مقالات

موس وفيبر والمسارات التاريخيّة للهبة

 إيليانا سيلبر - ترجمة: محمّد الحاج سالم

تقديم المترجم

تتناول هذه المقالة مسألة غياب الحوار بين مدرستي ماكس فيبر ومارسيل موس في علم الاجتماع، وضرورة تسريعه اليوم، بعد أن بدأت خطواته الأولى. وفي هذه السبيل، كان من المنطقي التذكير بالاختلافات الجوهريّة بين فكر موس وفكر فيبر، والتي قد تُفسّر جزئيًا حالة البرود الطويل بين أتباع مدرستيهما. بيد أنّه تُوجد أيضًا خطوط تقارب مهمّة وسُبُل محتملة للتكامل تستحقّ الاستكشاف، ومنها إعادة النظر في مسألة التهادي والإنفاق النبيل في سبيل أهداف إنسانيّة، وهي المسألة التي عادت بقوّة في خضمّ ما يشهده العالم المعاصر من تقلبّات وغلبة للنفعيّة وإنفاق للثروات إمّا في سبيل الحروب عند الأمم أو من أجل الترف عند الأفراد. تركّز هذه المقالة على الهبة، وتسعى إلى توضيح الفائدة المحتملة في الجمع بين المدرستين، وإظهار كيف يمكن أن يُساعد ذلك في إضاءة بعض جوانب مسارات الهبة تاريخيًّا، وخاصّة تلك التي لم تحظ بعد بما يكفي من اهتمام.


موس وفيبر: “لقاء آخر مفوّت”؟

يبدو أنّ تأكيد البعض على أنّ الحوار بين المدرستين الفيبريّة والموسيّة ظلّ محتشمًا للغاية، هو من باب التعمية على الموضوع، إذ الأجدى القول بأنّ مثل هذا الحوار الذي تشتدّ الحاجة إليه اليوم لم يتمّ إلى حدّ الآن. والحقّ أنّه تُوجد لهذا الأمر عدّة أسباب، إن لم تكن قويمة، فهي على الأقلّ مفهومة. وبالطّبع، فإنّ بعض تلك الأسباب يتعلّق بعوامل طارئة، مثل الظروف التاريخيّة أو التكوينات الفكريّة الخاصّة. غير أنّه من اللاّفت للنّظر أنّه على الرغم من الاهتمام المتجدّد بأعمال موس على مدار العقدين الماضيين، فإنّنا نلاحظ تفوّق شهرة فيبر على شهرة موس، سواء في مجال العلوم الاجتماعيّة بشكل عامّ أو في علم الاجتماع بشكل خاصّ. ولعلّه يكفي للتحقّق من ذلك أن نقارن بين مدى ما تحقّق لأهمّ أعمالهما من انتشار واشتهار: الأخلاق البروتستانتيّة وروح الرأسماليّة لفيبر، ومقالة في الهبة لموس. فلئن كان كتاب موس قد لقي ما يستحقّ من اهتمام، فإنّه لا يمكن إنكار أنه لم يلق اعترافًا مماثلًا لما يتمتّع به كتاب فيبر، وخاصّة خارج فرنسا.

وفي المقام الثاني، فإنّ أعمال موس وشخصه كثيرًا ما عتّمت عليها أعمال خاله ومعلّمه إميل دوركايم (Émile Durkheim)، إذ لطالما اعتُبر صاحب كتاب مقالة في الهبة مجرّد عضو في المدرسة الدوركايميّة التي غالبًا ما يتمّ تضخيم مسألة تجانسها ووحدتها. كما أنّه من الضروري أيضًا أن نذكر إلى أيّ مدى كان قبول أعمال فيبر في فرنسا شاقًّا ومتأخّرًا حين كان موس الأكثر شهرة وإثارة للنّقاش ([1]). ومن وجهة النظر هذه، فإنّ “البرود” الملاحظ بين موس وفيبر لا يبعد كثيرًا عن البرود الشهير بين دوركايم وفيبر، حيث يُجسّد كلّ منهما عند كثير من الناس تقليديّن مختلفين أشدّ الاختلاف، إن لم يكونا متعارضين، بل هما قد يُمثّلان أحيانًا تيّارين نظريّين في العلوم الاجتماعيّة، أحدهما “فرنسي” خالص والآخر “ألماني” صرف ([2]).

ولعلّ الحقّ يقتضي اليوم اعتبار الوضع أكثر ملاءمة لمثل هذا الحوار، بعد أن ارتفعت بالفعل بعض الأصوات لكسر هذا “البرود”، سواء في فرنسا أو خارجها ([3]). أضف إلى ذلك، أنّ مساهمة موس أضحت اليوم معروفة بشكل أفضل، وصوته مسموعًا، حتى وإن كان يتعارض أحيانًا مع صوت معلّمه دوركايم ([4]). وإذا ما كنّا نشهد منذ عقدين اهتمامًا متزايدًا في فرنسا بأعمال فيبر ([5])، فإنّه يُمكننا رؤية إشارات مماثلة في ألمانيا لصالح أعمال موس ([6]). ومع ذلك، فإنّ محاولات إقامة حوار منهجي ومثمر بين عالمي الاجتماع هذين، ما تزال نادرة.

من حيث الجوهر، لا شكّ مطلقًا في أنّ الاختلافات بين فيبر وموس بعيدة كلّ البعد عن أن تكون طفيفة. فهي اختلافات بارزة سواء من حيث المباحث والموضوعات المفضّلة والاختيارات النظريّة والمنهجيّة، أو من حيث التوجّهات المعياريّة والسياسيّة. ومع ذلك، فإنّ هذا الأمر لا يُقلّل في رأينا، من أهميّة محاولة تحديد أوجه التقارب بين الرجلين، وكذلك استكشاف السُّبُل الممكنة لإثراء متبادل على هذه المستويات الأربعة: الموضوعيّة والمنهجيّة والنظريّة والسياسيّة. ومن الواضح أنّ مثل هذا المشروع شديد الطموح وأنّه لا يمكننا ادّعاء استكماله في هذا النصّ. ولذلك أودّ بشكل أكثر تواضعًا، في منظور الإثراء المتبادل هذا، الشروع في تفكير مقارن بين هذين المؤلّفين في مجال معيّن، وهو مجال الأبحاث المخصّصة للهبة، من أجل رسم مسارات علم اجتماع تاريخي ومقارن لها، يجمع في آنٍ رؤية الموسيّين الجدد ورؤية الفيبيريّين الجدد.

موس وفيبر والهبة (1): أيّ اختلافات؟

في ضوء هذه الاختلافات بين الرجلين، يجب علينا أوّلاً وقبل كلّ شيء، من أجل التغلّب عليها بشكل أفضل، أن نُوضّح التناقض البيّن بين موضوعات بحوثهما. فعلى عكس موس، يبدو أنّ فيبر لم يُبد في العموم أيّ اهتمام بالهبة، أو لنقل، لكي نستخدم مثله الاستعارات الموسيقيّة، إنّه لم يكن قطّ حسّاسًا تجاه “نغمة” الهبة، كي لا نقول إنّها كانت بارزة بغيابها في نصوصه، فإن ذكرها، وهي حالة نادرة جدًا، فلكي يُنكر أهميّتها أو جدواها إن لم يكن رفضها وتحقيرها في مرّات عدّة. وقد تكشف القراءة المتعمّقة لفيبر بالتأكيد عن وجود إشارات صريحة لأشكال مختلفة من الهبة، لكنّ الهبة لا تُشكّل عنده أبدًا موضوعًا في حدّ ذاتها، وتظلّ في أفضل الأحوال جانبًا واحدًا من بين جوانب أخرى من الظاهرة التي يُحلّلها، والتي يتعامل معها عمومًا بكلّ اقتضاب بالإشارة إليها في كلمة واحدة أو ضمن فقرة قصيرة. ومن ذلك مثلاً أنّه يُورد بعض الملاحظات المتناثرة حول الصدقة، ويستحضر هنا وهناك أشكالًا من المساعدة المتبادلة داخل مجتمعات الجيرة أو الطوائف الدينيّة، ومعايير كرم الطبقات الأرستقراطيّة، وحاجة بعض الجماعات إلى الاستفادة من تبرعّات جماعات أخرى؛ على سبيل المثال، اعتماد بعض الجماعات الدينيّة (الرهبان، النسّاك، الكهنة) على صدقات العموم، بسبب نذرهم عيشة الفقر.

ولم تكن هذه الإشارات إلى الهبة ضمنيّة وهامشيّة فحسب، بل هي تكشف أيضًا عن وجهة نظر ذرائعيّة إلى حدّ ما، إن لم نقل نفعيّة. وهكذا، يُحلّل فيبر التبرّعات كمصادر دخل ضروريّة لبعض الجماعات أو باعتبارها “منافع اقتصاديّة([7])، ويعتبر الكرم والضيافة مجرّد عنصر مكوّن للوضع الأرستقراطي، والمساعدة المتبادلة بين الجيران بكونها مدفوعة بفكرة أنّنا قد نحتاج في المستقبل مساعدة مماثلة([8]). والغريب أنّ هذه الملاحظات قد تكتسي أحيانًا نبرة قريبة من الازدراء، ومن ذلك مثلاً وبشكل خاصّ عندما يدرس العالمين الكاثوليكي والهندوسي، ويصف الهبات التي يُقدّمها عموم الناس لرجال الدين بأنها وسيلة “لشراء الخلاص” في إطار “عبادة سحريّة للأشخاص([9]). كما تظهر نبرة سلبيّة مماثلة حين يُشدّد على أنّ الصدقة كما تُروّج لها “الأديان الأخلاقيّة“، تميل إلى تشجيع التسوّل أو إلى أن تغدو مجرّد “حركة محض طقسيّة“. وبالمثل، واعتمادًا على الشاعر شارل بودلير (Charles Baudelaire)، يُحذّر فيبر من الكرم المبالغ فيه في الأديان الصوفيّة، ومن إنكارها فرديّة المستفيد ودفعها الناس إلى ممارسة “دعارة روحيّة مقدّسة“. وفي ضوء هذه التحليلات، يبدو أنّ فيبر قد نظر، بوعي أو بغير وعي، بعين بروتستانتيّة أو لنقل بشكل عامّ بعين “عقلانيّة” ونقديّة إلى هذه الأشكال من الهبات الطقسيّة والدينيّة. ولكن، يجب التأكيد هنا أيضًا أنّ وجهة نظره تنتقد كذلك وبنفس القدر الصدقة البروتستانتيّة حين تعمل في شكل “مشروع عقلاني”، إمّا “منزوع الدلالة الدينيّة، أو مُحوّلة مباشرة إلى نقيضها([10]).

بيد أنّه يُوجد استثناء وحيد مهمّ يستحقّ التنويه به، وهو المكانة التي يُعطيها فيبر لقوّة الكاريزما، وهي الفكرة المتجذّرة في التمثّل المسيحي للنّعمة الإلهيّة، أي في هبة الله. ومع ذلك، يجب التأكيد على أنّ فيبر نفسه لا يتصوّر الكاريزما كعنصر في مجموعة أكبر من الظواهر التي يمكن تجميعها في إطار مفاهيم الهبة، أو علاقات العطاء، أو عمليّات الوهب. فالكاريزما في رأيه هي في المقام الأوّل وبالأساس شكل من أشكال السلطة ومصدر من مصادرها. وعلى العكس من ذلك، لم يكن موس أبدًا منتبهًا لقوّة الكاريزما بالمعنى الفيبري، ولم يُقدّم أبدًا أيّ مفهمة (دينيّة أو غير دينيّة) للكاريزما بوصفها شكلاً من أشكال الهبة أو أنّ لها بعض صلة بالهبة.

ولا تنفصل هذه الاختلافات الكبيرة بين فيبر وموس في تحليلهما للهبة عن عدد من التباعدات الأخرى. ونودّ أن نُشير إلى بعضها هنا، لا من أجل تفسير أسباب غياب حوار بين المدرستين الفيبريّة والموسيّة، بل لتحديد السُّبُل الممكنة لإثراء متبادل. وللوهلة الأولى، يبدو أنّ الكثير من هذا التباعد ناتج عن الاختلافات المعروفة بين التاريخ أو علم اجتماع التاريخ من جهة، والإناسة (الأنثروبولوجيا) من جهة أخرى، وهذا في الأقلّ إذا التزمنا بالتقسيم التقليدي للتخصّصات والذي يميل، في رأيي، إلى حبسها في سجن شديد الضّيق.

ولنبدأ بما يبدو أنّه الاختلاف الأساسي، وهو المتعلّق بمجالات البحث وأغراضه. فقد كرّس موس قدرًا كبيرًا من الوقت والاهتمام لدراسة ما يُسمى المجتمعات “البدائيّة” أو “الغابرة”. وعلى العكس من ذلك، لم يُعر فيبر تلك المجتمعات كبير أهميّة، مفضّلاً المقارنة بين ما يُسمّى التقاليد “الكبرى” أي حضارات وأديان الخلاص، من بين جوانب أخرى، لأنّه كان يعتبر أنّها ساعدت في ظهور العديد من المسارات المتباينة باتّجاه الرأسماليّة والحداثة. وإذا كان من الواضح أنّ موس لم يُهمل أبدًا هذه التقاليد الكبيرة، إلاّ أنّ دورها كان قليل الأهميّة في مجمل أعماله، وبشكل أخصّ في كتابه مقالة في الهبة. ومن جهة أخرى، فإنّه لا يصعب أن نلحظ عند فيبر مدى تحقيره “السحر” والأديان البدائيّة، كما الجوانب الطقسيّة أو السحريّة للأديان الكبرى، كما لو كانت تُمثّل تراجعًا نحو أشكال أكثر بدائيّة وشعبيّة و/أو ذرائعيّة ومحض عمليّة.

يرى فيبر أنّ الثقافات الغابرة تفتقر بالفعل إلى تلك البذور الحيويّة وتلك القدرة على التحوّل التي تتميّز بها الأديان المطبوعة بعلاقة توتّر بين سموّ العالم الإلهي والزهد الدنيوي، وهو ما لعب حسب رأيه، دورًا أساسيًا في عمليّات العقلنة و”فكّ السحر عن العالم“، إن لم يكن في تشكيل الرأسماليّة الحديثة كشكل مخصوص من أشكال الحضارة. وبانتهاء فيبر إلى موقف مأسوي، أو متناقض على الأقلّ، تجاه الحداثة الغربيّة التي لم يُمجّدها أبدًا، فإنّه يكون بذلك متعارضًا وبشكل حادّ مع أمل موس في إعادة عقد الصلة بـ”أجواء” الهبة التي كانت سائدة في المجتمعات التقليديّة (دون أن تكون غريبة على المجتمعات الحديثة)، بما فيها ذاك “المزيج من الروابط الروحيّة بين الأشياء التي تنتمي إلى حدّ ما إلى مجال الروح، وبين الأفراد والجماعات التي تتعامل فيما بينها إلى حدّ ما بوصفها أشياء([11]).

ويُوجد اختلاف آخر يستحقّ الذكر هنا، وقد لا يخلو من ارتباط بالاختلاف المذكور أعلاه، ومن علاقة بتباعد المنهجيّة وأسلوب البحث. ففيما يميل فيبر إلى إيلاء نفس القدر من الاهتمام للقواسم المشتركة وللاختلافات بين الحضارات، وللاستمراريّة والتغيّر في نفس السياق الثقافي أو الحضاري، فإنّ موس كان يُمكنه أن يدعم، من حيث المبدأ، مثل هذا الموقف، ولكنّه في حالة كتابه مقالة في الهبة، لم يهتمّ مطلقًا بهذه الجوانب من البحث المقارن، مفضّلًا التركيز على الاستمراريّة وأوجه التشابه على حساب التنوّع والاختلاف ([12]).

وعلاوة على ذلك، فإنّ موس يُولي اهتمامًا كبيرًا بالمادّية المحسوسة للأشياء إلى جانب دلالات أبعادها وسطوتها بصفتها رموزًا. وهذا الجانب حاسم في تحليل موس للأشياء بوصفها هبات، وللهبات بوصفها أشياء. ومن وجهة النظر هذه، يتعارض نهج عالم الاجتماع الألماني مرّة أخرى مع نهج موس. فالأشياء الماديّة لا تحضر مطلقًا في أعمال فيبر الذي يبدو، كما اقترح ستانلي جياراجا تمبياه (Stanley Jeyaraja Tambiah) منذ زمن طويل، أنّه يُولي اهتمامًا أكبر بكثير “لكاريزما الأفراد أكثر منه لكاريزما الأشياء([13]). وهنا يتّضح مرّة أخرى، أنّ هذا الاختلاف يرتبط بنوع المجتمع الذي يفضّله كلّ منهما. وبهذا المعنى، إذا كان موس أكثر انتباهًا للأشياء، أفلا يكون ذلك بسبب الأهميّة التي تُوليها المجتمعات الغابرة لمفهوم “المانا” (mana) وما تُضفيه من قيمة على الأشياء وهذا ما يُميّز الطوطميّة؟ لكن مع ذلك، لا ينبغي أن ننسى أنّ الديانات “العليا” أيضًا، وخاصة الكاثوليكيّة، تزخر بأكثر الأشياء المقدّسة تنوّعًا. أضف إلى ذلك أن فيبر، بسبب إطلاّعه على أفكار ماركس، لا يمكن أن يكون غافلًا تمام الغفلة عن أهميّة الأشياء، إن لم نقل عن بُعدها “الصنمي” في الرأسماليّة الحديثة. وهذا الاختلاف بين فيبر وموس يستحقّ المزيد من الحفر، إذ يمكن أن يكون مرتبطًا بمقاربة كلّ منهما للبُعد المتجسّد للسلوك البشري والأنشطة الاجتماعيّة، لاسيّما كما يظهر في استخدامهما مصطلح المَلَكة (الهابيتوس). وبالفعل، إذا كانت المَلَكة تُشير في المقام الأوّل إلى تقنيات الجسد، فإنّ استخدامها عند فيبر يندرج في بُعد أكثر عموميّة وأشدّ ارتباطًا بالذهنيّة.

أمّا من وجهة نظر تحليليّة ونظريّة، فإنّه لا يُمكن أيضًا فصل التضادّ بين هذين المفكّرين عن الاختلافات العميقة في الشخصيّة وأسلوب الكتابة. وبالتالي، وعلى عكس النهج الفيبري الذي يحكمه الانضباط الصارم تجاه المنهج المقارن وللنّمط المثالي، نجد الميل المتكرّر عند موس، على خلاف خاله، إلى اعتماد طريقة عمل انطباعيّة صريحة، دون صرامة حقيقيّة أو إحكام نظري. ومع ذلك، وإن كان موس يرفض أيّ تنظير منهجي وصريح ويجعلنا في الغالب نُخمّن مقاصد كلماته، إلاّ أنّه يُمكّننا من استنتاج أوّل اختلاف نظري أساسي. ولكي نُوجز القول في ما يستحقّ عرضًا طويلاً، نقول إنّ علم الاجتماع الفيبري يعتمد في المقام الأوّل نظريّة في الفعل، أي نظريّة تعتبر الفعل البشري الذرّة المنطقيّة للتفكير الاجتماعي، في حين نجد عمل موس، وهو أقرب إلى عمل جورج زيمل (Georg Simmel) في هذا الخصوص، يُفضّل العلاقات الاجتماعيّة والتفاعلات ([14]). وبالإضافة إلى ذلك، يُظهر فيبر اهتمامًا قويًّا بالبحث عن العلل التاريخيّة والتعاقبيّة (مهما كان تعقّد سلاسل العلل وتعدّد طبيعتها)، بينما كان موس أقلّ اهتمامًا بها ويُفضّل إدراك الواقع الاجتماعي من خلال أشكال أكثر تزامنيّة وشموليّة. وبنفس المعنى، إذا كان فيبر يمنح استقلاليّة نسبيّة لمختلف الجوانب ومختلف المجالات الاجتماعيّة ولم يتوقّف أبدًا عن التأكيد على خصوصيّة منطقها الدّاخلي، فإنّ موس ظلّ غريبًا عن مثل هذه المسائل.

فإذا جمعنا هذه الاختلافات الموضوعيّة والمنهجيّة والنظريّة، فيمكننا حينها الإشارة أيضًا إلى ما يفصل بين أسلوبي العرض والتفسير عند كليهما. ففي حين يعمل فيبر على إنتاج تمييزات نمطيّة مثاليّة وتحديد العوامل المتعدّدة التي يُمكن أن تُفسّر هذه أو تلك من الأشكال التاريخيّة،  فإنّ موس يمكنه أن يبدأ عمله بنهج تحليلي كي يصل أحيانًا إلى تقييم شديد التناقض مع جهوده التحليليّة ذاتها، وذلك لشدّة ميله بشكل حدسي إلى فهم كيفيّة ذوبان الأشياء واختلاطها في “كُلّية([15]) لا شكّ في أنّها ملغزة ولكنّها مع ذلك ملموسة. وبالمثل، فإنّ موس أكثر اهتمامًا من فيبر بالتّركيبات وبالتوتّرات بين الميول – أو الدوافع – المتناقضة، من حيث أنّها يُمكن أن تمتزج وتُشكّل ظاهرة كلّية، فريدة ومتزامنة، أو لتُشكّل منظورًا شاملاً (على الأقلّ في حالة الهبة). وعلى العكس من ذلك، يميل عالم الاجتماع الألماني إلى عزو توجّهات متناقضة إلى جماعات مختلفة (“الناقلون الاجتماعيّون”، الجماهير مقابل النُّخَب مثلاً)، ووضعها في متواليات زمنيّة تعاقبيّة أو سلاسل من العلل التاريخيّة، أو إدراجها ضمن الصراع العقيم بين مجالات قيم لا يمكن التوفيق بينها ولا يُمكنها إلاّ أن تشتدّ وأن تُؤدي إلى اشتعال “حرب حقيقيّة بين الآلهة” في إطار الحداثة.

وأخيرًا، فإنّ موس وفيبر يعرضان فهمًا مختلفًا كلّ الاختلاف للمقدّس وللطريقة التي يعمل ويتفاعل بها مع الأبعاد الأخرى للتجربة الإنسانيّة والحياة الاجتماعيّة. وإذا كان مصطلح الكاريزما يجد مصدره في اللاهوت المسيحي، إلاّ أنّ فيبر لا ينكر وجود الكاريزما في المجتمعات البدائيّة ([16]). لكنّه، في نفس الوقت، يُؤكّد على “نقاء” الكاريزما وقابليّتها للتّلاشي. وهي تُظهر في شكلها “النقي” والمركّز في أفراد ذوي مكانة استثنائيّة، وهي قوّة إبداع عظيمة، تكاد تكون ثوريّة من حيث ما يُمكن أن تُحدثه من تحوّلات، حتى وإن كان يُمكنها أيضًا الخضوع لمسار تطبيع ومأسسة.

أمّا موس، فيبدو على العكس من ذلك وربما تحت تأثير المفاهيم القديمة للمانا، أكثر حساسيّة تجاه بعض الأبعاد “الساحرة” والجيّاشة للحياة الاجتماعيّة، والتي تتجلّى في تلك العمليّات الملموسة والحيّة التي تختلط فيها جميع الدوافع والتفاعلات الاجتماعيّة. وبهذه الطريقة على وجه الخصوص، يقوم بتحليل الظواهر التي تبدو في ظاهرها ذات طبيعة “اقتصاديّة” في مجتمعات تتميزّ بأنّ “كلّ شيء يذهب ويعود كما لو كان هناك تبادل دائم بين العشائر والأفراد لمادّة روحيّة تشمل الأشياء والناس، موزّعة بين الرُّتَب والأجيال والانتماء الجنسي([17]). ومن هنا موقفه المتناقض الذي يستحقّ مزيدًا من المناقشة فيما يتعلّق بتمييز دوركايم الشهير بين المقدّس والدنيوي ([18]). لكن ومهما كان الأمر، فإنّ موس يقودنا بعيدًا عن التفسيرات النفعيّة التي يقترحها فيبر للظواهر المرتبطة بالهبة، بينما يبدو على العكس من ذلك، غير مكترث بالجوانب الأكثر “نقاءً” للكاريزما الفرديّة، رغم أنّها من الضرورة بمكان في التحليل الفيبري لعمليّات التجديد والتغيير بشكل عامّ، ولظهور ديانات جديدة على وجه الخصوص.

وعلى الرغم من هذه الاختلافات المتعدّدة والهامّة، أودّ الآن أن أوضّح أنّ نقاط التقارب لا تقلّ أهميّة في ما يتعلّق بمشروعنا في إجراء حوار تجريبي ونظري أوثق بين فيبر وموس.

موس وفيبر والهبة (2): أيّ تقاربات؟

ولنبدأ مرّة أخرى بالمسائل المتعلّقة بالمواضيع. لقد قدّم كلّ من فيبر وموس، كلّ على طريقته الخاصّة، مساهمة لا تُقدّر بثمن في إضفاء الطابع التاريخي على مفهوم “اقتصاد السّوق”، وتجريده من الطابع الطبيعي. ففي كلّ من الأخلاق البروتستانتيّة وروح الرأسماليّة وفي مقالة في الهبة، تُدرك الرأسماليّة الحديثة واقتصاد السوق على أنّهما نتيجةٌ لتطوّر تاريخي معيّن، لا على أنّهما “معطى طبيعي” موضوعي أو أبدي.

وعلاوة على ذلك، وبدلاً من الاقتصار على دراسة الحداثة الغربيّة واقتصادها، فقد كان لكليهما اهتمام كبير بالحضارات غير الغربيّة. ومهما كانت أهميّة الاختلافات التي سبق ذكرها بخصوص فهمهما للأديان “البدائيّة”، فإنّ موس يشترك مع فيبر في الاهتمام بتاريخ الأديان بشكل عامّ، وبديانات الهند بشكل خاصّ ([19]). ولعلّه من الغريب أن لا يُعبّر موس عن هذا الاهتمام بشكل أكثر منهجيّة وأشدّ حماسًا كما كان منتظرًا منه، وخاصّة في كتابه مقالة في الهبة ([20]). ثمّ إنّ كليهما مرتبط شديد الارتباط بالنهج المقارن ويقوم بأبحاثه على مستوى اجتماعي شامل، أي مستوى حضارات بأكملها. وقد تمّ بالفعل تقديم مقالة في الهبة بشكل صريح ومنذ مقدّمته، على أنّه مشروع بحث مقارن ذي طموح غير عادي. فقد بدأ الكتاب بإلقاء نظرة عامّة واسعة على ظاهرة الهبة في العديد من المجتمعات المسمّاة “بدائيّة” أو “غابرة” (ميلانيزيا، بولينيزيا، ألاسكا، كولومبيا البريطانيّة)، ليتبع ذلك بتحليل أكثر إيجازًا للهبة في النُّظُم القانونيّة القديمة ( الرومان، الهند، الجرمان، القلط، الصين)، ومن ثمّ ينتهي بفصل ختامي أقصر، مكرّس للمجتمعات الحديثة. وبالطبع، فإنّ موس لا يتناول التاريخ المقارن بطريقة منهجيّة أو من منظور نظري راسخ.

أضف إلى ذلك، أنّه فضّل في هذا النصّ البحث عن العناصر المشتركة بين الفترات التاريخيّة والحضارات، وليس البحث عن الاختلافات والانقطاعات. ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من شأن هذه المقالة التي كانت في أصل تأسيس علم الاجتماع التاريخي والمقارن للهبة كمجال بحثي مستقلّ بذاته.

أمّا من وجهة نظر تحليليّة ونظريّة، فإنّ نقاط التقارب لا تقلّ ثراءً وإدهاشًا. فكلاهما يُظهر بالفعل نفس الاهتمام ويُعلّق نفس الأهميّة الخاصّة على الأبعاد غير النفعيّة، وحتّى المناهضة للنفعيّة، في الحياة الاجتماعيّة، إلى درجة اعتبار أنّ تأثير هذه الأبعاد مُساوٍ على الأقلّ، إن لم يكن أعظم، من تأثير المصالح وأنماط التوجيه العمليّة والنفعيّة. وهذا ما يظهر بكلّ وضوح في مفهوم فيبر للكاريزما، الذي لا يخلو عنده من رفضٍ لكلّ حسابات، ومن مناهضة للاقتصاد (بالمعنى الأوسع للمصطلح)، ومن نبضات إبداعيّة إن لم تكن هدّامة. كما يشهد على هذا أيضًا الاهتمام الذي يُوليه فيبر لتأثير العقلانيّة في القيمة (Wertrationalität)، سواء في المجال الديني أو في بقيّة مجالات العمل البشري الأخرى، ثمّ وبشكل أعمّ إدراكه لما للبحث عن المعنى والخلاص من وزن في الربط العقلاني بين رؤى العالم وأنظمة الفكر، من ناحية، وتشكيل طبائع الأفراد وأفعالهم من ناحية أخرى. ولعلّ هذا ما نجده أيضًا عند موس، حيث نلحظ مثل هذا الاهتمام بالأبعاد والتوجّهات غير النفعيّة أو المناهضة للنفعيّة في الحياة الاجتماعيّة في جميع أعماله، وبصفة خاصّة وبتميّز في مقالة في الهبة. ولئن كانت هذه التوجّهات أكثر حضورًا في المراحل الأولى من تاريخ البشريّة، فإنّ موس مقتنع بأنّها لم تختف تمامًا وأنّ عليها أن تُجدّد قواها في السياق الحديث. وعلى الرغم من هيمنة صورة “الإنسان الاقتصادي” (Homo oeconomicus) اليوم، إلاّ أنّنا كما يقول موس “ما زلنا لحسن الحظّ بعيدين عن الحساب النفعي الثابت والبارد“، ويواصل قائلاً: “ولن نجد، في رأيي، الطريقة المثلى للاقتصاد في مجرّد حساب الاحتياجات الفرديّة. وأنا أعتقد أنّه يجب علينا، حتى عندما نكون راغبين في تطوير ثرواتنا الخاصّة، أن نظلّ شيئًا آخر غير أن نكون محض رجال مال، دون أن يمنع ذلك أن نُصبح أفضل المحاسبين وأفضل رجال أعمال([21]).

وكما يُوضّح هذا الاقتباس الأخير، فإنّ هذا التوجّه المعادي للنفعيّة لا يغرق أبدًا في “المثاليّة” التبسيطيّة، ولا يفترض مسبقًا عدم الاكتراث بالمصالح الماديّة والقيود الاقتصاديّة. بل على العكس من ذلك، كما يُؤكّد آلان كاييه وفيليب شانيال بقوّة، فإنّ مناهضة النفعيّة تنخرط في المقام الأوّل، سواء عند فيبر أو عند موس، ضمن مقاربة متعدّدة الأبعاد للحياة الاجتماعيّة ([22]). وحتى إن كان تصوّر موس، من وجهة نظر تحليليّة، أقلّ تطوّرًا بشأن تعقّد “الإنسان الكلّي” وتعقّد المجتمعات البشريّة، فإنّ الترابط المتأصّل في الهبة بين المنفعة والإيثار، وبين الحريّة والإلزام، وحتى حسب عبارة باري (Parry) تحليله “للتشظّي التدريجي لنسق مفاهيمي كان في الأصل موحَّدًا([23])، يُمكن مقارنته تمامًا بمفهوم فيبر المتطوّر للحياة الاجتماعيّة التي تُغذّيها مصالح ماديّة وفكريّة متنوّعة، ومجموعة أشكال ممكنة للفعل والعقلانيّة، ومجالات حياة متعدّدة ومستقلّة جزئيًّا، ومُثُل عليا متعارضة في الغالب فيما بينها ([24]).

وبالمثل، فإنّه ما شكّ في أنّهما يتقاسمان نفس الاهتمام الحادّ بالأبعاد الثقافيّة للنّشاط الاجتماعي، بما في ذلك النشاط الاقتصادي. فكلاهما يُحاول، وبقطع النظر عن دقّة المنهج المعتمد، فهم جميع تأثيرات تلك الأبعاد من وجهة نظر داخليّة أو “أهليّة”، دون أن يغرقا، وهذا ما نُؤكّد عليه مرّة أخرى، في أيّ “مثاليّات”. بل إنّ الأمر على العكس من ذلك، إذ يُظهر فيبر وموس بوضوح تفضيلهما التّفسيرات التي تأخذ في الاعتبار تعقّد أبعاد الحياة الاجتماعيّة وتعدّدها. وكما يُوضّح كاييه وشانيال ([25])، فإنّ كليهما يُعارض كلّ شكل من أشكال التفسير الشمولي و/أو الأحادي.

وفي نفس الاتّجاه، ينبغي أن نُضيف أنّ فيبر وموس يُظهران اهتمامًا خاصًّا جدًّا بالجوانب المتناقضة والمتعارضة للأنشطة الاجتماعيّة ولآثارها غير المقصودة. ذلك أنّه لا يُمكن أن يُوجد تعقيد وتعدّد أبعاد، دون وجود تناقضات وتوتّرات داخليّة. وهكذا، يُؤكّد موس على مدى تضمّن الهبة مجموعة كاملة من التوجّهات المتناقضة التي تتخطّى الثنائيّات الحديثة المعتادة، وتُظهر كيف أنّها تخضع لالتزامات مختلفة رغم أنّها تُشكّل “بنية” ديناميكيّة ومنفتحة ([26]). أمّا بالنّسبة إلى فيبر، أولم يُشِرْ، كما يعلم الجميع، إلى بعض الآثار غير المقصودة للمعتقدات النابعة من البروتستانتيّة، ولاسيّما معاناة المؤمنين في سبيل خلاصهم؟

على أنّني سأنهي حديثي عند نقطة، لم يسبق لأحد تناولها على حدّ علمي. فلئن كان من الواضح أنّ موس يُشارك دوركايم نفس الاهتمام بقضايا التضامن الاجتماعي وآليّاته، إلاّ أنّ ذلك لا يمنع تميّزه عن خاله بتفرّد نظرته للمجتمع، وهي النظرة التي يشترك فيها مع فيبر. ذلك أنّ كليهما في الواقع، واعٍ بحقيقة أنّ المجتمع هو في المقام الأوّل، وبشكل مّا، اجتماع جماعات مكانة ترتبط بعلاقات تنازع فيما بينها، وتخترقها صراعات من طبيعة رمزيّة يمكننا وصفها اليوم بأنّها صراعات من أجل الاعتراف، أكثر منها صراعات محض اقتصاديّة أو سياسيّة ([27]).

وفي ضوء هذه المجموعة من الوشائج، تبرز عدّة مسائل علينا استكشافها والبحث فيها، سواء من وجهة نظر علم اجتماع تاريخي لعلم الاجتماع ذاته أو علم اجتماع المعرفة، من أجل شرح غياب الحوار بين هذين الكاتبين. لكنّني أفضّل أن أحاول الإشارة – كما كُنت قد بدأت بالفعل في مكان آخر ([28])– كيف يمكن لفيبر وموس أن يكمّل أحدهما الآخر، لاسيّما في سياق علم اجتماع تاريخي للهبة أعتبره عنصرًا ضروريًّا، وإن كان ما يزال مهملاً، في بناء علم اجتماع مقارن وتاريخي للحضارات.

موس وفيبر والهبة (3): أيّ تكاملات؟

تفترض كلّ محاولة إثراء متبادل بين المدرستين الفيبيريّة والموسيّة في مقاربة الهبة، أوّلاً وقبل كلّ شيء إظهار كيف يمكن لكلّ منهما أن يٌصلح “النقاط العمياء” عند الآخر. فمن جانب فيبر، استدراك تعاميه عن الهبة والاعتراف بها بوصفها ظاهرة في حدّ ذاتها. أمّا من جانب موس، فيتعلّق الأمر بإثراء نهجه التحليلي والمقارن بزيادة التركيز على التغيّرات التاريخيّة والانقطاعات والتنوّع.

وللأسف، فقد تمادت معظم الأبحاث التي أُجريت في هذا المجال في التركيز على هذه “النقطة العمياء” في تراث موس، إن لم يكن في تعزيزها. غير أنّ هذا لا ينفي وجود بعض الأعمال القليلة، وهي تتضاعف اليوم، التي سجّلت تقدّمًا تجريبيًّا ومفاهيميًّا ملموسًا باتّجاه مقاربة أكثر تاريخيّة وتنوعًّا للهبة. ولعلّ من أهمّ الأعمال في هذا المجال، الدراسة التي أنجزها بول فاين (Paul Veyne) حول ممارسات بذل المال في المصالح العامّة (évergétisme) في العصر الهلنستي ثمّ الروماني ([29]). فعلى حدّ علمي، فهذا هو أوّل نصّ يُشير صراحة إلى كلّ من فيبر وموس، وهو عمل رغم بعض مآخذنا عليه في بعض النواحي، رائد ومجدّد. ذلك أنّه لبّى بالفعل مطلبين مزدوجين: بناء تمايزات نمطيّة مثاليّة صارمة، وإعادة رسم مسار تاريخي بدقّة متناهية وعمق لا يُضاهى. أضف إلى ذلك أنّه كان أوّل كتاب يُلفت الانتباه إلى قُدرة الهبة – في أشكالها غير المتكافئة والدنيويّة في هذه الحالة- على بناء الهويّات الشخصيّة والجماعيّة وترميزها في الفضاء العامّ ([30]).

ودون الإشارة إلى عمل بول فاين، اقترحت مجموعة كاملة من الأبحاث مؤخّرًا بلورة تصنيفات للهبة أكثر مرونة ونقاء ([31])، حيث حاول بعضها إضفاء طابع شكلي على مختلف طرائقها من خلال اعتماد بعضها المقولات الكلاسيكيّة التي حدّدها موس (المصلحة/الإيثار؛ الحريّة/الإلزام؛ الصراع/التضامن)، في حين قام بعضها الآخر بتوسيع مصفوفة أقطاب الفعل أو التفاعل الاجتماعي ([32]).

كما ركّزت وجهات نظر بحثيّة أخرى بصفة خاصّة على تحديد مختلف أشكال الهبة المرتبطة بفترات تاريخيّة وأنماط مجتمعيّة مختلفة. ويعود الفضل إلى عالم الإناسة الانكليزي جوناثان باري (Jonathan Parry) ([33]) في تقديم إحدى أولى الفرضيّات البحثيّة في هذا الاتّجاه، وهي من أكثرها حصافة في رأيي. فباعتماده بحوثه الخاصّة حول المفهوم الهندوسي للدانادارما (danadharma)، يتوصّل باري إلى وجود تقدير أيديولوجي لعدم انتظار الردّ على الهبة وللإيثار، أي  “الهبة الخالصة” التي يراها سمة تاريخيّة أساسيّة لأديان العالم الكبرى. وقد ساهم أمران ضروريّان، في رأيه، في تطوّر هذا التمثّل للهبة: الأوّل هو وجود نظام معتقدات قائم على توجّهات خلاصيّة متسامية وغير دنيويّة؛ والثاني، وجود درجة عالية من التمايز الاجتماعي (الاقتصادي والسياسي بشكل أساسي) قادر على “تخليص” الهبة من الوظائف الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي كانت تُؤدّيها في المجتمعات الغابرة غير المتمايزة.

ومن منظور فيبري، تعتبر نظريّة “تنقية” الهبة التي يقترحها باري، جليلة الفائدة لكونها تُحلّل التطوّر التاريخي للهبة وتنوّعها من منظور اجتماعي مقارن، شامل ومتعدّد الأبعاد. وبهذا استطاع باري أن يُظهر كيف تتحوّل الهبة تحت ضغط التغييرات التي تعتمل صلب التشكيلات المؤسسيّة والأيديولوجيّة، وإلى أيّ مدى تطبع هذه التشكيلات مُثُله وممارساته. وإذ نجد هنا بعض صدى للاهتمام الذي أولاه فيبر لتأثير المعتقدات الخلاصيّة بشكل عامّ وللتوجّهات الدنيويّة والزهديّة على وجه الخصوص، فإنّ هذه المساهمة تلتقي أيضًا مع منظور البحث الذي طرح على نفسه استكشاف التداعيات طويلة المدى لما أسماه الفيلسوف كارل ياسبرز (Karl Jaspers) “العصر المحوري“، أي تلك الحقبة التاريخيّة التي ظهرت خلالها عدّة حضارات انطبع كلّ منها بالاعتقاد في وجود شكل من الواقع المتعالي ([34]). وبعبارة أخرى، إذا قبلنا الفرضيّة القائلة بأنّ هذا السعي نحو التعالي، وهو أمر ملازم لتوسّع الأديان العالميّة الكبرى، كان مصدر تحوّلات أيديولوجيّة ومؤسسيّة وسياسيّة كبرى، فإنّه يُمكن حينها الإقرار بأنّ تلك التحوّلات أعادت أيضًا بصفة عميقة، تشكيل مجال الأفكار والممارسات المرتبطة بالهبة.

وعلى خطى باري، حاول باحثون آخرون، وإن كانوا قلّة، الانخراط بدورهم في إنجاز مقاربة تحليليّة وتاريخيّة أكثر تنوّعًا. والحقّ أنّه لا يُمكننا في حدود هذه المقالة، أن نُوفي سلسلة من الأعمال الهامّة حقّها، ومنها على سبيل الذكر دراسة ناتالي زيمون دافيس (Natalie Zemon Davis) حول تمثّلات الهبة وممارساتها في فرنسا القرن السادس عشر ([35])، ودراسة إيليانا بن عاموس (Ilana Ben-Amos) حول “ثقافة الهبة” في بريطانيا القرن السابع عشر ([36]) وتحليل مارسيل هيناف (Marcel Hénaff) لمسار تحوّل الهبة الاحتفاليّة إلى “هبة أخلاقيّة” وتأثير “الأخلاق الكاثوليكيّة” على الهبة وعلى الرأسماليّة ([37]). كما يجب أن نُضيف أيضًا مساهمة تيّار كامل من الأبحاث الثريّة يقوده علماء إناسة بشكل أساسي ولكن أيضًا باحثون من تخصّصات أخرى ومن بلدان مختلفة، ويُساهم كلّ منهم في فهم المعاني المعقّدة والمتعدّدة للهبة ضمن مختلف السياقات الثقافيّة.

وإذ أخشى من ارتكاب ظلم كبير تجاه هذه الأدبيّات المزدهرة، أودّ أن أختم بتسليط الضوء على ثلاث قضايا لم يُفكّر فيها إلى حدّ الآن حسب رأيي، إلاّ بصفة جنينيّة، والتي قد يسمح تناولها من منظور فيبري بالتعمّق فيها. وتتعلّق الأولى بتعايش أشكال مختلفة من الهبة، أو بعبارة أخرى، بوجود لائحة من الهبات المتنوّعة ضمن سياق ثقافي وتاريخي واحد. وتختصّ الثانية بميل تلك اللوائح إلى التشكّل في بنيات مؤسسيّة أو ثقافيّة متمايزة ومستقلّة نسبيًّا عن بعضها بعضًا، وترتبط بعلاقات تأثير متبادل مع المجالات الاجتماعيّة الأخرى. أمّا المسألة الأخيرة، فهي مسألة الاستمراريّة والتغيّر، أي الاتّجاهات والعمليّات التاريخيّة التي تُؤثّر على شكل لوائح الهبة تلك وعلى مكانتها في سياقات محدّدة.

وفي ضوء هذه القضايا الثلاث، يبدو أنّه سيكون عندنا الكثير ممّا يُمكن تحقيقه من خلال حشد بعض أفكار فيبر الأساسيّة. وأنا أفكّر هنا في تحليله لبعض العمليّات السوسيولوجيّة، التي لم يكفّ عن تأكيد تأثيرها في العديد من المجالات الاجتماعيّة، وأقصد عمليّات التمأسس والتعقلن، ثمّ بالخصوص الاستقلاليّة النسبيّة لمختلف مجالات الحياة التي يحكم كلّ منها “منطق” داخلي خاصّ بها وتتطوّر بأشكال مختلفة، وتتأثّر بطريقة متغيّرة وغير محدّدة بالضّرورة، بما يحدث من تحوّلات داخل المجالات الأخرى.

وهنا مرّة أخرى، يتبيّن أنّ الأديان “الكبرى” غير الدنيويّة، وهي أساسيّة جدًّا في عمل فيبر، ذات أهميّة حاسمة. فإذا كانت هذه الأديان كما يُجادل باري عن حقّ، قد تمكّنت من خلال تأكيدها على التعالي، من إضفاء قيمة أيديولوجيّة جديدة على “الهبة النقيّة”، فقد كانت أيضًا مصدر لائحة واسعة من الهبات التي احتلّت فيها الهبة النقيّة مكانة هامّة بالتأكيد، لولا أنّها لائحة متغيّرة على الدّوام، ولا يمكنها أن تستنفد جميع أشكال الهبات التقويّة ([38]).

وبشكل أكثر عموميّة، سأميل إلى اقتراح أنّ كلّ المجتمعات البشريّة تُطوّر لائحتها الخاصّة بالأفكار والمؤسّسات والطرائق البديلة المتعلّقة بأشكال انتقال الأموال في إطار الهبة ([39])، وأنّ مثل هذه اللائحة لا تتضمّن مجموعة غامضة من الاحتمالات العشوائيّة، بل هي على العكس من ذلك، قادرة على اتّخاذ شكل مخصوص، بناءً على مجموعة من التمايزات والحدود المتحرّكة التي يُعاد التفاوض بشأنها باستمرار، بحيث يتمّ بموجبها، وداخل نفس نظام القيود الاقتصاديّة والترتيبات المؤسسيّة والمعايير الرمزيّة، تحديد الخيارات الممكنة أو الصحيحة.

غير أنّ لوائح الهبة لا يتّخذ جميعها مثل هذه الأشكال المحدّدة والمنظّمة نسبيًّا، كما أنّها لا تنخرط كلّها في عمليّة تمأسس بالمفهوم الفيبري. ومع ذلك، فهي سمة هامّة جدًّا من سمات “الأديان الكبرى” من حيث قدرتها على تسهيل تطوّر الهبة الدينيّة لتتّخذ شكل لوائح متمايزة ومخصوصة، بل والمساهمة، وهذه هي فرضيّتي، في تمأسسها لتشكّل حقول فعل مستقلّة بذاتها تقريبًا. ولعلّ هذا ما قد يسمح بتفسير أوجه التشابه التي نُواجهها عند دراسة تلك اللوائح من منظور الهبة الدينيّة. ومن الواضح أنّ كلّ واحد من هذه التقاليد المختلفة قد ولّد تشكيلة كاملة من الاختلافات في أنماط المُثُل العليا، واختارت تفضيل بعض الممارسات عن غيرها لكي تُضفي الطابع المؤسّسي عليها. ومع ذلك، فإنّه من اللافت للنّظر أنّ ممارسة الهبة وما يرتبط بها من فضائل – مثل الصدقة، والمحّبة، والإحسان، والرحمة – لا تُشكّل فحسب عقيدة مركزيّة في جميع الأديان الكبرى، بل أضحت كذلك مؤسّسة معقلنة (بمختلف معاني هذا المصطلح الرئيسي في علم الاجتماع الفيبري)، تٌقارب أحيانًا أن تكون تنظيمًا صارمًا.

ذلك أنّها أدّت إلى ظهور ممارسات وأنظمة هبة مخصوصة، وبنيات قانونيّة وتنظيميّة تُدير أشكالًا مختلفة من الهبات التقويّة والخيريّة، ومدوّنات قانونيّة ونظريّات متعدّدة.

ومع ذلك، فإنّ الهبّة ما تزال مرتبطة إلى اليوم بفكرة الاختيار والسلوك الفردي، وتستمرّ في تقديم هامش من الحريّة ذي دلالة بالغة في تحديد كيف، وكم، ومتى، ولمن نُعطي. وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ الشّكوك ما تزال تتكاثر فيما يتعلّق بالتراتبيّات والأولويّات الواجب وضعها، ولا يصعب في هذا الخصوص العثور في وثائق مختلفة – وحتى في نفس الوثيقة – على براهين ونصائح تُشير إلى اتّجاهات متباينة أشدّ التباين. فهل ما زلنا نحتاج مع هذا إلى تأكيد أنّنا في حضرة الهبة، إنّما نتعامل مع ظاهرة متناقضة ومعقّدة بشكل حاسم، وباختصار، مع ظاهرة اجتماعيّة “كلّية”؟ الحقّ أنّه لا يُمكننا أن نقول، بسبب الطابع التعدّدي والمنفتح للنّهج الفيبري، إنّ فيبر يُمكنه أن يمنح الهبة تلك المكانة التي منحها لها موس حين وصفها بأنّها “إحدى الدعائم البشريّة الراسخة التي أقمنا عليها مجتمعاتنا([40]). ولكن في ضوء أوجه التقارب العديدة التي أشرنا إليها، فإنّه كان من الممكن الاعتراف بمنطق الهبة الخاصّ إلى جانب إمكانيّة تمأسسها وتعقلنها واستقلالها النسبي. كما أنّ تعارضها مع كلّ شكل من أشكال الحتميّة والفكر التطوّري قد يُشجّعنا أيضًا على القبول بتعدّد مساراتها، وإظهار أنّها خاضعة إلى تغيّرات تاريخيّة تتحكّم في تطوّر أشكالها ومجالاتها. وعلى أيّ حال، أتمنّى أن أكون قد نجحت في إظهار هذا الأمر. ألن يكون ذلك مثالًا جيّدًا للتّأثيرات غير المقصودة، لو أمكننا بفضل “نعمة” عمل فيبر، أن نُمهّد الطريق اليوم أمام علم اجتماع تاريخي للهبة عند الموسيّين والفيبريّين الجدد؟


المصدر:

Ilana Silber, “Mauss, Weber and the Gift’s Historical Trajectories”, Revue du MAUSS, Volume 36, Issue 2, 2010, pages 539 to 561.

بيبليوغرافيا

ADLOFF F., 2007, « Marcel Mauss: Durkheimien oder eigenständiger Klassiker der Soziologie ? », Berliner Journal für Soziologie 2 : 231-251.

ADLOFF F., MAU S., 2006, « Giving Social Ties: Reciprocity in Modern Society », Archives Européennes de Sociologie, vol. 47, n° 1 : 93-123.

ALGAZI G., GROEBNER V., JUSSEN B., 2003, Negociating the Gift: Premodern Figuration of Exchange, Gottingen, Vanderhoek and Ruprecht.

ALLEN N., 1998, « The Category of Substance: a Maussian Theme Revisited », in ALLEN N., JAMES W. (dir.), Marcel Mauss Today, Oxford, New York, Berghahn.

ARNSON J. P., EISENSTADT S.N., WITTROCK B. (dir.), 2005, Axial Civilizations and World History, Leiden, Brill.

BELLAH R., 1964, « Religious Evolution », American Sociological Review, n° 29: 358-74.

– 1999, « Max Weber and World-Denying Love: A Look at the Historical Sociology of Religion », Journal of the American Academy of Religion, 67, 2: 277-304.

BEN-AMOS I. K., 2008, The Culture of Giving: Informal Support and Gift Exchange in Early Modern England, New York & Cambridge, Cambridge University Press.

BOUDON R., 2001, « Weber and Durkheim: Beyond the Differences, a Common Paradigm? », in PICKERING (dir.), Émile Durkheim: Critical Assessments of Leading Sociologists, London, Routledge.

BOURETZ P., 1996, Les promesses du monde. Philosophie de Max Weber, Paris, Gallimard.

CAILLÉ A., 2002, « Max Weber, notre contemporain si méconnu », Préface à Kalberg S., La sociologie historique comparative de Max Weber, Paris, La Découverte.

– 2009, Théorie anti-utilitariste de l’action, Paris, La Découverte/MAUSS.

CAILLÉ A., CHANIAL Ph., 2010, « Comment peut-on (ne pas) être wéberien ? », Préface à Kalberg S., Les idées, les valeurs et les intérêts. Introduction à la sociologie de Max Weber, Paris, La Découverte/MAUSS.

CAILLÉ A., LAZZERI C. (dir.), 2009, La reconnaissance aujourd’hui, Paris, CNRS éditions.

CHANIAL Ph. (dir), 2008, La société vue du don. Manuel de sociologie antiutilitariste appliquée, Paris, La Découverte/MAUSS.

COLLIOT-THÉLÈNE C., 2006, La sociologie de Max Weber, Paris, La Découverte.

DAVIS, N. Z., 2000, The Gift in Sixteenth Century France, Madison, University of Wisconsin Press (trad. française, Essai sur le don dans la France du XVIe siècle, Paris, Seuil, 2003).

DAVIS J., 1992, Exchange, Minneapolis, University of Minnesota Press.

EISENSTADT S.N. (dir.), 1986, The Origins and Diversity of Axial Age Civilisations, Albany.

EMIRBAYER M., 1996, « Durkheim’s Contribution to the Sociological Analysis of History », Sociological Forum, 11/2 : 263-285.

FLEURY L., 2001, Max Weber, Paris, PUF.

FOURNIER M., 1994, Marcel Mauss, Paris, Fayard.

– 1996, « Si je devais réécrire la biographie de Mauss », Revue européenne des sciences sociales, 34, 105 : 27-37.

GAUCHET M., 1985, Le désenchantement du monde, Paris, Gallimard.

GIDDENS A., 1987, « Weber and Durkheim : Coincidence and Divergence, » in MOMMSEN W. J., OSTERHAMMEL J. (dir.), Max Weber and his Contemporaries, London, Unwin Hyman.

GOFMAN A., 1998, « A vague but suggestive concept : the “total social fact” », in ALLEN N., JAMES W. (dir.), Marcel Mauss : A Centenary Tribute, Oxford, Berghahn.

HART K., 2007, « Marcel Mauss : in Pursuit of the Whole. A Review Essay », Comparative Studies in Society and History, 49, 2 : 413-485.

HÉNAFF M., 2000, « L’éthique catholique et le non-esprit du capitalisme », Revue du MAUSS semestrielle, n° 15, premier semestre, Paris, La Découverte/MAUSS.

– 2002, Le prix de la vérité : le don, l’argent, la philosophie, Paris, Seuil.

HIRSCHORN M., COENEN-HUTHER J., 1994, Durkheim, Weber : vers la fi n des malentendus?, Paris, L’Harmattan.

HONNETH A., 2000, La lutte pour la reconnaissance, Paris, Le Cerf.

JASPERS K., 1954, Origine et sens de l’histoire, Paris, Plon.

HUBERT H., MAUSS M., 1968 [1899], « Essai sur la nature et la fonction du sacrifice », in OEuvres, tome I, Paris, Minuit.

KALBERG S., 1994, Max Weber’s Comparative Historical Sociology, Chicago, Press of the University of Chicago.

– 2001, « Should the “Dynamic Autonomy” of Ideas Matter to Sociologists? », Journal of Classical Sociology, 1/2 : 296-301.

KARSENTI B., 1994, Marcel Mauss. Le fait social total, Paris, PUF.

– 1996, « Le symbolisme de Durkheim à Mauss », Revue européenne des sciences sociales, vol. 34, 105 : 93-111.

– 1997, L’Homme total. Sociologie, anthropologie et philosophie chez Marcel Mauss, Paris, PUF.

KOMTER A., 2005, Social Solidarity and the Gift, Cambridge, Cambridge University Press.

MAUSS M., 1968 [1927], « Note de méthode sur l’extension de la sociologie », in Œuvres, tome III, Paris, Minuit.

– 1989 [1924], « Essai sur le don » in Sociologie et anthropologie, Paris, PUF.

MOEBIUS S., 2006, Marcel Mauss, Konstanz, Uvk Verlags Gmbh.

– 2008, « Intellektuelle Kritik und Soziologie. Die politischen Schriftenund Aktivitäten von Marcel Mauss », Revue du MAUSS permanente, 12 Avril 2008. http://www.journaldumauss.net/spip.php?article328

PAPILLOUD C., 2002a, Le don de relation. Georg Simmel Marcel Mauss, Paris, L’Harmattan.

– 2002b, « Critical Relations. Anthropology of Exchange in Georg Simmel and Marcel Mauss », Simmel Studies, 12 (1) : 85 – 107.

PARK JUN HO, 2010, Don, mana et salut religieux. Durkheim, Mauss, Weber, Paris, Bibliothèque du MAUSS numérique.

PARRY J., 1986, « The Gift, the Indian Gift and the “Indian Gift” », Man, 21 : 453-473.

– 1998 « Mauss, Dumont and the Distinction between Status and Power », in ALLEN N., JAMES W. (dir.), Marcel Mauss Today, Oxford, New York, Berghahn.

POLLACK M., 1988, « La place de Max Weber dans le champ intellectuel français », Droit et société, n° 8.

SCHWARZ B., 1975, « The Age of Transcendence », Daedalus, 104 : 1-7.

SILBER, I. F., 1995, Religious Virtuosity, Charisma and Social Order: A Comparative Sociological Study of Monasticism in Theravada Buddhism and Medieval Catholicism, Cambridge Cultural Social Studies, New York-Cambridge, Cambridge University Press.

– 2000, « Beyond Purity and Danger: Gift-Giving in the Monotheistic Religions », in VANDEVELDE T. (dir.), Gifts and Interests, Louvain, Peeters : 115-132.

– 2002, « Echoes of Sacrifice?: Repertoires of Giving in the Great Religions », in BAUMGARTEN A. (dir.), Sacrifice in Religious Experience, Numen Book Series, Studies in Religion, Leiden, E. J. Brill and Co. : 291-313.

– 2004, « Entre Mauss et Veyne: pour une sociologie historique comparée du don », Sociologie et sociétés, 36, 2 : 189-205.

– 2006, « Prologue: Sortilèges et paradoxes du don », Revue du MAUSS semestrielle, n° 27, premier semestre: 39-56.

– 2007, « Registres et répertoires du don : avec mais aussi après Mauss? », in MAGNANI E. (dir.), Don et sciences sociales. Théories et pratiques croisées, Dijon, Editions universitaires de Dijon: 124-144.

TAMBIAH S. J., 1984, The Buddhist Saints of the Forest and the Cult of Amulets, Cambridge, Cambridge University Press.

TAROT C., 1999, De Durkheim à Mauss : l’invention du symbolique, Paris, La Découverte.

– 2008, « Don et grâce: une famille à recomposer ? », Revue du MAUSS semestrielle, n° 32, Paris, La Découverte/MAUSS.

TESTART A., 1993, Des dons et des dieux, Paris, A. Colin.

TIRYAKAN E., 1966, « A Problem for the Sociology of Knowledge. The Mutual Unawareness of Emile Durkheim and Max Weber », Archives européennes de sociologie, 7, 1/2 : 330-336.

TRAUTMANN R., 1986, « The Gift in India: Marcel Mauss as Indianist », communication au 36th Annual conference Society of Asian Studies, University of Wisconsin, Novembre.

VANDEVELDE A., 2000, « Towards a Conceptual Map of Gift Practices », in VANDEVELDE A. (dir.), Gifts and Interests, Leuven, Peeters.

VEYNE P., 1976, Le pain et le cirque: sociologie historique d’un pluralisme politique, Paris, Seuil.

VOLZ F.R., KREUZER Th., 2005, « Die verkannte Gabe. Anthropologische, sozialwissenschaftliche und ethische Dimensionen des Fundraisings », in ANDREWS C., DALBY P., KREUZER Th. (dir.), Geben, Schenken, Stiften.Theologische und philosophische Perspektiven, Münster, LIT : 11-31.

WEBER M., 1958 [1915], « The Social Psychology of World Religions » in GERTH H. H., MILLS C. W. (dir.), Essays from Max Weber, New York, Galaxy Press.

– 1995, Économie et société, tome 2, Paris, Agora Plon.

[1] – Pollak, 1988.

[2] – لم يُتح لماكس فيبر، الذي تُوفيّ عام 1920، الاطّلاع على كتاب مارسيل موس مقالة في الهبة الذي نُشر لأوّل مرّة في مجلّة الحوليّات الاجتماعيّة (L’Année sociologique) في عام 1924. بيد أنّه من ناحية أخرى، كان بإمكانه الوصول إلى بعض النّصوص السابقة لموس، ولاسيّما كتابه المخصّص لدراسة القُربان بالاشتراك مع هنري هوبير في عام 1899. انظر:

Hubert, Mauss, 1968.

لكن يبدو أنّ موس قد قرأ بعض أعمال فيبر، إذ نجده في مذكّرة نُشرت في عام 1923 في مجلّة الحوليّات الاجتماعيّة، يستحضر علم الاجتماع الفيبري، لإبراز تعارضه بشكل أوضح مع “علم الاجتماع الكاثوليكي” لماكس شيلر (Max Scheler)، وذلك بلهجة تنمّ عن مدح وقبول إلى حدّ ما: “الراحل ماكس فيبر، ولئن لم يُشر مطلقًا إلى دوركايم إلى الأعمال المنجزة تحت إشرافه، إلاّ أنّه أقرب بكثير إلى وجهة نظرنا”. انظر:

Mauss, 1968 : 291.

بيد أنّ إشاراته إلى فيبر تظلّ نادرة جدًّا، وبوجه عامّ، لا يبدو أنّ موس قد أظهر أيّ اهتمام خاصّ بأعماله ولا اقتراب حقيقي منها. وقد كتب يقول في رسالة موجّهة إلى روجي باستيد (Roger Bastide) مؤرّخة في 3 نوفمبر 1936: “أحد أولئك الذين تُقدّرهم بشكل خاصّ، وهو ماكس فيبر، هو من أقلّهم تواصلًا مع دوركايم وهوبير وأنا“. انظر:

Fournier, 1996.

وبشكل أكثر وضوحًا، فقد أشار موس في رسالة موجّهة إلى جورج غورفيتش (Georges Gurvitch) في العام نفسه، إلى أنّه لا يعتبر دوركايم وفيبر عالمين متساويي القيمة. انظر:

Fournier, 1994 : 620, n.3.

ومن جهة أخرى، ولقربه من ريموند آرون (Raymond Aron)، فقد كان على دراية باهتمام هذا الأخير بفيبر، حيث كرّس له حيّزًا هامّا في دراسته التي نشرها عام 1935 حول علم الاجتماع الألماني المعاصر. ودون أن يكون لدينا اليوم أيّ دليل قاطع عدا ما قاله لي مارسيل فورنييه (Marcel Fournier) في اتّصال شخصي معه، فإنّ موس قد يكون زار فيبر في مناسبة واحدة على الأقلّ في مدينة هايدلبيرغ، بل ولاحظ وجود بعض المجلّدات من مجلّة الحوليّة الاجتماعيّة في رفوف مكتبه. انظر:

Tiryakan, 1966, p. 332.

[3] – Tiryakan, 1966; Giddens, 1987; Hirschorhn, Coenen-Huthers, 1994; Boudon, 2001; Emirbayer, 1996.

[4] – Fournier, 1994 ; Karsenti, 1994, 1996, 1997 ; Tarot 1999.

[5]  – Cf. Boudon, 2001; Bouretz, 1996; Caillé, 2002; Caillé, Chanial, 2010; Colliot-Thélène, 2006; Fleury, 2001; Gauchet, 1985.

[6]Cf. Adloff, Mau, 2006; Adloff, 2007; Moebius, 2006, 2008; Volz, Kreuzer, 2005.

[7] – Weber, 1995 : 69.

ويُشير فيبر إلى “التبرّعات الخيريّة” كواحدة من خمسة أنواع أساسيّة من “المنافع الاقتصاديّة”، أي الوسائل التي تضمن بها المجموعات النشطة اقتصاديًا الحصول على السلع والخدمات الضروريّة لعملها المشترك. وبالإضافة إلى التبرّعات الخيريّة، تشمل هذه المنافع الالتزامات المتعلقة بالاقتصاد الطبيعي (oikos)؛ والمساهمات مثل الضرائب أو رسوم الانتساب؛ والمنتجات الموجّهة للسّوق والرسوم المرتبطة بامتيازات إيجابيّة أو سلبيّة. انظر:

Weber, 1995 : 67-71.

[8]idem: 350-351.

[9] – Weber, 1915, in Gerth, Mills, 1975: 289.

[10]idem: 360.

بيد أنّ هذا التفسير يتعارض مع ذاك الذي لا يقلّ عنه تلميحًا والذي يُكرّسه في الأخلاق البروتستانتيّة وروح الرأسماليّة للصدقة داخل الدوائر البيوريتانيّة. وهذا نقاش لا يتّسع له المجال هنا. كما يجب على المرء أيضًا أن يفحص علاقة هذا الأمر بأفكار فيبر حول الحبّ الكوني في ديانات الزهد في الحياة الدنيا. انظر:

Bellah, 1999.

[11] – Mauss, 1989: 163.

[12] – Silber, 2004, 2007.

[13] – Tambiah, 1984: 321-347.

[14] – Papilloud, 2002.

[15] – هذا المفهوم للكلّية عند موس مشحون بتعدّد المعاني. انظر:

Karsenti, 1994, 1997; Gofman, 1998.

[16] – “هذه القوى الخارقة التي سُميّت بأسماء معيّنة، مثل المانا، والأورندا، والماجا الإيرانيّة (ومن هنا مجوس بمعنى الساحر) […] سنُطلق عليها من الآن فصاعدًا اسم “الكاريزما”. انظر:

Weber, 1995: 146.

[17] – Mauss, 1989: 164.

[18] – Tarot, 1999, 2008; Park Jun Ho, 2010.

[19] – Allen, 1998; Parry, 1986, 1998; Trautmann, 1986.

ونذكر أنّ موس درس اللغة السنسكريتيّة – التي كانت عنده لغة “لا غنى عنها” – وأنّه حافظ على علاقات وثيقة مع الباحث الكبير في الدراسات الهنديّة سيلفان ليفي (Sylvain Lévi).

[20] – Silber, 2000, 2002.

[21] – Mauss, 1989: 272.

[22] – Caillé, Chanial, 2010.

[23] – Parry, 1998: 153.

[24] – يُوجد مثال مأخوذ من عمل فيبر، وهو بالتأكيد ضعيف، لكنّه بالغ الدلالة من حيث أنّه يستحضر بطريقة لافتة صياغات موس ذاتها، وهو تعريفه للتبرّعات الخيريّة بأنّها “مساهمات عفويّة من أشخاص ميسورين ولديهم مصلحة، ماديّة أو روحيّة، في أنشطة المجموعة […] ولا تُوجد هنا قاعدة راسخة أو التزام، ولا صلة بين المال المقدّم والمشاركة في نشاط الجماعة، إذ يمكن أن يكون المانح من خارج دائرة أعضاء الجماعة“. انظر:

Weber, 1971: 69.

[25] – ibidem.

[26] – وهو ما يبرّر، إلى حدّ ما، التفسير المضلّل والمتحيّز لكلود  ليفي ستروس في تقديمه لأعمال مارسيل موس عام 1950.

[27] – Honneth, 2000; Caillé, Lazzeri, 2009.

[28] – Silber, 1995.

[29] – Veyne, 1976.

[30] – فاين انتقائي للغاية في إشاراته إلى هذين المؤلّفين. فإذا كان، بشكل عامّ، يتبع خطى فيبر منهجيّا – لاسيّما من خلال استخدام مفهوم النمط المثالي كأداة للتحليل التاريخي – فإنّه يُشير أكثر إلى موس في ما يتعلّق بموضوع بحثه، أي الهبة، لكن دون اعتماد منظوره المنهجي والنظري. كما أنّ إشاراته إلى موس موجزة وغامضة إلى حدّ ما، وهو لا يبيّن أبدًا كيف تتقارب تحليلاته أو تتباعد عن تحليلات موس. انظر:

Silber, 2004, 2007.

[31] – لا أدري إن كان من باب الصدفة أو القصد، أنّه لم تُبذل أيّ محاولة لتطبيق النماذج الفيبريّة الشهيرة للنشاط الاجتماعي أو للسلطة كإطار مفاهيمي من أجل التنظير لتنوّع أشكال الهبة.من أجل مناقشة أعمق، راجع:

Silber, 2007.

[32] – Caillé, 2009; Chanial, 2008; Hénaff, 2002; Komter, 2005; Vandevelde, 2000.

[33] – Parry, 1986.

[34] – Arnson, 2005; Bellah, 1964; Eisenstadt, 1982; Jaspers, 1954; Schwartz, 1975.

[35] – Zemon Davis, 2000.

[36] – Ben-Amos, 2008.

[37] – Hénaff, 2000, 2002.

[38] – Silber, 2000, 2002.

[39] تلتقى هذه الفكرة جزئيًا مع مفهوم “لائحة التبادل” (Davis J., 1992.) ومفهوم “لائحة طرائق التعامل التجاري” (Algazi, Groebner, Jussen, 2003.)، لكنّها تتجنّب إدخال عمليّات الهبة بصفة تلقائيّة في إطار مفاهيم التبادل والتعامل التجاري. وعلاوة على ذلك، فهي تترك العلاقة بين المفاهيم الثلاثة مفتوحة أمام البحث مستقبلاً.

[40] – Mauss, 1989: 148.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق