مقالات

هل تشكيلُ الأذهان حجرُ الأساس للإدراك الاجتماعي البشري؟

بيير جاكوب - ترجمة: علي رضا

«الاطراد الذي يوحدنا في التواصل والاعتقاد هو اطراد الأنماط الناتجة التي تعلو التنوع الذاتي الفوضوي للصلات بين الكلمات والتجربة. تظهر أهمية هذا الاطراد اجتماعيًا … فالأشخاص المختلفون الذين ينشؤون على نفس اللغة يشبهون الشجيرات المختلفة التي تم تشذيبها وتهذيبها لتأخذ شكل أفيال متطابقة. ستملأ التفاصيل التشريحية للأغصان والفروع صورة الفيل بشكل مختلف من شجيرة إلى شجيرة، لكن النتائج الخارجية الإجمالية ستكون متماثلة» (كواين، 1960، ص 8).

«يفرض المجتمع الاطراد الخارجي من خلال غرس اللغة والضغط من أجل تواصل سلس» (كواين، 1990، ص 44).

تشكيل الأذهان Mindshaping هو عنصر معجمي حديث نسبيًا في فلسفة الإدراك الاجتماعي. صاغه الفيلسوف ماتيو ماميلي Matteo Mameli في ورقة بحثية (2001) قبل أن ينتشر على يد الفيلسوف تاد زويدزكي Tad Zawidzki في كتابه (2013)، باعتباره «المحور الرئيسي لمتلازمة الإدراك الاجتماعي البشرية». فما هو «تشكيل الأذهان»؟ هناك اختلاف دلالي طفيف، ولكن هام، في الكيفية التي يقترح بها ماميلي وزويدزكي استخدام هذا المصطلح.

فمن ناحية، أدخل ماميلي مصطلح تشكيل الأذهان ضمن هيكل تطوري واسع باعتباره أحد الأدوات المتعددة المرتبطة بدراسة بناء الموطن Niche construction لدى العديد من الأنواع الحيوانية المختلفة؛ بما في ذلك الطرق المختلفة التي قد يتشكل بها ذهن الحيوان بشكل غير مقصود بواسطة نتائج أفعال أفراد نوعه. ومن الناحية الأخرى، من بين الظواهر التي قصد ماميلي إبرازها كانت التفاعلات المتبادلة بين تشكيل الذهن البشري وقراءة الذهن البشري[1] mindreading، بما في ذلك التأثيرات التشكيلية لقراءة الذهن البشري، أي التأثيرات التطورية لقراءة الذهن البشري على باقي عمليات الإدراك الاجتماعي البشري.

يختلف استخدام زويدزكي (2013) لنفس المصطلح عن استخدام ماميلي له في أحد الجوانب الهامة: يتوقع زويدزكي أن يحل «تشكيل الأذهان» محل «قراءة الأذهان» باعتباره حجر الأساس للإدراك الاجتماعي البشري. فيشير استخدام زويدزكي إلى آليات معرفية اجتماعية مختلفة (مثل التقليد والتعليم) اختارها التطور، وتتمثل وظيفتها في تمكين فعل النموذج [المُقلَد] من دفع الفاعل [المُقلِّد] إلى محاكاة فعل النموذج في بعض النواحي الهامة. من المفترض أن تعمل آليات تشكيل الأذهان على تعزيز التنبؤات السلوكية البشرية عبر جعل سلوكيات أفراد المجتمع البشري تتطابق مع توقعات بعضهم البعض. يشترك البشر والحيوانات غير البشرية في بعض آليات تشكيل الأذهان؛ أما بعضها الآخر -«المحفزَة داخليًا»- فهي بشرية بشكل مميز.

نظرًا إلى كونه «المحور الرئيسي لمتلازمة الإدراك الاجتماعي البشرية»، فإنه يلزم على تشكيل الأذهان استيفاء ثلاثة شروط. أولاً، كما يوحي الاسم، يجب أن يشكل ذهن الفاعل، وليس سلوكه فقط. ثانيًا، يجب أن يكون مستقلًا عن «قراءة الأذهان». ثالثًا، يجب أن يجعل قراءة الأذهان ممكنة أو، كما يحب زويدزكي أن يقول، أن يجعلها »غير مستعصية حسابيًا».

