ترجمة: رانيا الحربي
ألكسندر لودون
غالبًا ما يخشى القادة التنفيذيون فقدان السيطرة والتباطؤ عند إشراك الموظفين في التخطيط الاستراتيجي، لكن هنا، توجد طريقة جديدة فعّالة.
بصفتها الرئيسة التنفيذية الجديدة لشركة هيما، وهي سلسلة تجزئة أوروبية تضم 750 متجرًا و19,000 موظف، وتعاني من صعوبات كبيرة، واجهت ساسكيا إيجاس ريبراز تحديًا كبيرًا؛ ففي العام السابق 2020م، تكبدت الشركة خسارة بلغت 215 مليون يورو رغم تحقيقها إيرادات تصل إلى 1.1 مليار يورو، وقد مرت هيما على عدة مالكين من شركات الأسهم الخاصة وفِرَق قيادية على مدار السنوات الـ15 الماضية، لكن لم ينجح أي منهم في إعادة الشركة إلى وضعها الصحيح. مع ذلك، كان المالكون الجدد من شركات الأسهم الخاصة يتوقعون كثيرًا من ساسكيا إيجاس ريبراز، وكانوا واثقين من قدرتها على إعادة الشركة إلى المسار الصحيح.
نجحت ساسكيا إيجاس ريبراز في تحقيق ذلك، خصوصًا من خلال تغيير استراتيجية الشركة التي كانت قد تبنتها لفترة طويلة بالتوسع خارج السوق المحلية. كانت هيما تدير متاجر في مختلف أنحاء غرب أوروبا؛ بل وامتدت إلى التوسع في الشرق الأوسط والمكسيك. قامت ساسكيا إيجاس ريبراز بإغلاق العديد من المتاجر، وتركيز أنشطة هيما في دول البنلوكس (بلجيكا، وهولندا، ولوكسمبورغ) وفرنسا المجاورة. بحلول نهاية عام 2021م، عادت الشركة إلى الربحية، وفي عام 2022م، شهدت المبيعات الإجمالية زيادة بنسبة 20%.
من السهل القول إن هذا التحول الناجح جاء نتيجة اتخاذ الخيارات الاستراتيجية الصحيحة، لكن من المهم بالقدر نفسه أن تشرك هيما موظفيها في عملية التخطيط الاستراتيجي. يتجاوز التخطيط الاستراتيجي الناجح مجرد تحديد الأولويات الاستراتيجية الصحيحة؛ فهو يتطلب أن يكون الموظفون في قلب العملية. غالبًا ما يتردد التنفيذيون في إشراك الموظفين في التخطيط الاستراتيجي خوفًا من فقدان السيطرة أو التأثير على سرعة التنفيذ؛ إذ يستغرق النهج التشاركي وقتًا أطول وقد يكون أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، فإن استبعاد الموظفين من هذه العملية قد يعوق تبني الاستراتيجية ويغفل المدخلات القيمة.
نحتاج إلى دليل جديد للتخطيط الاستراتيجي يكسر التقاليد ويشرك الموظفين بشكل نشط. دعونا نناقش الأسباب، ونستعرض أربعة مفاتيح لتحقيق ذلك بنجاح.
أهمية تبني نوع جديد من التخطيط الاستراتيجي
أصبح التخطيط الاستراتيجي مجالًا واضحًا في الشركات خلال الستينيات. قبل ذلك، كان التخطيط الاستراتيجي أمرًا يقتصر بشكل رئيس على القادة العسكريين والسياسيين. في كتابه الذي صدر عام 1962م بعنوان الاستراتيجية والبنية، أظهر أستاذ إدارة الأعمال في جامعة هارفارد، ألفريد تشاندلر، أن الشركات بحاجة إلى خطة طويلة الأجل تمنحها الهيكلية، والاتجاه، والتركيز. مؤخرًا فقط، بدأ بعض الفكر الشائع يعود إلى ضرورة وجود نوع ما من التخطيط الاستراتيجي، حتى إن كان ذلك فقط لتوجيه الموارد وتنسيق الاستثمارات؛ إن الإفراط في التخطيط الاستراتيجي يُنتج عقلية إدارية تحكّمية تقوم على الأوامر والسيطرة، في حين أن قلّته تترك المنظمة بلا اتجاه واضح ويجعلها تفاعلية فقط. لقد حان الوقت لتبني نهج جديد في التخطيط الاستراتيجي يعالج عيوب النهج التقليدي.
