجربةُ والشَّاهدُ والفارقُ الدَّالُّ، فكثيرٌ منَّا لم يُدرَّب على ذلك تدريبًا كافيًا. وغرسُ هذه الفلسفةِ في كيانِ المؤسَّسةِ انتقالٌ طويلُ الأمدِ بطيءُ الخطى.
صحيحٌ أنَّ رجالَ الأعمالِ يتحدَّثون دائمًا عن “التَّجريبِ”، غير أنَّهم لا يعنون التَّجريبَ العلميَّ، بل يقصدون “تجربةَ أشياءَ”.
أو يعنون: “فلنصمِّمْ شيئًا يُثبِتُ ما أريدُ حدوثَهُ هنا”، فيكونُ الأمرُ عمليَّةً تمتدُّ أشهرًا لتُخرِجَ النَّتيجةَ المنشودةَ سلفًا.
وحين ننظرُ في المؤسَّساتِ التي تُجري التَّجاربَ حقًّا، نجدُها تُقبِلُ على الأمرِ بروحِ الانفتاحِ: “لا أعلمُ ما الجوابُ، وهذا ما يُثيرُ الحماسةَ. سأطرحُ أمرًا لأرى أيُقرِّبُنا من الصَّوابِ أم يُبعِدُنا عنهُ، وأبني على ما أستفيدُهُ تجربةً لاحقةً”.
فهل ثمَّةَ خصائصُ بعينِها ينبغي أن تغرسَها الشَّركاتُ لتُحقِّقَ هذا “التَّحوُّلَ العلميَّ”؟
قال ف. سكوت فيتزجيرالد قولًا بديعًا، أظنُّه في كتابهِ “الانهيارُ”، ولستُ أضبطُهُ نصًّا، لكنَّهُ يُشيرُ إلى أنَّ من خصائصِ العقلِ الرَّفيعِ: القدرةَ على الجمعِ بين رأيينِ متناقضينِ في آنٍ واحدٍ، دون أن يفقدَ المرءُ صوابَهُ. وهذا أمرٌ يغدو اليومَ شديدَ الأهميَّةِ في المؤسَّساتِ.
الرأيان المتقابلان، أولًا، إن الشركات في وجوه كثيرة تجد الفرصة لأن تصير أكثر انتظامًا وترتيبًا وضبطًا بوساطة التقنية. فلقد أضحى لدينا من تقنيات إدارة الأعمال ما يحدد بتفصيل عجيب متى يقع الأمر، وما مسار العمل، ومن يقوم بأي عمل، وما الأدوار والمسؤوليات، وما حقوق اتخاذ القرار. وإن كنا قد نعد ذلك ضربًا من إخماد الروح الإنسانية، فهو في الحقيقة ذو قيمة عظيمة. فإن كنتُ مسؤولًا عن منظمة، فأرغب أن يُؤدى ثمن جميع الموردين عندي عبر إجراء موحد متكرر يضمن لهم حقهم، ويمنع الاحتيال، ويقلل فرص الاستغلال إلى أدنى حد.
وفي الوقت ذاته، نستطيع أن نستعمل التقنية لفعل النقيض، وهو أن نرفع أيدينا ونراقب ما يحدث؛ فنترك الناس يختارون أدوارهم بأنفسهم، وما يريدون فعله، ومع من يعملون، وما يودون مشاركته. ونكف عن افتراض علمنا بالصواب، ومن ينبغي أن يُشرك أو يُقصى. وقد رأينا مرارًا أن نتائج حسنة على غير توقع تظهر، وأن ما يحدث من السوء لا يستحق القلق.
-وهذا التباين بين النظامية الصارمة والتنظيم الذاتي، بأي الألفاظ تحب أن تصفه؟
إني أستعمل الأفعال لوصف الفرق بين هذين النهجين. أحد الأفعال هو “يفرض”؛ أي إن من في مركز المنظمة وذروتها يفرضون على سائرها أفكارهم في كيفية إنجاز العمل، فهذا هو مسار الأعمال، وهيكلة المنظمة، وتوزيع الأدوار والمسؤوليات.
أما الفعل الآخر فهو “يظهر”؛ أي أن نخرج من دائرة الفرض بالكلية، ونتأمل ما يظهر، وما يريده الناس فعلًا، وكيف يبتغون استعمال التقنية في تعاونهم.
وهذا بعينه ما جرى في تاريخ “ويكيبيديا”؛ إذ ابتدؤوا بمحاولة فرض مسار عمل لتطوير المقالات الموسوعية، فزهد الناس وابتعدوا. ولم تظهر “ويكيبيديا” التي نعرفها إلا حينما خرج قادتها من وسط العملية، وأطلقوا تقنية جديدة عجيبة، ثم راقبوا ما يكون.
وخلاصة القول.. ينبغي للشركات أن: (١) تغير طرائق اتخاذ القرار، (٢) تغرس العقلية العلمية، (٣) تتأمل ثنائية الفرض والظهور. فهل من مزيد؟
أوضح ما تبين لي من مستقبل الأمور أنه سيكون أشد ازدحامًا مما نحن فيه اليوم في ميدان الأعمال والمنافسة، وأن وتيرة التغير لن تزداد إلا تسارعًا. وقد صرنا أقدر على اكتساب الذكاء بسرعة أكبر. والسؤال: إذا خرجت بفكرة حسنة، فهل تستطيع فرضها على نطاق واسع في منظمتك عبر التقنية؟
وبوصفنا مستهلكين لمنتجات ذلك القطاع، ينبغي أن نفرح لتسارع كل شيء، فسنحصل على منتجات أفضل بوتيرة متزايدة. أما كمنافس، فالأمر أقل راحة؛ إذ يتعين علينا مجاراة هذا الإيقاع، وخوض غماره، أما اعتزال المنافسة فهو رأي فاسد في استراتيجية الأعمال.
ومن أحب ما اقتبست؛ قول نوربرت فينر، ذلك الرجل العجيب الذكي من معهد ماساتشوستس في منتصف القرن العشرين، إذ قال: “إن عالم المستقبل سيكون صراعًا متزايد الشدة مع حدود ذكائنا، لا أرجوحة وادعة نلقي فيها أجسادنا ليخدمنا عبيدنا من الروبوتات”.
فروبوتاتنا تزداد براعة، لكنها لن تجعل الحياة أهدأ وأسهل لأهل الأعمال، بل ستدفعنا إلى حدود الذكاء.
-هل ثمة ما ينبغي للناس أن يصرفوا عنه النظر في أمر التقنية؟
أهم ما أوصي به هو الإعراض عن الاعتماد على “ذوي الرواتب العليا” في الرأي، ولا أذكر من صاغ هذا المختصر (HiPPO) Highest Paid Person’s Opinion، لكنه جميل؛ إذ يعني آراء أصحاب الرواتب المرتفعة، وهم حكماء الأعمال الذين طال عهدهم، ويعتمدون فقط على حدسهم التجاري.
والآن، دعني أُجِبك بإيجابية: ما الذي نشجع القادة عليه في المدى القريب؟ أمران قد ذكرتُهما: تنمية العقلية التحليلية أو العلمية، والتفكير في مدى سهولة أو صعوبة نشرها.
وأسأل خاصة: ما أهم القرارات التي ينبغي اتخاذها في منظمتك؟ على المستوى التكتيكي، وفي الأعمال اليومية المتكررة، ثم على المستوى الدوري والاستراتيجي، فما القرارات المهمة في منظمتك؟ وكيف تتخذونها الآن؟ أتعتمدون فيها على الحدس والتجربة، أم هي دقيقة مدعومة بالبيانات والتجربة؟ وهل نستطيع أن نتخيل نقل مزيد من صناعة القرار إلى مجال العلم؟
لقد قام زملاؤنا في مركز بحوث نظم المعلومات بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بيتر وايل وجين روس، بجهود عظيمة في دراسة البنية التحتية الرقمية لدى المؤسسات الكبرى، فكان الأصل فيها التشتت، والاستثناء هو الاتساق. وأكثر المؤسسات الكبرى متفرقة الأجزاء، وهو ما يعيق قدرة المؤسسة على نشر الأفكار الحسنة في أنحائها جميعًا. فمثلًا، قد تجد الشركة الواحدة تملك ثمانية إصدارات مختلفة من نظام تخطيط موارد المؤسسة نفسه، أحدها في أمريكا اللاتينية، وآخر في البرازيل، وإصدارات أو برامج مختلفة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. فلا تجد للبيانات اتساقًا، ولا لسير العمل أو العمليات التجارية انتظامًا. وإن أبدعت طريقة أفضل لإدارة الأعمال، لم تستطع نشرها على نطاق واسع وسريع كما يكون في بنية تحتية متكاملة.
