مقالات

من الليبرالية إلى الليبرتارية – محمد عبده أبوالعلا

يمثِّل هذا المقال عرضًا بانُوراميًا لأهم وأشهر التيارات الليبرالية الحديثة والمعاصرة التي تتداخل وتتشابك بشكل معقَّد للغاية يحول دون قُدرة الكثير من الباحثين على التمييز الدقيق أو الواضح بينها. إنه محاولة لاستكشاف واستجلاء الخيوط الرفيعة للغاية التي تفصل كل تيار ليبرالي عن غيره من التيارات الأخرى، بحيث يتمكن الباحث، بيُسر وسهولة، من تحديد مواقع هذه التيارات على خريطة الليبرالية ذات الحدود الكثيفة والأطراف المترامية. وفي هذا السياق، لا بدّ من إلقاء الضوء، ولو سريعًا، على الماركسية باعتبارها القُطْب المنافس لليبرالية.

تعدَّدت الرؤى والمذاهب الفلسفية حول طبيعة العلاقة بين حقّ الدولة في ممارسة القَسْر وحقّ الفرد في ممارسة الحرية. فالكشف عن طبيعة هذه العلاقة يمثِّل جوهر الفلسفة السياسية بأسرها، وبالتالي المدخل الضروري للولوج إلى إشكالاتها، وعلى رأس هذه الإشكالات إشكالية العدل الاجتماعي (أو التوزيعي) social (or distributive) justice.

أثارت إشكالية العدل الاجتماعي- التي لا تزال مطروحة على طاولة النقاش- جدلًا واسعًا وحادًّا مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بين مذهبين كبيرين هما الليبرالية والماركسية؛ الأول يمجِّد من شأن الحرية الفردية على حساب الدور الاجتماعي للدولة، والثاني يمجِّد من شأن الدور الاجتماعي للدولة على حساب الحرية الفردية؛ الأول يرفع شعار “المصلحة الفردية أولًا”، والثاني يرفع شعار “المصلحة العامة أولًا”.

تدين الليبرالية (بشقيها السياسي والاقتصادي) بوجودها كمذهب فلسفي له ملامح محدَّدة ومعَالِم ثابتة إلى كلٍّ من جون لوك (1632-1704) وآدم سميث (1723-1790). فإلى الأول يعود الفضل في تحديد معَالِم شِقَّها السياسي، وذلك بدفاعه عن النظام الديمقراطي والحُكم الدستوري في مقابل الحُكم التعسفي والسلطان المطلق للملوك والكنيسة، وإلى الثاني يعود الفضل في تحديد معَالِم شِقَّها الاقتصادي، وذلك بدفاعه عن نظام السوق الحرة باعتباره الضامن الوحيد لحرية الملكية، والعمل، والتجارة، ومن ثم حرية المنافسة، إلى أقصى حدّ ممكن.

من منظور فردي ذرِّيّ للذات الإنسانية، تدافع الليبرالية عن المجتمع الرأسمالي، حيث تسود ديكتاتورية البرجوازية، التي تجعل الدولة أشبه بحارس ليلي يقتصر دوره على حراسة أسوار المدينة من الخارج والحفاظ على أَمْن سكانها وحماية ممتلكاتهم الخاصة من الداخل، فلا يكون للدولة بذلك حق التدخُّل في الأنشطة الاقتصادية للأفراد إلا في أضيق الحدود. ومن منظور مغاير، أقصد المنظور الاجتماعي التشارُكي للذات الإنسانية، تدافع الماركسية عن المجتمع الاشتراكي، حيث تسود ديكتاتورية البروليتاريا، التي تجعل الدولة المسؤول الوحيد عن إدارة وسائل الانتاج وتوجيه النشاط الاقتصادي بأكمله وفق خطة مركزية تهدف إلى تحقيق الرَّفاه للجميع وليس للأقلية البرجوازية فقط.

من هذا المنطلق، تتمثل الدولة الوحيدة المشروعة أخلاقيا من المنظور الليبرالي فيما بات يُعرَف بـ”دولة الحارس الليلي” night watchman state، وفي المقابل، تتمثل الدولة الوحيدة المشروعة أخلاقيًا من المنظور الماركسي فيما بات يُعرَف بـ”دولة الرَّفاه” welfare state.