لقد حققت النجاح من خلال نهج يعدّ التخطيط الاستراتيجي عملية مستمرة من التعلم والتنفيذ، بدلًا من أن يكون نشاطًا يتم مرة واحدة فقط. تصبح دورات التخطيط أقصر، وغالبًا ما تحدث بشكل ربع سنوي بدلًا من سنوي، لتتماشى مع الدروس المستفادة والتغيرات التي تطرأ من الخارج. الشركات الناجحة تقوم بتعديل تخطيطها الاستراتيجي بدلًا من التخلي عنه تمامًا. على سبيل المثال، انتقلت شركة إيكيا -أكبر متاجر التجزئة للأثاث المنزلي- من تحديد أهداف محددة لمدة عام كامل، إلى وضع سيناريوهات تسمح بالمرونة مع تغير الظروف المستقبلية. يسهم هذا التعلم المستمر والتنفيذ في تعزيز التغيير الأساسي الثاني: إشراك الموظفين بشكل واسع، واحتضان وجهات نظرهم الفريدة وإنسانيتهم. فالشركات في النهاية ليست كيانات بلا روح؛ بل هي مجموعات من البشر يعملون معًا. البشر عادةً ما يواجهون صعوبة في التعامل مع التعقيدات، وغالبًا ما يكونون غير عقلانيين ويسهل تأثرهم بالآخرين. على سبيل المثال: يتطلب تحديد الأولويات المقبولة بيئة نفسية آمنة. من خلال إشراك الموظفين بشكل واسع، يمكن للمنظمات زيادة احتمالية تبني الاستراتيجية، وضمان قابليتها للتنفيذ عمليًّا، وتعزيز شعور بالمسؤولية لدى أولئك المعنيين بتنفيذها.
أربعة مفاتيح لإشراك الموظفين في الاستراتيجية
مع الأخذ في الحُسبان هذين التغييرين: التركيز على التعلم المستمر والتطبيق، والسعي للحصول على مدخلات شاملة من الموظفين، يمكن للقادة البدء بالتعاون في عملية التخطيط الاستراتيجي. عند إطلاق هذه المبادرة، اتبع هذه الخطوات الأربع لضمان النجاح:
- أضِف لمسة إنسانية.
كما في مثالنا الافتتاحي، قامت الرئيسة التنفيذية ساسكيا إيجاس ريبراز باتخاذ القرارات الصحيحة من منظور التخطيط الاستراتيجي التقليدي؛ حيث وضعت استراتيجية واضحة وبسيطة للشركة، تضمنت التزامات مثل الاستثمار في التجارة عبر القنوات المتعددة في متاجر الشركة وقنواتها الرقمية. كما قامت بتعديل نموذج التشغيل ليتماشى مع هذه الاستراتيجية، من خلال تبسيط الهيكل التنظيمي. على مر السنين، أصبحت تقدّر التعاون الحقيقي، كما تعلمت كيف تقود باستخدام الضعف، من خلال مشاركة الشكوك وطلب الدعم من الآخرين، بينما كانت تستثمر أيضًا وقتًا في بناء الثقة والتفاهم داخل الفرق، وشمل ذلك تطوير محتوى الاستراتيجية مع تخصيص الوقت الكافي لذلك.
على سبيل المثال، تضمنت أيام الاستراتيجية للفريق القيادي تمارين تساعدهم في فهم أنماط سلوكيات بعضهم وبناء الثقة والتماسك. كما خصصت ساسكيا إيجاس ريبراز وقتًا للتواصل مع الموظفين، حيث قدمت قصة استراتيجية واضحة ومؤثرة عاطفيًّا بعنوان “ستعود هيما لتكون هيما مرة أخرى”. في جوهرها، أضافت لمسة إنسانية إلى التخطيط الاستراتيجي.
- إشراك الموظفين بطريقة حقيقية.
يجب أن يتناسب نهج المنظمة في إشراك الموظفين في التخطيط الاستراتيجي مع ثقافتها الخاصة، أو ما يعرف بـ”طريقتنا في القيام بالأشياء”. في شركة بريمان، وهي شركة هولندية متخصصة في التركيبات التقنية، تُعدّ “المسؤولية المشتركة من خلال مشاركة الموظفين” جزءًا أصيلًا من ثقافتها؛ لذا اتبعت نهجًا من الاستراتيجية المفتوحة. دعت الشركة موظفيها البالغ عددهم 1,700 شخص للتصويت على قائمة من الطموحات والخيارات الاستراتيجية، وسألتهم: “هل يمكنكم قبول من 80% إلى 90% منها؟”. استنادًا إلى ردودهم، قامت بتعديل طموحاتها وخياراتها الاستراتيجية.
لإشراك الموظفين بشكل فعّال، يجب على الشركات جعل الاستراتيجية ذات صلة بطموحاتهم الشخصية وأعمالهم اليومية. يجب توضيح الفوائد التي تعود على الأشخاص ومعالجة أي مخاوف تؤثر على مصالحهم. وقد شدد هيوبرت جولي، الرئيس التنفيذي السابق لشركة بيست باي، على ربط أحلام ودوافع الموظفين بهدف الشركة واستراتيجيتها؛ وهو التحرك الذي كان له دور كبير في نجاح تحول الشركة.
لتحقيق أولويات واقعية واتخاذ قرارات صعبة بشأن التنازلات، يجب على القادة الكشف عن الديناميكيات العميقة للعلاقات داخل الفريق (“كيف نتفاعل مع بعضنا فعليًا؟”)، وتعزيز بيئة من الأمان النفسي والثقة. من دون هذا التحضير المسبق، غالبًا ما يتحول التخطيط الاستراتيجي إلى مجرد عرض شكلي يفتقر إلى التزامات حقيقية. على سبيل المثال، واجه المسؤولون التنفيذيون في إحدى شركات السلع الاستهلاكية سريعة النمو صعوبةً في اتخاذ قرار رئيس بشأن تمويل بعض الأفكار على حساب أخرى. وبدلًا من معالجة القضية بشكل مباشر، لجؤوا إلى المزاح وتجنبوا القضايا الجوهرية. وقد ساعد إشراك ميسّر في جلسات التخطيط الاستراتيجية على تحديد الديناميكيات الكامنة وإعادة توجيه النقاشات نحو حوارات أكثر فاعلية وبنّاءة. في الشركة نفسها، نظم المسؤولون التنفيذيون جلسة مع المديرين المتوسطين لتحسين الاستراتيجية، شاركوا خلالها التحديات والدروس المستفادة؛ بما في ذلك صعوبات اتخاذ القرار واختلافات الشخصية. هذا الانفتاح على نقاط الضعف شجّع المديرين المتوسطين على التعبير عن تحدياتهم ومخاوفهم، مما عزز نهجًا أكثر تعاونًا وصدقًا في التخطيط الاستراتيجي.
- خطّط ببطء لتُنفِّذ بسرعة
كثيرًا ما يندفع القادة إلى وضع خطط التنفيذ التفصيلية، وهي مرحلة غالبًا ما يتم التقليل من قيمتها في التخطيط الاستراتيجي. بعد جهد طويل في تطوير الاستراتيجية، يشعرون بالإرهاق ويتحمسون للعودة إلى أعمالهم المعتادة؛ مما يؤدي إلى تقديم إرشادات محدودة حول عناصر أساسية لضمان نجاح التنفيذ؛ مثل وضوح النطاق، والمخرجات الرئيسة، والأدوار، والمسؤوليات. يمكن أن يؤدي هذا الإهمال إلى تجاوز المشاريع للميزانية والجدول الزمني، وضعف تحقيق الفوائد المتوقعة، وإحباط أصحاب المصلحة.
وجدت أبحاث شركة بريدج الاستشارية أن 85٪ من المنظمات تفشل في تحقيق ثلثي أهدافها الاستراتيجية أو أكثر. قد يبدو الأمر غير بدهي، لكن تخصيص الوقت الكافي لوضع خطط تنفيذ مفصلة يسرّع من عملية تنفيذ الاستراتيجية بشكل أكثر كفاءة. تحديد هذه الخطط يمثل الانتقال من تطوير الاستراتيجية إلى تنفيذها من قبل الأفراد. في هذه المرحلة، يزداد عدد الأشخاص المشاركين بشكل كبير، ويصبح نطاق المشروع الاستراتيجي، والمخرجات، واضحة، ومحددة. يمكن أن يُحيي هذا التحول النقاشات الاستراتيجية الأساسية مع الأشخاص الذين سيكونون معنيين بالتنفيذ.
