مراجعات

الغريب المُحترِف – عثمان لكعشمي

أنا غريب محترف.. إلى درجة لم تعد تشغلني الكتابة إلا بوصفها تمرينًا على الغيرية الكوسموبوليتية cosmopolite، الكفيلة بالترحال بين الاختلافات، ذلك أن اختراق متخيل الآخر يتطلب تمرسًا حِرفيًّا دقيقًا.

عبد الكبير الخطيبي: معالِم الغريب في الأدب الفرنسي

 

جاء كتاب “عبد الكبير الخطيبي: الأجنبي المُحترف“[1]، للكاتب المغربي مراد الخطيبي، موضوع القراءة والحالة هذه، في سياق ثقافي عربي لا يزال مشحونًا بالتقاطبات الثنائية، بين الحداثة والتراث، التي لا تنفك عن التوالد. تلك التقاطبات التي هيمنت لمدة طويلة جدًّا على السوق الثقافية والفكرية العربية، منذ اكتشاف “الآخر- الحداثي- المتقدم”، عبر الاستعمار أو غيره إلى ما بعد الاستعمار إلى حركة العولمة إلى اليوم، تلك المشاحنات التي طالت التشكيلات المجتمعية الاقتصادية العربية كما طالت الإيديولوجيا العربية بالمعنى الماركسي للعبارة، سواء تعلق الأمر بالفن أم الأدب أم الفلسفة أم العلوم الاجتماعية.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يسلط فيها صاحب المؤلف الضوءَ على مفعولات عبد الكبير الخَطِيبِي[2]؛ بل يتعلق الأمر بحلقة ضمن سلسلة متماسكة: انطلاقًا من كتاب جماعي تحت إشرافه بعنوان “وُلدت غدًا: تحية لعبد الكبير الخطيبي”، مرورًا بالكتاب موضوع القراءة، فإشرافه على كتاب تحت عنوان “الكتابة والتجربة: دراسات حول مشروع عبد الكبير الخطيبي الفكري والأدبي”، وصولًا إلى كتابه الموسوم بـ”عبد الكبير الخطيبي وصداقاته الإنسانية والفكرية”… سلسلة تعبر عما يسميه مراد بـ: مشروع تجديد التواصل الفكري والإنساني مع عبد الكبير، ذلك الأَجنبي المُحترف أو الغريب المحترف.

الغَريب المُحترف:

صحيح أن الكتاب المعني يَندرج، على الأقل كما صنفَته دارُ النشر الصادر عنها، ضمن “الدراسات النقدية”، والتي تشير غالبًا إلى “النقد الأدبي”؛ لكن لا ينبغي لهذا التصنيف المقاولاتي للمعارف، أنْ يسجنه في النقد الأدبي دون غيره؛ لأنه والحالة هذه، على الأقل كما أراد له صاحبه، لا يرمي إلى التعريف بعبد الكبير الأُحادي، الأديب أو الناقد الأدبي وحسب، بقدر ما يسعى إلى تعريف القارئ العربي بعامة بعبد الكبير المتعدد: الأديب/الناقد، والمفكر، والسيميائي، والسوسيولوجي، أو باختصار عبد الكبير الكاتب، أو لنقل عبد الكبير الغريب المُحترف كما يفضل هو أنْ يسميَ نفسه: “أنا غريب محترف”، أو “الأجنبي المُحترف” كما جاء في عنوان الكتاب المعني بالقراءة.

رُبَّ سائل: ما الجدوى من التعريف بعبد الكبير أو بالأحرى بفاعلية مشروعه؟ قد لا يخفى على أحد أن عبد الكبير لم يكن يَحْظَى بالاهتمام الكافي لمدة طويلة، مع تسجيل استثناءات قليلة جدًّا، خاصة في السوق الثقافية العربية، ليس كاسم أو عَلَم ضمن أسماء أو أعلام أخرى فقط، بل كفاعلية معرفية أو بالأحرى كمشروع ثقافي بديل. لقد ظل مُغيبًا من الساحة الثقافية العربية لمدة ليست قليلة، مقارنةً بأسماء أخرى كما هو حال محمد عابد الجابري، أو عبد الله العروي، أو طه عبد الرحمن وهلم جرَّا، التي حظيت بانتشار واسع، لقد ظل غريبًا كمشروع فكري، كدرب ثالث على نحو العالَم الثالث، ليس عربيًّا فقط بل مغربيٌّ أيضًا، حتى في مجتمعه المغربي، ربما ذلك هو قدره الاجتماعي والثقافي بوصفه غريبًا محترفًا. فما أحوج مجتمعاتنا العربية اليوم إلى درب ثالث، من شأنه أنْ يُسهم بشكل أو بآخر، في مجاوزة القصور المركب الذي تتنفسه كياناتنا العربية وغير العربية، في المشارق والمغارب. من هنا تستمد فكرة التعريف بفاعلية مشروعه، مشروعيتها والجدوى من استدعائها.