تضطلع دولة الرَّفاه بالتطبيق التدريجي للعدل في توزيع الموارد الاقتصادية والثروات الطبيعية بين المواطنين عَبْرَ خطوتين: الأولى، إلغاء نظام الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، والثانية، تحقيق قَدْر معيَّن من الوفرة الانتاجية. فالإنتاج في المجتمع الماركسي نشاط جماعي وليس فرديًا. لذا، يتعيَّن على الدولة توجيه هذا الإنتاج لسد حاجة الجميع في نهاية المطاف. فعن طريق توجيه الإنتاج مركزيًا يتم تقليص التفاوتات الطبقية الفجَّة في المجتمع كتمهيد لإلغاء هذه التفاوتات تمامًا في مرحلة لاحقة يُطلِق عليها ماركس “الشيوعية”. بحسب ماركس، إنَّ المساواة المجردة بين المواطنين سوف تتحول إلى واقع اجتماعي يعيشه الناس بالفعل في المجتمع الشيوعي، حيث تزول الطبقية، ومن ثم الدولة، التي لا تمثِّل في جوهرها سوى أداة للعنف المنظم تستخدمها طبقة لقمع طبقة أخرى.

على خلاف دولة الرَّفاه، يقتصر دور دولة الحارس الليلي على حماية الحقوق الطبيعية للأفراد، وعلى رأس هذه الحقوق حقّ الفرد في التملُّك، وبالتالي حقَّه في التصرُّف في ممتلكاته كيفما يشاء من دون تدخُّل أو توجيه من قِبَل الدولة. في الواقع، إنَّ دور دولة الحارس الليلي في النشاط الاقتصادي يقتصر على مراقبة مدى التزام السوق في سيرورته بالقواعد المحايدة (من وجهة نظر الليبراليين طبعًا)، تلك القواعد التي تضمن، على حدّ زعمهم، حرية المنافسة الشريفة البعيدة عن الممارسات الاحتكارية، فضلًا عن حيِّز ضيِّق للخدمات الاجتماعية.

بوجه عام، يدافع الليبراليون عن نظام السوق الحرة الذي يخضع لقوى العرض والطلب دونما أية تدخُّلات أو تنظيمات حكومية تتعلق بالإنتاج، أو الأسعار، أو الأجور، أو الأرباح. فهذا النظام، من وجهة نظرهم، هو الأكثر احترامًا للحرية الفردية والملكية الخاصة، ومن ثم الأكثر عدلًا. إنَّ التخطيط الحكومي للتقليل من التفاوتات الاقتصادية بين المواطنين يتعارض، بحسب الليبراليين، مع الحرية الاقتصادية التي تضمن وَحْدَها حصول طرفي كل عملية تبادلية على ما يستحقَّه كلٌّ منهما وفقا لقوى العرض والطلب.

هذه هي الخطوط العريضة لما يُسمَّى عادة بـ”الليبرالية الكلاسيكية”. والليبرالية الكلاسيكية لا تختلف في شيء يُذكر عما صار يُعرف لاحقًا- في سبعينيات القرن العشرين- بـ”النيوليبرالية”، إلا في اقتراب الأخيرة بشكل أكبر من النزعة الأَنَوِيَّة، ومن ثم التأكيد بشكل أكبر على المصالح الفردية والخيرات الشخصية على حساب المصالح العامة والخيرات الاجتماعية. فالنيوليبرالية، كما تتمثل في الأفكار الاقتصادية والسياسية عند فريدريك هايك (1899-1992) وميلتون فريدمان (1912-2006)، تغالي في نزعتها الفردية بشكل ملحوظ يظهر جليًّا من خلال تأكيدها على إطلاق الحرية الاقتصادية إلى أبعد مدى ممكن. على سبيل المثال، دَعا ميلتون فريدمان الدولة إلى عدم فرض ضرائب على المواطنين (بما في ذلك الأغنياء وأصحاب الشركات والمشاريع الاستثمارية الكبرى) بنسبة تتجاوز 10 أو 15 في المئة في أقصى الحالات، وذلك أُسْوة بالكنسية التي كانت تَجبي من أتباعها العُشر فقط. فهذه المعدلات الضريبية، بحسب فريدمان، تكفي لتمويل المُهِمَّات والخدمات الحكومية.

سواء بالنسبة لليبراليين الكلاسيكيين أو النيوليبراليين، تمثِّل حرية السوق شرطًا أساسيًا لإقامة نظام اجتماعي عادل ينعم فيه الناس بالحرية الفردية والملكية الخاصة. فتوجيه النشاط الاقتصادي، بدعوى تحقيق الرَّفاه الاجتماعي أو الصالح العام، يُعَدّ، من وجهة نظرهم، قتلا عَمْدا لروح المبادرة الفردية وإهانة لا تُغتفر للكرامة الإنسانية. إنَّ تَرْك السوق يعمل من تلقاء نفسه سوف يؤدي، من دون حاجة إلى تدخُّل الدولة (باستثناء توفير بعض خدمات الرعاية الاجتماعية في حدود معيَّنة)، إلى تحقيق خير المجتمع ككل. هذا ما عبَّر عنه آدم سميث في كتابه “ثروة الأمم” عندما ذهب إلى إنَّ سعي الأفراد في النظام الرأسمالي لتحقيق مصالحهم الشخصية يحقِّق بشكل تلقائي- عن طريق يد خفية- مصلحة الجماعة. فعلى حدّ زعم الليبراليين الكلاسيكيين والنيوليبراليين، هناك توافق طبيعي بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية.

مما سبق، نجد أنَّ الليبرالية، سواء في مرحلتها الأولى (الليبرالية الكلاسيكية) أو مرحلتها الثانية (النيوليبرالية)، لا تلغي الدور الاجتماعي للدولة بشكل تام وإنما تجعله في حدود ضيقة كما هو الحال عند الليبراليين الكلاسيكيين أو في حدود ضيقة للغاية كما هو الحال عند النيوليبراليين. إذن، النيوليبراليون أنفسهم، بالرغم من نزعتهم الأَنَوِيَّة المُفْرِطة، لا ينادون بإلغاء سياسات الرَّفاه الاجتماعي بشكل تام؛ وهذا ما أعلنه فريدريك هايك نفسه صراحة عندما أقرَّ في كتابه “الطريق إلى العبودية” بإمكانية التعايش بين الحرية الفردية وتدخُّل الدولة لتحقيق الأمن الاقتصادي، منبِّها إلى عدم أخذ هذا الأمن بالمعنى المطلق؛ لأن التطلع إلى الأمن بهذا المعنى يهدِّد الحرية الفردية ذاتها. فالأمن الذي لا يتعارض مع الحرية الفردية، هو- بتعبير هايك- “الأمن المحدود”، الذي يمكن تأمينه للجميع وليس أمن مطلق لا يستطيع مجتمع حرّ أنْ يمنحه للجميع.

من ناحية أخرى، تشدِّد النيوليبرالية على العلاقة الوثيقة بين الحرية الفردية في صيغتها الاقتصادية والحرية الفردية في صيغتها السياسية، حيث تجعل الحرية الاقتصادية، على حدّ تعبير ميلتون فريدمان، “شرطًا ضروريًا للحرية السياسية”. إنَّ الحرية السياسية من المنظور النيوليبرالي غير قابلة للتحقُّق الفعلي إلا في ظل دولة الحارس الليلي التي يقتصر دورها على حماية سيرورة النظام التلقائي للأفعال الإنسانية. فهذا النظام التلقائي spontaneous order، الذي دافع عنه الليبراليون الكلاسيكيون والنيوليبراليون على حدّ سواء، يمثِّل السمة الرئيسة للمجتمعات الرأسمالية الحرة، تلك المجتمعات التي تتشكل ذاتيًا بمنأى عن أيّ تخطيط، أو حتى توجيه، مركزي متعمَّد.

من هذا المنظور، فإن التوزيع العادل للثروة داخل المجتمع يتطلب بالضرورة وجود السوق الحرة التي تمثِّل المجال الوحيد للتوزيع التلقائي الحر للملكيات الخاصة بين أعضاء المجتمع. وهكذا، فإن توزيع الثروة الناجم عن التبادلات الطوعية والصفقات الإرادية للملكيات الخاصة هو وحده التوزيع الذي يمكن وصفه بأنه عادل، أيًّا كان شكل هذا التوزيع وما ينتج عنه من تفاوتات اقتصادية.

يمكن أنْ نقول إنَّ هذا هو التصور الليبرالي العام للعدل الاجتماعي من وجهة نظر الليبراليين الكلاسيكيين والنيوليبراليين. لكن هذا التصور قد طرأ عليه تغييرًا ملحوظًا فيما بات يُعرف لاحقًا بالليبرتارية libertarianism. فإذا كان الليبراليون الكلاسيكيون والنيوليبراليون قد سمحوا، بشكل أو بآخر، في تصورهم للعدل الاجتماعي بوجود هامش لدور الدولة في مجال الرعاية الاجتماعية، فإننا نجد أنَّ الليبرتاريين قد ألغوا تمامًا هذا الهامش، بما في ذلك الهامش الضيِّق جدًا الذي سَمَحَ به- على استحياء طبعًا- النيوليبراليون.

