ترجمة: رانيا الحربي
إميلي س. بلوك وفيفا أونا بارتكوس
يمكن أن يكون العمل في المناطق التي تُعد أقل استقرارًا أو تطورًا مفيدًا للشركات، ولكن يجب عليها الاستثمار في العمل مع المجتمعات المحلية.
الفلبين معتادة على الاستثمارات الأجنبية، فقد عُدَّت لفترة طويلة واحدة من الاقتصادات النامية القوية، حيث تقدم موانئها النشطة ومدنها الكبرى فرصًا استثمارية مغرية لشركات مثل جنرال [1]إلكتريك، وكي آر آر، وكارجيل. ومع ذلك، على الرغم من موقعها الاستراتيجي، وامتلاكها قوى عاملة شابة تتحدث باللغة الإنجليزية، وثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، لا يزال أداؤها متأخرًا مقارنةً بنظرائها في رابطة دول جنوب شرق آسيا.
بالنسبة للشركات الأجنبية التي تسعى وراء الفرصة الكبرى التالية، فقد تُعد الفلبين سوقًا سبق أن استُكشِفت بالفعل. لكن ماذا لو أخبرناك أن نحو ثلث أراضي البلاد، وأن كثيرًا من مواردها المعدنية غير المستغلة التي تقدر قيمتها بتريليون دولار، تقع في مينداناو؛ الجزيرة المعزولة والممزقة بالحروب في جنوب البلاد؟ في مكاتب جنرال إلكتريك اللامعة في مانيلا، سألنا مجموعة من المديرين التنفيذيين، وكان معظمهم من الفلبينيين، عن كيفية الاستفادة من هذه الفرصة. نظروا بدهشة، وسأل أحدهم: “لماذا قد يذهب أحد إلى هناك؟”.
في السباق نحو استغلال الأسواق الناشئة، أصبحت كثير من المناطق المتقدمة في هذه الاقتصادات ممتلئة بالاستثمارات الأجنبية، وتشهد ناطحات السحاب اللامعة التي تزين أفق نيروبي على التأثير الواسع للعولمة. على مدار العشرين عامًا الماضية، ضُخَّت تريليونات الدولارات في الأسواق الناشئة، متجاوزة الأهداف الواضحة مثل الهند والصين والبرازيل. حتى البلدان مثل رواندا، التي كانت تُعد قبل 25 عامًا من الأهداف المستحيل الدخول إليها، تشهد الآن نموًّا بنسبة 8%. مدينة سان بيدرو سولا، وهي مدينة هندوراسية ظهرت في عديد من قوائم أخطر المدن في العالم، تستقبل الآن تسع رحلات مباشرة يوميًّا من الولايات المتحدة.
مواجهةً مع المطالب المستمرة للنمو وقلقًا من إمكانية تراجع العوائد الهامشية، يفكر قادة الأعمال بعناية في الخريطة بحثًا عن الفرص الجديدة التي يجب أخذها في الحسبان عند التفكير في الاستثمارات التجارية. يختبئون في الزوايا المتنازع عليها من دول قد تظهر شواطئها وجبالها في كتيبات السياحة. ومع ذلك، فإن الخطوط الأمامية بعيدة تمامًا عن مواقع العطلات الفاخرة؛ فمسافة هذه المناطق عن المدن الكبرى تجعلها مفصولة عن كثير من بنية بلادها التحتية. الحكومات الوطنية لا تمد هذه الأماكن بالخدمات الأساسية مثل الكهرباء أو الصرف الصحي، وحتى حكم القانون والأمن البدائي غالبًا ما يُترك للميليشيات المحلية أو عصابات الجريمة. غالبًا ما تتأرجح هذه المناطق على حافة بين الاستقرار والعنف، حيث كل قرار، أو حدث، أو استثمار، يمكن أن يكون الفارق بين تشجيع المجتمع نحو الفرص أو دفعه إلى العودة للنزاع. لذلك، ليس من المفاجئ أن الاستثمارات الأجنبية قد تجاهلت إلى حد كبير هذه الأماكن البعيدة. لكن هذه المناطق ممتلئة بالفرص، وإمكاناتها غير المستغلة تتجسد في موارد طبيعية وفيرة، وشباب متزايد يسعى للعمل من أجل مستقبل أفضل.
بالنسبة للشركات التي تتطلع إلى توسيع نطاقها الجغرافي، فإن هذه المناطق التي لم تُخدم بعد هي ما تبقى على وجه الأرض. ومع ذلك، فإن هذه الفرص ليست مجرد ملاذ أخير. هناك أموال حقيقية يمكن جنيها على الخطوط الأمامية، لكن هذا يتطلب من المنظمات أن تكون مستعدة للتوسع خارج المعاقل الحضرية واكتساب مجموعة مختلفة من المهارات والاستراتيجيات لتحقيق النجاح. هذا ليس عملًا معتادًا.
ما الفرص التي يمكن العثور عليها في الخطوط الأمامية؟
نقدر أن 1.4 مليار شخص يعيشون في الخطوط الأمامية يولدون أكثر من 20 تريليون دولار من النشاط الاقتصادي السنوي، وهو ما يتجاوز حجم اقتصاد الهند. هذا التقدير يتجاوز المقاييس الوطنية المعتادة للفرص الاقتصادية؛ لأنه يشمل المناطق الريفية غير القابلة للوصول في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، ويستثني المراكز الحضرية الكبيرة في البلدان منخفضة الدخل التي أصبحت مشبعة بالاستثمار الأجنبي. هذا الرقم يعادل أقل بقليل سدس إجمالي النشاط الاقتصادي السنوي العالمي المقدر بـ130 تريليون دولار (بمقياس يعادل القدرة الشرائية).
يعكس نموذجنا التقديري أيضًا الفروق الجوهرية بين البيئات الحضرية المتطورة والمناطق الريفية غير المتطورة. أولًا، نعدّل التكلفة الخاصة بالمواد الغذائية والخدمات الأساسية؛ فغالبًا ما يؤدي انخفاض أسعار هذه السلع في البلدان منخفضة الدخل إلى تقليل تقديرات القدرة على توليد القيمة الاقتصادية. ثانيًا، نأخذ في الحسبان العمل في القطاع غير الرسمي، والذي، استنادًا إلى بيانات مثل استهلاك الكهرباء، والمسوح المنزلية، وقياسات أخرى مبتكرة، يُمثّل بشكل ناقص يصل إلى الثلث في الإحصاءات الرسمية للحكومات. من المهم معرفة أن هناك موارد كبيرة غير مُستغلة في الخطوط الأمامية، حيث تعد موطنًا لاحتياطيات هائلة من المعادن غير المستغلة. لتوضيح ذلك، فإن القيمة المستخلصة من كل كيلومتر مربع من الأرض في البلدان المتقدمة تبلغ في المتوسط نحو 125,000 دولار، في حين تُقدّر المساحة نفسها في البلدان الإفريقية بنحو 25,000 دولار فقط. العوامل الجيولوجية لا يمكن أن تفسر هذا التفاوت، بل إن ذلك يعكس مستوى التراجع الكبير في تطوير هذه الموارد. حتى الأراضي الزراعية المتطورة يمكن أن تصبح أكثر إنتاجية بشكل كبير من خلال استثمارات صغيرة في رأس المال. من المهم أيضًا معرفة أن التحسينات في التعليم وتقليل معدلات البطالة الجزئية، يمكن أن يؤديا إلى عمالة أكثر إنتاجية. تشير معدلات البطالة والبطالة الجزئية المرتفعة في اقتصادات الخطوط الأمامية إلى أن سوق العمل يمكنها استيعاب كثير من العمال دون تغييرات جذرية في الأجور الحالية، وبالمثل، يمكن تعزيز البنية التحتية الضعيفة في الخطوط الأمامية من خلال تحسينات متواضعة في التكنولوجيا.
يمكن أن تتحول كميات صغيرة من رأس المال المستهدف إلى عوائد غير متناسبة. من غير المحتمل أن تظل هذه الفرص الكبيرة والمربحة في الخطوط الأمامية مهملة لفترة طويلة، ومع ذلك، فإن السعي وراء هذه النوعية من الفرص يتطلب نهجًا تجاريًّا مختلفًا تمامًا للتعامل مع مجموعة واسعة من المخاطر التي لا تكون الشركات معتادة على إدارتها.
تحديات الخطوط الأمامية من خلال عدسة قطاع التعدين
حقيقة أن كثيرًا من الثروات المعدنية التي يسهل الوصول إليها في المناطق الآمنة والمستقرة حكوميًّا قد استُخرجت بالفعل، قد دفعت قطاع التعدين بأكمله إلى ابتكار طرائق جديدة لاستكشاف وبناء وتشغيل المناجم في المناطق المعزولة، التي غالبًا ما تكون غير مستقرة ومحرومة من التنمية. بجانب المخاطر الجيولوجية، يواجه عمال المناجم مخاطر سياسية واجتماعية وأمنية في أثناء العمل في هذه المناطق. في الواقع، يعد استخراج المعادن على نطاق واسع في كثير من الأحيان أول نشاط صناعي يختبره السكان المحليون في المناطق الفقيرة والنائية. واجهت شركة باتو هيجاو، منجم الذهب والنحاس الضخم في جزيرة سومباوا النائية في إندونيسيا، مسؤولي حكومات فاسدين وتهديدات لكل من ممتلكاتها وموظفيها، حتى إن كبار المديرين المحليين لشركة نيومونت اعتُقلوا بتهم جنائية تتعلق بتلوث منجمهم الذي قيل إنه تسبب في وفاة طفل محلي. بعد محاكمة طويلة، برّأتهم محكمة إندونيسية من جميع التهم الجنائية، ولكن ذلك جاء بتكلفة ضخمة تمثلت في ملايين الدولارات كرسوم قانونية، وملايين أخرى في الإيرادات المفقودة في أثناء إغلاق المنجم.
في أوزبكستان، صُودِرَت الشراكة المربحة لشركة نيومونت مع الحكومة وأُمِّمَت. أما منجمها الضخم للذهب في ياناكوكا، بيرو، فقد واجه بشكل متكرر احتجاجات واضطرابات عمالية، خاصة من عمال المناجم غير الشرعيين الذين كانوا يتعدون على عملياتها.
سيكون الرئيس التنفيذي لشركة نيومونت، واين ميردي، أول من يخبرك أن إدارة هذه الحالات الصعبة للغاية في أطراف العالم قد غيرت نهج الشركة في التوسع في بيئات الخطوط الأمامية. وقد استفادت الشركة من هذه التجارب عندما أتيحت الفرصة للعودة إلى إفريقيا لتسويق رخصة التنقيب الغانية. لخص ميردي ما تعلمه هو وفريقه بالطريقة الصعبة: “الطريقة الوحيدة لحماية المنجم هي إذا كان المجتمع يرى أن هذا منجمهم وهم من يحمونه. لا يمكنك توظيف عدد كافٍ من الحراس في الأماكن المعزولة؛ فإذا أراد حشد غاضب اجتياح المنجم، فسوف يجتاحه ويستولي عليه. لا يوجد شيء يمكنك فعله”.
من أجل حماية استثماراتها في منجم الذهب “أهافو” في غانا، دمجت نيومونت عملياتها دمجًا عميقًا داخل المجتمع المحلي. بدأت الشركة بإنشاء أكاديمية تدريب معتمدة دوليًّا لدعم القوى العاملة المحلية في تطوير المهارات اللازمة لعمليات التعدين، مثل هندسة العمليات، والمسح، وقيادة الشاحنات. في ذروة عملياتها، كان المنجم يوظف 1,800 شخص، ثلاثة منهم فقط كانوا من الأجانب. أما البقية فكانوا من المحليين. ومع ذلك، لم يقتصر تأثير نيومونت في التوظيف المباشر فقط؛ فقد أدى الحجم الكبير للأنشطة التعدينية إلى تأثير جانبي ساعد في توفير سبل العيش لآلاف الغانيين الآخرين. حُقِّق ذلك من خلال تعزيز نظام بيئي نشط للأعمال الصغيرة حول المنجم.
شُرِيَت جميع الإمدادات والخدمات اللازمة للعمليات، مثل الطعام والإقامة والزي الموحد والغسيل، من السكان المحليين، وبما أن التعدين يتطلب طاقة هائلة لسحق أطنان من الخام إلى أونصات من الذهب، وفّرت نيومونت أيضًا الكهرباء وبنت الطرق في جزء من غانا لم يكن يحتوي على ذلك، ما ساعد على تيسير سوق أكثر فاعلية في المنطقة التي كانت معزولة سابقًا. علاوة على ذلك، حولت نيومونت التحدي الكبير المتمثل في نقل قريتين يقطنهما نحو 2,000 شخص إلى فرصة للعمل من كثب مع كبار السن من القرى وأمهات الملكات، اللاتي يُعرفن كقائدات تقليديات في المنطقة. معًا، أسسوا مؤسسة تنموية استخدمت جزءًا من أرباح المنجم للاستثمار في أولويات محلية مثل منح الطلاب الدراسية، وعيادة طبية، وقروض لمالكي الأعمال المحلية الذين كانوا بحاجة إلى تمويلات للتوسع.
تطورت الاجتماعات الشهرية لمناقشة الأولويات المحلية إلى عملية مستمرة للتشاور المحلي لمعالجة الشكاوى واتخاذ قرارات مشتركة حول كثير من القضايا، بما في ذلك سبل التعامل مع القضايا البيئية مثل إعادة التشجير.
من أين ستبدأ؟
الاستراتيجيات التي تحقق النجاح في المناطق الآمنة والمستقرة، عادةً بالقرب من مطار دولي رئيس على مسافة لا تتجاوز 100 ميل، لن تكون فعّالة في الخطوط الأمامية. الأمر ليس مجرد اختلاف في قواعد اللعبة، بل إن النجاح في العمل ضمن بيئات تتميز بالفقر والعنف يتطلب لعبة تختلف اختلافًا أساسيًّا. على سبيل المثال، تحقيق الربح في غابات الأمازون في منطقة غافيار الكولومبية يختلف تمامًا عن تحقيقه في العاصمة بوغوتا، التي تضم البنوك، والجامعات العالمية، والمحلات الفاخرة، وستاربكس في كل زاوية. الرحلات الجوية التي تُنفَّذ مرتين في الأسبوع إلى العاصمة سان خوسيه ديل غافيار لا تهبط في وقت المطر؛ لأن المدرج قصير جدًّا لدرجة أن الطيارين يخشون الانزلاق عن المهبط والدخول في نباتات الغابة. يعيش الناس في جوفيار بأقل من دولارين في اليوم، وينقلون منتجاتهم إلى الأسواق المحلية بوساطة الزوارق أو الدراجات النارية، وغالبًا ما يضطر أطفالهم إلى التغيب عن المدرسة لجمع الحطب لطهي وجبات العائلة.
الاستراتيجيات والمهارات المطلوبة لتحقيق النجاح تختلف تمامًا. ما تعلمته شركة نيومونت بالطريقة الصعبة، من خلال مواجهة التهديدات، واحتجاز الأصول، والاعتقالات، هو أن العمليات الفعّالة في بيئات الجبهات الأمامية تعتمد اعتمادًا حاسمًا على الوجود العميق والمستدام في المجتمع المحلي. هذا يعتمد على مجموعة واسعة من العلاقات مع شركاء غير تقليديين؛ فالأمر ليس سهلًا مثل التفاوض مع وزير المالية أو وزير المناجم في العاصمة. يعتمد النجاح على القدرة على التكيف مع التحديات الأخلاقية والتشغيلية المعقدة في الأماكن التي تكون فيها السلطة غالبًا بيد من هم خارج الحكومة.
يجب على الشركات الاستفادة من قوة بعض الفاعلين المحليين والتفاوض على تفاهم أساسي للحدود مع آخرين بطريقة تسمح لهم بالتعايش. لا يمكن تحقيق ذلك من خلال تفاعل واحد، بل يعتمد على شبكة من العلاقات المستمرة القائمة على المنفعة المتبادلة. وعلى الرغم من أن الشركة ستتكبد نفقات تشغيلية إضافية مرتبطة بإدارة تعقيد هذه العلاقات غير التقليدية، فإن الفوائد تتراكم من زيادة الاستقرار والأمان.
تعتمد العمليات الفعّالة في بيئات الخطوط الأمامية اعتمادًا حاسمًا على الاندماج العميق في المجتمع المحلي. يتطلب التوسع إلى الخطوط الأمامية من الشركات تطوير مهارات جديدة لمواجهة التحديات غير المألوفة التي من المحتمل أن تواجهها. ليس هذا شيئًا تتعلمه في برنامج ماجستير إدارة الأعمال، فالتحدي الأكثر إلحاحًا غالبًا ما يكون نقص البيانات لدعم اتخاذ القرارات المدروسة. يجب على المنظمات ابتكار طرائق لجمع معلوماتها الخاصة، وإحدى الطرائق للبدء هي متابعة تدفق الأموال عبر الأنشطة الاقتصادية بالكامل داخل الإقليم. إن الفهم الكامل للبيئة أمر أساسي لتحديد الفرص الكامنة والعوائق التي قد تحول دون الوصول إليها. لجمع هذه الرؤى، يجب على قادة الأعمال التغلب على الهياكل الداخلية التقليدية، والاستماع إلى وجهات نظر كثير من الفاعلين المحليين، ثم دمج تلك المعلومات في عمليات الأعمال الخاصة بهم. وغالبًا ما يعتمد ذلك على التعمق في الحياة اليومية للمجتمعات المحلية التي سيصبح أعضاؤها موظفين وموردين وزبائن للشركة. ومع ذلك، فإن الاندماج السطحي ليس كافيًا.
ليس من الكافي جمع المعلومات فقط؛ بل يجب أن تأتي تلك المعلومات مع تعاطف حقيقي مع تجارب الناس. بالإضافة إلى ذلك، من المستحيل لأي شركة أن تجمع الأنشطة عبر سلسلة القيمة في هذه المناطق النائية، ومن غير المحتمل أن تجد مجموعة من أنواع المنظمات التي عادةً ما تتعاون معها لتكملة أنشطتها. سيتعين عليهم بناء مهارات في إدارة علاقات غير تقليدية متعددة لدعم عملياتهم. ونظرًا لأن جهود جمع البيانات ستكون متشابكة تشابكًا عميقًا مع علاقاتهم المحلية، يجب على الشركات اختبار حلولها المحتملة بسرعة، والحصول على تعليقات، ثم إعادة تصميم نهجها مع ظهور صورة أكثر شمولًا للبيئة. يتطلب التشغيل الفعّال في الخطوط الأمامية الخيال، والتعمق، والتكرار السريع، بالإضافة إلى الاستماع وخلق أرضية مشتركة. في النهاية، ينجح هذا النهج التكراري والمتعمق لأن المجتمع يبدأ برؤية نجاحه الخاص مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بنجاح الشركة.
تُروى إحدى القصص اللافتة عن كيفية حدوث ذلك على الأرض من قبل أحد التنفيذيين الكبار في شركة نيومونت؛ فقد سرد قصة عن كيفية “تعطل” بعض معدات الحفر المطلوبة في محطة استيراد ميناء أكرا. حتى قبل أن تتمكن نيومونت من إرسال ممثليها القانونيين المحليين، كان وفد من كبار السن في أهافو قد سافر جنوبًا إلى الميناء وتمكن بطريقة ما من تسوية الأمور. وتساءل المدير التنفيذي أنه كان من الممكن أن يستغرق توصيل معدات الحفر إلى أهافو شهورًا دون تدخلهم.
تتمتع المنظمات غير الحكومية الإنسانية بكفاءات أكبر مقارنة بشركات التعدين الدولية الكبيرة. ومع ذلك، في الواقع، غالبًا ما تكون الشركات الكبيرة في قطاعات الاستخراج والبنية التحتية والزراعة من بين أول من يصل إلى الخطوط الأمامية، وهي تؤدي دورًا حيويًّا في تأجيج دورة التنمية التي تبدأ اقتصادًا ريفيًّا. تضخ هذه العمليات الموارد في الاقتصاد المحلي من خلال المدفوعات للعاملين والموردين، من خلال تحفيز الطلب على الخدمات مثل البنوك والاتصالات، وفي النهاية، على السلع والخدمات مع زيادة الدخل المتاح. لذا، يمثل دخول منجم إلى بيئة خط المواجهة الدرَجَةَ السُّفْلَى من سلم التنمية الاقتصادية. الآن هو الوقت المناسب لجلب الأعمال إلى خطوط المواجهة. ليس فقط هناك قدر هائل من المال يمكن كسبه، ولكنْ هناك أيضًا كثير من الفوائد الأخرى التي تأتي مع توسيع نطاق الأعمال عبر العالم. يُطلب من قادة الأعمال بشكل متزايد الإسهام بحلول مبتكرة للتحديات العاجلة التي تواجه البشرية. ومع ذلك، يرى كثير منهم أن هذه الدعوات تتعارض مع المنطق الصارم للاقتصاد، الذي يعطي الأولوية لتعظيم ثروة المساهمين.
تُظهر تجربتنا أن هذا يُعد تفرقة زائفة. يمكن للأعمال أن تحقق الهدفين معًا؛ إذ يمكنها أن تحقق الربح من خلال العمل في بيئات خط المواجهة، وفي الوقت نفسه، يمكنها أن تدفع المجتمعات نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا. وقد تبنت شركات متنوعة مثل نيو مونت للتعدين، وجرين ماونتن كوفي، وجوليبي، وجي إي هذه الاستراتيجية للتوسع في بيئات خط المواجهة، ما أكسبها مزايا الريادة. ستكافأ المنظمات التي تكون مستعدة لاحتضان تعقيدات خط المواجهة بفرص مربحة.
تشغل إميلي س. بلوك منصب رئيس كرسي جورج م. كورمي للإدارة في كلية الأعمال بجامعة ألبرتا.
فيفا أونا بارتكوس هي أستاذة فخرية في كلية ميندوزا للأعمال بجامعة نوتردام ومؤسسة برنامج “الأعمال في الخطوط الأمامية”. وقد تعاونتا في تأليف كتاب الأعمال على الحافة: كيفية تحقيق الربح وتحسين الحياة في أصعب الأماكن في العالم (بيسيك بوكس، 2024م)
[1] من أكبر الشركات الاستثمارية في العالم وتشتهر باستراتيجياتها في الاستحواذ على الشركات الكبيرة وتحسين أدائها.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




