ترجمة: جود الدهيشي
عندما ينشغل المسوّقون بالمنتج نفسه أكثر من الفوائد التي يقدمها، قد يجدون أنفسهم أمام منافسين جدد، أو يفوّتون فرصًا ذهبية للابتكار. فهل تمنح الفوائد الأولوية التي تستحقها؟
ألين وايس وديبورا ج. ماكينيس
لطالما شدد البروفيسور في كلية هارفارد للأعمال، ثيودور ليفيت، على أهمية التركيز على الفوائد بدلًا من المنتجات، عندما قال مقولته الشهيرة: “العملاء لا يبحثون عن مثقاب بقياس ربع بوصة؛ بل يريدون ببساطة ثقبًا بهذا الحجم”. ورغم وضوح هذه الفكرة، فإن كثيرًا من الشركات لا تزال تغفل عن قوة النهج القائم على الفوائد، الذي يمكن أن يكون مفتاحًا للابتكار، ويعزز رضا العملاء، ويحقق نموًّا مستدامًا.
الفوائد هي القيمة الحقيقية التي تقدمها علامتك التجارية للعملاء، بغض النظر عن كونهم أفرادًا أو شركات، أو عن طبيعة ما تقدمه، سواء كان منتجًا، أو خدمة، أو تجربة؛ فأي منها يساعد العملاء في تحقيق أهدافهم وتخفيف التحديات التي يواجهونها. لذا، التركيز على الفوائد التي يرغب فيها العملاء حقًّا يوفر للشركات طريقًا واضحًا لتصميم منتجاتها وخدماتها وتسويقها وتقديمها، ما يساعدها في تحقيق نمو استراتيجي يتماشى بعمق مع احتياجات عملائها المستهدفين. أما بالنسبة لمديري التسويق، فهذه الاستراتيجية قابلة للتنفيذ بشكل كبير، حيث يمكّن التركيز على فوائد عملاء الشركة من إعادة تقييم جميع قراراتها الاستراتيجية -بما في ذلك تجزئة السوق، واختيار الفئات المستهدفة، وتحديد الموقع التنافسي، وتحليل الشركة والمنافسين، وقرارات التنفيذ، وفرص النمو- من منظور يركز على الفوائد الحقيقية.
لماذا يجب على المسوّقين إعطاء الأولوية لمصلحة العملاء؟
كما أوضحنا في كتابنا “دليل فوائد العلامة التجارية”، لا يدرك بعض قادة التسويق القوة الحقيقية لنهج “الفوائد أولًا”، ما يجعلهم يغفلون عن تأثيره عند تطبيقه بشكل متكامل.
إليكم سبعة أسباب جوهرية تجعل التركيز على فوائد العملاء أولوية لا غنى عنها لنجاح شركتكم:
- تجنب قصر النظر التسويقي. يحدث قصر النظر التسويقي عندما تركز المؤسسات على منتج، أو صناعة، أو قطاع، أو فئة ديموغرافية، بدلًا من التركيز على الفوائد التي يريدها العملاء. على سبيل المثال، تدرك شركة كوكاكولا ذلك جيدًا، لذا تعلن أن هدفها هو “إنعاش العالم”؛ فمن خلال تأكيد أنها تعمل في مجال الإنعاش (تركيز على الفوائد)، بدلًا من كونها مجرد شركة مشروبات غازية (تركيز على المنتج)، فإنها توسع رؤيتها للسوق المحتملة والمنافسين فيها. إليك مثالًا آخر: تعتمد صناعة البحث عبر الإنترنت (مثل محرك جوجل) على التركيز على البحث نفسه، وهو مجرد نشاط. لكن لماذا يبحث الناس؟ للحصول على فائدة الوصول إلى المعلومات. وكما سنناقش بعد قليل، إن “تشات جي بي تي” يوفر هذه الفائدة بالضبط. وإذا لم تركز شركات البحث على التهديد المقبل من المنافسين الجدد في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذين يقدمون الفائدة نفسها، فقد تتعرض للخطر. عندما عملنا مع عميل يطور برمجيات للتحكم في حركة القطارات، سألناه: أتُعدّ شركتك جزءًا من صناعة القطارات أم صناعة النقل؟ الفرق ليس بسيطًا؛ فالقطارات مجرد منتج، لكن النقل هو الفائدة الحقيقية. إذا بدا لك هذا تمييزًا بسيطًا، ففكر في المثال الكلاسيكي لصناعة السِّياط الخاصة بالعربات التي تجرها الخيول، والتي اختفت إلى حد كبير لأنها لم تدرك أنها في مجال النقل، وليس مجرد إنتاج السِّياط. لذا، الشركات التي تركز على فهم الفوائد التي يبحث عنها عملاؤها، وتكون مستعدة لإعادة النظر في ممارساتها، هي الأقل عرضة للانهيار بسبب تطورات السوق.