تمثِّل الليبرتارية توجُّهًا ليبراليًا معاصرًا ينحو منحى فرديًا متطرِّفًا إلى حدّ تجريد الدولة تمامًا من أية مسؤولية اجتماعية. بحسب روبرت نوزيك (1938- 2002)، الذي رَسَمَ الملامح الأساسية لليبرتارية بهذا المعنى في كتابه الشهير “الفوضوية، والدولة، واليوتيوبيا” Anarchy, State and Utopia (1974)، الدولة الوحيدة المشروعة أخلاقيًا هي دولة الحد الأدنى minimal state، التي تقتصر مهامها، على حدّ تعبيره، “على حماية الأفراد ضد العنف، والسرقة، والاحتيال، فضلًا عن تنفيذ العقود [التي تم إبرامها بين الأفراد عن تراضٍ]”. وعلى هذا، لا يجوز للدولة التدخُّل بأي وجه من الأوجه في عملية التبادل الطوعي للملكيات الخاصة بين الأفراد مهما كان حجم التفاوتات الاقتصادية والآثار الاجتماعية الناجمة عن هذا التبادل. إنَّ أيّ تدخُّل من قِبـَل الدولة في هذه العملية يُعدّ اعتداءً صريحًا على حقّ الحرية الفردية وحقّ الملكية الخاصة في آن واحد؛ وهو ما يتعارض مع حقيقة كَوْن الأشخاص مستقلون، ومن ثم يمثلون غايات في ذواتهم بالمعنى الكانطي.

من هذا المنطلق الليبرتاري، يرفض نوزيك كل نظريات العدل الاجتماعي التي تقترح على الدولة مبدأً أو مبادئ بعينها كنمط (أو نموذج) pattern للتوزيع الأفضل أو الأمثل للثروة في المجتمع. ويضرب نوزيك مثلًا على هذه النظريات بالنفعية، والماركسية، ونظرية “العدل كإنصاف” justice as fairness عند جون رولز (1921-2002)، حيث تقترح الأولى المبدأ البنتامي (نسبة إلى جيرمي بنتام) الشهير: “تحقيق أكبر قَدْر من الرَّفاه لأكبر عدد من الناس”؛ وتقترح الثانية مبدأ “من كل حسب قدرته إلى كل حسب عمله” كمرحلة أولى (المرحلة الاشتراكية)، حيث سيتحول هذا المبدأ في مرحلة لاحقة وأخيرة (المرحلة الشيوعية) ليصبح على النحو التالي: ” من كل حسب قدرته إلى كل حسب عمله”؛ وتقترح الثالثة المبدأ الرولزي الشهير: “مبدأ التفاوت” difference principle، الذي يقضي بتوزيع ثمار الانتاج على نحو يستفيد منع جميع أعضاء المجتمع، لا سيِّما الشريحة الأكثر فقرًا (أو الأقل حظًا the least advantaged على حدّ تعبير رولز).

في كتابة “الفوضوية، والدولة، واليوتوبيا” يميِّز نوزيك بين نوعين من النظريات: النظريات النمطية في العدل patterned theories of justice والنظريات اللانمطية في العدل unpatterned theory of justice، الأولى تقترح، كما أشرنا للتَّوّ، مبدأً أو مبادئ بعينها لتوزيع، أو بالأحرى إعادة توزيع، الثروة في المجتمع؛ والثانية، على عكس الأولى، لا تعترف بأية مبادئ تقود التوزيع إلى مسار معيَّن، حيث أنَّ الاعتراف بمعايير معيَّنة للتوزيع (مثل الجدارة الأخلاقية، أو الحاجة، أو المنفعة… الخ) يستتبع  بالضرورة تدخُّل الدولة في عملية التبادل الطوعي للملكيات الخاصة؛ الأمر الذي يُعدُّ تقويضًا للعدل الاجتماعي ذاته.

إذن، بحسب نوزيك، ليس هناك شكل أو نموذج بعينه للتوزيع يمكن وصفه بأنه عادل، لأن التوزيع العادل هو الذي ينشأ عن التبادل الطوعي للسلع والمنتجات أيًّا كان شكل هذا التوزيع- حتى لو تراكمت الثروة في يد فئة قليلة من الناس في المجتمع. والمجال والوحيد الضامن لهذا التبادل الطوعي هو، من منظور نوزيك، السوق الحرة حرية مطلقة، حيث لا وجود لأي دور للدولة، سواء اجتماعي أو حتى رقابي.