أما السؤال الأخير: فتصوّر سُلَّمًا من صفر إلى عشرة؛ عند الصفر أناس يستخدمون التقنية لأداء الأعمال القديمة بسرعة ودقة أكبر، وعند العشرة مؤسسة أعادت بناء طرائق عملها كلها لتستفيد من قدرة التقنية على تحويل طرائق التقاط المعلومات وتحليلها والعمل بها، فأين تظن المؤسسات تقع في هذا السلم، في الجملة؟
في كل مؤسسة ذات شأن أعرفها، ثمّة جيوب في الطرف الأعلى من هذا السلم الذي وصفتَه. ثمّة عاملون بالمعرفة، ومديرون يبتكرون ابتكارات عظيمة، والسؤال: كم عدد تلك الجيوب؟ وإلى أي مدى يُستمع إليهم؟
هم موجودون، لكنهم لم يحدثوا أثرًا بالغًا بعد في نظرة المؤسسة إلى نفسها، ولا في طرائقها في إدارة الأعمال.
-وأما في التقييم العام، فأين نقف نحن اليوم؟
في التقييم؟ آه يا صاحبي! نحن عند الدرجة الرابعة تقريبًا.
أنت متفائل؛ فهذا أعلى مما كنت لأظن.
أحسب أن لهذين الأمرين سببين؛ فالإنترنت قد صار أمرًا لا يمكن تجاهله، فالجميع اليوم يملك إنترنت، والجميع يملك منصة داخلية للتواصل. وثورة نظم تخطيط موارد المؤسسات، وثورة البرمجيات المؤسسية، لا يمكن إغفالهما عند المؤسسات الكبرى، فإذا نظرت إلى قدرتهم على تنسيق العمل وتنظيمه اليوم، وقارنتها بما كانت عليه قبل منتصف التسعينيات، وجدت الفرق بين الليل والنهار.
وهذه الأمور تجعلني أرى أننا لسنا في الصفر أو الواحد أو الاثنين. والشركات صارت أكثر تحليلًا في بعض جوانب أعمالها على الأقل. ودائمًا يوجد أناس أذكياء مع حواسيب ضخمة في بعض أركان المؤسسة، يخرجون التحليلات.
فتخيّل الآن أن نضاعف تلك الدرجة من أربعة إلى ثمانية ودعك من فكرة بلوغ العشرة فكم تظن المدة التي نحتاجها حتى نصل إلى هذا الضعف مما نحن عليه اليوم؟
إننا نشرب من فوهة خرطوم ماء، وضغط ذلك الخرطوم يزداد مع الزمان. وللانتقال من أربعة إلى ثمانية، نحن نتحدث عن مدة بين عشر سنين وعشرين سنة، وذلك مع عناء شديد، وتفكير عميق، وصراع مع حدود عقولنا، من قبل القائمين على إدارة المؤسسات وتصميمها.
وإنه لزمان عجيب هذا الذي نحن فيه. وليس من المبالغة القول إن الإنسان، عبر تاريخه كله، كان مقيدًا في قدرته على التواصل، سواء مع فرد أو مع جمهور واسع، كما كان مقيدًا في قدرته على إجراء الحسابات التي تهمه. أما اليوم، فلا تجد إلا قليلًا من الأحوال أو السياقات التي ما زالت تلك القيود فيها قائمة.
ونحن الآن في عالم غريب؛ إذ صار التواصل لا يكلف شيئًا تقريبًا، وصارت لنا قدرة حسابية لا ندري ما نصنع بها، وذاكرة تزيد على حاجتنا، ومساحة تخزين لا نعرف كيف نستثمرها. لم نكن في مثل هذا من قبل! إنه عصر جديد في تاريخ البشر.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




