بقلم: توماس آر. فيرني، دكتور في الطب.
النقاط الرئيسة:
- تقدم العلاقة بين الأجداد والأحفاد دروسًا حياتية قيمة للأبناء.
- أظهرت إحدى الدراسات أن الأجداد الذين يتواصلون عبر الإنترنت مع عائلتهم، يتمتعون بقدر أكبر من الرضا عن الحياة والصحة.
- تؤدي العلاقات الأبوية المشتركة القوية بين الآباء والأجداد إلى زيادة رفاهية الأسرة.
عندما كنت صغيرًا جدًّا، قبل أن أتم سن السادسة، كنت أقضي كثيرًا من عطلات نهاية الأسبوع مع جدي وجدتي، في وقت النوم، كانت جدتي تجلس بجانب سريري وتقرأ لي من كتاب الحكايات الخرافية، ما زلت أتذكر، بعد هذه السنوات كلها، وأنا أستمع باهتمام إلى قصة ذات الرداء الأحمر، والجميلة النائمة، والقط ذي الحذاء، وغيرها الكثير.
مجرد التفكير في تلك الأوقات الساحرة يجلب الدموع إلى عيني، كنت أشعر بالأمان والدفء والحب، وبينما أكتب هذا، يتبادر إلى ذهني أن اهتمامي بالنفس البشرية كان على الأرجح بسبب هذه التجارب المبكرة مع جدتي، وفي هذه الثقافة الموجهة للشباب، غالبًا ما نفشل في تقدير الإسهامات الكبيرة التي يقدمها الأجداد في حياة أحفادهم، والعكس صحيح.
ومع ذلك، في أعقاب جائحة كوفيد-19 والضغوط المالية المتضخمة الأخيرة، يعيش مزيد من الأطفال مع أجدادهم في منازل متعددة الأجيال، ونتيجة لذلك؛ أصبح كثير من الأطفال يقضون مزيدًا من الوقت مع أجدادهم، كيف أثر ذلك في الأجداد والأحفاد؟
ليس من السهل على الوالدين الانتقال إلى دور الجد والجدة، إذ يتطلب تأقلم الشخص الذي يصبح جدًّا على دور اجتماعي جديد، وعادة ما يكون ذلك في أواخر منتصف العمر، ويرتبط ذلك بتبني معتقدات وسلوكات جديدة قد تتعارض مع الممارسات الراسخة منذ مدّة طويلة، مثل ترتيب المنزل أو مشاهدة التلفاز بعد العشاء، ويتطلب ذلك ما قد يُنظر إليه على أنه “تضحيات”.
ومع ذلك، وعلى النقيض من النتائج الأمريكية السابقة التي أشارت إلى أن رعاية الأطفال كانت مرهقة، وجدت دراسة أجرتها جامعة فلندرز في أستراليا عام 2018م على 262 من الإناث و168 من الذكور الأجداد خلال العامين الأولين من انتقالهم إلى مرحلة الجد والجدة، أن قضاء مزيد من الوقت في مجالسة الحفيد يرتبط بتحسن الصحة النفسية.
في هذا الصدد، فإن البحث الذي يركز على العلاقة بين استخدام الأجداد للإنترنت ورعاية الأحفاد يكون مفيدًا، يلحظ أصحاب الدراسة أن استخدام الإنترنت للحفاظ على الروابط مع العائلة والأصدقاء يساعد البالغين الأكبر سنًّا على تعزيز تماسك الأسرة، مما يؤدي بدوره إلى زيادة رضا النساء الصينيات كبار السن على الحياة وصحتهن بشكل أكبر من الرجال.
تعدّ وسيلة التواصل هذه مهمة بشكل خاص للجدات في المناطق الريفية، اللاتي هاجر أبناؤهن البالغون للعمل في المدن، لذا، من المحتمل أن يكون التواصل بين الوالدين والأبناء عن طريق الإنترنت أقوى بين الإناث أكثر من الذكور، وتستفيد الإناث أكثر من الذكور من استخدام الإنترنت. وبالتأكيد، هذه النتائج ذات صلة هنا كما هي في الصين.
وقد وجدت دراسات أخرى من الصين، إذ تشيع مشاركة الوالدين والأجداد في تربية الأبناء، أنه عندما يتوافق الآباء والأجداد مع بعضهم بعضًا، فإن الفوائد التي تعود على المعنيين جميعهم تكون كبيرة، عاشت غالبية الأسر في هذه الدراسة في أسر مكونة من ثلاثة أجيال، وكان 80 في المائة من الأسر لديها طفل واحد فحسب، إن الأمهات اللاتي حافظن على العلاقات القوية في تربية الأحفاد مع أجداد أطفالهن، وخاصة الجدات في المقام الأول، غالبًا ما كان لديهن شعور أكبر بالفعالية في أدوارهن الأبوية.
يوضح أصحاب الدراسة أن الأجداد -باستنادهم إلى خبرتهم الثرية في التربية- يمكنهم تقديم دعم قيم وتعيين أمثلة إيجابية وتوفير التشجيع عندما يشاركون في التعاون في تربية الأطفال، وهذا يمكن أن يؤثر على مستوى الثقة التي تشعر بها الأمهات في مسؤولياتهن الأبوية.
عندما تتحلى الأمهات بثقة أكبر بالنفس؛ فإنهن يملن إلى التعامل مع التربية بإيجابية ومثابرة أكبر، مما يسهم في نهاية المطاف في تحسين النمو الاجتماعي لأطفالهن، يمكن لهذه التفاعلات ذات القيمة أن تزيل بعض الشعور بالذنب الذي قد يشعر به الآباء والأمهات بسبب غيابهم طوال اليوم أو مدّة أطول في بعض الأحيان.
يمكن أن يساعد التواصل مع الأحفاد في الحفاظ على نشاطهم البدني والذهني، غالبًا ما تتضمن رعاية الأحفاد أنشطة بدنية مثل: ارتداء الملابس، أو اللعب، أو المشي، أو إنجاز أعمال الغسيل، يمكن أن يستفيد الأجداد من زيادة التنشئة الاجتماعية للأحفاد عن طريق تفاعلهم مع أصدقاء أحفادهم ومعلميهم والآباء الآخرين، وسوف يكون ذلك عاملًا مضادًّا للوحدة أو العزلة، وهي ظاهرة شائعة بين كبار السن.
غالبًا ما يكون للأجداد فرصة لمشاركة معرفتهم وحكمتهم وتقاليدهم العائلية مع أحفادهم، ومثل هذه التجارب المبكرة تعزز تقدير النفس لدى الحفيد وتعزز المعتقدات والأعراف والقيم، مما يخلق فرصًا لاستكشاف الهوية في سياق عائلته.
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن مشاركة الأجداد في مرحلة الطفولة، والتي يتم تصورها على أنها مقدار الاتصال والتقارب العاطفي، ترتبط بشكل إيجابي بالتطور العاطفي والأداء المعرفي والتكيف الاجتماعي في مرحلة البلوغ المبكر، وتستمر الدروس المستفادة من العلاقات بين الأجداد والأحفاد في مرحلة الطفولة، وخاصة تلك المتعلقة بالروحانية والتطور الأخلاقي، في مرحلة البلوغ المبكر.
استنتجت دراسة أجراها معهد الشيخوخة المشارك بجامعة كليمسون في ولاية كارولينا الجنوبية، أن علاقات الأجداد في الماضي والحاضر تظل مهمة في سن البلوغ المبكر، تؤكد هذه النتائج البحوث السابقة التي وُجد فيها أن الامتنان والاحترام والتقدير عوامل مهمة في رفاهية الشباب البالغين، وتنطبق هذه النتيجة على أنواع الأجداد جميعهم، وفي مواجهة ديناميكيات الأسرة الصعبة، استشهد هؤلاء المشاركون بالدروس التي تعلموها من أجدادهم كونها أحجار بناء مهمة في وجهات نظرهم الحالية عن الحياة.
مع إجراء هذه الدراسة في خضم جائحة عالمية، ناقش كثيرٌ من الأحفاد الصعوبة العاطفية التي يواجهونها بسبب انفصالهم جسديًّا عن أجدادهم، خاصة أولئك الذين يعانون من أمراض متقدمة (مثل: الخَرَف والسرطان)، حافظ غالبية المشاركين على اتصال منتظم، بل وزاد في بعض الأحيان، مع أجدادهم نتيجة للجائحة.
في بعض الأحيان، يمكن أن تقف المشكلات العائلية في طريق العلاقات المتناغمة بين الأجيال، سواء أكان ذلك بمبادرة من أحد الطرفين أم من طرف آخر، إذا كانت الخلافات، أو الدراما مع الأقارب، أو أي تحديات أخرى قد عرقلت استمتاع أطفالك أو أحفادك بعلاقة جدية صحية مع الأجداد من أجل مصلحة الجميع، فقد يكون الوقت قد حان لدفن المعارك القديمة، والماضي، وإرساء السلام والمصالحة الآن.
المراجع
Choi, K. H., & Ramaj, S. (2023). Multigenerational living and children’s risk of living in unaffordable housing: differences by ethnicity and parents’ marital status. Journal of Ethnic and Migration Studies, 1-22.
Condon, J., Luszcz, M., & McKee, I. (2018). The transition to grandparenthood: A prospective study of mental health implications. Aging & Mental Health, 22(3), 336-343.
Wang, J., Gu, R., Zhang, L., & Zhang, L. (2023). How is caring for grandchildren associated with grandparents’ health: the mediating effect of internet use.
Frontiers in Public Health, 11.
He, QH, Tan, YF, and Peng, ZC. How does grandchild care affect the health of grandparents? -new evidence from CHARLS. Population Develop. (In Chinese). (2021) 27:52–64
Li, X., & Liu, Q. (2020). Parent–grandparent coparenting relationship, marital conflict and parent–child relationship in Chinese parent–grandparent coparenting families. Children and Youth Services Review, 109, 104733.
Muennig, P., Jiao, B., & Singer, E. (2018). Living with parents or grandparents increases social capital and survival: 2014 General Social Survey-National Death Index. SSM-population health, 4, 71-75
Stephan, A. T. (2023). How Grandparents Inform Our Lives: A Mixed Methods Investigation of Intergenerational Influence on Young Adults. Journal of Adult Development, 1-13.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة سيكولوجي توداي).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