من هذا المنظور الفردي المتطرف، انصبَّ جُلّ اهتمام نوزيك على تفنيد نظرية “العدل كإنصاف” عند رولز، تلك النظرية التي عرضها رولز في كتابه العُمْدَة “نظرية في العدل” A Theory of Justice (1971). حقَّقت “نظرية العدل كإنصاف” شهرة غير مسبوقة وأثارت حولها جدلًا واسعًا لا يزال مستمرًا حتى الآن. فكتاب “الفوضوية، والدولة، واليوتوبيا” لروبرت نوزيك هو في الأساس ردّ ليبرتاري على هذه النظرية التي- بحسب نوزيك- تَحْرِم الناس من الحقّ في امتلاك ثمار استخدامهم لمواهبهم الطبيعية وقدراتهم الخاصة إلا في حالة واحدة فقط: عندما يعود ذلك بالنفع الناس الأكثر فقرًا أو حرمانًا.

في الواقع، تشتمل نظرية رولز في العدل الاجتماعي (من خلال مبدأ التفاوت بوجه خاص) على بُعد اشتراكي واضح. وهذا هو السبب الرئيس الذي يقف وراء الهجوم الشرس الذي شنه نوزيك على رولز. فبالرغم من اعتراف نوزيك بأهمية نظرية رولز وإعجابه الشديد بعمقها ونسقيتها، إلا أنه يرفض ما تطرحه هذه النظرية من تبريرات لدولة الرَّفاه، تلك التبريرات التي تنطلق من فكرة أساسية- يعارضها نوزيك تمامًا- مُفادُها أنَّ الثروة نِتاج اجتماعي وليس فرديًا.

بالوصول إلى نظرية العدل كإنصاف عند جون رولز نكون قد وصلنا إلى الليبرالية الاجتماعية كمذهب سياسي واجتماعي له معالمه الواضحة، تلك المعالم التي اكتملت وأصبحت أكثر وضوحًا على يد الفيلسوف السياسي والقانوني الأميركي رونالد دوركين (1931-2013). فإذا كان رولز يرى أنَّ تحقيق المساواة الكاملة في ظل النظام الرأسمالي يُعَدّ ضربًا من المستحيل وأنَّ أقصى ما نأمله هو أنْ نقترب منها بقَدْر الإمكان، فإن دوركين، في المقابل، يرى إمكان تحقيق المساواة الكاملة في ظل النظام الرأسمالي، بل يرى أنَّ النظام الرأسمالي شرط ضروري لتحقيق المساواة الكاملة. لكن يجب أنْ نلاحظ هنا أنَّ المساواة التي يقصدها دوركين ليست هي نفسها المساواة التي يقصدها رولز. فالمساواة التي يقصدها دوركين هي المساواة في فُرص الرَّفاه وليس المساواة في الرَّفاه أو النجاح كما هو الحال عند رولز. لقد رَفَضَ دوركين المساواة في الرَّفاه عند رولز لأنها تستتبع أنَّ الإنسان غير مسؤول عن قراراته أو أفعاله. ولكن بالرغم من دفاع دوركين عن المساواة بهذا المعنى، إلا أنه يؤكد في الوقت ذاته على ضرورة اضطلاع الدولة بتعويض مَنْ يعانون تدهورًا في أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية بسبب ظروف قهرية ليست من اختيارهم unchosen circumstances. ويضرب دوركين مثلًا على هذه الظروف القهرية بافتقار بعض الناس إلى المواهب الطبيعية، ما يجعلهم غير قادرين على استغلال فُرص الرَّفاه والنجاح، أو تعرُّض بعض الناس لضربة حظ سيء غير متوقَّعة، ما يجعلهم يتعرَّضون للإفلاس، أو يعجزن عن العمل، أو يخسرون مصدر دخلهم الوحيد.

بوجه عام، تطرح الليبرالية الاجتماعية رؤية فلسفية جديدة وطريفة تقبل التجاوُر، أو التعايش، بين الحرية، من ناحية، والمساواة، أو حتى شبه المساواة، من ناحية أخرى. فعلى خلاف الليبراليين الكلاسيكيين، والنيوليبراليين، والليبرتاريين، فضلًا عن الماركسيين، لا يرى الليبراليون الاجتماعيون تعارُضًا أو تناقُضًا حتميًا بين المساواة والحرية أو بين دولة الرَّفاه والنظام الرأسمالي.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق