ترجمة: سارة آل صقر
هذه دروس من قصة الدكتورة باتريشيا باث، مخترعة جراحة الماء الأبيض الحديثة، وأول امرأة تحصل على براءة اختراع طبية.
بقلم: جان لويس بارسو وسيريل بوكيه ومايكل واد.
يُنظر إلى انتشار الابتكار على أنه محفّز للتقدم، وليس لتعزيز النمو الاقتصادي فقط، بل لإحداث تحسينات حيوية في عدة مجالات كذلك، تشمل العلوم والطب وصولًا إلى مجالات عدم المساواة والاستدامة.
يمكن لأي شخص أن يبرز فكرة حسنة، لذلك قد تظن أن توزيع براءات الاختراع الأمريكية يشابه التركيبة السكانية لمكان العمل. بالتأكيد، ليس هذا المقصود. أظهرت دراسات متعددة أن هناك مجموعتين تسيران خلف الركب وتتقاعسان عن أمر الريادة في الابتكار، وهما: النساء والأمريكيون الأفارقة.
غالبًا ما يُعزى هذا النكوص لنقص بروزهم وكثرتهم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والتي تعرف في الإنجليزية باسم (STEM)، لكن البيانات تظهر أيضًا أن الرجال البيض أرجح طلبًا لبراءات الاختراع من نظرائهم من النساء والأمريكيين الأفارقة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
إذا كنّا قد تعلمنا شيئًا في العامين الماضيين فهو أننا بحاجة ماسة إلى حلول مبتكرة لأعوص مشكلاتنا وأبرزها، ابتداءً بمشكلات الأوبئة وتغير المناخ وشبكات الكهرباء الضعيفة، وانتهاءً بالعنصرية الممنهجة وانتشار المعلومات المضلّلة والكراهية المنتشرة في منصات شركات التقنية الكبيرة. نحتاج لأفضل عقولنا المبتكرة التي تعمل على حل هذه المشكلات، غير أن بعض الحواجز البارزة تمنع الناس ممن عددهم قليل من إحياء أفكارها المبتكرة. وما يثير العجب سهولة الأمر عند هؤلاء “الدخلاء” في الاشتغال عادةً بهذا النوع من التفكير التوافقي الذي يعد أمرًا بالغ الأهمية لتطوير حلول جديدة.
تُظْهِر الأبحاث أنه غالبًا ما يسْهُل على الغرباء ربط الأفكار المتباينة لأنهم يأتون بأفكار مسبقة محدودة خلافًا للخبراء والمطّلعين. فمثلًا في إحدى الدراسات البحثية طُلِبَت من أناس مختلفين من نجارين وسقّافين ومتزلجين أفكار عن تحسين تصميم أقنعة النجارين للتنفس، وأحزمة أمان السقّافين وضمادات الركبة للمتزلجين. وتبيّن في إحدى الدراسات المستقلة لتقييم هذه الحلول أنّ كل صنف من هؤلاء الناس أجادوا كثيرًا ابتكار حلولٍ جديدة للمجالات التي لا تختص بهم.
كما تبيّن في دراسة شاملة تضمنت ١٦٦ مسابقة لحل المشكلات، نُشرت على منصة الابتكار (إينو سينتيف)، أن المشاركات الفائزة كانت على الأرجح من “متسابقين غير متوقعين” ليست لهم خبرة في مجال المسابقة الأساسي. وتأكيدًا لهذه الميزة الهامشية، كشفت دراسة منفصلة اُستُعين فيها بأناس كثر أن غير المختصين في الصناعة كانوا أحرى من الخبراء لإيجاد حلول مبتكرة لمشكلات البحث والتطوير المعقدة والمستعصية نسبيًّا.