على الرغم من أن تسهيل هذه النقاشات يتطلب وقتًا وعملية معينة، يجب على القادة تحفيز الموظفين المعنيين بالتنفيذ من أجل تجاوز الاستراتيجية، لتصبح مجرد وثائق وورش عمل. تجاوز تلك النقاشات وبناء توافق أولي يعد إنجازًا كبيرًا في حد ذاته. يجب على القادة تخصيص لحظة للتحقق من الالتزام ومنح ترخيص للتنفيذ، حيث سيكون الموظفون عندها مستعدين للعمل بجدية على التنفيذ. في إحدى شركات الخدمات المهنية، على سبيل المثال، كان لكل مشروع استراتيجي راعٍ من القيادة مسؤول عن نجاح تنفيذ المشروع. بعد تحدي الفرق لتطوير خطط تنفيذ قوية، منح القادة كل فريق رسميًّا ترخيصًا للتنفيذ.
- التعلم والتكيف.
عندما تبدأ الاستراتيجية في مرحلة التنفيذ الكامل، فإن وجود بعض الصرامة في الخيارات الاستراتيجية يعدّ أمرًا جيدًا، فالاتساق في الخيارات أساسي لتعزيز التفاعل البشري، ومع ذلك، لا ينبغي أن يمنع هذا الاتساق القادة من ضبط الخيارات لجعلها أكثر فاعلية. إن التخطيط الاستراتيجي هو عمل مستمر يتطلب مرونة وتعلمًا. كما يتطلب التجريب، والتفكير الصادق، والتغييرات المتكررة. خلال مرحلة التنفيذ، تظهر رؤى حول ما ينجح وما لا ينجح. وقد تظهر تطورات جديدة خارجية تتطلب استجابة استراتيجية؛ لذا يجب على المنظمة أن تتكيف باستمرار مع الاستراتيجية.
على سبيل المثال، تقوم شركة أسانا، المزودة للبرمجيات، بجدولة أسبوع من التخطيط الاستراتيجي كل أربعة أشهر. تتيح هذه الوتيرة للقادة ضبط استراتيجياتهم بناءً على الدروس المستفادة والتطورات، وتضمن توافق الجميع في الشركة والتحرك في الاتجاه نفسه. كما تزيد هذه الوتيرة من التواصل بين الزملاء وتنشط جميع المعنيين.
يتجاوز التخطيط الاستراتيجي الناجح اتخاذ الخيارات الصحيحة؛ بل يتعلق بوضع الأشخاص في قلب العملية؛ إذ جمعت ساسكيا إيجاس ريبراز بين استراتيجية واضحة وتعاون حقيقي وتفاعل الموظفين في إعادة هيكلة هيما بالأسواق الديناميكية. يجب على الشركات أن ترى التخطيط الاستراتيجي كعملية مستمرة من التعلم والتكيف والاتصال البشري، من خلال إشراك الموظفين بشكل حقيقي، وتخصيص الوقت لوضع خطط تنفيذ مفصلة، والتعلم والتكيف المستمر، يمكن للمنظمات التأكد من أن استراتيجياتها تتناغم مع الأشخاص المسؤولين عن تنفيذها.
لا يجعل القادة الاستراتيجية تعمل؛ بل يأتي ذلك فقط من الأشخاص الذين يعملون داخل المنظمة. لن يكون الأمر سهلًا دائمًا؛ إذ يتطلب إدماج الموظفين في التخطيط الاستراتيجي وقتًا، ويعقد العملية. علاوة على ذلك، تحتاج إلى اكتشاف نهج يناسب الحمض النووي التنظيمي الخاص بك، وتجنب الخلط بين “الإدماج” واتخاذ القرارات المشتركة. ومع ذلك، تذكر المثل القائل: “إذا أردت أن تذهب بسرعة، فاذهب وحدك، وإذا أردت أن تذهب بعيدًا، فاذهب مع الآخرين”.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