- تحديد المنافسين المحتملين. يساعد التركيز على الفوائد الشركات في التعرف إلى منافسيها المحتملين. على سبيل المثال؛ مثل معظم شركات التأمين على المنازل، تقدم شركة أولستايت[1] لعملائها فائدة الشعور بالأمان في منازلهم. ولكن ماذا عن رينغ[2]، التي تصنع أجهزة أمان منزلية؛ مثل جرس الباب المزود بكاميرا؟ إنها تقدم الفائدة نفسها بالضبط، حيث نمت سوق كاميرات أجراس الأبواب عالميًّا بسبب ازدياد الاهتمام بالأمان وسلامة الأفراد والعائلات، فهل يمكن أن تنافس أولستايت شركة رينغ مباشرةً من خلال تقديم جرس باب ذكي خاص بها؟ عندما تركز على الفوائد التي يبحث عنها العملاء، تتغير نظرتك إلى المنافسة. قد يأتي التهديد من شركات جديدة أو منتجات بديلة لم تكن في الحسبان، وهو مفهوم أساسي تناوله مايكل بورتر في كتابه الكلاسيكي عن المنافسة.
- استكشاف مسارات النمو من خلال المزايا. يمكن للشركات تحقيق النمو من خلال الاستفادة الذكية من مزايا منتجاتها؛ إما بتوسيع نطاق فائدة معيّنة لتشمل فئات جديدة، وإما بتقديم مزايا مختلفة تلبي احتياجات العملاء. خذ على سبيل المثال آرم آند هامر، التي بدأت كعلامة تجارية لصودا الخبز، ولكن ميزة إزالة الروائح فتحت لها أبواب التوسع إلى مجموعة واسعة من المنتجات التي تعتمد على هذه الخاصية؛ مثل: رمل القطط، ومعطرات جو السيارات، ووسائد تغيير الحفاضات، وأجهزة تنقية الهواء، وحقائب ودلاء الحفاضات، ومنظفات السجاد، ومعجون الأسنان، وغسول الجسم، ومنتجات العناية بالقدمين، وغيرها الكثير. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أسهمت هذه الميزة في عقد شراكات استراتيجية مع علامات تجارية؛ مثل داتش بوي (للدهانات الداخلية)، وهيفتي (لأكياس القمامة)، ما عزز حضورها في أسواق جديدة. تعد إزالة الروائح مثالًا واضحًا على الميزة الوظيفية، وهي المزايا التي تقدم حلولًا عملية تساعد العملاء في التحكم في بيئاتهم. تشمل هذه المزايا الموثوقية والمتانة (توفير الوقت والمال، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالتحكم)، والراحة (جعل الاستخدام أسهل وأكثر كفاءة)، والحماية والأمان (تعزيز الشعور بالاطمئنان والسيطرة)، والمعلومات (تقديم المعرفة والتمكين). وبالتالي، يمكن للشركات تحقيق نمو مستدام من خلال تقديم مزايا وظيفية إضافية، أو تحسين مستويات المزايا الحالية لتتفوق على المنافسين. لا يقتصر تقدير العملاء للعلامات التجارية على المزايا الوظيفية فحسب؛ بل يولون أهمية كبيرة أيضًا للمزايا التجريبية والرمزية؛ فالتجربة تلامس حواسهم وعقولهم ومشاعرهم، ما يثير فيهم إحساسًا بالحماس، والمتعة، والتفاعل، والاسترخاء، أو حتى الدهشة. أما المزايا الرمزية، فهي تعزز لديهم الإحساس بالانتماء والمكانة الاجتماعية والترابط، إلى جانب الشعور بأنهم يتصرفون وفقًا لقيمهم ومبادئهم. على سبيل المثال، تنجح باتاغونيا[3] في استحضار هذه المشاعر، من خلال مخاطبة رغبة عملائها في دعم الاستدامة وحماية البيئة، ما يجعلهم أكثر ارتباطًا بعلامتها التجارية. تغفل كثير من الشركات، حتى عند التفكير في المزايا، عن البعد العاطفي والتجريبي، مكتفية بالتركيز على المزايا الوظيفية فقط. فهل وقعت شركتك في هذا الفخ؟
- تطوير منتجات جديدة. يساعد التركيز على المزايا في تطوير منتجات جديدة، وتعزيز نجاحها في السوق. على سبيل المثال، عندما انتشر تشات جي بي تي على نطاق واسع في نوفمبر 2023م، لم تكن المزايا التقنية التي يقدمها جديدة؛ فقد وُجدت تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة الطبيعية منذ سنوات في منتجات؛ مثل سيري التابعة لشركة أبل، وأليكسا التابعة لشركة أمازون. لكن ما جعل تشات جي بي تي يبرز هو إطلاقه عبر موقع إلكتروني يروج لمزاياه الوظيفية؛ مثل سهولة الاستخدام، وزيادة الإنتاجية، والتفاعل الشبيه بالبشر. لكن على الرغم من ذلك، لا يزال قطاع الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى تعزيز البعد الرمزي للمنتج، خصوصًا فيما يتعلق بالمسؤولية الاجتماعية، وهي مسألة يطالب بها كثير من الأشخاص. وفقًا لمسح مقياس إيدلمان للثقة عام 2024م، فإن معظم الأمريكيين الذين لا يتحمسون لانتشار الذكاء الاصطناعي، يُعزون ذلك إلى مخاوفهم من آثاره المحتملة في المجتمع والأفراد. ولتقليل هذه المخاوف، ينبغي للصناعة معالجة قضايا المسؤولية الاجتماعية بشكل أكثر فاعلية. عندما أُطلق هاتف “آيفون”، قدّم خدمة هاتفية موثوقة تمامًا مثل منافسه الرئيس آنذاك؛ هاتف بلاك بيري، لكن ما منح شركة أبل التفوق هو تركيزها على تقديم الفوائد التي يبحث عنها العملاء، ثم دعمها بميزات وخصائص تعزز تلك الفوائد. من بين هذه الفوائد، كان التصميم الأنيق للجهاز والمتاجر تجربة بصرية ممتعة، وسهولة الاستخدام التي جعلت التكنولوجيا في متناول الجميع، والشعور بالتميز والحداثة الذي رافق امتلاك الجهاز. وبالتأكيد، لم يكن توافق آيفون مع منظومة تطبيقات أبل المتكاملة سوى إضافة أخرى عززت مكانته وجاذبيته.
- فهم الصدمات والاتجاهات. يجب إدراك أن الصدمات هي أحداث تؤثر في ما يريده العملاء من فوائد، أو في مدى أهميتها بالنسبة لهم. تشبه هذه الصدمات الزلازل، إذ تُحدث اضطرابات تهز الواقع الراهن. فعلى سبيل المثال، قلبت جائحة كوفيد-19 موازين الاهتمامات، حيث أصبحت بعض الفوائد التي لم تكن ذات أهمية كبيرة، أكثر ضرورة. خذ فائدة التوصيل السريع كمثال: كانت شركات مثل أمازون في موقع مثالي لتلبية هذا الطلب المزداد. في المقابل، وجدت المطاعم نفسها في موقف صعب؛ فقد أصبح العملاء أكثر اهتمامًا بعوامل مثل الراحة (إيصال الوجبات إلى المنازل)، والسلامة (التسلم من السيارة والتوصيل من دون تلامس). استطاع البعض التكيف سريعًا والبقاء في المنافسة، في حين خرج آخرون من السباق.
- مساعدة الشركات ماليًّا. عندما تقدم الشركات الفوائد الوظيفية والتجريبية والرمزية التي يبحث عنها العملاء، فإنهم يصبحون أكثر ولاءً للعلامة التجارية، وأكثر استعدادًا للدفاع عنها. هذا الولاء ينعكس إيجابيًّا على التكاليف والإيرادات؛ إذ تقل نفقات استقطاب العملاء الجدد عندما يكون لديهم بالفعل ارتباط قوي بالعلامة التجارية. كما أن العملاء المخلصين يسهمون في الترويج للعلامة؛ من خلال التوصيات الشفوية الإيجابية، ما يوفر على الشركة تكاليف التسويق؛ بل إنهم قد يؤجلون شراءهم حتى يصبح المنتج متاحًا مجددًا، بدلًا من التحول إلى علامة تجارية أخرى.
- تعزيز الكفاءات الأساسية لتحقيق التميز. إن التركيز على ما يحتاج إليه العملاء لا يقتصر فقط على تحسين تجربتهم؛ بل يمتد ليصبح ركيزة أساسية في بناء الكفاءات الجوهرية للمؤسسة؛ فهذه الكفاءات تمنح العلامة التجارية هوية فريدة تميزها من المنافسين، وتساعد في خفض التكاليف بشكل يفوق قدرتهم، ما يمنح المؤسسة تفوقًا تنافسيًّا. وكما أشار غاري هامل في مقاله الرائد، فإن المعيار الحقيقي للكفاءات الأساسية يكمن في مدى قدرتها على إثراء القيمة التي يدركها العملاء في المنتج النهائي.
أسئلة جوهرية لقياس التركيز على فوائد العملاء
ولكل هذه الأسباب، ينبغي أن يكون التركيز على فوائد العملاء، أولوية قصوى في قرارات التسويق والإدارة؛ فهو يشكل عدسة استراتيجية لفهم كيفية تحقيق النمو، وتحديد موقع العلامات التجارية في الأسواق التنافسية، والتواصل الفعّال مع العملاء في جميع نقاط التفاعل، سواء في أثناء بحثهم عن المعلومات أو عند تلقيهم رسائل الولاء.
إليك بعض الأسئلة الجوهرية التي يجب أن تطرحها مؤسستك حول منظورها لفوائد العملاء:
- هل تضع شركتك العملاء والفوائد التي يبحثون عنها في صميم قراراتها الاستراتيجية (مثل التجزئة، والاستهداف، وتحديد الموقع السوقي)، وقراراتها التسويقية التكتيكية (مثل الاتصالات التسويقية عبر جميع نقاط التفاعل مع العملاء)؟
- هل حددت شركتك الفوائد الحاسمة التي تؤثر في قرارات العملاء، وتزيد من رضاهم وولائهم، ما يسهم في تحقيق مكاسب مالية للشركة؟
- هل أخذت في الحسبان الصناعات الأخرى التي قد تشكل منافسة لك (كبدائل أو لاعبين جدد) بناءً على الفوائد التي تقدمها؟
- كيف يمكن لتعزيز مستوى الفوائد التي تقدمها علامتك التجارية، أو إضافة فوائد جديدة (وظيفية، أو تجريبية، أو رمزية) أن يمنحها ميزة تنافسية ويسهم في نموها؟
نحن نؤمن بأن الشركات لديها رغبة فطرية في التركيز على العملاء، وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هي التركيز على الفوائد التي يسعون إليها.
نُبذة عن المؤلفين
آلن وايس؛ أستاذ فخري في كلية مارشال للأعمال بجامعة جنوب كاليفورنيا، وديبورا ج. ماكينيس؛ هي أيضًا أستاذة فخرية في كلية مارشال للأعمال. وهما مؤلفا كتاب “دليل فوائد العلامة التجارية: لماذا لا يشتري العملاء ما تبيعه – وماذا تفعل حيال ذلك” — – (منشورات بنبيلا، 2024م).
[1] هي ثاني أكبر شركة تأمين شخصية في الولايات المتحدة الأمريكية.
[2] Ring LCC = هي شركة مصنعة لأجهزة الأمن المنزلي وأجهزة المنزل الذكي المملوكة لشركة أمازون.
[3] شركة ملابس أمريكية، وتدير متاجر في أكثر من 10 دول حول العالم.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