إنّ قصة الدكتورة باتريشيا باث، طبيبة العيون الرائدة ومبتكرة جراحة الماء الأبيض الحديثة، مثال شاهد لما عند غير المختصين من مهاراتٍ أساسية لتطوير حلول مبتكرة، كما يبيّن المثال العقبات الهائلة التي يواجهونها عند محاولة إبراز ابتكاراتهم التي يحتاجها المجتمع. فقبل خمسة وثلاثين عامًا، طلبت باتريشيا منحها براءة اختراع لتقنية الليزر التي تعالج إعتام عدسة العين، وبعد ذلك بعامين، وفي سن الرابعة والأربعين، أصبحت أول امرأة أمريكية من أصل إفريقي تحصل على براءة اختراع طبية. كان لاختراع باث دور رائد في مكافحة العمى الذي يمكن الوقاية منه، ما ساعد في تحسين أو استعادة بصر الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم.
لكنها خاضت تجربة عسيرة ومليئة بالعقبات التي سببتها الاختلافات الاجتماعية والعرقية، تلك العقبات التي كانت ستجبر معظم المبتكرين إلى الاستسلام. ففي عام ١٩٦٩م ولجت باتريشيا الامرأة السوداء الشابة لمعترك الأمر مع الرجال البيض، واصطدمت بتحيزات جنسانية وعرقية وعمرية، أثرت على ما يتخيله بعضهم عن مصداقيتها، ما أثّر على قدرتها على التقدم في المجال الذي اختارته، لكنها استعانت بإحدى المزايا الرئيسة التي منحتها إياها اختلافاتها الديموغرافية ومنظورها الجديد، أي القدرة على إدراك المشكلات التي جهلها الآخرون. وبعد متابعة تدريبها الطبي في مستشفى هارلم وكذلك زمالة في طب العيون في جامعة كولومبيا، لاحظت مبكرًا وجود تفاوت واختلاف، فنحو نصف المرضى في عيادة العيون في المستشفى كانوا مكفوفين أو ضعاف البصر، مقارنة مع عدد قليل جدًّا في مصحّة كولومبيا.
كما اكتشفت أن انتشار العمى بين الأمريكيين الأفارقة كان ضعف انتشاره بين الأمريكيين البيض. ومن خلال البحث في السجلات الطبية للمرضى في كلتا العيادتين، أدركت أن هذا لم يكن سببًا وراثيًّا متفردًا، بل كان نتيجة لضعف الحصول على الرعاية المناسبة للعيون، ما ينذر بالنقاشات الحالية عن المساواة الصحية في المجتمعات المهمشة في جائحة كوفيد-١٩.
أقنعت باتريشيا أساتذتها في كولومبيا بمعالجة المرضى المكفوفين مجانًا في مستشفى هارلم، وهناك انخرطت في دورة مكثفة في جراحة القرنية وإعتام عدسة العين، وعملت جرّاحة مساعدة متطوعة.
وبعد أربع سنوات، عندما صارت أول عضوة هيئة تدريس في معهد جول شتاين للعيون في جامعة كاليفورنيا، اضطرت إلى إثبات نفسها مرة أخرى، وقد نجحت في الحصول على مكتب أفضل وأحسن لإنجاز أعمالها، وذلك بعدما رفضت مكتبًا في الطابق السفلي بجوار مخزن حيوانات المختبر.
تؤثر الآثار التراكمية لمثل هذه الاعتداءات الضئيلة على العديد من النساء والأقليات ما ينتج عنه ضعفًا وشكًّا وعدم انضباط أو إتقان، وأظهرت الأبحاث أيضًا أنها تمنع الأداء المعرفي. ومن المحتم أن تتسبب هذه التأثيرات في إقصاء المشاركة في الابتكار، الأمر الذي يتطلب تركيزًا وثقةً ورغبةً في تجاوز ما يؤمن به الناس من أفكار لا يتنازلون عنها البتة.
واصلت باتريشيا اهتمامها بموضوع التفاوتات الصحية عندما كانت في جامعة كاليفورنيا بمدينة لوس أنجلوس، وقد ساعدها اثنان من الأمريكيين الأفارقة اللذان لم يكونا يشاركانها التخصص نفسه، وتعاونوا لإنشاء المعهد الأمريكي للوقاية من العمى، الذي يؤكد على البصر بأنه حق أساسي من حقوق الإنسان. استحدث المعهد غير الربحي تخصصًا جديدًا باسم طب العيون المجتمعي، ما غيّر مسار الطب كما أنه يُشتغل به الآن في جميع أنحاء العالم.
بما أن ترك التقاليد الديموغرافية قد يمنح ميزة إبداعية تتمثل في اكتشاف المشكلات وتوليد حلول بديلة، فإنك إذا لم تكن جزءًا من الجماعة، فقد يصعب عليك حشد الموارد والدعم الذي تحتاجه لحض الأفكار وتسخير النظام لحثها، فيستسلم أناس كُثُر.
لم تستسلم باتريشيا لهذا الأمر حينما تأملت فكرة إذابة إعتام عدسة العين بالليزر، مع أنها فكرة فريدة، وهي تقنية مرتبطة في المقام الأول بأنظمة الدفاع وأسلحة الليزر المسببة للعمى في ذلك الوقت، وقد ظنّت أن أسلوبها قد يكون أقل انتشارًا وأسرع تأثيرًا من العلاجات الحالية.
ولم تدعمها منظومة العمل في جامعة كاليفورنيا وتساند مشروعها، فلم يشجعها زملاؤها في الجامعة، وتذكرت قائلة: “عندما تحدثت مع الناس عن هذا الموضوع، قالوا لا يمكن إنجازه”. بدأت باتريشيا بتجارب أولية في مختبرها، لكن جامعة كاليفورنيا لم تمتلك أشعة الليزر اللازمة، فلم تتمكن من الحصول على منح لمتابعة أبحاثها في الولايات المتحدة، لذلك تواصلت مع معارفها من خارج الجامعة -أي المعارف الذين التقتهم ووثقت علاقاتها بهم من مؤتمرات كثيرة- وقالت إنها: “ألحت عليهم حتى وافقوا على السماح لها باستعمال مختبراتهم”. وفي عام ١٩٨٦م، استراحت من عملها وانتقلت إلى أوروبا لمدة عام لمتابعة التجارب في معامل الليزر المتطورة في مؤسسات متعددة في برلين وباريس والمملكة المتحدة.
وبعد عودتها بأشهر معدودة إلى الجامعة، جهّزت اختراعها المعقد المتمثل في جهاز ذي ثلاث وظائف، وهو مسبار صغير يتكون من ألياف ليزر بصرية محاطة بأنابيب الغسل والشفط، كما عملت أولى التجارب على عيون المتبرعين.
وبعدما أتقنت هذه الطريقة، ذهبت إلى مدير المختبر لتخبره باكتشافها العلمي، فأجابها بصراحة جريئة وقال لها: “لم تفعلي ذلك”، “هذا مستحيل”، ولم ينظر إلى وجهها.
لقد فضحت دهشته سوء نواياه وتقديره لقدراتها. أثبتت دراسات العلوم الاجتماعية على مدى عقود كثيرة التأثير السلبي لسوء الظن بالآخرين والانتقاص من مهاراتهم وأثرها على أدائهم وابتكاراتهم، وهو ما يعرف باسم تأثير جوليم.[2] فأضحت باتريشيا قوية بما يكفي في هذه المرحلة من حياتها المهنية واستطاعت “التركيز على نيل الجائزة”، غير أن بعض المبتكرين الطموحين قد يعدّون مثل هذه الإهانات أو التعابير المشكّكة بأنها مضرّة لدوافعهم ويعدّونها تمييزًا صريحًا، ويمكن أن تهز ثقة الشخص وعزيمته.
سمّت باتريشيا اختراعها بمسبار (ليزرفاكو)[3]، والذي يمكن إدخاله في شق جسدي بمقاس ١ ملليمتر، هذا المسبار يوفر حلًّا أرخص وأدق وأوثق لعلاج إعتام عدسة العين، مع ألم ضئيل وشفاء أسرع للمرضى. حسّنت هذا الجهاز وطريقة استخدامه عدة مرات في السنوات المتعاقبة، لتحصد بذلك خمس براءات اختراع أمريكية، آخرها في عام ٢٠٠٣م لجهاز ليزر مركب وجهاز إعتام عدسة العين بالموجات فوق الصوتية، وما يزال اختراعها يستخدم في جميع أنحاء العالم.
وقبل وفاتها في مايو ٢٠١٩م أدلت باتريشيا بشهادتها أمام اللجنة الفرعية القضائية بمجلس الشيوخ الأمريكي عن العقبات الخفية التي تواجه النساء المُخترِعات، وحرمان الولايات المتحدة من المزيد من الابتكار، قائلة: “علمتني تجربتي الشخصية أن الجهل والإهانات واحتقار المساهمات العلمية للنساء المخترعات والمتخصصات في العلوم، كلها أمور ظهرت في الستينيات، وما تزال مستمرة حتى اليوم”.
هناك ٤٨ امرأة فقط و٣٠ أمريكيًّا من أصل إفريقي فقط من بين ٦١٠ أشخاص ممن انضموا لثلة مشاهير المخترعين الوطنيين. فحتى العام الماضي، لم تكن هناك امرأة سوداء في القائمة، وهذا العام، باتريشيا هي الأولى (بعد ترشيحها لمدة ١١ عامًا على التوالي)، إلى جانب المهندسة ماريان كروك، إذ سيُعلِن اسميهما في ثلة مشاهير عام ٢٠٢٢م بتاريخ ٥ مايو.
ليست باتريشيا مشهورة باختراعاتها وأعمالها الفاعلة في الممارسة الطبية فقط، بل بمثابرتها المذهلة وقدرتها على التغلب على المصاعب التي كادت أن تعرقلها مرات عديدة في تجربتها الابتكارية. كم عدد الابتكارات المهمة التي لم تستغلها الولايات المتحدة بسبب التحيزات والأنظمة التي تُصعّب الأمور وتُعسّرها على أولئك المهمشين في إحياء أفكارهم المبتكرة؟
القصة مليئة بالدروس لنا جميعًا؛ فالغرباء مثل باتريشيا قادرون على رؤية العالم بعيون جديدة، ويمكنهم طرح أفكار وحلول تتحدى تفكيرنا التقليدي. يجب أن نولي اهتمامًا بالغًا لهذه الرؤى. ومع ذلك، غالبًا ما تعمينا تحيزاتنا الكامنة وسوء التقدير والشك الزائد عن إدراك الأمور، لذلك، كخطوة أولى، نحتاج إلى الاعتراف بتحيزاتنا حتى نتمكن من السيطرة عليها والسعي لإثراء تفكيرنا.
لقد أتاحت جائحة كوفيد-١٩ فرصة ذهبية لتحقيق هذا الأمر؛ لقد كان للتحولات البارزة التي حدثت في ثقافة العمل والأنظمة الاجتماعية وجوانب الرفاهية تأثيرٌ في تهيئة مرتع للأفكار الجديدة، والتي نتج الكثير منها عن مصادر غير تقليدية، إذ سيفيدنا كثيرًا الاستماع إليهم.
المواضيع
نبذة عن المؤلفين:
جان لويس بارسو وسيريل بوكيه ومايكل واد أساتذة في كلية آي إم دي للأعمال في لوزان بسويسرا، وشاركوا في تأليف كتاب “التفكير الفضائي: الطريق غير التقليدي إلى الأفكار المبتكرة” (ببليك أفيرز، ٢٠٢١م).[4]
[1] ماورد في هذا المقال من تعبيرات قد يراها البعض عنصرية فالمسؤول عنها الكاتب الذي ربما أراد أن يصف حالة التمييز العنصري في هذا المجال. (المترجم)
[2] Golem Effect.
[3] Laserphaco.
[4] ALIEN Thinking: The Unconventional Path to Breakthrough Ideas (PublicAffairs, 2021).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




