المفارقة: إن معرفتنا بمصادر القيمة في الاقتصاد اليوم أقل مما كانت عليه قبل خمسة وعشرين عامًا.
إريك برينجولفسون وآدم ساوندرز
نرى تأثير عصر المعلومات في كل مكان، إلا في إحصاءات الناتج المحلي الإجمالي (GDP). يستخدم عدد أكبر من الناس اليوم مواقع مثل ويكيبيديا (Wikipedia)، وفيسبوك (Facebook)، وكريغزلست (Craigslist)، وباندورا (Pandora)، وهولو (Hulu)، وغوغل (Google)، أكثر من أي وقت مضى. وتُقدَّم آلاف السلع والخدمات المعلوماتية الجديدة كل عام. ومع ذلك، ووفقًا للإحصاءات الرسمية للناتج المحلي الإجمالي، فإن قطاع المعلومات (ويشمل البرمجيات، والنشر، وصناعة الأفلام وتسجيل الصوت، والبث، والاتصالات، وخدمات معالجة المعلومات والبيانات) يشكل تقريبًا النسبة نفسها من الاقتصاد التي كان عليها قبل خمسة وعشرين عامًا؛ أي نحو 4%. كيف يكون ذلك ممكنًا؟ أليست لدينا اليوم إمكانية وصول إلى المعلومات أكثر من أي وقت مضى؟
الجواب لا يتعلق بالكمية؛ بل بالسعر؛ فالوحدات الرقمية (bits) التي تشكل سلع المعلومات اليوم، تحل محل الذرات التي كانت تشكل الموسوعات، وقاعات السينما، وأقراص الموسيقا، والصحف الورقية في الأمس. قد تُحدَّث المعلومات على الإنترنت كل دقيقة، وتكون متاحة في معظم أنحاء العالم، لكن سعرها غالبًا ما يكون أقل بكثير من نظيرها المادي، إن وُجد لها سعر أصلًا.
تجسد صناعة التسجيلات الموسيقية هذا الاتجاه. ففي السنوات الأخيرة، تحول المستهلكون بشكل كبير من شراء الموسيقا عبر الوسائط المادية مثل الأقراص المدمجة (CDs)، إلى المصادر الرقمية مثل آيتونز (iTunes) (انظر “التحول الرقمي”). لقد غيّر المستهلكون عاداتهم الشرائية، فاشتروا وحدات مادية أقل (أقراص مدمجة أو أشرطة كاسيت أو أسطوانات فينيل)؛ لذا فقد انخفضت المبيعات من أكثر من 800 مليون وحدة في عام 2004م، إلى 400 مليون وحدة فقط في عام 2008م. قارن ذلك بالزيادة الهائلة في تنزيل الأغاني الرقمية المدفوعة. ففي عام 2008م، شُرِيت أكثر من مليار أغنية رقمية فردية في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أكثر من 50 مليون ألبوم رقمي. أما عدد الأغاني التي نُزِّلت بشكل غير قانوني، فهو أكبر من ذلك بكثير، وإن لم يظهر في إحصاءاتنا. ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه الزيادة في عدد الوحدات إلى ارتفاع الإيرادات، بل حدث العكس تمامًا، فقد انخفضت الإيرادات الإجمالية لشركات التسجيلات من مبيعات الأغاني؛ من أكثر من 12.3 مليار دولار في عام 2004م، إلى 7.4 مليارات دولار في عام 2008م؛ أي انخفاض بنسبة 40%. وحتى إذا أضفنا مبيعات الموسيقا الرقمية عبر الهواتف المحمولة (بما في ذلك نغمات الرنين)، والاشتراكات من خدمات مثل نابستر (Napster Inc)، أو خدمة “ريال نيتورك” (Real Network Inc) المسماة “رابسودي” (Rhapsody)، والإتاوات الرقمية المدفوعة من قبل باندورا ميديا (Pandora Media Inc) وغيرها، فإن المجموع الرقمي لا يتجاوز 2.7 مليار دولار، ليصبح الإجمالي الكلي 8.5 مليارات دولار؛ أي أقل بنسبة 30% مما كان عليه في عام 2004م. إن صناعة التسجيلات الموسيقية تختفي من إحصاءات الناتج المحلي الإجمالي. فهل توقف الناس عن الاستماع إلى الموسيقا؟ بالتأكيد لا. لكن الناتج المحلي الإجمالي هو مقياس للقيمة السوقية الحالية للإنتاج. فإذا استمعت إلى أغنية مجانية، فليس هناك تقريبًا أي مساهمة للناتج المحلي الإجمالي (ربما بضعة أجزاء من السنت مقابل الكهرباء المستخدمة). وينطبق منطق اقتصادي مشابه على قراءة صحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times) عبر الإنترنت. أما إذا اشتريت الصحيفة نفسها من كشك الجرائد، فإنك تضيف دولارين إلى الناتج المحلي الإجمالي، سواء أقرأتها أم لا. أما عمليات البحث التي تجريها عبر غوغل، والمقالات التي تقرؤها في ويكيبيديا، والصور التي تضحكك في فيسبوك، فلا تؤثر مباشرة في الناتج المحلي الإجمالي، والسبب البسيط أن أسعارها السوقية -أي ما تدفعه مقابلها- هي صفر. لكن هذا لا يعني أنها بلا قيمة.
إن مفارقة عصر المعلومات تكمن في أننا نعرف عن مصادر القيمة في الاقتصاد اليوم، أقل مما كنا نعرفه قبل خمسة وعشرين عامًا. فالناتج المحلي الإجمالي مقياس أدق للقيمة في الصناعات التقليدية كالفولاذ أو السيارات مقارنةً بالصناعات المعتمدة على تكنولوجيا المعلومات، وقد يغفل معظم القيمة الكامنة في السلع المعتمدة على تكنولوجيا المعلومات. ومع ذلك، هناك مقياس واحد فكر فيه الاقتصاديون لعقود، قد يساعدنا في تحديد قيمة هذه الابتكارات: فائض المستهلك (consumer surplus). وفائض المستهلك هو الفائدة الصافية الإجمالية التي يحصل عليها المستهلكون من استخدام سلعة، أو خدمة، بعد خصم السعر المدفوع. وعلى الرغم من صعوبة قياسه مباشرة، يمكن للاقتصاديين استنتاج فائض المستهلك من خلال تجارب التسعير المستندة إلى بيانات الشراء، أو التجارب المخبرية، أو الاستبانات. وقد يكون فائض المستهلك هائلًا حتى -بل خصوصًا- إذا كان السعر منخفضًا أو صفرًا.
لنعد إلى صناعة التسجيلات الموسيقية. لنفترض أن غالبية قيمة القرص المدمج بالنسبة لمعظم الناس، تأتي من ثلاث أغنيات مفضلة لديهم. هؤلاء المستهلكون سيستفيدون أكثر بكثير إذا دفعوا ثلاثة دولارات فقط، مقابل تلك الأغاني الثلاث على آيتونز، بدلًا من دفع 18.99 دولارًا لشراء القرص المدمج كاملًا. وبينما تختفي معظم إيرادات شركات التسجيلات من الناتج المحلي الإجمالي، يرتفع فائض المستهلك ارتفاعًا هائلًا، لكن هذا المقدار غير مقيس. وهذا ليس عيبًا في نظام السوق الحرة؛ بل هو جوهرها. وكما لاحظ آدم سميث قبل أكثر من مئتي عام، فإن اليد الخفية للمنافسة تدفع المنتجين إلى تقديم مزيد من القيمة للمستهلكين بتكلفة أقل باستمرار. وإذا كانت تكلفة إنتاج سلعة ما تساوي صفرًا، فعلى المدى البعيد يجب أن تدفع المنافسة السعر إلى الصفر أيضًا. لقد كانت اليد الخفية قاسية بشكل خاص في أسواق المعلومات. ونتيجة لذلك، ارتفع فائض المستهلك ارتفاعًا كبيرًا، حتى وإن لم ترتفع مساهمة السلع المعلوماتية في الناتج المحلي الإجمالي.
لو استخدمنا بيانات فائض المستهلك (consumer surplus) لفحص الحجم الحقيقي لاقتصاد المعلومات، لوجدنا تريليونات الدولارات من الفوائد التي لا تُقاس في الإحصاءات الرسمية للناتج المحلي الإجمالي (GDP) الصادرة عن مكتب التحليل الاقتصادي (Bureau of Economic Analysis). ففي حين تقيس إحصاءات الناتج المحلي الإجمالي الأسعار والكميات، تمامًا كما تقيس بيانات الدخل للشركات التكاليف أو الأرباح، فإن أيًّا من الطريقتين ليست دقيقة تماماً في فهم القيمة النهائية التي يحصل عليها المستهلكون من السلع والخدمات المعلوماتية. ومع مرور الوقت، سيحتاج صانعو السياسات وقادة الأعمال، إلى فهم ليس فقط كيف تؤثر الابتكارات في الناتج المحلي الإجمالي، بل أيضًا إلى مؤشرات بديلة مثل فائض المستهلك، والتي قد تكون أكثر ملاءمة لقياس اقتصاد المعلومات.
إن الدرس المستفاد من اقتصاديات المعلومات هو أن المستهلكين يعطون قيمة تختلف عن تلك التي يقيسها الناتج المحلي الإجمالي. فما يهم أكثر في جذب العملاء والحفاظ عليهم، هو القيمة التي يقدمها المنتج-even إذا لم تُحوَّل تلك القيمة مباشرة إلى إيرادات.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