وفق تصور زويدزكي فإن تشكيل الأذهان هو المحور الرئيسي لمتلازمة الإدراك الاجتماعي البشرية لأنه يُتوَقَع منه أن يجانس عقول أعضاء المجموعات الاجتماعية البشرية التي بدونه كانت ستتباعد بشكل اعتباطي عن بعضها البعض بطرق عديدة وبأشكال غير محددة. ما يسميه زويدزكي «تشكيل الأذهان» يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالصورة المعيارية والتنظيمية التي يقوم بها علم النفس الشعبي كما تراه الفيلسوفة فيكتوريا ماكجير Victoria McGeer (2007، 2015) بوصفه «مؤسسة بين-فردية inter-personal تحكمها القواعد والمعايير، حيث نأتي لتشكيل وتنظيم حالاتنا العقلية ونزعاتنا بطرق يُتعرّف عليها اجتماعيًا».

يمكن أيضًا النظر إلى فكرة تشكيل الأذهان على أنها جزء من إرث كواين السلوكي المتطور، كما توحي مقولته في (1960، 1990) «مثل الشجيرات المشذبة، المتماثلة في الشكل الخارجي ولكن تختلف أغصانها وفروعها الداخلية بشدة». وبالنظر إلى أن كواين نفسه كان يميل إلى تفسير المواقف القضوية (propositional attitudes) للفرد على أنها نزعات سلوكية، فإن التحدي الحقيقي هو إجابة سؤال ما إذا كان تشكيل الأذهان، وفق قصد زويدزكي، يمكن حقًا أن يشكل أذهان الناس في حال ما لم تكن الأذهان مجرد نزعات سلوكية، وفي حال كونه مستقلًا عن قراءة الأذهان.

بشكل عام، ما يرفضه زويدزكي (2013، 2018) هو وجهة النظر «المعهودة» القائلة بأن «قراءة الأذهان» (أو عزو الحالات العقلية إلى الآخرين) هي ابتكار أساسي في علم تطور السلالات Phylogenetics والذي يعتمد عليه «باقي متلازمة الإدراك الاجتماعي البشرية المميزة». بعبارة أخرى، يرفض زويدزكي وجهة النظر القائلة بأن تفاعلات الإدراك الاجتماعي اليومية تستند بشكل مباشر إلى قدرة «قراءة الأذهان» على مناظرة السلوك المرصود للفاعل بمعتقداته، ورغباته، ومواقفه القضوية الأخرى، وأيضًا على الحالة العكسية المتعلقة بالتنبؤ بالسلوك المرصود للفاعل بواسطة مواقفه القضوية. عوضًا عن ذلك، يحاجج زويدزكي بأن الابتكار الأساسي في علم تطور السلالات هو «تشكيل الأذهان»، والذي بدونه سيكون عزو الاعتقادات، والرغبات، والمواقف القضوية، إلى الآخرين بشكل دقيق وملائم، أي «في الوقت الملائم بما يكفي لإحداث فارق في التنبؤات السلوكية في السياقات الديناميكية اليومية»، أمرًا مستعصي حسابيًا (زويدزكي، 2013، ص 65).

باختصار، تثير مقاربة زويدزكي للإدراك الاجتماعي البشري، التي تقدم «تشكيل الأذهان» الأولوية، قضيتين مرتبطتين. (1) هل بإمكان «تشكيل الأذهان» أن يشكل ذهن الفاعل وأن يكون مستقلاً عن «قراءة الأذهان»؟ (2) إلى أي مدى تكون «قراءة الأذهان» غير مستعصية حسابيًا في الوقت الفعلي Real-Time؟ إذا تبين أن «قراءة الأذهان» ليست مستعصية بالمعنى الذي أبرزه زويدزكي، فإن السؤال عما إذا كان «تشكيل الأذهان» قد يشكل عقول الناس وأن يكون مستقلاً عن «قراءة الأذهان» سيصبح عقيمًا. في ما يلي، سأركز على السؤال الثاني حول الاستعصاء المزعوم بخصوص «قراءة الأذهان» على حساب السؤال الأول.

يشير زويدزكي إلى سمتين مرتبطتين بما يسميه «قراءة الأذهان» بشكل «مصقول» أو «تام»، واللتان، كما يقول، من المرجح أن تجعلاها مستعصية حسابيًا في الوقت الفعلي. أولاً، يتطلب النوع التام (أو المصقول) من «قراءة الأذهان» فهم مظهرية Aspectuality الاعتقاد (والمواقف القضوية الأخرى) أو بشكل مكافئ فهم مفهومية (أو لا-ماصدقية) إقرارات الاعتقاد. ثانيًا، يكون عزو الاعتقادات كلانيًا holistic بمعنى أن أي تسلسل محدود للسلوك المرصود للفاعل هو متوافق مع عدد غير محدود من ثنائيات اعتقاداته ورغباته.

ومن أجل رؤية ما هو متضمن في الفهم المشترك لمظهرية الاعتقاد ومفهومية إقرارات الاعتقاد، افترض أن آن Ann تعرف أن «شيشرون Cicero» و«تولي Tully» يشيران إلى نفس الشخص. إذا كانت آن تعتقد أن شيشرون كان طويل القامة، فهي تعتقد أيضًا أن تولي كان طويل القامة. لنفترض الآن أن سالي تعتقد أيضًا أن شيشرون كان طويل القامة، لكنها لا تعرف أن «شيشرون» و«تولي» يشيران إلى نفس الشخص. إذا كان الأمر كذلك، فمن المحتمل ألا تعتقد أن تولي كان طويل القامة. تفهم آن مظهرية الاعتقاد فقط إذا فهمت أن سالي قد تعتقد أن شيشرون كان طويل القامة في حين أنها قد لا تعتقد أن تولي كان طويل القامة. وبالمثل، تفهم آن مفهومية إقرارات الاعتقاد فقط إذا فهمت أن مقولة «تعتقد سالي أن شيشرون كان طويل القامة» صحيحة، في حين أن مقولة «تعتقد سالي أن تولي كان طويل القامة» خاطئة. يدعي زويدزكي أن فهم كل من مظهرية الاعتقاد ومفهومية إقرارات الاعتقاد هو شرط ضروري للوصول إلى «قراءة الأذهان» بشكل تام (أو مصقول). هذا اشتراط قوي، لكن يشاركه فيه عديد من الفلاسفة وعلماء النفس (راجع Butterfill & Apperly، 2014).

كما يدعي زويدزكي أن عزو الاعتقادات هو أمر كلاني بالمعنى الذي أبرزته أطروحة دوهيم-كواين Duhem-Quine الشهيرة حول تأكيد الفرضيات العلمية. تقول أطروحة دوهيم-كواين إن الفرضيات العلمية تواجه محكمة الأدلة فقط بوصفها «بنية جماعية»، وليس بشكل فردي (راجع كواين، 1950). فمن أجل اختبار فرضية علمية، يحتاج المرء إلى استنباط تنبؤ، لكن لا يستنبط المرء التنبؤات من بعض الفرضيات ذات الصلة إلا إذا تم دمجها مع التمثيل المناسب، والفرضيات المساعدة، وقوانين المنطق. تبيّن خطأ تنبؤ علمي معين لا يستلزم منطقيًا بطلان الفرضية العلمية قيد الاختبار. فقد يتم رفض أي من الافتراضات المتعددة (بما في ذلك قوانين المنطق، وفقًا لكواين) المتضمنة في استنباط التنبؤ من الفرضية العلمية إذا تم دحض هذا التنبؤ. وعلى النقيض، قد يتم دعم الفرضية العلمية تجريبيًا بأدلة غير متوقعة إذا أظهر البحث العلمي بشكل مفاجئ أن الفرضية تستلزم حدوثها منطقيًا.

توسعت أطروحة دوهيم-كوين لاحقًا بشكل مشهور على يد جيري فودور Jerry Fodor (1983، 1987) من تأكيد الفرضيات العلمية إلى تثبيت الاعتقادات اليومية العادية غير العلمية من خلال ما يسمى بـ«عمليات التفكير المركزية». ومن ثم يحاجج زويدزكي بشكل معقول بأنه إذا تبين أن تثبيت الاعتقادات غير العلمية العادية هو كلاني، فإن الحال سيكون كذلك بالنسبة إلى تثبيت اعتقادات الرتبة الأعلى (higher order) حول الاعتقادات غير العلمية للآخرين[2].

باختصار، قد ننظر إلى استعصاء قراءة الأذهان حسابيًا على أنه نقطة التقاء لاثنين من التزامات زويدزكي: أولاً، أن فهم مظهرية الاعتقاد هو شرط ضروري للحصول على قراءة ذهنية تامة؛ ثانيًا، أن مظهرية الاعتقاد تجعل تثبيت اعتقادات الرتبة الأعلى حول اعتقادات الآخرين كلانية بشكل لا يقبل الانفصام. للتلخيص: «طالما تم إجراء التعديلات المناسبة على المواقف القضوية الأخرى للهدف التفسيري»؛ فإن أي تسلسل محدود للسلوك المرصود للفاعل هو متوافق منطقيًا مع عدد غير محدود من ثنائيات اعتقاداته ورغباته. وعلى النقيض، ستتوافق منطقيًا أي من ثنائيات اعتقادات ورغبات الفاعل ذات الصلة مع العديد من التسلسلات المحدودة والمميزة لسلوكه المرصود (زويدزكي، 2013، ص 75).

ما يعتبره زويدزكي بشكل معقول مستعصي إدراكيًا هو استبعاد جميع البدائل المنافسة ذات الصلة. فكيف يمكن استبعاد كل ثنائيات الاعتقادات والرغبات ذات الصلة المتوافقة مع التسلسل المحدود للسلوك المرصود للفاعل؟ وكيف يمكن استبعاد كل التسلسلات المحدودة للسلوك المرصود للفاعل المتوافقة مع إعتقاداته ورغبته؟

إذا سلمنا جدلًا بمعظم -إن لم يكن كل- افتراضات زويدزكي حول «قراءة الأذهان»، والحقيقة أن بعضها غير مثير للجدل (على سبيل المثال، أن فهم مظهرية الاعتقاد ضروري لقراءة الأذهان)، فإن السؤال سيظل مطروحًا: هل يلزم علينا احتساب أحد اعتقادات الرتبة الأعلى حول الاعتقادات اليومية غير العلمية للآخرين على أنه غير مبرر، ما لم يتم استبعاد جميع اعتقادات الرتبة الأعلى البديلة؟ إن ادعاء زويدزكي حول الاستعصاء الحسابي لعزو الاعتقادات يُلزمه أن يجيب بنعم على هذا السؤال، مثلما يظهر ذلك بجلاء في مناقشته لمهمة الاعتقاد الخاطئ اللفظي القياسي [SFBT] حول موقع الشيء (راجع زويدزكي، 2013، ص 178-185).

في إحدى النسخ الكلاسيكية لسيناريو الاعتقاد الخاطئ هذا (راجع Wimmer & Perner، 1983؛ Baron-Cohen et al.، 1985)، تضع سالي (دمية) أولاً كراتها الزجاجية في السلة وتغادر. أثناء غيابها، تنقل آن (دمية أخرى) كرات سالي الزجاجية من السلة إلى صندوق مجاور. ثم تعود سالي وحينها يطلب صاحب الاختبار من الأطفال الصغار التنبؤ بالمكان الذي ستبحث فيه سالي عن كراتها الزجاجية. تم إجراء جميع الدراسات التجريبية القائمة على هذه المهمة على افتراض أن الإجابة الصحيحة لسؤال التنبؤ هي: ستنظر سالي في السلة الفارغة حيث تعتقد خطأً أن كراتها الزجاجية موجودة، وليس في الصندوق حيث توجد بالفعل. لكن كما يشير زويدزكي، هناك عدد لا يحصى من الاحتمالات. فربما أخبر شخص ما سالي عندما كانت خارج الغرفة أن آن نقلت كراتها الزجاجية من السلة إلى الصندوق. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الإجابة الصحيحة ستكون أن سالي ستنظر في الصندوق وليس في السلة. قد يرفض المشاركون أيضًا الإجابة على السؤال على أسس مشتركة مفادها أن الدمى لا تتحرك من تلقاء نفسها، وأنهم تفتقر إلى الاعتقادات والرغبات. يتخيل زويدزكي (2013، ص 179) بنفسه أنه حتى لو عرفت سالي أن آن نقلت الكرات الزجاجية من السلة إلى الصندوق، فقد تبحث عن كراتها الزجاجية في السلة لأنها تعلم أيضًا أنها «جزء من تجربة تختبر ما إذا كانت يمكن للطفل أن يجتاز مهمة الاعتقاد الخاطئ وبالتالي يلزم عليها التظاهر بأنها لا تمتلك الاعتقاد الصحيح» في انتهاك واضح لافتراض أن سالي دمية.

لن يختلف أحد مع زويدزكي في أن عزو الاعتقاد الخاطئ لسالي بأن كراتها الزجاجية موجودة في السلة قد يتم الطعن به بأعداد لا تحصى من الطرق المختلفة[3]. هل يلزم من ذلك أن زويدزكي (في المرجع السابق) محق في الادعاء الإضافي بأن «الاختبار المناسب لقياس التمكن من مفهوم الاعتقاد سيتطلب من الأطفال إظهار بعض التردد عند عزو الاعتقادات بناءً على أدلة محدودة، وربما أيضًا محاولتهم العثور على المزيد من الأدلة لاستبعاد التفسيرات المنافسة»؟ لا أظن ذلك.

افترض أننا سلمنا بالمطابقة بين التمكن من مفهوم «الاعتقاد» وقدرة «قراءة الأذهان» على عزو الاعتقادات إلى الذات والآخرين. أود أن أقترح أن اعتقاد الرتبة الأعلى حول اعتقاد الآخر لا ينبغي اعتباره غير مسوغ إذا لم يتم استبعاد كل حالات عزو اعتقاد البديلة. ولا ينبغي أن يؤخذ التمكن من مفهوم «الاعتقاد» بوصفه يتطلب القدرة على استبعاد كل بديل منافس لحالة معينة من حالات عزو الاعتقاد بديهيًا.

فكما قد حاجج بيرج Burge (1993، 2003)، هناك نوعان مختلفان على الأقل من المسوغات لاعتقادات المرء: يمكن أن يكون لدى الفرد أسباب أو مبررات ويمكن أن يكون لديه الحق. فعلى سبيل المثال، إن موثوقية النظام البصري للفرد كافية لتسويغ اعتقاداته الإدراكية الحسية: وبالتالي للفرد الحق في اعتقاداته الإدراكية الحسية حتى لو لم يكن على دراية بموثوقية نظامه البصري، ويفتقر إلى الأسباب أو المبررات.

يترتب على حقيقة كون أطروحة دوهيم-كواين الكلانية تنطبق على تأكيد الفرضيات العلمية وعدم تأكيدها، أن الفرضية العلمية مُسوَّغَة طالما أن معظم (إن لم يكن جميع) الفرضيات العلمية ذات الصلة، سواء البديلة أو المنافسة، قد استبعدتها الأدلة. لكن هذا لا يعني أن الفرضية العلمية ستكون غير مُسوَّغَة ما لم يتم استبعاد الشك الفلسفي. الشك الفلسفي مرتبط بنظرية المعرفة، لكنه ليس بديلاً ذا صلة للفرضية العلمية.

فيمكن القول إنه فقط إذا كان لدى الفرد قدرة «قراءة الأذهان» على عزو الاعتقادات إلى الذات والآخرين، فبإمكانه تكوين اعتقاد من الرتبة الأعلى حول اعتقادات الآخرين. ولكن قد يكون لدى الفرد القدرة على تكوين اعتقاد من الرتبة الأعلى حول اعتقادات الآخرين؛ بغض النظر عما إذا كان اعتقاد الرتبة الأعلى هذا قابل للطعن بواسطة الآخرين، وناهيك عما إذا كان قادرًا على مواجهة الطعن. وأنه فقط إذا كان لدى الفرد القدرة الإضافية على الانخراط في التفاعلات التواصلية اللفظية الإشارية، فيمكنه إبراز ومحاولة استبعاد بعض الاعتقادات أو الفرضيات المتنافسة ذات الصلة، سواء أكانت علمية أم لا (راجع Mercier & Sperber، 2017). على عكس الفرضية العلمية، أقترح أنه لا ينبغي اعتبار أي من اعتقادات الرتبة الأعلى اليومية غير العلمية حول اعتقادات الآخرين غير مبررة حتى لو لم يتم استبعاد كل اعتقادات الرتبة الأعلى المنافسة بواسطة الأدلة.

يمكن القول إن بريماك Premack وودروف Woodruff (1978) لم يفترضا أن الشمبانزي لديه القدرة على الانخراط في التفاعلات التواصلية اللفظية الإشارية عندما طرحا السؤال عما إذا كان الشمبانزي قادرًا على عزو الحالات العقلية للذات وللآخرين. وقد اعتبر معظم الفلاسفة وعلماء النفس أن سؤالهما ليس هراء. وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال المعقول الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت الرئيسيات اللا-بشرية والرضع البشريين، قبل اكتسابهم للغة، قادرين على عزو الحالات العقلية إلى الذات والآخرين. وأنا أحاجج، أنهم إذا كانوا قادرين على ذلك، فإنه وفقًا لمصطلحات بيرج قد يكون لديهم الحق في اعتقاداتهم من الرتبة الأعلى حول الحالات العقلية للآخرين حتى لو كانوا غير قادرين على النظر في اعتقادات الرتبة الأعلى المنافسة، ناهيك عن استبعادها.

يحق للمشارك في «مهمة الاعتقاد الخاطئ اللفظي القياسي» الاعتقاد أن سالي تعتقد خطأً أن كراتها الزجاجية موجودة في سلة فارغة، سواء فشلت في التفكير، ناهيك عن استبعاد احتمال أن سالي قد تم إخبارها أن آن نقلت كراتها الزجاجية من السلة إلى الصندوق. وإذا كان الأمر كذلك، فإن «قراءة الأذهان» قد لا تكون مستعصية من وجهة نظر زويدزكي: قد يكون عزو الاعتقادات مُسوَّغًا حتى لو لم يتم استبعاد جميع البدائل ذات الصلة.

استنتاجي الخاص المشروط هو أنه إذا كانت «قراءة الأذهان» ليست مستعصية بهذا المعنى المقصود، فإن السؤال عما إذا كان «تشكيل الأذهان» يمكن أن يشكل الأذهان، وأن يكون مستقلاً عن «قراءة الأذهان»، من المرجح أن يكون عقيمًا[4].

 

 


[1] (المترجم): يشير مصطلح «قراءة الأذهان» إلى القدرة البشرية على عزو الحالات العقلية إلى الآخر بغرض تفسير السلوك والتنبؤ به.

[2] (المترجم): الاعتقادات التي من الرتبة الأولى هي الأفكار عن الأشياء، أما الاعتقادات من الرتبة الثانية فهي الأفكار عن الأفكار.

[3] (المترجم): تآكلت موثوقية هذا الاختبار بعد عام 2005، حيث حاجج كثير من الباحثين بوجود استجابة صحيحة من الرضع بعمر خمسة عشر شهرًا ولكنها غير لفظية، حيث تظهر في صورة إطالة نظرهم إلى سالي إذا ذهبت للمكان الصحيح والذي يفترض أنها ليس لديها اعتقادًا بخصوصه، لكن زويدزكي أيضًا لا يتفق مع هذه النتيجة لأنه «يمكن إعادة تفسير هذه البيانات بطريقة مختلفة تثبت النقيض».

[4] أنا ممتن لدان سبيربر Dan Sperber على التعليقات.

 

المراجع

Baron-Cohen, S., Leslie, A. & Frith, U. (1985). Does the autistic child have a theory of mind? Cognition, 21(1):37-46.

Burge, T. (1993). Content preservation. The Philosophical Review, 102, 4, 457-488.

Burge, T. (2003). Perceptual entitlement. Philosophy and Phenomenological research, 67(3), 503-548.

Butterfill, S. & Apperly, I. (2014). How to construct a minimal theory of mind. Mind & Language, 28: 606– 637.

Fodor, J.A. (1983). The Modularity of Mind. Cambridge, MA: MIT Press.

Fodor, J.A. (1987). Psychosemantics, the Problem of Meaning in the Philosophy of Mind. Cambridge, MA: MIT Press.

Mameli, M. (2001). Mindreading, mindshaping, and evolution. Biology and Philosophy, 16: 597–628.

McGeer, V. (2007). The Regulative Dimension of Folk Psychology. In Folk Psychology Re-Assessed, edited by D. Hutto and M. Ratcliffe, pp. 137–156. Dordrecht: Springer.

McGeer, V. (2015) Mind-making practices: the social infrastructure of self-knowing agency and responsibility. Philosophical Explorations, 18, 2, 259–281.

Mercier, H. & Sperber, D. (2017). The Enigma of Reason, Cambridge, Mass.: Harvard University Press.

Premack, D. & Woodruff, D. (1978). Does the chimpanzee have a theory of mind? Behavioral and Brain Sciences, 1, 515–526.

Quine, W.V.O. (1950). Two dogmas of empiricism. In Quine, W.V.O (1953) From a Logical Point of View. Cambridge, MA: Harvard University Press, pp. 20-46.

Quine, W.V.O (1960). Word and Object. Cambridge, MA: MIT Press.

Quine, W.V.O. (1990). The Pursuit of Truth. Cambridge, MA: Harvard University Press.

Wimmer, H. & Perner, J. (1983). Beliefs About Beliefs: Representation and Constraining Function of Wrong Beliefs in Young Children’s Understanding of Deception. Cognition, 13, 103–128.

Zawidzki, T. (2013). Mindshaping, a New Framework for Understanding Human Social Cognition. Cambridge, MA: MIT Press.

Zawidzki, T. (2018). Mindshaping. In Newen, A., De Bruin, L. & Gallagher, S. (eds.) The Oxford Handbook of 4E Cognition, pp. 735-754.

 

المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق