مقالات

كيركيجارد وسر «خوف ورعدة»

يستطيع الرسام إدوارد مونك أن يوصل إلينا مقدار القلق والألم في ذلك الشخص الذي صرخ صرخة لا نهائية في لوحته الشهيرة «الصرخة». صرخة لا نعرف منشأها أو الأسباب التي دعته لأن يفعلها. هل الإحساس بالرعب والخوف والقلق هو مصدر التأثير الذي تستطيع هذه اللوحة أن تصرح به؟ هذا الذي يصرخ أحدث حراكًا داخل وجدانه، مارس حقًا من حقوقه: أن يتمرّد ويخبر من بقربه أنه ليس «لا شيء» في هذا العالم، أنه كائنٌ موجود. الكثير من الفنون والآداب تحمل شذرات من الفلسفة الوجودية وقد يصل الأمر إلى درجة الريادة في التعبير عن تلك الفلسفة. نصٌّ روائي مثل «في قبوي» لفيدور دوستويفسكي يلقى الإعجاب الكبير كنص أدبي، ولكن ماذا لو ظهر لنا أن هذا النص هو أعظم نصًا أدبيًّا عبّر عن الفلسفة الوجودية، هل النص حينها يعبر بالكامل عن تلك الفلسفة بكامل أفكارها؟ لا يعبر بلا شك، وليست مَهمة النص الأدبي أن يعبر عن الفكر الفلسفي.من يقرأ يوميات سورين كيركيجارد سيلاحظ أمرًا مثيرًا للاهتمام: تارة يتحدث شعرًا وتارة يعلق على ما يقرأ من كتب فلسفية. يتحدث عن شخصه بأسلوبٍ شاعري غريب يذكرك بتلك المرأة التي قالت للقاص العظيم هانس كريستيان أندرسن: «ظهر في سماء الأدب نجم مشؤوم الطالع، والكتاب شيطاني إلى درجة أن المرء لا يدعه من يده إلا ويود أن يستأنف قراءته في الحال. إن في هذا الكتاب غثيانًا لا يمكن أن يكون إلا ثمرة نفس شريرة!» كانت هذه السيدة الدنماركية تعبر عن وجهة نظرها تجاه المجلد الأول لكتاب إما/أو لسورين كيركيجارد، والذي يبدأ بذلك التعريف عبر الشخصية الوهمية ( أ ) التي تعبر عن وجهة نظر جمالية:

«من هو الشاعر؟ إنهُ رجلٌ غير سعيد، يخفي حسرةً عميقة في قلبِه، شفتاهُ مطبقتانِ للغاية، إلى درجةِ أنَّ الأنات و التنهيدات لو عبرت من خلالِهما، سوفَ تُسمعُ و كأنها موسيقى عذبة. قدرهُ كقدرِ أولئكَ الذينَ يُعذبونَ ببطءٍ وسطَ ثورِ فالاريس؛ صيحاتهم لا تستطيعُ أن تصلَ أذني الطاغية لتلحقَ به الألم، بالنسبةِ إليه، هيَ تُسمعُ و كأنها موسيقى. الناسُ يتحلقونُ حولَ الشاعرِ و يقولون: «غنِ مرةً أخرى، لا تتأخر» و كأنهم يقولون: «عسى أن تلحقَ بروحِكَ آلامٌ جديدة لتعذبَها، وعسى أن تبقى شفتاك مطبقتين كالسابق، إذ إنَّ الصيحةَ لن تلحقَ بنا إلا فزعًا، أما الموسيقى، الموسيقى، فيالها من شئٍ عذب.»  النقادُ يتقدمون نحوَه قائلين: «تلكَ هي الطريقة، هكذا يقولُ جهابذةُ علمِ الجمال، عن الطريقةِ التي يجبُ عليكَ اتباعُها كي تغني.» بالطبع، الناقدُ يشابهُ الشاعرَ بالشعرة، ما عدا أنهُ لا يملكُ أسىً في قلبِه، و لا موسيقى فوق شفتيه. لذلك أقولُ لكم، أفضلُ أن أكونَ راعي خنازير في آماجيربرو يُفهمُ بينَ تلكَ الخنازير، على أن أكونَ شاعرًا لا يفهمهُ البشر.

سورين كيركيجارد شاعر. شاعر عظيم مع أنه لم يكتب أي قصيدة. عبقريته متعددة الجوانب عبرت عن نفسها بتنوّعات متألقة في أسلوبه: يستطيع أن يعبر الجمالي عن نفسه بمفردات عذبة ومقنعة بلحن حزين، وينقلب في لحظة أخرى ليصبح أستاذًا في الأخلاق، تصيبه الرعدة؛ فيفجر من خلالها هجومًا لاذعًا وعنيفًا ضد الكنيسة.

بالإمكان الحديث عن سورين كيركيجارد بوصفه شاعرًا وصانع نصوص أدبية. لكن كيركيجارد ليس أديبًا عبر عن قلق الوجود كما في أدب دوستويفسكي. هو فيلسوف ورائد من رواد الفلسفة. حول سيرة حياته التي تشبه الروايات العظيمة إلى فلسفة أُشير إليها بالفلسفة الوجودية. والوجودية ليست مرتكزة في شخص كيركيجارد، وإن كان يشار إليه بالرائد الأكبر لهذا التيار الممتد عبر تاريخ الفلسفة واكتسب زخمًا عبر كيركيجارد مرورًا بمارتن هيدجر وصولاً إلى سارتر في القرن العشرين. يشير القس جون ماكوري في كتابه الوجودية إلى أن هذه الفلسفة هي أسلوب في التفلسف أكثر منها فلسفة. تؤدي بمن يستخدمها إلى مجموعة من الآراء التي تختلف فيما بينها أشد ما يكون الاختلاف حول العالم وحياة الإنسان فيه. هذا الأسلوب يبدأ من الإنسان لا الطبيعة. فلسفة عن الذات أكثر منها فلسفة عن الموضوع. وهذه الذات غير محددة بالذات المفكرة، وإنما تشير للذات المبادرة إلى الفعل، والتي تحتوي بداخلها على مركز للشعور والوجدان. كانت المشاعر والانفعالات والعواطف البشرية موضع ريبة فلسفيًا. الفلسفة بوصفها تفكيرًا عقليًا محاولة للارتفاع فوق الأهواء والنزوات. والفيلسوف ينأى عن الانفعال ويسعى إلى فهمٍ هادئ للأشياء. إذا سمح بوجود الانفعال والوجدان في صلب الفلسفة، فهدف ذلك كي يخضعها للتمحيص العقلي. لا يعترف بها كمصدر للحقيقة الفلسفية. بعض الفلاسفة كانوا يبدون إعجابًا بالطابع الشامل والمباشر الذي يتسم به ذلك الضرب من الفهم الذي تأتي به المشاعر. مع ظهور الوجودية عادت مشكلة المشاعر وعلاقتها بالفلسفة من جديد. إذ أصبح ينظر إليها على أنها طريق نصل بواسطته إلى الحقيقة الفلسفية. ليست نقيضًا للعقل والفكر وإنما مصدرًا للاستبصار، ولها مكانة في النسيج الكلي للوجود البشري، تحمل سجلًا شخصيًا لوجود الإنسان في العالم. غير أن الوجودية ليست فلسفة للمشاعر بحيث تظهر في الأخير وكأن اللاعقلانية تضرب في تكوينها. هناك تركيز شديد على مشكلات مرتبطة بالوجود العيني المباشر مثل الحرية والمسؤولية واتخاذ القرار؛ لأن ما يميز الإنسان عن جميع الموجودات هو ممارسته للحرية وقدرته على تشكيل مستقبله.

ولد سورين لعائلة من سبعة أفراد بلغ عاهلها السادسة والخمسين سنة، ووالدته الخامسة وأربعين. كان التأثير الأكبر في حياة سورين هي قصة وحياة والده العجوز. كان مايكل كيركيجارد، والد الفيلسوف، راعيًا للماشية في شبابه في سهول الجوتلاند. كان فقيرًا ومعدمًا يعيش في بيئة يتمنى أفرادها بأنهم لم يولدوا فيها، إذ كان الوعاظ المورافيين والقساوسة يمطرون السكان بالعظات والخطب التي تبشر ببعث ديني قريب. تحت هذه الحالة من الفقر والشعور الكبير بالإثم حدث شيء كتمه الأب في سره لسنين طويلة. انتقل الأب بعدها إلى كوبنهاجن للعمل مع أحد أقاربه. وهناك شق طريقه بسرعة مذهلة إلى درجة أنه وهو في الأربعين من عمره تمكن من التقاعد وأمضى بقية حياته رجلًا غنيًّا لديه فراغ شديد. كانت لمايكل نظرة كئيبة سوداوية للحياة. هذه النظرة سادت في المنزل حيث ربى أطفاله بصرامة من التدين تؤكد بصفة خاصة على معاناة المسيح. كان يعاني من لحظات شك رهيبة: مشاعر اكتئاب تطفو وتخفت، لحظات يأس وخطيئة إلى درجة قيل فيها أنه بعد انتقاله إلى كوبنهاجن لم يبتسم لمرة واحدة. يقول سورين كيركيجارد في يومياته:

«كنت منذ الطفولة وفيما بعد في قبضة كآبة مسيطرة. كان فرحي الوحيد حسب ما أذكر، في ألا يكتشف أحد مدى التعاسة التي كنت أشعر بها. لم أكن رجلاً أبدًا، ولا حتى بدرجة أقل طفلاً أو شابًا. إذا جاز لي أن أعبر عن نفسي لقلت إنني تربيت على نحو جنوني، وحتى في طفولتي المبكرة قيدتني انطباعات حطت عليّ من سوداوية الرجل العجوز الذي كان هو نفسه محاصرًا بها. لقد كنت طفلاً تربى – بجنون – كرجل عجوز سوداوي

تحت هذا الثقل من الكآبة عاش سورين كيركيجارد. لم يرث عن أبيه أعمق مكونات شخصيته والاكتئاب وحسب، بل تعلم منه العقلية الجدلية والخيال الانفعالي المفرط. تتحدث السير عن طريقة غريبة للتواصل والحوار بين الأب وابنه. كانوا يذرعون الغرفة ذهابًا وإيابًا لساعات، ويتوقفون للحديث عن أشخاص وهميين، أو يصفون منازل وأشجار أو أحداث لا تُعرف لماذا يزج بها في هذا المركب السيار. يخفضون أصواتهم وكأن صرير عجلات العربات المارة بهما قد أغرقت الأصوات. بعض نقاد وكتاب سير كيركيجارد وصفوا تلك اللحظات من الحوارات الجدلية بأنها السبب في وهمية بعض شخصيات كيركيجارد مثل جوهان الصامت ويوهانس المغرر به. البعض الآخر يفسر تلك الملكة الشعرية الفذة في نصوص كيركيجارد إلى تلك الحوارات الجدلية حيث نمت موهبة كيركيجارد وأرهفت حسه النفسي وجعلته على شعور واضح بذاته. ما كان لملكة كيركيجارد الشعرية أن ترتفع وتصل إلى هذا المستوى من التأثير دون تلك الجدالات.

عصفت بسورين كيركيجارد الشاب أحداث وهو في الثانية والعشرين من عمره أفقدته كل تركيز. لم يتيقن م حقيقة ما يحدث، والسر المختبئ خلف هذا الموت الذي يتخطف أفراد عائلته. كان قد أتم دراسته الثانوية بتفوق، ثم بدأ بدراسة اللاهوت والقراءة في الآداب والفلسفة. كان مؤكدًا اجتيازه الامتحان النهائي إلا أنه انقطع تمامًا عن الدراسة. قرر أن يرتحل إلى مصيف ساحلي في رحلة أشبه ما تكون بالرحلة الروحية باحثًا عما يشبه السلام والاطمئنان. ذكر في يومياته:

«ما ينقصني فعلاً هو أن أتبينَ ماذا ينبغي عليّ فعلَه، لا ما يتوجبُ عليّ علمَه، ما عدا أنَّ بعضًا من الفهم ينبغي أن يسبقَ كلَ عمل. ما ينقصني هوَ أن أفهمَ نفسي، أن أرى ما يريدُ اللهُ لي أن أفعلَه؛ ما ينقصني هو أن أجدَ حقيقةً حَقّة تخصني أنا وحدي، أن أجدَ الفكرةَ التي أستطيعُ أن أحيا و أموتَ من أجلِها. ما الجدوى من اكتشافِ ما يُدعى بالحقيقةِ المطلقة، من الاشتغال بتفحصِ جميع أنظمةِ الفلسفة و القدرةِ على مراجعتِها كلها  -إن لزمَ الأمر-  لإظهارِ التناقضِ الموجود في كل واحدٍ من أنظمتِها؟ ما النفع الذي سأجنيه إن استطعتُ أنا أن أطوّرَ نظريةً للحكمِ ومازجت جميع التفاصيل في كيانٍ واحدٍ، إن أنا بذلكَ شيدتُ عالماً لا أعيشُ فيه، و لكن أستطيعُ فقط أن أمسكَ به ليراه الآخرون؟ ما النفعُ الذي سأجنيهِ إن استطعتُ أنا أن استخلصَ معنى المسيحية، إن لم تكن تلك المسيحيةُ حاملةً لأهميةٍ أعمق بالنسبة لي و لحياتي؟ ماذا سوف أجنيهِ من الحقيقةِ  لو أنها وقفتْ أمامي، مرتجفةً عارية، غير معنيةٍ ما إذا كنتُ قادرًا على تبينِها أم لا، باعثةً في كياني رعدةَ خوفٍ بدلاً من إيمانٍ مُطمئِن؟ أنا بكلِ تأكيد لا أنكرُ أني ما زلتُ أعترفُ بضرورة الفهم، و أنه من خلالهِ يستطيعُ الشخصُ أن يتصرفَ مع البشر، و لكن يجبُ أن يتخللَ هذا الفهمُ حياتي، هذا ما اكتشفتُ الآن أنهُ أهمَّ شئٍ بالنسبةِ لي. هذا ما تتطلعُ إليه روحي، كما هي الصحراء الأفريقيةُ تحنُ للماء. هذا ما ينقصني، و لهذا أنا أقفُ وحيدًا كرجلٍ استأجرَ منزلاً وجمع كل الأثاث و الحاجيات المنزلية مع بعضها، و لكنه لم يجد الحبيبة التي يمكنهُ معها أن يتشارك جميعَ أفراحِ و آلامِ حياتِه».

وإن كان هذا النص يمثل المانفيستو الأمثل للمدرسة الوجودية إلا أنه كذلك من النصوص التي تصف حياة سورين كيركيجارد بالكامل. وهو إلى ذلك يعبر عن موضوعٍ رئيس في الفلسفة الوجودية، ألا وهو الفعل. الوجود البشري عند كيركيجارد لا يصل إلى العينية والامتلاء إلا بالفعل. الفعل ليس أداء واجب وحسب، هو شخصي بمعنى عميق. يشمل الإنسان ككل. يتضمن الفكر والانفعال الطاغي. لو لم يكن هناك فكر وانفعال أو قرار داخلي لما كان هناك شيء جدير باسم الفعل. كتب كيركيجارد هذا النص وهو في الثانية والعشرين من عمره. عندها وقع الزلزال الكبير: الهزة الكبيرة في حياة كيركيجارد. لا توجد أي سيرة أو كتاب عن كيركيجارد دون أن يتناول تلك الكلمات التي عبر عنها في يومياته بغموض والمعروفة بالزلزال الكبير:

«عندَها وقعَ ذاكَ الزلزالُ العظيم، تلكَ الثورةُ المرعبةُ التي دفعتْ فجأةً نحوي بقانونٍ جديدٍ وأكيدٍ لتفسير كل الحقائق. عندَها علمتُ أنَّ عمرَ أبي الطويل لم يكنْ نعمةً إلهية، إنما كانَ لعنة؛ أنَّ العطايا العقلية العالية لعائلتنا لم تُمنح لنا إلا لننهشَ ونمزقَ بعضَنا إلى قطع: عندَها شعرتُ بصمتِ الموت يتنامى من حولي، عندما رأيتُ أبي، ذاك الرجل الكئيب الذي قُدرَ عليه أن يحيا من بعدِ موتِنا، ذاكَ الصليب الذي يعلو قبر جميع آمالِه. لا بدَّ أن هناك إثمًا فوقَ كل العائلة، عقوبة اللهِ لا بدَّ أنها فوقَها؛ عائلة قدرُها أن تختفيَ تحتَ ضربةٍ من يدِ الله الجبارة، أن تُقمعَ كمحاولةٍ فاشلة، فقط في بعض الأحيان أجدُ بعض العزاءِ في فكرةِ أنَّ أبي احتمل هذا الشيء الثقيل وواسانا بعزاءِ الدين، بتعميدنا من أجلِ أن ينتظرنا عالمٌ أفضل، حتى لو كانَ مقدرًا علينا أن نُفنى بالعقوبة التي كان اليهود دائمًا يتمنونها لأعدائهم: أن تُمحى ذكرانا إلى الأبد، أن لا يبقى منا أيّ أثر».

كانت عائلة كيركيجارد مكونة من سبعة أفراد. مع نهاية عام 1834 لم يتبق من العائلة إلا الأب وسورين الصغير والابن الأكبر بطرس. هذه الوفيات الغريبة فُسِّرتْ من قِبل كيركيجارد بأن في الأفق تلوح لعنة أبدية يجب أن تقتص من أفراد تلك العائلة. هناك خطيئة كبيرة تسببت بأن لا يعمر إخوته أكثر من أربعة وثلاثين سنة. واقعتان حُصرتْ من قبل الباحثين لتفسير الزلزال الكبير. الواقعة الأولى هو السر الذي كان يحيط بالأب. عندما كان راعيًا صبيًا في سهول الجوتلاند، في تلك الحالة من عدم وجود أي ضياء للرحمة تحت سياط الوعاظ المورافيين، وفي تلك الحالة من الفقر والعوز وضيق الأفق، صعد إلى جبل من تلك الجبال الواقعة هناك وقام يجدف باتجاه السماء. بعد تلك الحادثة المريرة، وتكفيرًا عما فعل، اُحيط الأب العجوز باكتئابٍ لم يفارقه. ينتظر لعنة ستهبط عليه في أية لحظة. ما حدث لاحقًا بعد مغادرته لكوبنهاجن أنه صار غنيًا. وكأن العقوبة واللعنة لن تحل عليه هو الذي قام بالخطيئة، بل على عائلته. تمكنت هذه الفكرة من نفسه ووجد الوسيلة الأفضل للتكفير عن تلك الخطيئة أن يجعل أصغر أبناءه سورين من رجال الدين. هدأت مخاوفه قليلاً وبدأ الأب العجوز وهو في حالة الغنى تلك بقراءة الفلاسفة الألمان، ملتحمًا بأسرته، معتنيًا بهم حتى بدأت تلك النذر الأولى بوفاة الابن الخامس لتلحقه البنت الكبرى. ها هنا عادت تلك اللحظة للعجوز الأب. لم يتمكن هذا الرجل العجوز أن ينسى هذا حتى عندما أصبح في الثانية والثمانين. كتب ذلك سورين في يومياته. الواقعة الثانية هي زوجة الأب، والدة سورين التي لم يتحدث عنها على الإطلاق رغم ضخامة ما كتب في يومياته الهائلة الصفحات. عندما توفيت الزوجة الأولى لمايكل كيركيجارد، تزوج مايكل زوجته الثانية التي كانت خادمة عنده. أنجبت تلك الخادمة، والدة سورين، ابنها الأول بعد خمسة أشهر فقط من الزواج! الزلزال الكبير – والذي أستطيع وصفه بالتحول الأول في حياة كيركيجارد – لا يركز على ماهية الخطيئة بقدر اعتقاد سورين أن الموت يحيط به من كل جهة، ولن يعمر أكثر من أربعة وثلاثين عامًا. وكأن مباهج الحياة كانت تقبل عليه بكل حب ثم تم فضحه. لشاب عاش في بيئة سوداوية، ورث من أبيه الاكتئاب الحاد، عاش سورين سنتين بعد الزلزال الكبير وصفت بأكثر سنوات الاضطراب. سنوات إثارة صاخبة تتخللها كآبة عظيمة، شكلت جزء منها المرحلة الجمالية في مراحل كيركيجارد الثلاث: المرحلة الجمالية، والمرحلة الأخلاقية، والمرحلة الدينية.

المرحلة الأخيرة من حياة هذا الفيلسوف شكلت تهديدًا للنظام بأكمله. قد تبدو هذه المعركة بأنها ليست متكافئة لضخامة المواجهة بين الفرد والمجتمع. كيركيجارد الذي يؤمن بذاته أعمل قلمه في هذه المعركة. إذا أردنا وصفًا للحالة الاجتماعية والدينية عن الدنمارك في تلك الفترة، نجدها بأوضح صورة في قصص القاص العظيم هانس كريستيان آندرسن. يقول في بعض قصصه مثلاً: «كانت أشعة الشمس متوهجة وقد دعت أجراس الكنيسة الناس للتجمع. فارتدوا أبهى حللهم وذهبوا إلى الكنيسة متأبطين كتب الصلاة ليستمعوا للقسيس». الصورة التي تظهر من هذا التعبير البسيط هي علائم الاطمئنان الروحي والسكينة التي تغلف الأجواء. مدينة هادئة في الشمال الأوروبي تعيش باطمئنان وهدوء تحت دعم سخي من الدولة للكنيسة وحفظها للدين. سورين كيركيجارد وحده كان يشكل تهديدًا لهذا السلم بكتاباته التي لا تتوقف وتفجرت بشكل لا مثيل له عند تأبين القس مينسنتر. عند تأبين القس مينسنتر، قام وريث القس الراحل ويدعى مارتنسن بتأبين القس المتوفى ووصفه بالشاهد على الحقيقة. لم يكن كيركيجارد بحاجة إلا إلى هذا الكلام لينفجر ويخوض معركة كبيرة مع الكنيسة الرسمية. معركة مفردة مقابل مجموع عام يحظى بدعم الدولة والمجتمع. كان مما أثار الزوبعة هو هذا الوصف (الشاهد على الحقيقة). كتب كيركيجارد قائلا:

«إن الشاهد على الحق رجل امتلأت حياته بالمعارك الباطنة والخوف والقشعريرة، المحن والبلاء والآلام المعنوية. الشاهد على الحق رجل يشهد للحق في الفقر والذل والمهانة. يشهد للحق وعيون الناس تقتحمه، والكل يكرهه: إن الشاهد على الحق شهيد».

كان سورين يعرف الأسقف الراحل تمام المعرفة لأنه كان على صلة بوالده. لم يتقبل سورين وصف الأسقف الراحل بالشاهد على الحق. انطلق سورين حينها مهاجمًا الكنيسة الرسمية من خلال مجلة أصدرها بعنوان «الآن»، والتي صدر منها تسعة أعداد. كل عدد كان قنبلة شديدة التفجير تجاه الكنيسة التي زيفت المسيحية الحقة كما يقول. كانت الكنيسة اللوثرية هي الكنيسة الرسمية في الدنمارك. ضمنت الدولة لرجال الدين مستوى اقتصادي مرتفع ومنحتهم وظائف في الدولة. سورين يرفض هذا النهج من الضمان الحكومي لرجال الدين ومن سيطرة الدولة على الكنيسة. إيجاد ضمان لكنيسة مسيحية كان يعني له خيانة لكل عقيدة في تعاليم المسيح. كانت نظرة كيركيجارد تذهب إلى أن الأسقف الراحل لم يعان من أجل العقيدة، ومن ثم فهو في رأي الفيلسوف قد سقط في العالم ومباهجه. وصف بعض نقاد سورين رؤيته الدينية هذه بالتطرف والقسوة الدينية. إلا أن الحوار مع هذا الرجل هو ضرب من الخيال. وكأنه ينتظر أي رد حتى يهاجم بأعنفِ من ذي قبل. وصلت شهرته إلى أقصى مدى حين نشر مقالة يرد فيها على الانتقادات بعنوان «ماذا أريد»؟ بدأت هذه المقالة بتأكيده بأنه لا يريد إلا الصدق والإخلاص ولا يهمه أي شيء آخر. وإذا كان الإخلاص يقوم على التمرد ضد المسيحية، فسيسعده أن يكون من ضمن هذه الزمرة لأنه –كما يقول– يريد الأمانة، وأينما يقوم الإخلاص سيشارك فيه. لم تحمل رؤية سورين النقدية تجاه الدين أي ملامح سياسية أو اجتماعية وإن كان قد أطلق الرصاصة الأولى فهو قد مهد الطريق لتيار من الثوريين الاجتماعيين الذين اعتبروا الكنيسة إحدى القوى التي استخدمتها الطبقات المالكة للإبقاء على الطبقة العاملة وديعة وسهلة الانقياد. لم يكد يصدر العدد التاسع من مجلته «الآن» حتى سقط في الشارع كنيتشه تمامًا. وإن كان محتفظًا تمامًا بعقله.

علاقتي معها: ريجين أولسن

لم يكتب سورين كيركيجارد رواية في حياته. رغم ذلك، قصته مع ريجين أولسن هي من أكبر الروايات في الفكر الفلسفي الوجودي. وصف أحد المفكرين المؤيدين لكيركيجارد ريجين أولسن بأنها أهم من اكتشاف أمريكا! كيف لفتاة شابة أن تملك مثل هذا التأثير على عقل هذا الفيلسوف الغارق حتى أخمص قدميه في المرحلة الجمالية من حياته؟ كانت بياتريس بورتيناري ملهمة لدانتي آليغيري في الكوميديا الالهية ، قادته إلى الجنة. مع أنه لم يتحدث معها قط في حياته، إلا أنه استودع كل عبقريته في هذا المرأة التي لم تكن لتُعرف في تاريخ الأدب لو لم يكتب عنها في «الحياة الجديدة» و«الكوميديا». ريجين أولسن مثل بياتريس تمامًا، إلا أن تأثيرها فجر عبقرية الكئيب المتوحد سورين كيركيجارد.

وهو الموقن بحتمية وقوع اللعنة عليه، شاهدها في إحدى الحفلات ووقعت في نفسه. كانت شابة في الثامنة عشر من عمرها،. تعيش حياة هادئة وديعة مثل بقية السكان الذين يصفهم هانس كريستيان آندرسن في قصصه. بريئة براءة ساذجة، لا تعرف من اللاهوت وعالم الفكر سوى كتابها المقدس الذي تأخذه معها إلى الكنيسة يوم الأحد. فتاة في الثامنة عشر من العمر، وشاب في السادسة والعشرين من العمر. أليس الزمن الذي يعيشان به هو واحد؟ كلا –يقول ذلك كيركيجارد- زمنها ليس زمنه. هي فتاة تحلم بكل ما يحلم به أفراد جيلها من الحب والزواج من رجل يعمل في الدولة ويكفل لها دخلاً ومكانة في المجتمع وتعيش حياتها تحت ظل الدين. هو من سقط بكل ما فيه في هواها، هو المفكر المتوحد، يحمل ماضيًا لا يستطيع التخلي عنه ولن يتبرأ منه؛ لأنه مسلك اختطه الله له –كما يقول هو ذلك-. زارها مرات عديدة للحديث معها في منزلها وفي الحفلات القائمة في ذلك المجتمع الأرستقراطي. أُعجبت بطلاوة حديثه وشاعريته الفذة. لم تر فيه غير العاشق المستعد للتضحية بنفسه في سبيلها. ما غاب عنها ولا تستطيع رؤيته هو الداخل الكئيب في نفس عاشقها.

ألقى بحبائله عليها: ينتظرها في الطرقات في طريقها لأستاذ الموسيقى، يرسل لها الكتب ويخط على بعض الكلمات لتقرأها، يرسل لها أوراق تحوي نوتات موسيقية لتعزف عليها. كانت نتيجة كل هذا التحرك العنيف أن قبلت به خطيبًا و زوجًا. الزواج يقتضي الصراحة بين الطرفين: أن يحدثها ويبوح لها بكل ما يعتمل في أعماق قلبه وروحه. ليس السؤال هو: هل تستطيع تحمل ما سيقوله لها؟ بل هل يستطيع هذا المفكر المنعزل أن يعرضها لهذا الخطر، أن تشاركه هي البريئة من كل الذنب، البركان الثائر في أعماق روحه؟ عندما رآها للمرة الأولى آمن بها، وآمن بأن يد الله قادته إلى هذا المكان ليلتقي رائدته الروحية التي ستلقي به إلى المرحلة التي يريد.

الحياة التي عاشها كيركيجارد والزلزال الكبير الذي يحيط به من كل حدب وصوب قلب أساس حياته رأساً على عقب. وجد نفسه كائنًا مقضيًا عليه بالشقاء. وإن كان في غمرة المرحلة الجمالية إلا أنه يؤمن بأنه ذو رسالة دينية لم تظهر ملامحها حتى الآن. رسالة تفرض عليه أن يبقى منعزلاً متوحدًا لا يرى سوى اتجاهًا واحدًا. وفي خمرة الحب التي انتهت بعد إعلان الخطبة، أفاق هذا العقل على حقيقته. على حقيقة روحه وما يحمل تجاه ريجين. علاقة شرعية قد تفضي به إلى طريق آخر مغاير عن الطريق الذي يحلم بالاتجاه إليه. نهاية هذا التحليل الداخلي انتهت برسالة شكلت فضيحة في المجتمع:

«في الشرق، إرسال خيط من الحرير يعني قرارًا بإعدام المرسل إليه، وهنا إرسال الخاتم معناه قرار بإعدام من يرسله!»

أعاد إليها خاتم الزواج، هادمًا تلك العلاقة التي كان أحد أطرافها الرئيسيين. كان هناك صوت داخلي هو صوت الرب كما يذكر في يومياته، يقول: أطلق سراحها. لم تصدق ريجين ما تراه. أو بمعنى أصح لم تعرف أبدًا تلك المأساة الباطنة في عقل الشاب الكئيب. أرسلت له الرسائل في محاولة لإعادة تلك العلاقة كما كانت في السابق، زاعمة بأنها ستموت إن لم ينفذ طلبها. شكلت هذه الفضيحة مادة للتندر والأحاديث في المجتمع. حتى بعد سنوات عديدة، كان الانتقاد الذي يوجه إلى كيركيجارد عبر نهاية هذه العلاقة. أحد محرري جريدة القرصان، وهي صحيفة ساخرة، سخرت من الجدل الذي يحيط بنفس كيركيجارد عبر إنهاء خطبته. تحدث كيركيجارد في يومياته عن الأسباب التي أجبرته على ذلك، منها قوله: إذا كان علي أن أكشف نفسي، فإنه سيتعيّن علي أن أشركها في أشياء مرعبة: علاقتي بأبي، سوداويته، الحلكة الأبدية المخيمة على نظرتي. بعد سنتين من فسخ الخطبة تزوجت ريجين من العاشق السابق. أما سورين كيركيجارد، من تاريخ إعادة الخاتم تفجرت موهبته العبقرية في الكتابة بشكل لا مثيل له. لم تنته تلك السنة حتى أنهى رسالته للدكتوراة: حول مفهوم التهكم بالإشارة إلى سقراط بصفة خاصة. يصدر الكتاب تلو الكتاب بصورة غريبة، غريبة لضخامة الأفكار وكيف رتّبها وطرحها في فترة وجيزة. الأهم من كل هذا، أنه وجد علاجًا للداء الذي يحيط به، داء الكآبة. لم يكن الحل سوى الكتابة وإفراغ كل ما يفكر به في أوراقه. وأين ريجين من كل ذلك؟ كل نصوصه من يوميات وجدليات وفلسفة لا يُرى فيها إلا صورة ريجين. كتاب مثل الخوف والرعدة، والذي يُعدّ من أشهر نصوص كيركيجارد، تحيط ريجين بالنص من بدايته إلى نهايته.

الخوف والرعدة 

كتب كيركيجارد في يومياته عن الخوف والرعدة:

«عندما أموت، سيكون كتاب الخوف والرعدة وحده كافيًا لمنحي لقب الكاتب الخالد. سيقرأ الناس الكتاب، وسيترجم إلى لغات أجنبية. سيصاب القراء بالرعدة من العاطفة الرهيبة التي تجتاح الكتاب! ».

من سيبحث في أصل الفكر ومحدداته في كتاب مثل الخوف والرعدة، حيث  يجتمع فيه الشعر والفلسفة والدين والقصة القصيرة والسيرة الذاتية والأساطير بضرب فني لا مثيل له! عندما عاد كيركيجارد من برلين أعمل عقله في مؤلفات متتابعة بصورة إعجازية. تُعرف هذه المؤلفات بالمؤلفات مجهولة المؤلف إذ نُشرت تحت أسماء وهمية. وهي طريقة تندرج تحت نظرية التواصل غير المباشر، والتي يهدف من خلالها الكاتب الأصلي –كيركيجارد- أن يطرح أكثر من رأي باستخدام أكثر من شخصية، و يترك للقارئ حرية الاختيار و التفكير، جاعلاً من نفسه سقراطًا حديثًا.  وفي بعض الأحيان يصدر كتابين في نفس الوقت، بل وفي نفس اليوم. رغم حالة الوهن الجسدي إلا أن الأفكار تتساقط عليه بصورة غريبة وكثيفة. لم يكن بحاجة للإلهام حتى يكتب. كل ما كان يأمل أن يزوده الله بدرع يقيه من هذا التساقط الحر للأفكار.

الخوف والرعدة كتاب فلسفي، من الطبيعي أن تكون هناك مفاهيم ومصطلحات يجب أن تُعرف قبل قراءة الكتاب. ولكن بعيدًا عن النزعة الفلسفية في الكتاب، لا يوجد هنا أي فصل بين نزعة عقلية تختص بالفكر المجرد فقط، وبين مشاعر المؤلف وعاطفته. المؤلف يكتب بعقله وعاطفته. يظهر في البداية كقاص يستطيع أن ينازع أرباب القصة القصيرة. ثم يظهر الشاعر، إن أعطي الفرصة للشعر تفجر بقصيدة غنائية. يريد أن يُشرِك كل قُراءه بقصيدة لا تشبه أي قصيدة أخرى. إن كان فخر الشاعر جون ميلتون بالفردوس المفقود، والشاعر دانتي آليغيري بالكوميديا الإلهية، فهو هنا يفخر بذلك الخطاب الشعري عن الشخصية الاستثنائية. ثم هو فيلسوف، يبحث في فكرة يحاول من خلالها تفسير حياته كلها. الخاص والعام يجتمع في مكان واحد. قد يكون ذلك أمرًا إيجابيًا لسهولة معرفة الجانب الخاص في مقابل العام. ولكن ماذا يعرف القارئ حينها عن المتوحد في مكتبه، الذي يريد إرسال رسالة خاصة عبر استخدام شخصيات من التراث الديني والأساطير والمآسي الإغريقية دون ذكر أي ملمح يشير إلى نفسه؟ عندما يريد الكاتب أن يكتب سيرة ذاتية عن نفسه سيظهر الكاتب غالبًا في النص ويظهر وجوده. رغم الطابع الذي اكتسبه الكتاب ككتاب فلسفي إلا أني سأتجرأ وأصف الكتاب بأنه سيرة ذاتية حقيقة للمؤلف. رغم عملية الاختباء القائمة على اسم المؤلف «جوهان الصامت»، وتفضيل كيركيجارد الابتعاد عن مؤلفه ووصفه بأنه يشكل مرحلة من مراحل الوجود إلا أنه كان ظاهرًا بالنسبة لي بوضوح. تعززت هذه الصورة في القراءة الثالثة خصّيصًا.

يتساءل قراء كيركيجارد ونقاده: ما هي مركزية الخوف والرعدة؟ وهل يتضمن الكتاب سرًّا لا يعرفه إلا الكاتب فقط، أم أن هناك رسالة خفية قد يستطيع القارئ إن أعمل جهده أن يفك رموز النص ليصل إلى الرسالة السرية والمرسل إليه؟ الكتاب ليس رواية بوليسية حتى يُكتشف اللغز، وليس نصًا سريًا. المؤلف كان يكتب بوضوح شديد. لكن الغرابة، كل الغرابة، أن تكون تلك الرسالة السرية موجهة إلى ريجين أولسن، وأن تظهر في النص هنا دون ذكر اسمها أو أي إشارة لها. إنه لأمر طبيعي أن يضمن مؤلف ما ملهمة تقوده في الكتاب، لكن الجنون أن تكون ريجين في مركز هذا الكتاب بالذات، بالفكر الذي يحتويه. إذا انشغل القارئ المفكر بفكرة الكتاب سيفتح المجال واسعًا للحديث عن الجمال والأخلاق والدين والشخصيات التي أعمل عليها كيركيجارد عمله. لكن ها هنا لا يوجد اكتمال بالفكر دون معرفة ريجين أولسن. والأكثر من ذلك: أن يلخص هذا الكتاب مأساة تراجيدية هي حياته ويخط خطاًا لا يحيد عنه في قادم أيامه. لا غرابة إذًا بأن يصف المؤلف كتابه هذا بأكمل مؤلفاته من الناحية الجمالية، رغم صدور مؤلفات كان له تأثير قوي مثل «إما/ أو»

يبدأ جوهان الصامت الكتاب باقتباس لهامان يعزز فكرة وجود رسالة خفية في النص: «ما تحدث به تاركينيوس سوبربوس إلى أزهار الخشخاش في حديقته قد فهمه الابن، وإن لم يفهمه الرسول»

قصة هذا الاقتباس تعود إلى روما. عندما استطاع ابن تاركينيوس بمكره أن يكسب ثقة شعب جابي، أرسل الابن رسالة إلى أبيه يسأله عن الخطوة المقبلة التي ينبغي فعلها تعزيزًا لهذه الثقة. الأب تاركينيوس –لخطورة الرد الذي سيرسله للابن– لم يعطِ الرسول أي رد. وإنما اكتفى بأن سار مع الرسول إلى الحديقة وأخذ يقطع أشجارًا طويلة. عاد الرسول إلى الابن وأخبره بأن لا رد على الرسالة، وقام يصف ما فعله أبيه من تقطيعه للأشجار الطويلة. فهم الابن الرسالة: عليه أن يجتث رؤوس عِلية القوم في المدينة، وفعل ذلك!

في المقدمة التمهيدية للكتاب نتعرف على طفل أُعجب في طفولته بقصة النبي إبراهيم عليه السلام. كيف واجه إبراهيم الامتحان الذي قضى الله به، وكيف احتفظ بإيمانه. عندما أصبح هذا الطفل شابًا ازداد إعجابه بهذه القصة. غير أنه عندما كبر في العمر لم يعد يفهم من القصة شيئًا، يشعر بشيء غير مفهوم بهذه القصة. جراء ذلك، نسي هذه القصة بالتمام وظل محتفظًا بشيء واحد، رغبة واحدة وأمنية لو حدثت له يستطيع من خلالها أن يفسر لغز حياته كله. هذه الأمنية أن يكون هناك، في تلك اللحظة الحاسمة من حياة إبراهيم، أن يرى النبي الذي باركه الله وأن يكون شاهدًا على ذلك الحدث في الجبل. أن يرى عيني إبراهيم وهي تتطلع للجبل حين صعد مع ابنه ليقوم بما أمره الله به. بنهاية هذه المقدمة الاستهلالية تظهر عبقرية كيركيجارد القصصية: أربع مخطوطات قصصية تمثل مسيرة النبي إبراهيم مع ابنه إسحاق إلى جبل الّمريا. هذه المخطوطات مستمدة من سفر التكوين: «وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم، فقال له يا إبراهيم فقال ها أنا ذا، فقال خذ ابنك، وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب إلى أرض المريا واصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك»

وإن كان بدايات المخطوطات تعتمد على هذا النص من السفر إلا أن كيركيجارد يبتعد عنه محاولًا رسم عدة صور تحاول اكتشاف المغزى الإيماني العميق في قصة إبراهيم. كيركيجارد في هذه المخطوطات سبق عصره في ذلك الضرب الفني من الكتابة الحداثية. أربعة مخطوطات عبارة عن قصص قصيرة تستمد مرجعيتها من قصة إبراهيم، وأربعة نصوص قصيرة مستقلة استقلالًا كاملاً عن قصة إبراهيم. لكنها متحدة برباط واحد غير مرئي. عندما أقرأ قصة ما، يجب أن تتضمن النهاية خاتمة لفكرة القصة ذاتها وإيضاح عن نهاية بطل القصة. ماذا يعني أن أقرأ لقاصٍ ما ثم في نهاية السطور الأخيرة يخرج من نطاق القصة بالكامل ويتحدث في شيء آخر لا علاقة له تمامًا بالقصة. هذا عبث! هل فعلها كيركيجارد هنا؟ لا. المخطوطات الأربع تتضمن أربع نهايات، وفي نفس الوقت تتضمن ثمانية نهايات. تنتهي المخطوطات الأربع بعودة إبراهيم وإسحاق. هذه نهاية مستقلة تشكل نصًّا لوحدها. كيركيجارد هنا أضاف لها أربعة نصوص أخرى تمثل نصًا آخر يرتبط بالقصة ارتباطًا جماليًا وإنسانيًا.

تبدأ النصوص القصصية عن إبراهيم بطلوع الفجر وتوديع زوجته سارة والرحيل مع ابنه إسحاق للتضحية به. هذه السيرة محددة بثلاثة أيام حسب التراث المسيحي. لم يضمن كيركيجارد أي نص حواري بين النبي إبراهيم وابنه باستثناء المخطوط الأول. حاول أن يرسم صورة تظهر المشاعر الداخلية وروح الحزن والقلق. من جماليات التصوير عند كيركيجارد في هذه النصوص الأربعة هي وصف تلك الحالة الشعورية من نظرة إبراهيم إلى الجبل، حين يرتفع بصره بعد مسيرة أيام تمثل آلاف السنوات وتحمل من الآلام ما لا يطاق. وفي صمت إبراهيم بتسليمه اللانهائي بأمر ربه، بأن يضحي بأعز ما يملك على هذه الأرض. لا حاجة لأي حوار في هذه النصوص. الرحلة ذاتها ورحيل الأب والابن وذلك الجبل وتلك الرمال هي حوار في ذاتها. تنتظر اللحظة التي يخرج فيها إبراهيم السكين ليضحي بابنه إسحاق. النصوص الأربعة كما قلت تتضمن أربع معالجات تنتهي بعودة النبي مع الابن للمنزل. بعد نهاية كل قصة كتب كيركيجارد أربعة أسطر منفصلة عن قصة إبراهيم وترتبط عضويًا وإنسانيًا معها. تحكي هذه السطور المتضمنة في كل مخطوط وصف لوقت قد لا نلمحه ولا يظهر دائمًا، لكنه محمل بعاطفة عميقة وإنسانية للغاية: هي تلك اللحظة التي يتوقف فيها الطفل عن الرضاعة من ثدي أمه. هذا مشهد يمثل ذروة الجمال: طفل صغير تُمسكه والدته بكل حب وعطف، يرضع من ثديها. تلتحم به بكل جسدها وروحها، وهو ملتحم لاجئ إليها وكأن الجنة قد حفت عند صدر الأم. الطفل يكبر، وإنها للحظة حاسمة أن يتوقف هذا الالتحام الذي يسكن الأم والطفل:

«عندما يأتي موعدُ فطامِ الطفل، تلطخُ الأمُ ثديَها بالسواد، إذ إنهُ من العارِ أن يبدو الثديُ مغريًا عندما لا يستطيعُ الطفلُ الوصولَ إليه. يؤمنُ الطفلُ أن الثدي تغير، و لكنَ الأمَ هي نفسها، لم تتغير، نظراتها تمتلئُ حبًا وعطفًا كالعادة. محظوظٌ هوَ ذاك الذي لا يحتاج إلى وسائل مرعبةٍ كي يفطمَ طفلَه!»

يستمر كيركيجارد في رسم صور تمثل هذا الانفصال الحتمي الذي لا مفر منه. نجد الأم في المخطوط الثاني وكأنها عذراء، تواري ثديها. لا يجد الطفل والدته التي كان يلتحم بها. وإنه لمحظوظ ذلك الطفل الذي لا يفقد أمه على نحو آخر. أفضل المخطوطات التي أحببت هي الثالثة، المتضمنة حزن المرأة والطفل للحظة الانفصال. في الوقت الذي ينبغي فيه فطام الطفل، يسكن الحزن الأم، عندما تتيقن أنها في تلك الساعة يزداد الانفصال بينها وبين طفلها. الطفل الذي ينام ويجد ملجأه تحت قلبها لن يكون بعد الآن قريبًا منها ذلك القرب الحميمي. يبكيان معًا فترة الحداد تلك، وإنه لمحظوظ ذلك الإنسان الذي احتفظ بهذا الطفل إلى هذه الدرجة من القرب، ولم يكن بحاجة إلى الحزن أبدًا.

والآن لماذا وصفت المؤلف بالسابق لعصره؟ يكثر الحديث عن أعمال بعض المؤلفين ووصف أعمالهم بالحداثية والمبتكرة، خصوصًا في القرن العشرين. كيركيجارد سبقهم من هذه الناحية بأربع مخطوطات، ينتهي كل مخطوط بنهايتين. والأمر الغريب، –وهذا أمر لم أنتبه له حقيقة إلا في القراءة الثالثة– أنه بنهاية قراءة كل هذه المخطوطات الأربعة يصبح النص مخطوطًا واحدًا بظهور المؤلف جوهان الصامت وهو يفكر بقصة إبراهيم والأم والطفل. الحضور الكثيف لإبراهيم والرحلة مع إسحاق وتلك الحالة الإنسانية من ارتباط إنساني بين الأم والطفل قامت بعزل جوهان الصامت الذي ابتدأ النص بحضوره. اختفى بصورة غريبة. لكنه في كل مرة يعود إلى منزله، بعد أن يتجول في جبل المريا ويشبك يديه قائلاً:

« لا يوجد من هو في عظمة إبراهيم! من يستطيع أن يفهمه؟»

تحت راية البحث عن هذا السؤال يظهر كيركيجارد الشاعر، في فصل خطاب في تمجيد إبراهيم. من قال بأن القصيدة يجب أن تكون موزونة أو ما توصف بقصيدة النثر؟ كيركيجارد في هذا الفصل يُظهر كل ما يملك من عبقرية شعرية في تمجيد إبراهيم. تشعر بحماسة الشاعر عندما يجد موضوعًا لم يتطرق إليه من قبل، موضوع يمكن من خلاله أن يكتب قصيدة يخلد فيها حياته، يبوح بأسراره وعشقه. الشاعر بحاجة لبطل ليخلده في قصائده. حين يُذكر البطل، يسير معه الشاعر في التاريخ عندما يُروى. لكن ها هنا الشاعر لا يمجد بطلاً: يمجد عظيمًا لا يجد إلا الدهشة عندما يتطلع في صفحة حياته. عندما أفكر بذلك الحضور الشعري للأنبياء في الأدب، لا تأتي في ذهني إلا رواية موبي ديك للروائي العظيم هيرمان ملفيل. عندما يجمع القس العجوز مابل البحارة قبل القيام برحلتهم ويخطب فيهم خطابًا عن الإيمان يرتكز على قصة النبي يونس وهو في جوف الحوت. كان خطاب ملفيل عظيمًا ومبهرًا. لكني الآن عندما أفكر بهذه الصورة، لن أجد إلا هذا الخطاب في كتاب كيركيجارد. يبدأ جوهان خطابه بتساؤلات، بأنه إن لم يكن هناك شعور خالد في النفس البشرية، وإن لم تكن هناك رابطة نابضة بالحياة توحد البشرية، وإذا كانت الأجيال تتلاحق وتختفي كأوراق الشجر عندما تتساقط في الخريف بدورة زمنية ثابتة.. إذا كان الجنس البشري يعبر العالم كسفينة تعبر عباب البحر، كيف ستكون الحياة عندئذ؟ ماذا لو أن نسيانًا أبديًا يبحث عن فريسته، ولم تكن هناك قوة تنتزع هذا النسيان: كم ستكون الحياة خاوية لا راحة فيها! النسيان لا يطوي من كان عظيمًا في هذا العالم، غير أن هؤلاء العظماء يختلفون فيما بينهم حسب كيركيجارد. كل واحد منهم عظيم على طريقته الخاصة، بالعظمة التي أحبها. هناك من أحب نفسه وأصبح عظيمًا بها، وهناك من أعطى حبه للغير فأصبح عظيمًا بتكريسه المنكر للذات، غير أن من أحب الله هو أعظم الجميع.

كل عظيم سيرتبط في ذكرى الناس مع توقعاتهم: منهم من توقع الممكن وأصبح عظيمًا، ومنهم من توقع الأبدي وكان كذلك، أما من اخترق جدار المستحيل واللامعقول أصبح أعظمهم. وكل عظيم حسب كيركيجارد يرتبط بما حارب من أجله: أحدهم حارب الدنيا وأصبح عظيمًا عندما تغلب عليها، والآخر حارب نفسه وأصبح عظيمًا عندما انتصر عليها، أما من حارب في سبيل الله، صار أعظم الجميع .

ينطلق كيركيجارد في سرد تاريخي لحياة إبراهيم وسارة. لا يحمل أي رؤية قصصية في هذا النص. تارة يتوقف وتارة ينطلق. يأخذ قطعة من حياة النبي ثم ينطلق ممجدًا إياه، غير أن تلك الصورة الشعرية تخفت عندما يتلقى إبراهيم الأمر بالتضحية بابنه. يتركز نضال إبراهيم كله هنا، في هذه اللحظة بالذات، إذ مَن الذي يفكر بأن يُنتزع العكاز من الشيخ الجليل؟ ومن هو الذي يطلب من هذا الشيخ الكبير أن يكسر عكازه بنفسه؟ كان إبراهيم هو الشيخ الذي اصطفاه الله، وكان الله هو الذي قضى هذا الامتحان. كان إبراهيم مؤمنًا، ولم يكن شاكًا. ولو راود الشك إبراهيم –يقول ذلك كيركيجارد– لفعل شيئًا مجيدًا! لا يصنع إبراهيم إلا ما هو كل عظيم مجيد! هناك، فوق ذلك الجبل وقف الشيخ الكبير إبراهيم، ممتلئًا بالأمل.. أملًا وحيدًا! لم يَغزه الشك، ولم يتلفت يمينًا وشمالاً. كان يعرف أن الله هو الذي طلب ذلك، وكان يعرف أنها أقسى تضحية يمكن أن تطلب منه. وكان ممتلئًا بيقين أنه ما من تضحية يمكن أن تكون قاسية إذا طلبها الله. وأظهر السكين! أي قوة ظهرت في ذراع إبراهيم؟ من الذي رفع يده اليمنى؟ اليد التي كانت تبارك ذلك الطفل، أي روح تلك التي لم تتردد لحظة في الإقدام على الفعل؟ يختم كيركيجارد ذلك الخطاب بغنائية أخيرة، بلغة شعرية تختفي لاحقًا ليحل محلها المفكر:

أيا إبراهيم! أيها الأب المبجل! في طريقك من الجبل إلى منزلك، لا تحتاج لنشيد يثني عليك. لقد ربحت كل شيء واحتفظت بطفلك. لم يأخذه الله منك، ولكنك جلست معه في خيمتك مكللاً بالفرح، وكأنك تجلس في ذلك العالم اللانهائي، في ظلال الأبدية الدائمة. إبراهيم! أيها الأب المبجل! مرت آلاف السنوات منذ تلك الأيام، لست في حاجة لعاشق متأخر لتنتزع ذكراك من مخالب النسيان. كل لغات الأرض تستعيد ذكراك، ومع ذلك.. ها أنت تكافئ محبك بأمجد مما يكافئه أي إنسان آخر: تجعله مباركاً في حضنك، تسحر عينيه وقلبه بإعجازك. أيا إبراهيم! أيها الأب المبجل! أيها الأب الثاني للجنس البشري! يا من كنت أفضل من حمل تلك العاطفة الهائلة التي استهانت بالصراع المخيف مع ثورة العناصر وقوى الخلق من أجل المجاهدة مع الله، يا من كنت الأول في معرفة تلك العاطفة العليا، ذلك التعبير الخالص عن الإلهي، اغفر لمن يتحدث عنك ممتدحا إياك، فهو لا يفعل ذلك على النحو المناسب. تحدث عنك بإيجاز، لكنه لن ينسى أبدًا أنك كنت بحاجة لمئة عام ليكون لك ولد في غير توقع، وأن ترفع السكين قبل الاحتفاظ بإسحاق، ولن ينسى أبدًا أنك لم تتقدم إلى أبعد من الإيمان!

في المقدمة الثانية يتحدث جوهان الصامت عن نفسه، عن عقله وفلسفة عصره والمواضيع التي يريد طرحها وكيف ينظر لها. الموضوع الرئيس هو الإيمان بوصفه عاطفةً إنسانية كبرى تؤثر في الوجود. وإذا كان الإيمان هو موضع التشريح لن يجد شخصية مناسبة أفضل من إبراهيم. غير أن هناك مشكلة لم يستطع كيركيجارد اقتحامها لصعوبتها حسب وصفه. هذه المشكلة هي إيمان إبراهيم. تتميز قصة إبراهيم في الديانات الثلاث بخاصية رئيسية وهي أنها مجيدة متى كان فهم المرء لها بسيطًا. ولكن، يتساءل كيركيجارد- بعد تلك المخطوطات القصصية وذلك الخطاب عن إبراهيم-: كم من الناس أقضت مضاجعهم قصة إبراهيم؟ توصف القصة عادة بأنها الشيء الرائع والأفضل، لكن من فكر بتلك النفوس القلقة التي وهي في غمرة قلقها قد تذهب وتفعل مثلما فعل إبراهيم؟ هل يستطيع المرء أن يتحدث عن إبراهيم دون أن يتعرض لخطر أن يمضي فرد قلق ليفعل مثل ما فعله إبراهيم؟ يقول: الإنسان إذا جعل الإيمان كل شيء، فعلى المرء وفق طريقتي بالتفكير  أن يتحدث عنه دون خطر في عصرنا هذا الذي لا يكثر في الحديث عن الإيمان. بالإيمان وحده، يبلغ المرء مثل ما بلغه إبراهيم. وصف جوهان الصامت نفسه بالعقل الصارم، لم يصل إلى الإيمان بعد. ويجد صعوبة في الانطلاق. بصورة أوضح: هو في المرحلة الدينية ، وهي مرحلة تسبق الإيمان بمعناه الكامل حسب مراحل كيركيجارد. كرس جوهان وقت طويل لفهم الفلسفة الهيجيلية ويظن أنه يفهمها. قد تظهر بعض الفقرات لا يستطيع فهمها رغم المشقة التي أخذ بها نفسه. ولكن لديه من الجرأة بحيث يتهم هيجل نفسه بأنه لم يكن واضحًا. لكن عندما يفكر في إبراهيم، يشعر وكأنه سحق سحقًا! ذلك لأنه كما يقول يبصر في كل لحظة تلك المفارقة الهائلة التي هي جوهر حياة إبراهيم. لا يستطيع فكره أن يتقدم شعرة إلى الأمام، يحاول أن يمسك كل عضلة من عضلاته على أمل أن يطل عليها: «وأنا في هذه اللحظة أشعر بالشلل!»

يقول في المقدمة: «روحي تستشعر ذلك النبيل بكل ما هو عظيم في هذا العالم. اقتنع بتواضع أن البطل يكافح عن قضيتي، وأتأمل نفسي في الروح البطلة. لكنني لا أستطيع تأمل نفسي في إبراهيم. لا أشير في ذلك إلى أن الإيمان شيء صغير، بل هو أسمى الأشياء، وتجافي الفلسفةُ الأمانةَ عندما تعطي شيئًا آخر بدلاً منه. على الفلسفة أن تفهم نفسها أولاً وأن تعرف ما يجب أن تعطيه ولا تستبعد شيئًا ولا تخدع الناس في قيمة شيء ما بحسبانه لا شيء. لست على غير ألفة بتعقيدات الحياة وأخطارها. إني أتصدى لها بجسارة. ولست على غير ألفة بالرعب! لقد رأيت الرعب بعين رأسي، لا ألوذ بالفرار منه. وإن كنت أعلم بأن شجاعتي ليست شجاعة الإيمان. لست بقادر على القيام بحركات الإيمان. لكني مقتنع بأن الله هو المحبة. عندما تشرق هذه الفكرة أمامي أشعر بسعادة لا سبيل للتعبير عنها. وعندما تغيب، أشتاق إليها بأعنف مما يشتاق العاشق إلى معشوقته

يستخلص كيركيجارد من قصة إبراهيم نتائج جدلية متضمنة فيها، تُبرز مفهوم الإيمان بوصفه عاطفة إنسانية كبرى يؤثر في الحياة اليومية. أولى هذه المفاهيم والتي تستند عليها فلسفته بالأصل هي في العلاقة الخاصة مع الله والتخلي كليًا عن أي شكل من أشكال الوساطة الخارجية. هذه العلاقة المطلقة مع المطلق يجب أن يعقدها الفرد بوصفه فردًا. المفهوم الثاني هو التسليم اللامتناهي. وهي حركة ضرورية لا بد منها. لا تعتمد على حسابات العقل إن لم يكن هناك تسليم لامتناهي لن يظهر الإيمان على المسرح. هذا التسليم يحمل تصورًا حول التخلص من كل الخيرات المتناهية لغاية أعلى. بالتسليم اللامتناهي يُفرغ كأس الحياة من حزنها العميق. يحس الذي قام بهذا التسليم بالألم الذي ينشأ عن العزوف عن كل شيء. زهد في كل شيء زهدًا لامتناهيًا، ثم يعود الذي قام بهذا التسليم فيقبض على كل شيء بفضل اللامعقول. ثالث هذه المفاهيم هو في التعليق لما هو أخلاقي. وعند هذه النقطة أتوقف لتفصيلها مع المفهوم الثاني لتكون أوضح؛ لأنها نقطة ارتكاز رئيسية في الكتاب وبالإمكان من خلالها فك كل أسرار الكتاب والتعرف على الرسالة السرية.

يحمل عنوان المشكلة الأولى سؤال: هل هناك تعليق غائي لما هو أخلاقي؟ حسب كيركيجارد وبلغته نفسه، الأخلاقي بوصفه أخلاقي هو كلي. وبوصفه الكلي فهو ينطبق على كل فرد في كل زمان وأي مكان؛ لأنه مستقر بصورة داخلية كافية. هذا الكلي لا يقع خارج نفسه أي شيء يمكن أن يكون غايته. لأنه بكليته وذاتيته المستقرة، هو غاية كل شيء يقع خارجه. أي أن مهمة الفرد الأخلاقية أن يعبر عن نفسه في هذا الكلي باستمرار. في حالة آكد، الفرد نفسه يقع في موقع المواجهة مع الكلي. في هذه اللحظة تُرتكب الخطيئة. لن يكون هناك تصالح بين الفرد الجزئي والكلي إلا بإدراك هذه الحقيقة. إذا كان هذا هو التصور الكيركيجاردي للأخلاق، أي أن الأخلاق كلية ومحاولة تأكيد الفرد نفسه يحدث النزاع مع الكلي، هل هناك تصور عام يسمح بالإيقاف الغائي للأخلاق؟ ما مبررات هذا الإيقاف؟ وأي نتيجة قد تحدث نتيجة إلغاء الكلي؟

إذا كانت علاقة الفرد الجزئي مع الكلي هي تعبير الجزئي عن نفسه باستمرار في الكلي ويجد فيها غايته، سيكون من التناقض أن يكون هناك تعليق غائي للكلي. سيكون في ذلك خسارة هائلة ومرعبة. كيركيجارد في جدله هذا يقول إن هناك حالات لا نخسر ما نضعه موضع التعليق، بل نحفظه تمامًا في ذلك الشيء الأعلى الذي هو غايته. عندما يتحدث هيجل عن الكلي والجزئي في هذه العلاقة فكيركيجارد يتقبلها، لكن عندما يوضع الإيمان في هذه العلاقة فهو يرفض هيجل. فهو في نظره مخطئ تمامًا. موقع الإيمان هنا هو موضع المفارقة: الجزئي أعلى من الكلي. الفرد بعد أن كان في الكلي يعزل نفسه بوصفه جزئيًا لأنه يعد نفسه أعلى من الكلي. ليس تابعًا، بل متبوعًا. عندما تكون هناك علاقة مطلقة مع المطلق يجب أن يكون الفرد جزئيًا أعلى من الكلي. لو كان يحيى في الكلي، الجزئي سيكون في وضع متوسط. قصة إبراهيم تحتوي على هذا التعليق الغائي لما هو أخلاقي. لو كان إبراهيم يحيى في الكلي كما يتصوره كيركيجارد لن يصبح عظيمًا، بل بطل من أبطال الملاحم والتراجيديات الكبرى. يستطيع كيركيجارد أن يفهم تمامًا البطل المأساوي، لكنه حسب ما يقول لن يستطيع أن يفهم إبراهيم ولا يملك أمامه إلا الدهشة. لعل في إيضاح الفرق بالأمثلة هنا أفضل لوصف الفرق بين من  يحيى في الكلي ولن تخطى الكلي:

عندما أعلن الملك مينلاوس الحرب على طروادة، كلف أخيه أجاممنون بقيادة الحملة العسكرية. انتظر الأسطول الإغريقي أيامً عدة للإبحار ولم يتمكنوا من ذلك بسبب الريح المعاكسة. أعلن أحد العرافين ويدعى كالشاش أن أجاممنون قد أهان آرتميس. وأن الآلهة تطلب أن يقدم ابنته أفيجينا تكفيرًا عن هذه الإهانة. تبدو قصة مأساوية لعلاقة الأب بابنته. لو كان الأمر خاصًا قد يقوم أجاممنون بعمل تراجيدي كبير، كأن يضحي بنفسه. غير أن الأمر يتعلق بأمور دولة وأمة كاملة في مواجهة أمة أخرى. هل يضحي بفرد واحد –هي ابنته– في سبيل الأمة؟ قصة أخرى تحمل نفس الطابع وإن كان الفعل مغايرًا. يروي كيركيجارد قصة عن بروتوس، عندما كان قنصلاً لروما، اشترك أبناؤه في مؤامرة لإعادة الملك الذي طردته روما. عندما علم بروتوس بالأمر، أصدر أمره بإعدام كل أبنائه المشتركين في هذه المؤامرة. عندما تغلب بروتوس وأجاممنون على آلامهم الخاصة في سبيل ما هو أكبر، من كان يفهمهم حينئذ؟ سيرتفع صيت أجاممنون أمام شعبه وسيتغنى في سبيل تلك الآلام الرهيبة في سبيل أكبر من الخاص. هم أبطال بصورة مأساوية. لم يبرحوا النطاق الأخلاقي. بل قاموا بهذه الأعمال في نطاق الأخلاقي الكلي.

غير أن الموقف مع إبراهيم مختلف تمام الاختلاف. إبراهيم تخطى الأخلاقي كلية. امتلك غاية تقع خارج الكلي الأخلاقي، ولهذا قام بتعليق ما هو أخلاقي. البطل المأساوي عظيم بفضل فضيلة أخلاقية صرفة. وإبراهيم عظيم بفضل فضيلة شخصية بحتة. غير أن السؤال: لماذا فعل إبراهيم ذلك؟ إذا كان أجاممنون قام بذلك في سبيل أمته، وبروتوس في سبيل العدالة، فلمن فعلها إبراهيم؟ في سبيل الله وسبيل نفسه. في سبيل الله لأن الله طلب ذلك دليلاً على إيمانه، وفي سبيل نفسه حتى يستطيع أن يضع الدليل أمام الله. وعُبِّرَ عن ذلك بالامتحان والابتلاء. هذا الامتحان والابتلاء يُنظر إليه الآن في ضوء النتيجة، التغزل الجمالي في النتيجة فقط، وكيركيجارد يصرح بأنها لأمر بشع أن يُحكى عن العظمة بمثل هذه الطريقة. إن كان هناك من حديث عنها يجب أن يُعرف القلق والأسى والمفارقة في الحدث نفسه. يجب أن يظهر الطابع الإنساني ويكون واضحًا وجليًّا. وفي هذا الجانب كذلك يفتح كيركيجارد عبر القلق والأسى سيرة السيدة الجليلة مريم. يغيب الحزن والقلق عند الحديث عنها حسب تصوره، إذ كان حملها قلقًا وحزنًا. الملاك الذي بشرها بالمسيح لم يأتِ إلا إليها فقط. لم يخبر أي أحد آخر. فكانت المباركة التي أنزلت من الله تحمل شيئًا آخر حزينًا. هذا الشيء لم يُذكر كما أظن في الإنجيل لأنها لو ذكرت لفتح كيركيجارد باب الحديث عنها بشكل أكبر، وكانت مذكورة في النص القرآني بصورة جلية: فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا  فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا..

في كتاب القس جون ماكوري «الوجودية»، نظرة أخرى لهذا التعليق المخيف للأخلاق. ينظر جون ماكوري إلى هذا الإلغاء بداية كصراع ضمائر. الضمير الأول هو الذي يعكس الأخلاق الكلية. هذا الضمير أُلغي تحت سلطة الضمير الثاني، والذي هو أمر الله، والذي هو في نفس الوقت أعمق الجوانب الداخلية في الفرد. مشكلة هذا الإلغاء الغائي للأخلاق -بعيداً عن قصة النبي إبراهيم- أن كيركيجارد جعلها أمرًا مقبولا وحتميًا ويجب أن ينطلق من أي ضمير أصبح معبرًا عن الكلي. الخطر هنا أن لا وجود لضمير فردي يمكن أن يتحدث بنقاء كامل، نقاء يعبر عن الكلي وممثلاً له. التذرع بأن أمرًا ذاتيًا أعمق يحتاج لتعليق الأخلاقي، أليس هذا الأمر بوابة لأكثر ضروب السلوك البشري بشاعة؟

مشكلة كيركيجارد في هذا الإلغاء أنه يريد صياغة مقولات خاصة به تواجهه في المحنة التي وجد نفسه فيها. هو يظن، بل يعتقد تمام الاعتقاد أن لديه صراع ضميره الخاص، وإذا أراد الانطلاق للإمام يجب أن يحسم الأمر كما حسم إبراهيم صراعه، والمقصود هنا زواجه من ريجين أولسن. كان عليه التزام أخلاقي بالزواج من ريجين وكان مؤمنًا بجدية هذا الالتزام. لكنه قرر أن يفسخ الخطبة واضعًا الضمير بمعناه الأول والمبدأ الأخلاقي الكلي في جانب، استجابة لما يعتقد بأنها إرادة الله، والذي انطلق كما يؤمن هو بذلك من داخله الروحي، وفعل ذلك لكي يحقق ذاته.

يقول القس ماكوري: أكان كيركيجارد على حق في اتباعه النداء الأعلى أم أن ذلك لم يكن سوى ضرب من الأنانية؟ إذا زعم كل فرد أن له الحق في أن يتحلل من الالتزامات الأخلاقية المألوفة من أجل مطالب مطلقة لذاته الحقه الأصيلة، فسرعان ما نجد أنفسنا في فوضى أخلاقية!

وبما أن ريجين أولسن ذُكرت في المشكلة الأولى هنا، فيجب فتح باب الحديث عن شكل الكتاب وحقيقة تصنيفه والرسالة الخاصة. الكتاب الفكري بصورة أو بأخرى هو شكل من أشكال السيرة. سيرة الكاتب محددة بإطار فكري قائم. وإذا كانت الذات الداخلية مشاركة في هذه السيرة سيظهر صوت «أنا» الكاتب. عبقرية كيركيجارد أنه استخدم قصة النبي إبراهيم ليعبر عن الإيمان وتلك المفارقة التي تمثل الجوهر حسب وصفه. استعان بملاحم وأساطير وقصائد. غير أن كل هذه الصور ما هي إلا رمز لذاته. ذاته التي قامت بفعل التضحية حسب اعتقاده ويريد أن يبحث عدة طرق ليتصالح مع آلام الوجود ويصل إلى تلك الحالة التي يصل إليها فارس الإيمان: الشخصية التي تسحره. كل رمز استخدم في الخوف والرعدة، كل مثال هو مستمد من تاريخه الخاص. ذكر نفسه في الصور والملاحم، وأظهر ريجين بأبلغ ما يكون التعبير الفني عبر هذا الإخفاء الأدبي المذهل. في التمهيدات للمشاكل ضرب مثلاً برجل أحب أميرة. أراد هذا الرجل أن يجعل من هذا الأمر، أي الحب، يكتسب صورة خالدة وأبدية. وإذا أراد هذا التخليد وهذه الأبدية يجب أن يتخلى عنها، بصورة أوضح يجب أن يقوم بتلك الحركة السابقة على الإيمان، وهي التسليم اللامتناهي. أن يتخلى عنها كلية. وإذا فكر بأن يعود إليها، لن يكون ذلك إلا بفضل اللامعقول. لم تكن تلك الأميرة إلا ريجين نفسها. في كل مشكلة من المشاكل الثلاث يحكي كيركيجارد سيرة حياته مع ريجين وقيامه بحركة التسليم عبر الصور التي ذكرت سابقًا.

في المشكلة الثالثة يفحص كيركيجارد جدليًا الدور الذي يلعبه الإخفاء  في علم الجمال والأخلاق ليبين الاختلاف بين الإخفاء الجمالي والمفارقة. وهو هنا يحكي سيرته كذلك. بالعودة لقصة البطل المأساوي أجامننون، في مسرحية أفيجينا لـ أوليس ليوريبيديز، يجب على أجاممنون أن يضحي بابنته أفيجينا. علم الجمال يطالب أجاممنون بأن يلزم الصمت؛ لأن في صمته مراعاة للنسوة. ولا يليق بالبطل المكلف بحمل هذا العبء الثقيل أن يطلب الراحة عند الآخرين. يجب أن يتحملها شخصيًا وبكل ما فيه من ذاتية. لكي يكون بطلاً عليه أن يواجه امتحانات رهيبة وأن يمر بغوايات من دموع أفيجينا. الأخلاق تطالب بالعكس: لا مكان للإخفاء، والفكرة الجمالية تناقض نفسها عند لحظة التنفيذ. يجب أن يعلن كل شيء. إذا امتلك الشجاعة لذلك وأعلم الفتاة بمصيرها يصبح الابن المحبوب من الأخلاق التي ترضى كل الرضا. بإسقاط شخصية كيركيجارد محل أجاممنون، وأفيجينا محل ريجين، عندما وصل لقناعة باستحالة الزواج: هل يلتزم الصمت ويحفل بالزواج؟ إن فعل ذلك يكون قد أهان الفتاة لأنه أخفى عنها أمرًا، وتلك العلاقة تتطلب الصراحة والكشف. لن يكون عليه تحمل بقائه صامتًا. هل يلزم الصمت ويعدل عن الزواج؟ في هذه الحالة يجد نفسه في جو من الغموض، وكذلك يتضمن إساءة للفتاة وحقيقة حبهما. هل يفضي بكل ما في نفسه؟ إذا فعل ذلك أصبحت المسألة قصة حب فاشلة: ذلك النوع من الطراز المأساوي الذي انتهى بكارثة. غير أن هناك مفارقة يجدها كيركيجيارد في هذه الحالة. في حين يتحلى علم الجمال بشجاعة وهمية قائمة على الصمت، يظل الأخلاقي يضغط عليه ويعذبه، إذ هو يطلب الكشف. هنا يظهر الديني؛ لأن الدين هو القوة الوحيدة حسب وصفه التي يمكن أن تخلص الجمالي من صراعه الأخلاقي.

من روائع التحليل الوجودي عند كيركيجارد في الخوف والرعدة هي في رمز أسطورة غرانق الماء وآجنس. كان الغرانق من المغويين. حاول أن يصطاد آجنس ويجذبها إليه. بحلاوة لسانه وسحره استطاع إغراء مشاعرها الدفينة. وجدت آجنس في الغرانق كل ما كانت تبحث عنه وما كانت تتطلع إليه في قاع البحر. كانت تحب بأن تسير خلفه وتتبعه. رفع الغرانق آجنس عاليًا وطوقت هي عنقه بيديها: استسلمت بكل ما فيها للأقوى. وقف على شفا هاوية البحر، أوشك أن يهوي بفريسته. في تلك اللحظة، تطلعت إليه آجنس. لم يُصبها الشك، ولا زهت بحظها السعيد، ولم تنتشِ بالمتعة الظاهرية،  تطلعت إليه في إيمان عميق وتواضع مطلق كزهرة جميلة –كما كانت تظن نفسها-. ماذا حدث؟ توقف البحر عن الهدير، خفت صوت البحر، الطبيعة التي يستمد منها الغرانق قوته تخلت عنه في تلك اللحظة الحرجة. سقط الغرانق بسبب تلك النظرة: لم يعد يستطع تحمل ذلك السلطان من البراءة. يرتد على عقبيه مفسرًا الأمر كله بأنه لم يكن يريد إلا أن يريها البحر عندما تهدأ الأمواج. يستيقظ يأس الغرانق في روحه على نحو شديد: يستطيع بما يمتلك أن يغري آجنس ومئات من مثيلاتها، قادر على فتنة كل فتاة، غير أن آجنس انتصرت وضاعت من يده. يضفي كيركيجارد على الغرانق شعورًا إنسانيًا بافتراض وجود إنسانيٍّ سابق في النتائج التي اشتبكت فيها حياته. الباب مفتوح أمامه بأن يكون بطلاً، لأن ما فعله هو ضرب من المصالحة. أنقذته آجنس ودُمر ذلك التغرير المسيطر عليه. من هو الغرانق؟ هو كيركيجارد نفسه. ماذا تمثل الطبيعة المرعبة التي يستمد منها الغرانق قوته؟ هي كآبة كيركيجارد وتاريخه. ومن هي آجنس؟ هي ريجين أولسن. من أجلها أطلق كيركيجارد تسليمه اللامتناهي، ومن أجلها وبسببها هي: كتب الخوف والرعدة.

أصدرت دار المدى ضمن إصداراتها الأخيرة كتاب سيرة حياة سورين كيركيجارد ليوكيم غارف، من ترجمة عبدالاله النعيمي. هذا الكتاب من أهم السير المخصصة لسورين كيركيجارد. يستعرض المؤلف حياة سورين وأفكاره ومؤلفاته. المؤلف باحث في اللاهوت في مركز سورين كيركيجارد للدراسات في جامعة كوبنهاجن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق