مقالات

المعاناةُ رغبةٌ في التغيير، أو مقاومته.

نيكلاس غوك - ترجمة بيان المعبدي - مراجعة: إبراهيم الكلثم

أهدت امرأة زوجها طبقًا زاهي الزخارف، وكان الزوج ممن يتاجر بالتحف العتيقة؛ فكان كل يوم في متجره يأكل الغداء في طبقه الزاهي. بعد فترة ليست ببعيدة توفت زوجته، فُجع الرجل بوفاتها وحزن حزنًا شديدًا، ولكن مع ذلك مازال يأكل في ذات الطبق يوميًا. في تلك الليلة – المشؤومة- وقعَ الطبق وانكسر إلى أجزاء صغيرة ووقع مع الطبق قلبُ الرجل. خاطبه أحد الباعة قائلًا: «أعرفُ رجلًا قد يعلمك كيف تصلح ما انكسر من طبقك ولكنه يعيش بعيدًا عن هنا».

ذهب الرجل باحثًا عن صانع الأطباق. وبعد سنة من السفر، وجد ما يبحث عنه. ساعد صانع الأطباق الرجل في إعادة تجميع القطع المكسورة وعاد الرجل لوطنه مسرورًا. ولكن الطبق لم يُعد كما كان. في يومٍ آخر، وقع الطبق ثانيةً وانخدش قلبُ الرجل، لكنه كان متعبًا ولم يقدر على السفر مرة أخرى.

أخبره بائع آخر إنه يعرف شخصًا يصنع أطباقًا شبيهة بهذه، وهو يعرض بضاعته في السوق. خرج الرجل فرحًا لعدم حاجته إلى السفر بعيدًا، وذهب واشترى طبقًا مشابهًا.

في بداية الأمر كان الرجل سعيدًا ومع ذلك لم يشعر قط بالانتماء لهذا الطبق. وفي يوم من الأيام، انكسر الطبق مجددًا.

في هذه الأثناء مرّ عابر سبيل ونظر لفتات الطبق قائلًا: «كم أنت محظوظ! لقد كان طبقًا وحسب».

هذه الكلمات الخفيفة كانت بمثابة مصباح أنار حياته.

المعاناة هي أولى الحقائق النبيلة الأربع في البوذية ويسمونها «dukkha – الدوكخا -» ولها العديد من التعاريف؛ منها الألم والهلع والأسى والإجهاد والسخط والبؤس. أعتقد أن أسهل مفهوم يحتل عالمنا الحديث هو التعاسة.

معاناتنا ليست جسدية، على الأقل ليست دائمًا كذلك. بل هي إن صحّ القول عاطفية. بطريقة أو بأخرى، لا تسير الأمور كما نشاء، ونواجه ألمًا عاطفيًا جراء ذلك. هذا الألم لم يكن عشوائي أبدًا بل نحنُ من نحمل أنفسنا مالا تحتمل؛ وهذه هي العبرة من القصة المذكورة آنفًا.

مَردُّ كلّ معاناةِ البشرِ إما مقاومة التغيير، أو الرغبة فيه.

إن أراد التغيير أن يؤثّر فينا ورفضناه؛ سنعاني، وإن تمنينا التغيير ولم يقع؛ سنعاني.

مثل ما حدث للرجل في القصة السابقة، نتعارك مع أمواج الحياة بدلًا من ركوبها، وفي كل مرة تجرفنا بعيدًا نخاف ونبكي. نقطع رحلات رمزية رغبةً في حِفظ ما لا يُحفظ، وتغيير مالا قدرة لنا على تغييره.

لقد تمسّك الرجل بطبق زوجته لأنه منحه شعورًا بالديمومة في عالم لا يدوم؛ لقد قاوم التغيير. وعند انكسار الطبق، حدثَ التغيير عنوةً وهذا ما صبّ زيتًا في نار معاناته.

كان سلوكه للطريق الطويل لأجل إصلاح طبقه أو استبداله ليس إلا تطويلًا لمعركته، ولكنه في كل مرة يظفر بما يريد، يدرك بأن الطبق لم يعد طبقه القديم، وأن حس الديمومة لم يستعاد. ثمّة شيء غريب دائمًا في محاولاته هذه. وحين كفّ عن مواصلة القتال، وأشار عابر غريب إلى عبث محاولاته، استطاع أن يرى بوضوح أن طريق الخلاص الوحيد هو القبول.

كُلّ ما في الحياة عابر؛ فكل إنسان، وحيوان، وبناء، ونبات، وجماد؛ كل عنصر، كل ذرة، كل هباءة ليست إلّا مسافر متناهي الصغر يقطع مسافة قصيرة في رحلة كونية طويلة هي أكبر من كل أجزائها.

لا شيء يدوم؛ ولا يقتصر ذلك على الأشياء المادية، بل حتى الأشياء غير الملموسة؛ المشاعر تتغير، والعلاقات تنتهي، والتوجهات والآراء تنمو وتتبدل. إن مشاعرنا، وأفكارنا، وآراءنا؛ تتموّج مع تغييرات حياتنا وقد تنتهي في الطرف المقابل من الطرف الذي بدأت منه. تنهار المدن. تنقلب الأحوال. يموت الناس.

كل ما نملكه لا يدوم، ويبعث ذلك على الكآبة، ونادرًا ما نتحكم بالأمور حين يقع التغيير. قد نرغب في أمرٍ  ما بشدة، ولكن جُلّ ما نستطيع فعله هو بذل الأفضل وترقب النتائج المرجوة. فكلّما تعلّقنا، هيّأنا شروط معاناتنا، والأجدر لنا أن نساير الريح، لا أن نتعارك معها.

قال «بروس لي» مرةً لو نتمعن أشد الأشجار صلابة لوجدناها سهلة القطع في حين أن الصفصاف والخيزران ينجو بانحنائه مع الرياح.

يُمارس القبول كأسلوب حياة في الديانة البوذية. ويعد القبول هو الطريقة الوحيدة القادرة على مساعدة البشر في تخطي مصاعب الحياة لأن التغيير هو الثابت الوحيد في الحياة. يأتي التغيير على حين غرة وليس بمقدورنا سوى استقباله، وهذا ينطبق على كل جوانب الحياة؛ الجوهري منها والعرضي.

لم يكن نومك مريحًا اليوم؟ عملك الجديد ممل؟ نسيت ركوب الحافلة؟ تُوفي جدك؟ لا بأس امضي في الحياة وتقبل كل ما حدث.

بالطبع هذا لا يعني أن تتقبل الأحداث بسهولة وتمضي في هذه الدنيا سريعًا، ولكن أن تتعلم كيف توازن بينهما -أي القبول والمقاومة-. تقبّل دوام الزوال، وتقبّل حدوث التغييرات غير المريحة في أوقات غريبة، وحينها ستتلاشى المعاناة.

في نهاية اليوم، لا تنسى كم أنت محظوظ لأنك ماتزال على قيد الحياة، وكل ما حدث لك كان مجرد طبق مكسور ليس إلا.

 

 


المصدر

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق