ترجمة: بندر التليدي
يمكن أن يؤدي التعمد في اتباع نهج الفرصة الثانية في التوظيف إلى تنويع القوى العاملة وتعزيز النمو الاقتصادي في ظل نقص العمالة.
بقلم: بين كمينغ
اختار المسؤولون في الولايات المتحدة الأمريكية شهر أبريل/ نيسان وسمّوه (شهر الفرصة الثانية)، اعترافًا بأهمية دعم السجناء، والحرص على دمجهم من جديد في المجتمع وانخراطهم مع القوى العاملة بعد سجنهم. وفي خضم النقص المستمر في القوى العاملة، فإن الفائدة المرجوة من دعم هؤلاء الأفراد صارت أهم وأعظم مما مضى.
مع تعافي الاقتصاد الأمريكي من الركود الناجم عن جائحة كوفيد-١٩، يتهافت أرباب العمل لشغل ما يقرب من ١٠ ملايين وظيفة شاغرة، في حين أن هناك أكثر من ٧٠ مليون أمريكي بالغ ذي سوابق جنائية (أي شخص من كل ثلاثة) باختلاف نوع الجريمة، مما يعوق تحقيق عملية التوظيف ويحد من إمكانية تنفيذها. تتطلع الشركات الكبيرة والصغيرة وتتسابق للاستفادة من القوى العاملة الذين تأثروا بالسجن والأحكام القضائية، بغرض تلبية الطلب المتزايد، وكذلك الحرص على استيعاب الكل. بعد مقتل جورج فلويد عام ٢٠٢٠م، كانت هناك محاسبة وتقييم مستمر للنظام القضائي الأمريكي، وما زال بالإمكان مكافحة الظلم البيّن الذي ينتج عن السجن الجماعي. مساعدة أصحاب الجرائم السابقة على حسن التواصل وتحقيق رغباتهم الوظيفية وسيلة لتحقيق غايتين معًا.
قد تتيح هذه الجهود الفرصة لأرباب العمل للتعرف إلى مواهب متنوعة لم يستفَد من قدراتها وطاقاتها، ففي الولايات المتحدة، يتوقع أن يُسجن رجل واحد من بين كل أربعة رجال سود، مما يعني قلة انخراط الرجال السود في القوى العاملة مقارنة بنظرائهم. وقد تُسهم مساعدة أصحاب السوابق الإجرامية للانضمام إلى القوى العاملة في مكافحة التمييز العرقي بالولايات المتحدة، والوفاء بالالتزامات والتعهدات العامة بالإدماج والعدالة الاجتماعية، وبناء مجتمعات أكثر أمانًا.
بيّنت الأبحاث أن الوظائف الحسنة عاملٌ حاسم للحد من معدلات الإجرام مرةً أخرى؛ فإذا لم يعمل السجناء بعد شهرين من دخولهم السجن، فقد تتضاعف عودتهم للإجرام، وكذلك أشار البحث إلى أن الموظفين المتأثرين بالنظام القضائي يطيلون البقاء في وظائفهم، ولا يسرعون بمغادرتها مقارنة بغيرهم، مما يساعد الشركات على توفير رسوم التوظيف وخفض تكاليفها. وعلاوة على ذلك، أفاد ٨٥٪ من مديري الموارد البشرية، بأن أداء الموظفين الذين أعطوا فرصة أخرى يماثل أو يفْضُل أداء من ليس له سجل جنائي من الموظفين، مما يشير إلى أن توظيف من سُجِن قد يعزز الإنتاجية داخل الشركات.
يتّبع أرباب العمل تدابير مختلفة لزيادة فرص توظيف الأشخاص الذين تأثروا بالسجن والمحاكمات، فالشركات التي تعتمد أسلوب الفرصة الثانية للتوظيف، وتغيّر من إجراءات طلبات التوظيف والمقابلات الشخصية لمراعاة هؤلاء الأفراد، تستطيع استقطاب هذه الفئة المهمشة واحتواءها. اعتمدت شركات مثل (وولمارت) و(جي. بي. مورغان تشيس) و(هوم ديبو) مثل هذه الإجراءات وجنت فوائدها.[1] ومما ذكره جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لشركة (جي. بي. مورغان) أن “منح فرصة ثانية يشعر الناس بالكرامة ويعينهم لإعالة أسرهم، ويساعد شركتنا وغيرها في زيادة عدد الموظفين وضمان حصولنا على أفضل المواهب”.
خطت بعض الشركات خطوات أبعد؛ فتعاونت مع منظمات أخرى لتوفير وظائف مجدية للأفراد الأكثر عرضة للسجن، فمثلًا، أعلنت منظمة (مبادرة الأعمال المسؤولة لتحقيق العدالة)[2]، وهي منظمة دولية غير ربحية، في العام الماضي، عن برنامج (دعم الفرص والإمكانيات)[3]، وهو برنامج توظيف ممول من شركة (وولمارت) بالتعاون مع كبار أرباب العمل، بما في ذلك شركات (طيران دلتا)، و(بِنْ آند جيري)، و(أوتوزون)،[4] لتوفير وظائف مجدية للشباب المعرضين للخطر. ساعد البرنامج الشركات في التخفيف من العواقب الدائمة المترتبة على السجل الجنائي للأفراد، ومسح السجل الجنائي بمنع تدخل النظام القضائي قبل كل شيء.
هناك نتائج حسنة، غير أنه لا بد من تغيير منهجي متّزن ومستمر لتجاوز الحواجز التي تحول دون توظيف أصحاب السوابق الجنائية. تستفيد الشركات من نفوذها لدفع عجلة الإصلاح باتباع تدابير مختلفة، كتشريع شهادة خلو السوابق، الذي يصادق على السجلات الجنائية المؤهلة بعد مضي فترة معينة.
يحرص المشرعون على كسب رأي ودعم المواطنين أكثر من حرص أصحاب العمل والمستثمرين، فقد كشف مقياس (إيدلمان) للثقة[5] لعام ٢٠٢٢م، أن الناس يثقون أكثر بالشركات مقارنة بالحكومة أو وسائل الإعلام، ويمكن للشركات تشجيع المشرعين على إعطاء الأولوية لهذه القضايا بالدعم العلني لجهود التشريع. ففي ولاية كولورادو، اجتمعت أكثر من ٣٠ شركة في مايو ٢٠٢٢م لدعم قانون السجل الجنائي النظيف، بنشر وتوقيع بيانات عامة وإجراء مؤتمرات صحفية وتفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي ومقالات رأي، وبفضل بعض هذه الجهود، تحول المشروع لقانون، مما فرّج عن نحو ١.٣ مليون شخص في جميع أنحاء الولاية.
تجاوز ما يعوق أمر تبني المواهب المتأثرة بالقضايا الجنائية
لا تزال هناك عوائق تمنع الشركات من منح الأشخاص فرصة ثانية لتوظيفهم، فتشير أبحاث منظمة (مبادرة الأعمال المسؤولة لتحقيق العدالة) إلى أن هناك ثلاث عقبات رئيسة؛ أولها، قد يفتقر المرشحون إلى المهارات اللازمة (مثل الإلمام بالمهارات الرقمية)، وثانيها، قد لا يتمكن أصحاب العمل من تحديد المرشحين المعنيين لشغل الوظائف الشاغرة، وثالثها، قد تكون لدى الشركات إجراءات داخلية معقدة أو تغييرات ضرورية في السياسات. يكمن الحل للتحديات الثلاثة في موضوع الشراكة مع المنظمات المجتمعية والمنظمات غير الربحية المتخصصة في تنمية القوى العاملة، واللتين تعملان مع هذه الشريحة من القوى العاملة، وبهذا يمكن للشركات التعرف إلى الموظفين المؤهلين ذوي الجودة العالية، وتصميم التدريب والمساعدة الفنية اللازمة لتعديل البنى التحتية للتوظيف.
قد تنتج عن هذه الشراكات فرص ثمينة لتبادل الخبرات بين الموظفين، حيث يمكن لأصحاب العمل المهتمين التعلم من أولئك الذين نفّذوا برامج الفرص الثانية. من بين البرامج المصممة لتلبية مثل هذه الاحتياجات؛ برنامج (دعم الفرص والإمكانيات). تشتغل منظمة (بيرسيفير) الوطنية غير الربحية،[6] التي شاركت في تأسيس هذا البرنامج، مع (مبادرة الأعمال المسؤولة لتحقيق العدالة)، بالتنسيق بين أصحاب العمل المشاركين والمنظمات المجتمعية لتحديد المواهب، وضمان حصول الموظفين على الخدمات الشاملة التي يحتاجونها من أجل النجاح في رحلة توظيفهم.
غالبًا ما تتردد الشركات في دعم الحركات الإصلاحية بسبب ثلاثة مخاوف مركزية: الجهل بكيفية المشاركة والنقاش وتوقيتهما، والاحتراس من الانخراط في القضايا ذات البعد السياسي، والخوف من أن تُعرَف بين الناس بأنها شركات وظيفية تؤدي غرضًا ما. عقب مقتل جورج فلويد، نشرت آلاف الشركات خطابات داعمة، غير أن صدى تلك الخطابات وامتعاض الناس منها وشجبها، عرّى صدق تلك الشركات وكشف نواياها، ولذا أحجمت الشركات عن التحدث علنًا عن قضايا العدالة. اشتغلت الشركات بهذه القضايا وتعاونت مع منظمات الحملات الميدانية، مما زوّد الشركات بالمعلومات الضرورية وزاد من معرفتها الدقيقة التي تسمح لها بالتحدث بأمانة وصدق، وتجنبها الخطأ والزلل، كما تساعد المنظمات الشركات في تحييد أي تأثير سياسي غير مرغوب بتأطير الإصلاحات المقترحة وتبيين أغراضها، وتعريفها بحلول منطقية تحظى بدعم طرفي النزاع، مما يمكّن الشركات من تسخير رأسي مالها السياسي والاجتماعي لتغيير حقيقي وتقويض ما يمنع القوى العاملة والأشخاص المتأثرين بالقضايا الجنائية عن العمل.
جنت الشركات ثمار هذه المساعي واستفادت منها كثيرًا؛ فجهات التوظيف التي تمنح فرصة ثانية للموظفين استفادت من وفرة المواهب وتنوعها وكثرتها وتعدد مشاربها، مما سدّ حاجتهم وأعانهم على دعم أعمالهم، كما أن جودة هؤلاء الموظفين تحقق عوائد مالية؛ فقد صرّح سكوت سفينسون، مؤسس سلسلة مطاعم البيتزا (مود بيتزا)[7] عام ٢٠٢٢م، بأن شركته استنتجت أن “الموظفين الذين تعرضوا لقضايا جنائية أعضاء مخلصون ومنتجون في الفريق، وذوو عزيمة وصبر وجَلَد؛ وهي صفات لها قدرها عند الشركة، مما قلّل من معدلات الاستقالة وترك العمل، وزاد من معدلات استبقاء الموظفين ومعدلات الترقية داخل الشركة، الأمر الذي وفّر آلاف الأموال المصروفة في التوظيف والتدريب”.
كان لقرار تشريع السجل الجنائي النظيف في ١٠ ولايات فوائد جمّة؛ منها: زيادة معدلات التوظيف، وزيادة الأرباح، وانخفاض معدلات العودة إلى الإجرام. مثلًا، وجد الباحثون في جامعة (ميشيغان) أنه بعد مرور عام على مسح السجلات الجنائية، من المرجح أن تزداد فرص توظيف الأشخاص بنسبة ١١٪، وأن يكسبوا أجورًا أعلى بما معدله ٢٢٪ مقارنة بغيرهم.
خلاصة الكلام: ليس غريبًا أن تذكر استطلاعات الرأي الصادرة حديثًا أن ٨٠٪ من الشركات الصغيرة تعتقد أن سياسات السجل النظيف ستشرع الأبواب للمتقدمين للوظائف، وتزيد من إنتاجية القوى العاملة وتنوعها، وتوفر أموال الضرائب؛ فالمنافع من تلك المواهب عديدة وجلية، والشركات في أمسّ الحاجة لها، والشراكات هي المفتاح لإطلاق العنان لهذه المواهب المتأثرة بالجنايات والمحاكمات.
مواضيع مشابهة:
القيادة، والمسؤولية الاجتماعية، ومسؤوليات الشركات الاجتماعية، والعدالة، والاحتواء والشمولية.
تعريف بالكاتب:
بين كمينغ؛ مدير العلاقات والاتصال بمنظمة (مبادرة الأعمال المسؤولة لتحقيق العدالة)، كما أسهم في التوجيه والإرشاد لفريق إداري من الخبراء في مسائل التخطيط الاستراتيجي غير الربحي والإدارة والتنمية. يشرف ويدير مجلس الأمناء لجمعيات خيرية مثل: صوت الشباب ومكافحة الفقر،[8] كما نشر في مجلات متعددة مثل: مجلة العلاقات العامة الأسبوعية، ومجلة القادة الحقيقيين، والتلغراف.[9]
[1] Walmart, JPMorgan Chase and The Home Depot.
[2] Responsible Business Initiative for Justice (RBIJ).
[3] Unlock Potential.
[4] Delta Air Lines, Ben & Jerry’s and AutoZone.
[5] Edelman Trust Barometer.
[6] Persevere.
[7] MOD Pizza.
[8] Youth Voice Trust and Action on Poverty.
[9] PRWeek, Real Leaders and The Telegraph.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