قد يعود ذلك التهميش إلى إعماله للغة الآخر، الكتابة باللغة الفرنسية، لا سيما وأنه عاش مدة ليست قليلة بفرنسا، صحيح أنه صاغ بعض النصوص بالعربية؛ لكنها تبقى قليلة جدًّا مقارنةً بمجمل أعماله المكتوبة بالفرنسية. فعلى عكس مما قد يعتقد البعض، ولهم مصلحة في ذلك طبعًا، فإنه لم يكن فرنكوفونيًّا أبدًا؛ بل إنه ظل محط تهميش حتى في السوق الفرنسية نظرًا لمواقفه النقدية من العديد من القضايا كما هو حال موقفه من الصهيونية وغيرها، فضلًا عن نقده للأدلوجة الاستعمارية بعامة والأدلوجة الفرنكوفونية بخاصة، مثله في ذلك مثل جاك دريدا ورولان بارت اللذين جمعته بهما صداقة فكرية وإنسانية.

صحيح أنه صاغ معظم كتاباته بالفرنسية لكنه كَتبها – الفرنسية – بالعربية، تكلم الفرنسية لكن بالعربية، جعل من الفرنسية أكثر من الفرنسية، أحد تعاريف التفكيك تلك بوصفه “أكثر من لغة” كما يقول دريدا. ذلك توضيح آخر لعبد الكبير باعتباره غريبًا محترفًا، غريبًا ليس كغريب “ألبير كامو”، “مورسول”، غريبًا أُحاديًّا، عبثيًّا، أو “سيزيفيًّا”، وإنما غريبًا مزدوجًا؛ لهذا هو محترف، بأي معنى؟ إنه محترف لفن قياس المساحات، قياس المساحات بين الذات والآخر، بين الأنا والغير، بين الهوية والغيرية، ذلك الفن الذي يجعل من الكتابة تمرينًا شاقًّا على الغيرية الكوسموبوليتية، الكفيلة بالترحل بين الاختلافات. الغريب المحترف: إنه ذلك “الآخر- الكل”، تلك العبارة الثالثة التي لا تقبل الترجمة.

العلاقة مع دريدا:

صداقة ثقافية:

ارتأى صاحب “الأجنبي المحترف” أنْ يستهل عمله هذا، بتسليط الضوء على العلاقة التي كانت تربط عبد الكبير بجاك دريدا، بما هي علاقة مزدوجة، يتداخل فيها الإنساني بالفكري، تشدها خيوط ناعمة بين الصداقة الإنسانية والصداقة الفكرية، صداقة تُوجت بلقائهما الأول في شهر شتنبر من سنة 1974 إلى حدود وفاة دريدا في شهر أكتوبر من سنة 2004. إنها صداقة ثقافية، تعود هذه الصداقة الثقافية إلى جملة من الأسباب، يكمن أهمها في التقائهما فيما يسمى بفكر الاختلاف، فكلاهما يدعوان إلى الاختلاف والتعدد بدل الهوية العمياء المنطبقة والمنغلقة على ذاتها، علاوةً على تأثر صاحب “النقد المزدوج” بصاحب “التفكيك”، فضلًا عن حوارهما الفكري المستمر الذي طبعه الاحترام والتحاب المتبادلين رغم اختلافهما في العديد من المسائل، كما هو شأن اختلافهما في المسألة اللغوية على سبيل المثال، ذلك الحوار الذي جاء بمؤلَفين، بغض النظر عن رسالة عبد الكبير المفتوحة إلى دريدا: الأول كان للأخير تحت عنوان “الأحادية اللغوية للآخر”، والثاني كان للأول بعنوان “جاك دريدا، طبعًا”. وغيرها من النقاشات التي تعبر عن صداقة ثقافية متينة ليس بين شخصين وحسب، بل بين ضفتين أو لنقل بين عالَميْن مختلفين.

ظلال الكاتب:

في “الكاتب وظله”:

يأخذنا الكاتب والحالة هذه إلى العمل الأخير لعبد الكبير الموسوم بـ”الكاتب وظله” الصادر سنة 2008، علمًا أن صاحبه قد توفي بتاريخ 16 مارس 2009. وتتمثل أهمية هذا الكتاب في أنه يعكس ظلال كاتبه، لا سيما وأن الأمر يتعلق بسيرة ذاتية وشهادة وسيرة ثقافية. فهو يقدم للقارئ تحليلًا ذاتيًّا لمسيرته الشخصية كمثقف. تلك المسيرة التي تُسافر بالقارئ عبر أحد عشر فصلًا، وهي كالآتي: “علامات الانتماء”؛ “الطريق إلى الأنا”؛ “الرغبة في السوسيولوجيا”، “الطريق نحو الآخر”؛ “من الإثنولوجيا إلى السيميولوجيا”؛ “على هامش الفلسفة”؛ “التحليل النفسي الدقيق”؛ “تاريخ ضائع، ما هو رأيكم؟”؛ “سياسات رسائلية”؛ “الهوية اللينة”؛ “الرغبة في الاستنساخ”. فصول، من شأنها أن ترسم لنا لوحة عبد الكبير المثقف أو بالأحرى ترسم “كاريكاتورًا” أفقيًّا لشبحه أو ظله الشخصي الضائع في حياة الآخرين. تلك اللوحة التي بدأت ملامحها وأحرفها الأولى انطلاقًا من ميلاده بالمغرب، في مدينة الجديدة بتاريخ 12 فبراير 1938، بلده الأصلي الذي يتعالق معه بهويته وتاريخه، مرورًا بمتابعة دراسته العليا في شعبة الفلسفة والعلوم الاجتماعية بفرنسا، وصولًا إلى عودته إلى المغرب، سواء كأستاذ للسوسيولوجيا، أم مثقف، أم كاتب. وغيرها من المَحطات التي نقشت حروف كلمته كمثقف.

في التراث:

أو في النقد المزدوج للتراث:

يرصد لنا مراد في هذا المقام التصور النقدي المزدوج لصاحب “النقد المزدوج” من التراث، لقد شغلت مسألة التراث مكانةً مركزية في المشروع النقدي لعبد الكبير، إلى درجة يمكن القول فيها إن مشروع النقد المزدوج هو نقد للتراث في حد ذاته، نقد للموتى الذين يُراد لهم أنْ يُبعثوا بيننا، نقد لتراثنا العربي والإسلامي وللتراث الغربي في اللحظة نفسها. فلطالما ارتبط مفهوم التراث عندنا بالماضي وتمجيد الأسلاف، باعتباره هويةً سرمدية؛ لهذا يدعونا عبد الكبير إلى خلخلة هذا المفهوم السائد للتراث الذي يعبر في نظره عن “الإلهي الذي يقيم في قلوب البشر وعقولهم”، أي بوصفه ميتافيزيقا كلية، سواء كانت تراثية أم سلفية أم عقلانية أم تاريخانية، ولم يتوقف عند هذا الحد؛ بل رفض أي دعوة للرفض التام للغرب من منطلق “هوية عمياء”، والحال أن ذلك الغرب يقيم فينا ويسكننا؛ لهذا، فإننا في حاجة إلى ممارسة نوع من “التحليل القلق”، تحليل قلق لتراثنا؛ وبالتالي لوجودنا، بإمكانه أنْ يحررنا من تمجيده كماضٍ. ولأن الأمر يتعلق بنقد مزدوج للتراث؛ فإنه يدعونا أيضًا إلى نقد التمركز الغربي حول ذاته، وتفكيك ميتافيزيقيته.

في “الذاكرة الموشومة”:

أو في إشكالية الهوية:

يعود بنا المؤلف في هذا المقام إلى رواية “الذاكرة الموشومة”، أولى أعمال عبد الكبير الإبداعية والأدبية، التي تعد هي الأخرى بمثابة سيرة ذاتية أولى كان قد سطرها صاحبها سنة 1971. لقد حاول صاحب “الأجنبي المحترف” هنا أنْ يُعالج “الذاكرة الموشومة” من منطلق إشكالية الهوية بوصفها إشكالية للعلاقة بين الأنا والآخر، بين الراوي والآخر الغربي؛ لكي ينتهي في نهاية التحليل إلى أن فكرة الهوية عند صاحب الذاكرة الموشومة ليست كيانًا ساكنًا وثابتًا بقدر ما هي في طور تشكل دائم، إنها سيرورة أكثر منها استقرارًا، مثلها في ذلك مثل التراث؛ لذلك، فعلى الرغم من انتقاد الرواية المعنية للآخر الذي يتسم في بعض الأحيان بنزعته العنصرية ونظرته الدونية للغرباء خاصة للمنحدرين من المستعمرات السابقة؛ فإنه كان يواجه تلك العدوانية بنوع من السخرية، واللعب المَرح، كسلاحٍ فعال ضد أشكال الاحتقار والاضطهاد والاستفزاز والظلم كلها، من هنا تستمد فكرة نقد الآخر ضرورتها الملحة، الوجه الثاني للنقد المزدوج، نقد الآخر ليس في اختلافه المتوحش، وإنما نقده كغرب يسكننا على نحو غريب.

في “ثلاثية الرباط”:

أو في ثلاثية الجنس والسلطة والمال:

يُعرج بنا الكاتب والحالة هذه إلى رواية أخرى من روايات صاحب الذاكرة الموشومة، يتعلق الأمر هنا برواية “ثلاثية الرباط” الصادرة بطبعتها الفرنسية سنة 1994، وتضم ثلاثة عشر فصلًا، من بينها: “الطيف”، و”في الوزارة”، و”في المتاهة”، و”المنشقون”، و”في الديوان”، و”ضرورة الكتمان”… وغيرها من الفصول التي تتمحور حول إدريس الشخصية المركزية في الرواية. رواية، وسيرة ذاتية، تؤرخ هي الأخرى بأسلوب أدبي سلس لحظات مهمة من حياة صاحبها ومجتمعه المغربي. تزامن صدور هذه الرواية، تقريبًا، مع ما سمي في المغرب بحكومة التناوب، تلك الفترة التي وسمت بما اصطلح عليه بـ”الانتقال الديموقراطي”، لا سيما وأن الرباط، العاصمة الإدارية والسياسية للمغرب، تمثل مسرحًا لأحداث هذه الرواية؛ لذلك، فهي بشكل أو بآخر تجسد انعكاسًا إبداعيًّا للحظة مجتمعية مهمة في تاريخ المغرب الحديث، من خلال الكشف عن صراعاتها وتناقضاتها، التي تدور حول السلطة والجنس والمال. بهذا المعنى تكون ثلاثية الرباط بوصفها ثلاثيةً سلطويةً وجنسية ومالية، ثلاثيةً من شأنها أن تشخص الرهانات التي طبعت الصراع الاجتماعي والسياسي في مغرب تلك الفترة.

العلاقة مع بارت:

 لم تقتصر علاقات صاحب ثلاثية الرباط على دريدا كما أسلفا الذكر، وإنْ كانت علاقته بدريدا تتسم بميسم خاص؛ بل طالت الكثير من مفكري الاختلاف، من أهمهم رولان بارت؛ لهذا كان من الضروري بالنسبة للمؤلف موضوع القراءة، أنْ نمرَّ على هذه العلاقة؛ نظرًا إلى كون بارت كان يشكل لعبد الكبير مرجعًا سيميائيًّا مهمًّا في عصره. لقد كانت سيميائية بارت ملهمةً له في التحليل السيميولوجي للعديد من الموضوعات والتيمات، ذلك أن صاحب “الاسم العربي الجريح”، نجح إلى حد كبير، بفعل تفعيله للسيميولوجيا المعنية، في اختراق العديد من الميادين، مثل: الخط، الأمثال، الوشم، الزربية، الحكاية، الأدب الشفهي، الصورة، الموسيقى، الفن التشكيلي… وغيرها من الحقول الدلالية المهمشة، التي تمكن من اختراقها بكثير من اللذة، لذة العلامة والنص، فضلًا عن توظيفه لمنهج “التداخل الدلالي” في دراسته للثقافات المهمشة، خاصة في كتابه آنف الذكر، وكذا في دراساته عن الجسد والجنس والإسلام. إن عبد الكبير يشترك مع بارت، باعتراف بارت نفسه، في الكثير من الاهتمامات، يشترك معه في الصور، والأدلة، والآثار، والحروف، والعلامات. إنه يعلمني جديدًا، يخلخل معرفتي… يأخذني بعيدًا عن ذاتي، إلى أرضه هو، في حين أشعر كأنني الطرف الأقصى من نفسي. يقول بارت عن عبد الكبير: إنها صداقة متبادلة تقوم على الحوار الفكري والإنساني الفعال.

في تحرير السوسيولوجيا من النزعة الاستعمارية:

يذهب بنا مراد هنا إلى عبد الكبير السوسيولوجي، الذي أسهم رفقة الكثير من زملائه الباحثين وعلماء الاجتماع المغاربة الأوائل مثل بول باسكون على سبيل المثال لا الحصر، قلنا لقد أسهم بشكل كبير، رفقة باسكون، الذي تصادف حصوله على الجنسية المغربية في السنة نفسها -1964- التي عاد فيها عبد الكبير إلى المغرب، وهي السنة نفسها التي وُظف فيها هذا الأخير أستاذًا باحثًا بجامعة محمد الخامس بالرباط، وأسهم في مشروع تحرير السوسيولوجيا بالمغرب من النزعة الاستعمارية. وتجدر الإشارة إلى أن مجتمع كالمجتمع المغربي لم يتعرف إلى السوسيولوجيا إلا مع الاستعمار الفرنسي؛ لهذا سميت بالسوسيولوجيا الكولونيالية؛ لأنها كانت بمثابة أدلوجة استعمارية، علمًا استعماريًّا، مثلها في ذلك مثل الأنثروبولوجيا وباقي العلوم الاجتماعية التي كان يسخرها المُستعمِر لتحقيق مآربه الاستعمارية؛ لهذا عملت نخبة من الباحثين عندنا، خاصة بعد الاستقلال السياسي، من أهمهم عبد الكبير وباسكون، على تحرير السوسيولوجيا، والدراسات السوسيولوجية الاستعمارية التي خصت المجتمع المغربي بالدراسة والتحليل، من أدلوجة الاستعمار؛ بغية التقعيد لسوسيولوجيا وطنية، سوسيولوجيا من إنتاج باحثين مغاربة، قادرة على إنتاج معرفة علمية ونقدية حول المجتمع المغربي؛ سوسيولوجيا قلقة ومزعجة، كانت كفيلة بقض مضاجع السلطوية التي عملت على تضييق الخناق على مصدر الإزعاج، من خلال غلق معهد السوسيولوجيا سنة 1969. كان لذلك الغلق آثارٌ وخيمة ترمي بظلالها إلى اليوم؛ إذ تطورت لاحقًا سوسيولوجيا مندمجة، سوسيولوجيا تقنية تنصب على مشاريع “دولتية” ضيقة باسم سوسيولوجيا تنموية مهادنة.

في القضية الفلسطينية:

نصل مع الكاتب الأجنبي المحترف والحالة هذه إلى الختم بنقطة أساسية، ألا وهي حضور فلسطين في أعمال عبد الكبير كأنموذج من نماذج متعددة لاهتمام الكتاب المغاربة بالقضية الفلسطينية، سواء شعرًا أم نثرًا. مع التركيز على إسهامه الفكري بخصوص فلسطين في مؤلفين اثنين: “الحمى البيضاء” )1974(، و”الكتاب نفسه” )1985( بمعية جاك حسون؛ أما الأول، فهو بمثابة نقد صريح للصهيونية بوصفها “وعيًا شقيًّا”، فضلًا عن انتقاده لموقف اليسار الفرنسي من القضية الفلسطينية بعامة، مع العمل على فضح هذه المواقف الملتبسة لليسار الفرنسي أمام الرأي العام، من خلال الكشف عما “يشدها إلى تجربة الشقاء، سواء في بعدها اليهودي المسيحي، أم علاقتها بمحاولة الإبادة التي قامت بها النازية”. وأما الآخر، فهو عبارة عن مراسلات بينه وبين جاك حسون، وهي ترتكز أساسًا على قضية الصراع العربي- الإسرائيلي، من خلال هذا الكتاب، يُحمل عبد الكبير مسؤولية الوضع الفلسطيني لإسرائيل كما يحملها للدول العربية التي تبقى في نظره عاجزة على مواجهة الوضعية المعنية ومنح الفلسطينيين واليهود إمكانية “الاعتراف المتبادل” ما دام هناك شعبان وأرضان وقوتان رغم التناقض الفعلي بينهما؛ لكن، وعلى الرغم من انتقاد عبد الكبير للصهيونية ورفضه لأدلوجتها التي تقوم على إلغاء الآخر الفلسطيني والحالة هذه؛ فإنه يدعو اليهود والفلسطينيين إلى الاعتراف المتبادل بينهما، لا سيما وأنهما ينحدران من الأصل الإبراهيمي نفسه.

 

 


[1] مراد، الخطيبي. عبد الكبير الخطيبي: الأجنبي المحترف. طنجة: سليكي أخوين، 2017.

[2] نظرًا لتطابق الاسم العائلي لـ”عبد الكبير الخطيبي” مع “مراد الخطيبي”، ارتأينا الاكتفاء باستعمال اسمهما الشخصي: “عبد الكبير/ مراد”، رفعًا لأي لبس قد يحصل للقارئ.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق